إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 10 من 12 الأولىالأولى ... 89101112 الأخيرةالأخيرة
النتائج 91 إلى 100 من 114

الموضوع: الفتوحات المكية الجزء الأول

  1. #91
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10
    (الباب الخامس والعشرون) في معرفة وتد مخصوص معمر وأسرار الأقطاب المختصين بأربعة أصناف من العلوم وسر المنزل والمنازل ومن دخله من العالم
    إن الأمور لها حد ومطلع * من بعد ظهر وبطن فيه تجتمع
    في الواحد العين سر ليس يعلمه * إلا مراتب أعداد بها تقع
    هو الذي أبرز الأعداد أجمعها * وهو الذي ما له في العد متسع
    مجاله ضيق رحب فصورته * كناظر في مراء حين ينطبع
    فما تكثر إذ أعطت مراتبه * تكثرا فهو بالتنزيه يمتنع
    كذلك الحق إن حققت صورته * بنفسه وبكم تعلو وتتضع

    اعلم أيها الولي الحميم أيدك الله أن هذا الوتد هو خضر صاحب موسى عليه السلام أطال الله عمره إلى الآن وقد رأينا من رآه واتفق لنا في شأنه أمر عجيب وذلك أن شيخنا أبا العباس العريبي رحمه الله جرت بيني وبينه مسألة في حق شخص كان قد بشر بظهوره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي هو فلان ابن فلان وسمي لي شخصا أعرفه باسمه وما رأيته ولكن رأيت ابن عمته فربما توقفت فيه ولم آخذ بالقبول أعني قوله فيه لكوني على بصيرة في أمره ولا شك أن الشيخ رجع سهمه عليه فتأذى في باطنه ولم أشعر بذلك فإني كنت في بداية أمري فانصرفت عنه إلى منزلي فكنت في الطريق فلقيني شخص لا أعرفه فسلم على ابتداء سلام محب مشفق وقال لي :
    يا محمد صدق الشيخ أبا العباس فيما ذكر لك عن فلان وسمي لنا الشخص الذي ذكره أبو العباس العريبي فقلت له نعم وعلمت ما أراد ورجعت من حيني إلى الشيخ لأعرفه بما جرى فعند ما دخلت عليه قال لي يا أبا عبد الله أحتاج معك إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى الخضر يتعرض إليك يقول لك صدق فلانا فيما ذكره لك ومن أين يتفق لك هذا في كل مسألة تسمعها مني فتتوقف فقلت إن باب التوبة مفتوح فقال وقبول التوبة واقع فعلمت إن ذلك الرجل كان الخضر ولا شك أني استفهمت الشيخ عنه أهو هو قال نعم هو الخضر ثم اتفق لي مرة أخرى أني كنت بمرسى تونس بالحفرة في مركب في البحر فأخذني وجع في بطني وأهل المركب قد ناموا فقمت إلى جانب السفينة وتطلعت إلى البحر فرأيت شخصا على بعد في ضوء القمر وكانت ليلة البدر وهو يأتي على وجه الماء حتى وصل إلي فوقف معي ورفع قدمه الواحدة واعتمد على الأخرى فرأيت باطنها وما أصابها بلل ثم اعتمد عليها ورفع الأخرى فكانت كذلك ثم تكلم معي بكلام كان عنده ثم سلم وانصرف يطلب المنارة محرسا على شاطئ البحر على تل بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلين فقطع تلك المسافة في خطوتين أو ثلاثة فسمعت صوته وهو على ظهر المنارة يسبح الله تعالى وربما مشى إلى شيخنا جراح بن خميس الكتاني وكان من سادات القوم مرابطا بمرسى عيدون وكنت جئت من عنده بالأمس من ليلتي تلك فلما جئت المدينة لقيت رجلا صالحا فقال لي كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر ما قال لك وما قلت له فلما كان بعد ذلك التاريخ خرجت إلى السياحة بساحل البحر المحيط ومعي رجل ينكر خرق العوائد للصالحين فدخلت مسجدا خرابا منقطعا لأصلي فيه أنا وصاحبي صلاة الظهر فإذا بجماعة من السائحين المنقطعين دخلوا علينا يريدون ما نريده من الصلاة في ذلك المسجد وفيهم ذلك الرجل الذي كلمني على البحر الذي قيل لي إنه الخضر وفيهم رجل كبير القد أكبر منه منزلة وكان بيني وبين ذلك الرجل اجتماع قبل ذلك ومودة فقمت فسلمت عليه فسلم علي وفرح بي وتقدم بنا يصلي فلما فرغنا من الصلاة خرج الإمام وخرجت خلفه وهو يريد باب المسجد وكان الباب في الجانب الغربي يشرف على البحر المحيط بموضع يسمى بكة فقمت أتحدث معه على باب المسجد وإذا بذلك الرجل الذي قلت إنه الخضر قد أخذ حصيرا صغيرا كان في محراب المسجد فبسطه في الهواء على قدر علو سبعة أذرع من الأرض ووقف على الحصير في الهواء ينتقل فقلت لصاحبي أما تنظر إلى هذا وما فعل فقال لي سر إليه وسله فتركت صاحبي واقفا وجئت إليه فلما فرع من صلاته سلمت عليه وأنشدته لنفسي :
    شغل المحب عن الهواء يسره * في حب من خلق الهواء وسخره
    العارفون عقولهم معقولة * عن كل كون ترتضيه مطهره
    فهمو لديه مكرمون وفي الورى * أحوالهم مجهولة ومسترة
    فقال لي يا فلان ما فعلت ما رأيت إلا في حق هذا المنكر وأشار إلى صاحبي الذي كان ينكر خرق العوائد وهو قاعد في صحن المسجد ينظر إليه ليعلم أن الله يفعل ما يشاء مع من يشاء فرددت وجهي إلى المنكر وقلت له ما تقول فقال ما بعد العين ما يقال ثم رجعت إلى صاحبي وهو ينتظرني بباب المسجد فتحدثت معه ساعة وقلت له من هذا الرجل الذي صلى في الهواء وما ذكرت له ما اتفق لي معه قبل ذلك فقال لي هذا الخضر فسكت وانصرفت الجماعة وانصرفنا نريد روطة موضع مقصود يقصده الصلحاء من المنقطعين وهو بمقربة من بشكنصار على ساحل البحر المحيط فهذا ما جرى لنا مع هذا الوتد نفعنا الله برؤيته وله من العلم اللدني ومن الرحمة بالعالم ما يليق بمن هو على رتبته وقد أثنى الله عليه واجتمع به رجل من شيوخنا وهو علي بن عبد الله بن جامع من أصحاب علي المتوكل وأبي عبد الله قضيب ألبان كان يسكن بالمقلى خارج الموصل في بستان له وكان الخضر قد ألبسه الخرقة بحضور قضيب ألبان وألبسنيها الشيخ بالموضع الذي ألبسه فيه الخضر من بستانه وبصورة الحال التي جرت له معه في إلباسه إياها وقد كنت لبست خرقة الخضر بطريق أبعد من هذا من يد صاحبنا تقي الدين عبد الرحمن بن علي بن ميمون بن أب التوزري ولبسها هو من يد صدر الدين شيخ الشيوخ بالديار المصرية وهو ابن حمويه وكان جده قد لبسها من يد الخضر ومن ذلك الوقت قلت بلباس الخرقة وألبستها الناس لما رأيت الخضر قد اعتبرها وكنت قبل ذلك لا أقول بالخرقة المعروفة الآن فإن الخرقة عندنا إنما هي عبارة عن الصحبة والأدب والتخلق ولهذا لا يوجد لباسها متصلا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن توجد صحبة وأدبا وهو المعبر عنه بلباس التقوى فجرت عادة أصحاب الأحوال إذا رأوا أحدا من أصحابهم عنده نقص في أمر ما وأرادوا أن يكملوا له حاله يتحد به هذا الشيخ فإذا اتحد به أخذ ذلك الثوب الذي عليه في حال ذلك الحال ونزعه وأفرعه على الرجل الذي يريد تكملة حاله فيسري فيه ذلك الحال فيكمل له ذلك فذلك هو اللباس المعروف عندنا والمنقول عن المحققين من شيوخنا .
    ثم اعلم أن رجال الله على أربع مراتب :
    - رجال لهم الظاهر - ورجال لهم الباطن - ورجال لهم الحد - ورجال لهم المطلع
    فإن الله سبحانه لما أغلق دون الخلق باب النبوة والرسالة أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول إن الوحي قد انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بقي بأيدينا إلا أن يرزق الله عبدا فهما في هذا القرآن وقد أجمع أصحابنا أهل الكشف على صحة خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آي القرآن إنه ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن وحد ومطلع ولكل مرتبة من هذه المراتب رجال ولكل طائفة من هؤلاء الطوائف قطب وعلى ذلك القطب يدور فلك ذلك الكشف .
    دخلت على شيخنا أبي محمد عبد الله الشكاز من أهل باغة باغرناطة سنة خمس وتسعين وخمسمائة وهو من أكبر من لقيته في هذا الطريق لم أر في طريقه مثله في الاجتهاد فقال لي :
    الرجال أربعة :
    - رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم رجال الظاهر
    - ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وهم رجال الباطن جلساء الحق تعالى ولهم المشورة
    - ورجال الأعراف وهم رجال الحد قال الله تعالى وعلى الأعراف رجال أهل الشم والتمييز والسراح عن الأوصاف فلا صفة لهم كان منهم أبو يزيد البسطامي ورجال إذا دعاهم الحق إليه يأتونه رجالا لسرعة الإجابة لا يركبون .
    - وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وهم رجال المطلع .
    فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الملك والشهادة وهم الذين كان يشير إليهم الشيخ محمد بن قائد الأواني وهو المقام الذي تركه الشيخ العاقل أبو السعود بن الشبل البغدادي أدبا مع الله أخبرني أبو البدر التماشكي البغدادي رحمه الله قال لما اجتمع محمد بن قائد الأواني وكان من الأفراد بأبي السعود هذا قال له يا أبا السعود إن الله قسم المملكة بيني وبينك فلم لا تتصرف فيها كما أتصرف أنا فقال له أبو السعود يا ابن قائد وهبتك سهمي نحن تركنا الحق يتصرف لنا وهو قوله تعالى فاتخذه وكيلا فامتثل أمر الله .
    فقال لي أبو البدر قال لي أبو السعود إني أعطيت التصرف في العالم منذ خمس عشرة سنة من تاريخ قوله فتركته وما ظهر علي منه شئ .
    وأما رجال الباطن فهم الذين لهم التصرف في عالم الغيب والملكوت فيستنزلون الأرواح العلوية بهممهم فيما يريدونه وأعني أرواح الكواكب لا أرواح الملائكة وإنما كان ذلك لمانع إلهي قوي يقتضيه مقام الأملاك أخبر الله به في قول جبريل عليه السلام لمحمد صلى الله عليه وسلم فقال وما نتنزل إلا بأمر ربك ومن كان تنزله بأمر ربه لا تؤثر فيه الخاصية ولا ينزل بها نعم أرواح الكواكب تستنزل بالأسماء والبخورات وأشباه ذلك لأنه تنزل معنوي ولمن يشاهد فيه صورا خيالي فإن ذات الكواكب لا تبرح من السماء مكانها ولكن قد جعل الله لمطارح شعاعاتها في عالم الكون والفساد تأثيرات معتادة عند العارفين بذلك كالري عند شرب الماء والشبع عند الأكل ونبات الحبة عند دخول الفصل بنزول المطر والصحو حكمة أودعها العليم الحكيم جل وعز فيفتح لهؤلاء الرجال في باطن الكتب المنزلة والصحف المطهرة وكلام العالم كله ونظم الحروف والأسماء من جهة معانيها ما لا يكون لغيرهم اختصاصا إلهيا .
    وأما رجال الحد فهم الذين لهم التصرف في عالم الأرواح النارية عالم البرزخ والجبروت فإنه تحت الجبر ألا تراه مقهورا تحت سلطان ذوات الأذناب وهم طائفة منهم من الشهب الثواقب فما قهرهم إلا بجنسهم فعند هؤلاء الرجال استنزال أرواحها وإحضارها وهم رجال الأعراف والأعراف سور حاجز بين الجنة والنار برزخ باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فهو حد بين دار السعداء ودار الأشقياء دار أهل الرؤية ودار الحجاب وهؤلاء الرجال أسعد الناس بمعرفة هذا السور ولهم شهود الخطوط المتوهمة بين كل نقيضين مثل قوله بينهما برزخ لا يبغيان فلا يتعدون الحدود وهم رجال الرحمة التي وسعت كل شئ فلهم في كل حضرة دخول واستشراف وهم العارفون بالصفات التي يقع بها الامتياز لكل موجود عن غيره من الموجودات العقلية والحسية .
    وأما رجال المطلع فهم الذين لهم التصرف في الأسماء الإلهية فيستنزلون بها منها ما شاء الله وهذا ليس لغيرهم ويستنزلون بها كل ما هو تحت تصريف الرجال الثلاثة رجال الحد والباطن والظاهر وهم أعظم الرجال وهم الملامية هذا في قوتهم وما يظهر عليهم من ذلك شئ منهم أبو السعود وغيره فهم والعامة في ظهور العجز وظاهر العوائد سواء وكان لأبي السعود في هؤلاء الرجال تميز بل كان من أكبرهم وسمعه أبو البدر على ما حدثنا مشافهة يقول إن من رجال الله من يتكلم على الخاطر وما هو مع الخاطر أي لا علم له بصاحبه ولا يقصد التعريف به ولما وصف لنا عمر البزاز وأبو البدر وغيرهما حال هذا الشيخ رأيناه يجري مع أحوال هذا الصنف العالي من رجال الله .
    قال لي أبو البدر كان كثيرا ما ينشد بيتا لم نسمع منه غيره وهو :
    وأثبت في مستنقع الموت رجله * وقال لها من دون أخمصك الحشر
    وكان يقول ما هو إلا الصلوات الخمس وانتظار الموت وتحت هذا الكلام علم كبير وكان يقول : الرجل مع الله تعالى كساعي الطير فم مشغول وقدم تسعى وهذا كله أكبر حالات الرجال مع الله إذ الكبير من الرجال من يعامل كل موطن بما يستحقه وموطن هذه الدنيا لا يمكن أن يعامله المحقق إلا بما ذكره هذا الشيخ فإذا ظهر في هذه الدار من رجل خلاف هذه المعاملة علم إن ثم نفسا ولا بد إلا أن يكون مأمورا بما ظهر منه وهم الرسل والأنبياء عليهم السلام وقد يكون بعض الورثة لهم أمر في وقت بذلك وهو مكر خفي فإنه انفصال عن مقام العبودية التي خلق الإنسان لها .
    وأما سر المنزل والمنازل فهو ظهور الحق بالتجلي في صور كل ما سواه فلولا تجليه لكل شئ ما ظهرت شيئية ذلك الشئ قال تعالى إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فقوله إذا أردناه هو التوجه الإلهي لإيجاد ذلك الشئ ثم قال أن نقول له كن فنفس سماع ذلك الشئ خطاب الحق تكون ذلك الشئ فهو بمنزلة سريان الواحد في منازل العدد فتظهر الأعداد إلى ما لا يتناهى بوجود الواحد في هذه المنازل ولولا وجود عينه فيها ما ظهرت أعيان الأعداد ولا كان لها اسم .
    ولو ظهر الواحد باسمه في هذه المنزلة ما ظهر لذلك العدد عين فلا تجتمع عينه واسمه معا أبدا فيقال اثنان ثلاثة أربعة خمسة إلى ما لا يتناهى وكل ما أسقطت واحدا من عدد معين زال اسم ذلك العدد وزالت حقيقته فالواحد بذاته يحفظ وجود أعيان الأعداد وباسمه يعدمها كذلك إذا قلت القديم فنى المحدث وإذا قلت الله فنى العالم وإذا أخليت العالم من حفظ الله لم يكن للعالم وجود وفنى وإذا سرى حفظ الله في العالم بقي العالم موجودا فبظهوره وتجليه يكون العالم باقيا وعلى هذه الطريقة أصحابنا وهي طريقة النبوة والمتكلمون من الأشاعرة أيضا عليها وهم القائلون بانعدام الأعراض لأنفسها وبهذا يصح افتقار العالم إلى الله في بقائه في كل نفس ولا يزال الله خلاقا على الدوام وغيرهم من أهل النظر لا يصح لهم هذا المقام وأخبرني جماعة من أهل النظر من علماء الرسوم أن طائفة من الحكماء عثروا على هذا ورأيته مذهبا لابن السيد البطليوسي في كتاب ألفه في هذا الفن والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  2. #92
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم وعلومهم في الطريق

    (الباب السادس والعشرون في معرفة أقطاب الرموز وتلويحات من أسرارهم وعلومهم في الطريق)
    ألا إن الرموز دليل صدق * على المعنى المغيب في الفؤاد
    وإن العالمين له رموز * والغاز ليدعي بالعباد
    ولولا اللغز كان القول كفرا * وأدى العالمين إلى العناد
    فهم بالرمز قد حسبوا فقالوا * بإهراق الدماء وبالفساد
    فكيف بنا لو أن الأمر يبدو * بلا ستر يكون له استنادي
    لقام بنا الشقاء هنا يقينا * وعند البعث في يوم التنادي
    ولكن الغفور أقام سترا * ليسعدنا على رغم الأعادي

    اعلم أيها الولي الحميم أيدك الله بروح القدس وفهمك إن الرموز والألغاز ليست مرادة لأنفسها وإنما هي مرادة لما رمزت له ولما ألغز فيها ومواضعها من القرآن آيات الاعتبار كلها والتنبيه على ذلك قوله تعالى :وتلك الأمثال نضربها للناس فالأمثال ما جاءت مطلوبة لأنفسها وإنما جاءت ليعلم منها ما ضربت له وما نصبت من أجله مثلا مثل قوله تعالى : أنزل من السماء ماء فسألت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء فجعله كالباطل كما قال : وزهق الباطل ثم قال :
    وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ضربه مثلا للحق كذلك يضرب الله الأمثال وقال فاعتبروا يا أولي الأبصار أي تعجبوا وجوزوا واعبروا إلى ما أردته بهذا التعريف وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار من عبرت الوادي إذا جزته وكذلك الإشارة والإيماء قال تعالى لنبيه زكريا :
    أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا أي بالإشارة وكذلك : فأشارت إليه في قصة مريم لما نذرت للرحمن أن تمسك عن الكلام ولهذا العلم رجال كبير قدرهم من أسرارهم سر الأزل والأبد والحال والخيال والرؤيا والبرازخ وأمثال هذه من النسب الإلهية ومن علومهم خواص العلم بالحروف والأسماء والخواص المركبة والمفردة من كل شئ من العالم الطبيعي وهي الطبيعة المجهولة .
    فأما علم سر الأزل فاعلم إن الأزل عبارة عن نفي الأولية لمن يوصف به وهو وصف لله تعالى من كونه إلها وإذا انتفت الأولية عنه تعالى من كونه إلها فهو المسمى بكل اسم سمي به نفسه أزلا من كونه متكلما فهو العالم الحي المريد القادر السميع البصير المتكلم الخالق البارئ المصور الملك لم يزل مسمى بهذه الأسماء وانتفت عنه أولية التقييد فسمع المسموع وأبصر المبصر إلى غير ذلك وأعيان المسموعات منا والمبصرات معدومة غير موجودة وهو يراها أزلا كما يعلمها أزلا ويميزها ويفصلها أزلا ولا عين لها في الوجود النفسي العيني بل هي أعيان ثابتة في رتبة الإمكان فالإمكانية لها أزلا كما هي لها حالا وأبدا لم تكن قط واجبة لنفسها ثم عادت ممكنة ولا محالا ثم عادت ممكنة بل كان الوجوب الوجودي الذاتي لله تعالى أزلا كذلك وجوب الإمكان للعالم أزلا فالله في مرتبته بأسمائه الحسنى يسمى منعوتا موصوفاتها فعين نسبة الأول له نسبة الآخر والظاهر والباطن لا يقال هو أول بنسبة كذا ولا آخر بنسبة كذا فإن الممكن مرتبط بواجب الوجود في وجوده وعدمه ارتباط افتقار إليه في وجوده فإن أوجده لم يزل في إمكانه وإن عدم لم يزل عن إمكانه فكما لم يدخل على الممكن في وجود عينه بعد أن كان معدوما صفة تزيله عن إمكانه كذلك لم يدخل على الخالق الواجب الوجود في إيجاده العالم وصف يزيله عن وجوب وجوده لنفسه فلا يعقل الحق إلا هكذا ولا يعقل الممكن لا هكذا .
    فإن فهمت علمت معنى الحدوث ومعنى القدم فقل بعد ذلك ما شئت فأولية العالم وآخريته أمر إضافي إن كان له آخر أما في الوجود فله آخر في كل زمان فرد وانتهاء عند أرباب الكشف ووافقتهم الحسبانية على ذلك كما وافقتهم الأشاعرة على إن العرض لا يبقى زمانين فالأول من العالم بالنسبة إلى ما يخلق بعده والآخر من العالم بالنسبة إلى ما خلق قبلة وليس كذلك معقولية الاسم الله بالأول والآخر والظاهر والباطن فإن العالم يتعدد والحق واحد لا يتعدد ولا يصح أن يكون أولا لنا فإن رتبته لا تناسب رتبتنا ولا تقبل رتبتنا أوليته ولو قبلت رتبتنا أوليته لاستحال علينا اسم الأولية بل كان ينطلق علينا اسم الثاني لأوليته ولسنا بثان له تعالى عن ذلك فليس هو بأول لنا فلهذا كان عين أوليته عين آخريته وهذا المدرك عزيز المنال يتعذر تصوره على من لا أنسة له بالعلوم الإلهية التي يعطيها التجلي والنظر الصحيح وإليه كان يشير أبو سعيد الخراز بقوله :
    عرفت الله بجمعه بين الضدين ثم يتلو : هو الأول والآخر والظاهر والباطن فقد أبنت لك عن سر الأزل وإنه نعت سلبي .
    وأما سر الأبد فهو نفي الآخرية فكما إن الممكن انتفت عنه الآخرية شرعا من حيث الجملة إذ الجنة والإقامة فيها إلى غير نهاية كذلك الأولية بالنسبة إلى ترتيب الموجودات الزمانية معقولة موجودة فالعالم بذلك الاعتبار الإلهي لا يقال فيه أول ولا آخر وبالاعتبار الثاني هو أول وآخر بنسبتين مختلفتين بخلاف ذلك في إطلاقها على الحق عند العلماء بالله .
    وأما سر الحال فهو الديمومة وما لها أول ولا آخر وهو عين وجود كل موجود فقد عرفتك ببعض ما يعلمه رجال الرموز من الأسرار وسكت عن كثير فإن بابه واسع وعلم الرؤيا والبرزخ والنسب الإلهية من هذا القبيل والكلام فيها يطول وأما علومهم في الحروف والأسماء فاعلم إن الحروف لها خواص وهي على ثلاثة أضرب :
    - منها حروف رقمية
    - ولفظية
    - ومستحضرة وأعني بالمستحضرة الحروف التي يستحضرها الإنسان في وهمه وخياله ويصورها فأما إن يستحضر الحروف الرقمية أو الحروف اللفظية وما ثم للحروف رتبة أخرى فيفعل بالاستحضار كما يفعل بالكتاب أو التلفظ فأما حروف التلفظ فلا تكون إلا أسماء فذلك خواص الأسماء وأما المرقومة فقد لا تكون أسماء واختلف أصحاب هذا العلم في الحرف الواحد هل يفعل أم لا فرأيت منهم من منع من ذلك جماعة ولا شك أني لما خضت معهم في مثل هذا أوقفتهم على غلطهم في ذلك الذي ذهبوا إليه وإصابتهم وما نقصهم من العبارة عن ذلك .
    ومنهم من أثبت الفعل للحرف الواحد وهؤلاء أيضا مثل الذين منعوا مخطئون ومصيبون ورأيت منهم جماعة وأعلمتهم بموضع الغلط والإصابة فاعترفوا كما اعترف الآخرون وقلت للطائفتين جربوا ما عرفتم من ذلك على ما بيناه لكم فجربوه فوجدوا الأمر كما ذكرناه ففرحوا بذلك ولولا أني آليت عقدا أن لا يظهر مني أثر عن حرف لأريتهم من ذلك عجبا فاعلم إن الحرف الواحد سواء كان مرقوما أو متلفظا به إذا عرى القاصد للعمل به عن استحضاره في الرقم أو في اللفظ خيالا لم يعمل وإذا كان معه الاستحضار عمل فإنه مركب من استحضار ونطق أو رقم وغاب عن الطائفتين صورة الاستحضار مع الحرف الواحد فمن اتفق له الاستحضار مع الحرف الواحد ورأى العمل غفل عن الاستحضار ونسب العمل للحرف الواحد ومن اتفق له التلفظ أو الرقم بالحرف الواحد دون استحضار فلم يعمل الحرف شيئا قال بمنع ذلك وما واحد منهم تفطن لمعنى الاستحضار وهذه حروف الأمثال المركبة كالواوين وغيرهما فلما نبهناهم على مثل هذا جربوا ذلك فوجدوه صحيحا وهو علم ممقوت عقلا وشرعا .
    فأما الحروف اللفظية فإن لها مراتب في العمل وبعض الحروف أعم عملا من بعض وأكثر فالواو أعم الحروف عملا لأن فيها قوة الحروف كلها والهاء أقل الحروف عملا وما بين هذين الحرفين من الحروف تعمل بحسب مراتبها على ما قررناه في كتاب المبادي والغايات فيما تتضمنه حروف المعجم من العجائب والآيات وهذا العلم يسمى علم الأولياء وبه تظهر أعيان الكائنات ألا ترى تنبيه الحق على ذلك بقوله كن فيكون فظهر الكون عن الحروف ومن هنا جعله الترمذي علم الأولياء ومن هنا منع من منع أن يعمل الحرف الواحد فإنه رأى مع الاقتدار الإلهي لم يأت في الإيجاد حرف واحد وإنما أتى بثلاثة أحرف حرف غيبي وحرفين ظاهرين إذا كان الكائن واحدا فإن زاد على واحد ظهرت ثلاثة أحرف فهذه علوم هؤلاء الرجال المذكورين في هذا الباب وعمل أكثر رجال هذا العلم لذلك جدولا وأخطئوا فيه وما صح فلا أدري أبالقصد عملوا ذلك حتى يتركوا الناس في عماية من هذا العلم أم جهلوا ذلك وجرى فيه المتأخر على سنن المتقدم وبه قال تلميذ جعفر الصادق وغيره وهذا هو الجدول في طبائع الحروف حار بارد يابس رطب فكل حرف منها وقع في جدول الحرارة فهو حار وما وقع منها في جدول البرودة فهو بارد وكذلك اليبوسة والرطوبة ولم نر هذا الترتيب يصيب في كل عمل بل يعمل بالاتفاق كأعداد الوفق .
    واعلم أن هذه الحروف لم تكن لها هذه الخاصية من كونها حروفا وإنما كان لها من كونها أشكالا فلما كانت ذوات أشكال كانت الخاصية للشكل ولهذا يختلف عملها باختلاف الأقلام لأن الأشكال تختلف فأما الرقمية فإشكالها محسوسة بالبصر فإذا وجدت أعيانها وصحبتها أرواحها وحياتها الذاتية كانت الخاصية لذلك الحرف لشكله وتركيبه مع روحه وكذلك إن كان الشكل مركبا من حرفين أو ثلاثة أو أكثر كان للشكل روح آخر ليس الروح الذي كان للحرف على انفراده فإن ذلك الروح يذهب وتبقي حياة الحرف معه فإن الشكل لا يدبره سوى روح واحد وينتقل روح ذلك الحرف الواحد إلى البرزخ مع الأرواح فإن موت الشكل زواله بالمحو وهذا الشكل الآخر المركب من حرفين أو ثلاثة أو ما كان ليس هو عين الحرف الأول الذي لم يكن مركبا إن عمرا ليس هو عين زيد وإن كان مثله وأما الحروف اللفظية فإنها تتشكل في الهواء ولهذا تتصل بالسمع على صورة ما نطق بها المتكلم فإذا تشكلت في الهواء قامت بها أرواحها وهذه الحروف لا يزال الهواء يمسك عليها شكلها وإن انقضى عملها فإن عملها إنما يكون في أول ما تتشكل في الهواء ثم بعد ذلك تلتحق بسائر الأمم فيكون شغلها تسبيح ربها وتصعد علوا إليه يصعد الكلم الطيب وهو عين شكل الكلمة من حيث ما هي شكل مسبح لله تعالى ولو كانت كلمة كفر فإن ذلك يعود وباله على المتكلم بها لا عليها ولهذا قال الشارع إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين خريفا فجعل العقوبة للمتلفظ بها بسببها وما تعرض إليها فهذا كلام الله سبحانه يعظم ويمجد ويقدس المكتوب في المصاحف ويقرأ على جهة القربة إلى الله وفيه جميع ما قالت اليهود والنصارى في حق الله من الكفر والسب وهي كلمات كفر عاد وبالها على قائلها وبقيت الكلمات على بابها تتولى يوم القيامة عذاب أصحابها أو نعيمهم وهذه الحروف الهوائية اللفظية لا يدركها موت بعد وجودها بخلاف الحروف الرقمية وذلك لأن شكل الحرف الرقمي والكلمة الرقمية تقبل التغيير والزوال لأنه في محل يقبل ذلك والأشكال اللفظية في محل لا يقبل ذلك ولهذا كان لها البقاء فالجو كله مملوء من كلام العالم يراه صاحب الكشف صورا قائمة وأما الحروف المستحضرة فإنها باقية إذ كان وجود أشكالها في البرزخ لا في الحس وفعلها أقوى من فعل سائر الحروف ولكن إذا استحكم سلطان استحضارها واتحد المستحضر لها ولم يبق فيه متسع لغيرها ويعلم ما هي خاصيتها حتى يستحضرها من أجل ذلك فيرى أثرها فهذا شبيه الفعل بالهمة وإن لم يعلم ما تعطيه فإنه يقع الفعل في الوجود ولا علم له به وكذلك سائر أشكال الحروف في كل مرتبة وهذا الفعل بالحرف المستحضر يعبر عنه بعض من لا علم له بالهمة وبالصدق وليس كذلك وإن كانت الهمة روحا للحرف المستحضر لا عين الشكل المستحضر وهذه الحضرة تعم الحروف كلها لفظيها ورقميها فإذا علمت خواص الأشكال وقع الفعل بها علما لكاتبها أو المتلفظ بها وإن لم يعين ما هي مرتبطة به من الانفعالات لا يعلم ذلك وقد أينا من قرأ آية من القرآن وما عنده خبر فرأى أثرا غريبا حدث وكان ذا فطنة فرجع في تلاوته من قريب لينظر ذلك الأثر بأية آية يختص فجعل يقرأ وينظر فمر بالآية التي لها ذلك الأثر فرأى الفعل فتعداها فلم ير ذلك الأثر فعاود ذلك مرارا حتى تحققه فاتخذها لذلك الانفعال ورجع كلما أراد أن يرى ذلك الانفعال تلا تلك الآية فظهر له ذلك الأثر وهو علم شريف في نفسه إلا أن السلامة منه عزيزة فالأولى ترك طلبه فإنه من العلم الذي اختص الله به أولياءه على الجملة وإن كان عند بعض الناس منه قليل ولكن من غير الطريق الذي يناله الصالحون ولهذا يشقى به من هو عنده ولا يسعد فالله يجعلنا من العلماء بالله والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  3. #93
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة أقطاب صل فقد نويت وصالك

    (الباب السابع والعشرون في معرفة أقطاب صل فقد نويت وصالك وهو من منزل العالم النوراني)
    ولولا النور ما اتصلت عيون * بعين المبصرات ولا رأتها
    ولولا الحق ما اتصلت عقول * بأعيان الأمور فأدركتها
    إذا سألت عقول عن ذوات * تعد مغايرات أنكرتها
    وقالت ما علمنا غير ذات * تمد ذوات خلق أظهرتها
    هي المعنى ونحن لها حروف * فمهما عينت أمرا عنتها

    اعلم أيها الولي الحميم تولاك الله بعنايته إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه فقدم محبته إياهم على محبتهم إياه وقال : أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي فقدم إجابته لنا إذا دعوناه على إجابتنا له إذا دعانا وجعل الاستجابة من العبيد لأنها أبلغ من الإجابة فإنه لا مانع له من الإجابة سبحانه فلا فائدة للتأكيد وللإنسان موانع من الإجابة لما دعاه الله إليه وهي الهوى والنفس والشيطان والدنيا فلذلك أمر بالاستجابة فإن الاستفعال أشد في المبالغة من الأفعال وأين الاستخراج من الإخراج ولهذا يطلب الكون من الله العون في أفعاله ويستحيل على الله أن يستعين بمخلوق قال تعالى تعليما لنا أن نقول : وإياك نستعين من هذا الباب فلهذا قال في هذا الباب صل فقد نويت وصالك فقد قدم الإرادة منه لذلك فقال صل فإذا تعملت في الوصلة فذلك عين وصلته بك فلذلك جعلها نية لا عملا .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا وهذا قرب مخصوص يرجع إلى ما تتقرب إليه سبحانه به من الأعمال والأحوال فإن القرب العام قوله تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فضاعف القرب بالذراع فإن الذراع ضعف للبشر أي قوله صل هو قرب ثم تقريب إليه شبرا فتبدي لك إنك ما تقربت إليه إلا به لأنه لولا ما دعاك وبين لك طريق القربة وأخذ بناصيتك فيها ما تمكن لك أن تعرف الطريق التي تقرب منه ما هي ولو عرفنها لم يكن لك حول ولا قوة إلا به ولما كان القرب بالسلوك والسفر إليه لذلك كان من صفته النور لنهتدي به في الطريق كما قال تعالى : جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر وهو السلوك الظاهر بالأعمال البدنية والبحر وهو السلوك الباطن المعنوي بالأعمال النفسية فأصحاب هذا الباب معارفهم مكتسبة لا موهوبة وأكلهم من تحت أقدامهم أي من كسبهم لها واجتهادهم في تحصيلها ولولا ما أرادهم الحق لذلك ما وفقهم ولا استعملهم حين طرد غيرهم بالمعنى ودعاهم بالأمر فحرمهم الوصول بحرمانه إياهم استعمال الأسباب التي جعلها طريقا إلى الوصول من حضرة القرب ولذلك بشرهم فقال صل فقد نويت وصالك فسبقت لهم العناية فسلكوا وهم الذين أمرهم الله بلباس النعلين في الصلاة إذ كان القاعد لا يلبس النعلين وإنما وضعت للماشي فيها فدل إن المصلي يمشي في صلاته ومناجاة ربه في الآيات التي يناجيه فيها منزلا منزلا كل آية منزل وحال فقال لهم :
    يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد قال الصاحب لما نزلت هذه الآية أمرنا فيها بالصلاة في النعلين فكان ذلك تنبيها من الله تعالى للمصلي أنه يمشي على منازل ما يتلوه في صلاته من سور القرآن إذ كانت السور هي المنازل لغة قال النابغة :
    ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب
    أراد منزلة وقيل لموسى عليه السلام: اخلع نعليك أي قد وصلت المنزل فإنه كلمة الله بغير واسطة بكلامه سبحانه بلا ترجمان ولذلك أكده في التعريف لنا بالمصدر فقال تعالى وكلم الله موسى تكليما ومن وصل إلى المنزل خلع نعليه فبانت رتبة المصلي بالنعلين وما معنى المناجاة في الصلاة وإنها ليست بمعنى الكلام الذي حصل لموسى ع فإنه قال في المصلي يناجي والمناجاة فعل فاعلين فلا بد من لباس النعلين إذ كان المصلي مترددا بين حقيقتين والتردد بين أمرين يعطي المشي بينهما بالمعنى دل عليه باللفظ لباس النعلين ودل عليه قول الله تعالى بترجمة النبي صلى الله عليه وسلم عنه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ثم قال يقول العبد الحمد لله رب العالمين فوصفه إن العبد مع نفسه في قوله الحمد لله رب العالمين يسمع خالقه ومناجيه ثم يرحل العبد من منزل قوله إلى منزل سمعه ليسمع ما يجيبه الحق تعالى على قوله وهذا هو السفر فلهذا لبس نعليه ليسلك بهما الطريق الذي بين هذين المنزلين فإذا رحل إلى منزل سمعه سمع الحق يقول له حمدني عبدي فيرحل من منزل سمعه إلى منزل قوله فيقول الرحمن الرحيم فإذا فرع رحل إلى منزل سمعه فإذا نزل سمع الحق تعالى يقول له أثنى على عبدي فلا يزال مترددا في مناجاته قولا ثم له رحلة أخرى من حال قيامه في الصلاة إلى حال ركوعه فيرحل من صفة القيومية إلى صفة العظمة فيقول سبحان ربي العظيم وبحمده ثم يرفع وهو رحلته من مقام التعظيم إلى مقام النيابة فيقول سمع الله لمن حمده قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد فلهذا جعلنا الرفع من الركوع نيابة عن الحق ورجوعا إلى القيومية فإذا سجد اندرجت العظمة في الرفعة الإلهية فيقول الساجد سبحان ربي الأعلى وبحمده فإن السجود يناقض العلو فإذا خلص العلو لله ثم رفع رأسه من السجود واستوى جالسا وهو قوله الرحمن على العرش استوى فيقول رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني واعف عني فهذه كلها منازل ومناهل في الصلاة فعلا فهو مسافر من حال إلى حال فمن كان حاله السفر دائما كيف لا يقال له البس نعليك أي استعن في سيرك بالكتاب والسنة وهي زينة كل مسجد فإن أحوال الصلاة وما يطرأ فيها من كلام الله وما يتعرض في ذلك من الشبه في غوامض الآيات المتلوة وكون الإنسان في الصلاة يجعل الله في قبلته فيجده فهذه كلها بمنزلة لشوك والوعر الذي يكون بالطريق ولا سيما طريق التكليف فأمر بلباس النعلين ليتقي بهما ما ذكرناه من الأذى لقدمي السالك اللتين هما عبارة عن ظاهره وباطنه فلهذا جعلناهما الكتاب والسنة وأما نعلا موسى ع فليستا هذه فإنه قال له ربه اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس فروينا أنهما كانتا من جلد حمار ميت فجمعت ثلاثة أشياء الشئ الواحد الجلد وهو ظاهر الأمر أي لا تقف مع الظاهر في كل الأحوال والثاني البلادة فإنها منسوبة إلى الحمار والثالث كونه ميتا غير مذكي والموت الجهل وإذا كنت ميتا لا تعقل ما تقول ولا ما يقال لك والمناجي لا بد أن يكون بصفة من يعقل ما يقول ويقال له فيكون حي القلب فطنا بمواقع الكلام غواصا على المعاني التي يقصدها من يناجيه بها فإذا فرع من صلاته سلم على من حضر سلام القادم من عند ربه إلى قومه بما أتحفه به فقد نبهتك على سر لباس النعلين في الصلاة في ظاهر الأمر وما المراد بهما عند أهل طريق الله تعالى من العارفين قال صلى الله عليه وسلم الصلاة نور والنور يهتدى به واسم الصلاة مأخوذة من المصلى وهو المتأخر الذي يلي السابق في الحلبة ولهذا ترجم هذا الباب بالوصلة وجعله من عالم النور ولأهل هذا المشهد نور خلع النعلين ونور لباس النعلين فهم المحمديون الموسويون المخاطبون من شجر الخلاف بلسان النور المشبه بالمصباح وهو نور ظاهر يمده نور باطن في زيت من شجرة زيتونة مباركة في خط الاعتدال منزهة عن تأثير الجهات كما كان الكلام لموسى عليه السلام من شجرة فهو نور على نور أي نور من نور فأبدل حرف من بعلى لما يفهم به من قرينة الحال وقد تكون على على بابها فإن نور السراج الظاهر يعلو حسا على نور الزيت الباطن وهو الممد للمصباح فلولا رطوبة الدهن تمد المصباح لم يكن للمصباح ذلك الدوام وكذلك إمداد التقوى للعلم العرفاني الحاصل منها في قوله تعالى :
    واتقوا الله ويعلمكم الله وقوله تعالى : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا لا يقطع ذلك العلم الإلهي فنور الزيت باطن في الزيت محمول فيه يسرى منه معنى لطيف في رقيقة من رقائق الغيب لبقاء نور المصباح ولأقطاب هذا المقام أسرار منها سر الإمداد وسر النكاح وسر الجوارح وسر الغيرة وسر العنين وهو الذي لا يقوم بالنكاح وسر دائرة الزمهرير وسر وجود الحق في السراب وسر الحجب الإلهية وسر نطق الطير والحيوان وسر البلوغ وسر الصديقين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  4. #94
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة أقطاب ألم تر كيف

    (الباب الثامن والعشرون في معرفة أقطاب ألم تر كيف)
    العلم بالكيف مجهول ومعلوم * لكنه بوجود الحق موسوم
    فظاهر الكون تكييف وباطنه * علم يشار إليه فهو مكتوم
    من أعجب الأمر أن الجهل من صفتي * بما لنا فهو في التحقيق معلوم
    وكيف أدرك من بالعجز أدركه * وكيف أجهله والجهل معدوم
    قد حرت فيه وفي أمري ولست أنا * سواه فالخلق ظلام ومظلوم
    إن قلت إني يقول الإن منه أنا * أو قلت إنك قال الإن مفهوم
    فالحمد لله لا أبغي به بدلا * وإنما الرزق بالتقدير مقسوم

    اعلم أن أمهات المطالب أربعة وهي :
    - هل سؤال عن الوجود
    - وما وهو سؤال عن الحقيقة التي يعبر عنها بالماهية
    - كيف وهو سؤال عن الحال
    - ولم وهو سؤال عن العلة والسبب
    واختلف الناس فيما يصح منها أن يسأل بها عن الحق واتفقوا على كلمة هل فإنه يتصور أن يسأل بها عن الحق واختلفوا فيما بقي فمنهم من منع ومنهم من أجاز فالذي منع وهم الفلاسفة وجماعة من الطائفة منعوا ذلك عقلا ومنهم من منع ذلك شرعا .
    فأما صورة منعهم عقلا أنهم قالوا في مطلب ما إنه سؤال عن الماهية فهو سؤال عن الحد والحق سبحانه لا حد له إذ كان الحد مركبا من جنس
    وفصل وهذا ممنوع في حق الحق لأن ذاته غير مركبة من أمر يقع فيه الاشتراك فيكون به في الجنس وأمر يقع به الامتياز وما ثم إلا الله والخلق ولا مناسبة بين الله والعالم ولا الصانع والمصنوع فلا مشاركة فلا جنس فلا فصل .
    والذي أجاز ذلك عقلا ومنعه شرعا قال : لا أقول إن الحد مركب من جنس وفصل بل أقول إن السؤال بما يطلب به العلم بحقيقة المسؤول عنه ولا بد لكل معلوم أو مذكور من حقيقة يكون في نفسه عليها سواء كان على حقيقة يقع له فيها الاشتراك أو يكون على حقيقة لا يقع له فيها الاشتراك فالسؤال بما يتصور ولكن ما ورد به الشرع فمنعنا من السؤال به عن الحق لقوله تعالى : ليس كمثله شئ .
    وأما منعهم الكيفية وهو السؤال بكيف فانقسموا أيضا قسمين فمن قائل بأنه سبحانه ما له كيفية لأن الحال أمر معقول زائد على كونه ذاتا وإذا قام بذاته أمر وجودي زائد على ذاته أدى إلى وجود واجبي الوجود لذاتهما أزلا وقد قام الدليل على إحالة ذلك وإنه لا واجب إلا هو لذاته فاستحالت الكيفية عقلا .
    ومن قائل إن له كيفية ولكن لا نعلم فهي ممنوعة شرعا لا عقلا لأنها خارجة عن الكيفيات المعقولة عندنا فلا تعلم وقد قال ليس كمثله شئ يعني في كل ما ينسب إليه مما نسبه إلى نفسه يقول هو على ما تنسبه إلى الحق وإن وقع الاشتراك في اللفظ فالمعنى مختلف .
    وأما السؤال بلم فممنوع أيضا لأن أفعال الله تعالى لا تعلل لأن العلة موجبة للفعل فيكون الحق داخلا تحت موجب أوجب عليه هذا الفعل زائد على ذاته وأبطل غيره إطلاق لم على فعله شرعا بأن قال لا ينسب إليه ما لم ينسب إلى نفسه فهذا معنى قولي شرعا لا أنه ورد النهي من الله عن كل ما ذكرنا منعه شرعا وهذا كله كلام مدخول لا يقع التخليص منه بالصحة والفساد إلا بعد طول عظيم هذا قد ذكرنا طريقة من منع وأما من أجاز السؤال عنه بهذه المطالب من العلماء فهم أهل الشرع منهم وسبب إجازتهم لذلك إن قالوا ما حجر الشرع علينا حجرناه وما أوجب علينا أن نخوض فيه خضنا فيه طاعة أيضا وما لم يرد فيه تحجير ولا وجوب فهو عافية إن شئنا تكلمنا فيه وإن شئنا سكتنا عنه وهو سبحانه ما نهى فرعون على لسان موسى عليه السلام عن سؤاله بقوله وما رب العالمين بل أجاب بما يليق به الجواب عن ذاك الجناب العالي وإن كان وقع الجواب غير مطابق للسؤال فذلك راجع لاصطلاح من اصطلح على أنه لا يسأل بذلك إلا عن الماهية المركبة واصطلح على إن الجواب بالأثر لا يكون جوابا لمن سأل بما وهذا الاصطلاح لا يلزم الخصم فلم يمنع إطلاق هذا السؤال بهذه الصيغة عليه إذ كانت الألفاظ لا تطلب لأنفسها وإنما تطلب لما تدل عليه من المعاني التي وضعت لها فإنها بحكم الوضع وما كل طائفة وضعتها بإزاء ما وضعتها الأخرى فيكون الخلاف في عبارة لا في حقيقة ولا يعتبر الخلاف إلا في المعاني وأما إجازتهم الكيفية فمثل إجازتهم السؤال بما ويحتجون في ذلك بقوله تعالى سنفرغ لكم أيها الثقلان وقوله إن لله عينا وأعينا ويدا وإن بيده الميزان يخفض ويرفع وهذه كلها كيفيات وإن كانت مجهولة لعدم الشبه في ذلك .
    وأما إجازتهم السؤال بلم وهو سؤال عن العلة فلقوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فهذه لام العلة والسبب فإن ذلك في جواب من سأل لم خلق الله الجن والإنس فقال الله لهذا السائل ليعبدون أي لعبادتي فمن ادعى التحجير في إطلاق هذه العبارات فعليه بالدليل فيقال للجميع من المتشرعين المجوزين والمانعين كلكم قال وما أصاب وما من شئ قلتموه من منع وجواز إلا وعليكم فيه دخل والأولى التوقف عن الحكم بالمنع أو بالجواز هذا مع المتشرعين وأما غير المتشرعين من الحكماء فالخوض معهم في ذلك لا يجوز إلا إن أباح الشرع ذلك أو أوجبه وأما إن لم يرد في الخوض فيه معهم نطق من الشارع فلا سبيل إلى الخوض فيه معهم فعلا ويتوقف في الحكم في ذلك فلا يحكم على من خاض فيه أنه مصيب ولا مخطئ وكذلك فيمن ترك الخوض إذ لا حكم إلا للشرع فيما يجوز أن يتلفظ به أو لا يتلفظ به يكون ذلك طاعة أو غير طاعة فهذا يا ولي قد فصلنا لك مآخذ الناس في هذه المطالب وأما العلم النافع في ذلك أن نقول كما أنه سبحانه لا يشبه شيئا كذلك لا تشبهه الأشياء وقد قام الدليل العقلي والشرعي على نفي التشبيه وإثبات التنزيه من طريق المعنى وما بقي الأمر إلا في إطلاق اللفظ عليه سبحانه الذي أباح لنا إطلاقه عليه في القرآن أو على لسان رسوله فأما إطلاقه عليه فلا يخلو إما أن يكون العبد مأمورا بذلك الإطلاق فيكون إطلاقه طاعة فرضا ويكون المتلفظ به مأجورا مطيعا مثل قوله في تكبيرة الإحرام الله أكبر وهي لفظة وزنها يقتضي المفاضلة وهو سبحانه لا يفاضل وإما أن يكون مخيرا فيكون بحسب ما يقصده المتلفظ وبحسب حكم الله فيه وإذا أطلقناه فلا يخلو الإنسان إما أن يطلقه ويصحب نفسه في ذاك الإطلاق المعنى المفهوم منه في الوضع بذلك اللسان أو لا يطلقه إلا تعبدا شرعيا على مراد الله فيه من غير أن يتصور المعنى الذي وضع له في ذلك اللسان كالفارسي الذي لا يعلم اللسان العربي وهو يتلو القرآن ولا يعقل معناه وله أجر التلاوة كذلك العربي فيما تشابه من القرآن والسنة يتلوه أو يذكر به ربه تعبدا شرعيا على مراد الله فيه من غير ميل إلى جانب بعينه مخصص فإن التنزيه ونفي التشبيه يطلبه أن وقف بوهمه عند التلاوة لهذه الآيات فالأسلم والأولى في حق العبد أن يرد علم ذلك إلى الله في إرادته إطلاق تلك الألفاظ عليه إلا إن أطلعه الله على ذلك وما المراد بتلك الألفاظ من نبي أو ولي محدث ملهم على بينة من ربه فيما يلهم فيه أو يحدث فذلك مباح له بل واجب عليه أن يعتقد المفهوم منه الذي أخبر به في الهامة أو في حديثه وليعلم أن الآيات المتشابهات إنما نزلت ابتلاء من الله لعباده ثم بالغ سبحانه في نصيحة عباده في ذلك ونهاهم أن يتبعوا المتشابه بالحكم أي لا يحكموا عليه بشئ فإن تأويله لا يعلمه إلا الله وأما الراسخون في العلم إن علموه فبإعلام الله لا بفكرهم واجتهادهم فإن الأمر أعظم أن تستقل العقول بإدراكه من غير إخبار إلهي فالتسليم أولى والحمد لله رب العالمين وأما قوله ألم تر كيف وأطلق النظر على الكيفيات فإن المراد بذلك بالضرورة المكيفات لا التكييف فإن التكييف راجع إلى حالة معقولة لها نسبة إلى المكيف وهو الله تعالى وما أحد شاهد تعلق القدرة الإلهية بالأشياء عند إيجادها قال تعالى ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض فالكيفيات المذكورة التي أمرنا بالنظر إليها لا فيها إنما ذلك لنتخذها عبرة ودلالة على إن لها من كيفها أي صيرها ذات كيفيات وهي الهيئات التي تكون عليها المخلوقات المكيفات فقال أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى الجبال كيف نصبت وغير ذلك ولا يصح أن تنظر إلا حتى تكون موجودة فننظر إليها وكيف اختلفت هيئاتها ولو أراد بالكيف حالة الإيجاد لم يقل انظر إليها فإنها ليست بموجودة فعلمنا إن الكيف المطلوب منا في رؤية الأشياء ما هو ما يتوهم من لا علم له بذلك ألا تراه سبحانه لما أراد النظر الذي هو الفكر قرنه بحرف في ولم يصحبه لفظ كيف فقال تعالى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض المعنى أن يفكروا في ذلك فيعلموا أنها لم تقم بأنفسها وإنما أقامها غيرها وهذا النظر لا يلزم منه وجود الأعيان مثل النظر الذي تقدم وإنما الإنسان كلف أن ينظر بفكره في ذلك لا بعينه ومن الملكوت ما هو غيب وما هو شهادة فما أمرنا قط بحرف في إلا في المخلوقات لا في الله لنستدل بذلك عليه أنه لا يشبهها إذ لو أشبهها لجاز عليه ما يجوز عليها من حيث ما أشبهها وكان يؤدي ذلك إلى أحد محظورين إما أن يشبهها من جميع الوجوه وهو محال لما ذكرناه أو يشبهها من بعض الوجوه ولا يشبهها من بعض الوجوه فتكون ذاته مركبة من أمرين والتركيب في ذات الحق محال فالتشبيه محال .
    والذي يليق بهذا الباب من الكلام يتعذر إيراده مجموعا في باب واحد لما يسبق إلى الأوهام الضعيفة من ذلك لما فيه من الغموض ولكن جعلناه مبددا في أبواب هذا الكتاب فاجعل بالك منه في أبواب الكتاب تعثر على مجموع هذا الباب ولا سيما حيثما وقع لك مسألة تجل إلهي فهناك قف وانظر تجد ما ذكرته لك مما يليق بهذا الباب والقرآن مشحون بالكيفية فإن الكيفيات أحوال والأحوال منها ذاتية للمكيف ومنها غير ذاتية والذاتية حكمها حكم المكيف سواء كان المكيف يستدعي مكيفا في كيفيته أو كان لا يستدعي مكيفا لتكييفه بل كيفيته عين ذاته وذاته لا تستدعي غيرها لأنها لنفسها هي فكيفيته كذلك لأنها عينه لا غيره ولا زائد عليه فافهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  5. #95
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة سر سلمان الذي ألحقه بأهل البيت

    (الباب التاسع والعشرون) في معرفة سر سلمان الذي ألحقه بأهل البيت والأقطاب الذين ورثه منهم ومعرفة أسرارهم
    العبد مرتبط بالرب ليس له * عنه انفصال يرى فعلا وتقديرا
    والابن أنزل منه في العلى درجا * قد حرر الشرع فيه العلم تحريرا
    فالابن ينظر في أموال والده * إذ كان وارثه شحا وتقتيرا
    والابن يطمع في تحصيل رتبته * وأن يراه مع الأموات مقبورا
    والعبد قيمته من مال سيده * إليه يرجع مختارا ومجبورا
    والعبد مقداره في جاه سيده * فلا يزال بستر العز مستورا
    الذل يصحبه في نفسه أبدا * فلا يزال مع الأنفاس مقهورا
    والابن في نفسه من أجل والده * عز فيطلب توقيرا وتعزيرا


    اعلم أيدك الله أنا روينا من حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال مولى القوم منهم .
    وخرج الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته .
    وقال تعالى في حق المختصين من عباده : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فكل عبد إلهي توجه لأحد عليه حق من المخلوقين فقد نقص من عبوديته لله بقدر ذلك الحق فإن ذلك المخلوق يطلبه بحقه وله عليه سلطان به فلا يكون عبدا محضا خالصا لله وهذا هو الذي رجح عند المنقطعين إلى الله انقطاعهم عن الخلق ولزومهم السياحات والبراري والسواحل والفرار من الناس والخروج عن ملك الحيوان فإنهم يريدون الحرية من جميع الأكوان ولقيت منهم جماعة كبيرة في أيام سياحتي ومن الزمان الذي حصل لي فيه هذا المقام ما ملكت حيوانا أصلا بل ولا الثوب الذي ألبسه فإني لا ألبسه إلا عارية لشخص معين أذن لي في التصرف فيه والزمان الذي أتملك الشئ فيه أخرج عنه في ذلك الوقت إما بالهبة أو بالعتق إن كان ممن يعتق وهذا حصل لي لما أردت التحقق بعبودية الاختصاص لله قيل لي : لا يصح لك ذلك حتى لا يقوم لأحد عليك حجة .
    قلت ولا لله إن شاء الله .
    قيل لي : وكيف يصح لك أن لا يقوم لله عليك حجة ؟؟ قلت : إنما تقام الحجج على المنكرين لا على المعترفين وعلى أهل الدعاوي وأصحاب الحظوظ لا على من قال مالي حق ولا حظ .
    ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا محضا قد طهره الله وأهل بيته تطهيرا وأذهب عنهم الرجس وهو كل ما يشينهم فإن الرجس هو القذر عند العرب هكذا حكي الفراء قال تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فلا يضاف إليهم إلا مطهر ولا بد فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم فما يضيفون لأنفسهم إلا من له حكم الطهارة والتقديس فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت وشهد الله لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم وإذا كان لا ينضاف إليهم إلا مطهر مقدس وحصلت له العناية الإلهية بمجرد الإضافة فما ظنك بأهل البيت في نفوسهم فهم المطهرون بل هم عين الطهارة فهذه الآية تدل على إن الله قد شرك أهل البيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وأي وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ فطهر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالمغفرة فما هو ذنب بالنسبة إلينا لو وقع منه صلى الله عليه وسلم لكان ذنبا في الصورة لا في المعنى لأن الذم لا يلحق به على ذلك من الله ولا منا شرعا فلو كان حكمه حكم الذنب لصحبة ما يصحب الذنب من المذمة ولم يصدق قوله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فدخل الشرفاء أولاد فاطمة كلهم ومن هو من أهل البيت مثل سلمان الفارسي إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران فهم المطهرون اختصاصا من الله وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله به ولا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت إلا في الدار الآخرة فإنهم يحشرون مغفورا لهم وأما في الدنيا فمن أتى منهم حدا أقيم عليه كالتائب إذا بلغ الحاكم أمره وقد زنى أو سرق أو شرب أقيم عليه الحد مع تحقق المغفرة كما عز وأمثاله ولا يجوز ذمه وينبغي لكل مسلم مؤمن بالله وبما أنزله أن يصدق الله تعالى في قوله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت إن الله قد عفا عنهم فيه فلا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة بهم ولا ما يشنأ أعراض من قد شهد الله بتطهيره وذهاب الرجس عنه لا يعمل عملوه ولا بخير قدموه بل سابق عناية من الله بهم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وإذا صح الخبر الوارد في سلمان الفارسي فله هذه الدرجة فإنه لو كان سلمان على أمر يشنئوه ظاهر الشرع وتلحق المذمة بعامله لكان مضافا لي أهل البيت من لم يذهب عنه الرجس فيكون لأهل البيت من ذلك بقدر ما أضيف إليهم وهم المطهرون بالنص فسلمان منهم بلا شك فأرجو أن يكون عقب علي وسلمان تلحقهم هذه العناية كما لحقت أولاد الحسن والحسين وعقبهم وموالي أهل البيت فإن رحمة الله واسعة يا ولي وإذا كانت منزلة مخلوق عند الله بهذه المثابة أن يشرف المضاف إليهم بشرفهم وشرفهم ليس لأنفسهم وإنما الله تعالى هو الذي اجتباهم وكساهم حلة الشرف كيف يا ولي بمن أضيف إلى من له الحمد والمجد والشرف لنفسه وذاته فهو المجيد سبحانه وتعالى فالمضاف إليه من عباده الذين هم عباده وهم الذين لا سلطان لمخلوق عليهم في الآخرة قال تعالى لإبليس إن عبادي فأضافهم إليه ليس لك عليهم سلطان وما تجد في القرآن عبادا مضافين إليه سبحانه إلا السعداء خاصة وجاء اللفظ في غيرهم بالعباد فما ظنك بالمعصومين المحفوظين منهم القائمين بحدود سيدهم الواقفين عند مراسمه فشرفهم أعلى وأتم وهؤلاء هم أقطاب هذا المقام ومن هؤلاء الأقطاب ورث سلمان شرف مقام أهل البيت .
    فكان رضي الله عنه من أعلم الناس بما لله على عباده من الحقوق وما لأنفسهم والخلق عليهم من الحقوق وأقواهم على أدائها وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان الايمان بالثريا لنا له رجال من فارس وأشار إلى سلمان الفارسي وفي تخصيص النبي
    صلى الله عليه وسلم ذكر الثريا دون غيرها من الكواكب إشارة بديعة لمثبتي الصفات السبعة لأنها سبعة كواكب فافهم فسر سلمان الذي ألحقه بأهل البيت ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من أداء كتابته وفي هذا فقه عجيب فهو عتيقه صلى الله عليه وسلم ومولى القوم منهم والكل موالي الحق ورحمته وسعت كل شئ وكل شئ عبده ومولاه وبعد أن تبين لك منزلة أهل البيت عند الله وأنه لا ينبغي لمسلم أن يذمهم بما يقع منهم أصلا فإن الله طهرهم فليعلم الذام لهم أن ذلك راجع إليه ولو ظلموه فذلك الظلم هو في زعمه ظلم لا في نفس الأمر وإن حكم عليه ظاهر الشرع بأدائه بل حكم ظلمهم إيانا في نفس الأمر يشبه جرى المقادير علينا في ماله ونفسه بغرق أو بحرق وغير ذلك من الأمور المهلكة فيحترق أو يموت له أحد أحبائه أو يصاب في نفسه وهذا كله مما لا يوافق غرضه ولا يجوز له أن يذم قدر الله ولا قضاءه بل ينبغي له أن يقابل ذلك كله بالتسليم والرضى وإن نزل عن هذه المرتبة فبالصبر وإن ارتفع عن تلك المرتبة فبالشكر فإن في طي ذلك نعما من الله لهذا المصاب وليس وراء ما ذكرناه خير فإنه ما وراءه ليس إلا الضجر والسخط وعدم الرضي وسوء الأدب مع الله فكذا ينبغي أن يقابل المسلم جميع ما يطرأ عليه من أهل البيت في ماله ونفسه وعرضه وأهله وذويه فيقابل ذلك كله بالرضى والتسليم والصبر ولا يلحق المذمة بهم أصلا وإن توجهت عليهم الأحكام المقررة شرعا فذلك لا يقدح في هذا بل يجريه مجرى المقادير وإنما منعنا تعليق الذم بهم إذ ميزهم الله عنا بما ليس لنا معهم فيه قدم وأما أداء الحقوق المشروعة فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقترض من اليهود وإذا طالبوه بحقوقهم أداها على أحسن ما يمكن وإن تطاول اليهودي عليه بالقول يقول دعوه إن لصاحب الحق مقالا وقال صلى الله عليه وسلم في قصة لو أن فاطمة بنت محمد سرقت قطعت يدها فوضع الأحكام لله يضعها كيف يشاء وعلى أي حال يشاء فهذه حقوق الله ومع هذا لم يذمهم الله وإنما كلامنا في حقوقنا وما لنا أن نطالبهم به فنحن مخيرون إن شئنا أخذنا وإن شئنا تركنا والترك أفضل عموما فكيف في أهل البيت وليس لنا ذم أحد فكيف بأهل البيت فإنا إذا نزلنا عن طلب حقوقنا وعفونا عنهم في ذلك أي فيما أصابوه منا كانت لنا بذلك عند الله اليد العظمى والمكانة الزلفى فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما طلب منا عن أمر الله إلا المودة في القربى وفيه سر صلة الأرحام ومن لم يقبل سؤال نبيه فيما سأله فيه مما هو قادر عليه بأي وجه يلقاه غدا أو يرجو شفاعته وهو ما أسعف نبيه صلى الله عليه وسلم فيما طلب منه من المودة في قرابته فكيف بأهل بيته فهم أخص القرابة ثم إنه جاء بلفظ المودة وهو الثبوت على المحبة فإنه من ثبت وده في أمر استصحبه في كل حال وإذا استصحبته المودة في كل حال لم يؤاخذ أهل البيت بما يطرأ منهم في حقه مما له أن يطالبهم به فيتركه ترك محبة وإيثارا لنفسه لا عليها قال المحب الصادق وكل ما يفعل المحبوب محبوب وجاء باسم الحب فكيف حال المودة ومن البشرى ورود اسم الودود لله تعالى ولا معنى لثبوتها إلا حصول أثرها بالفعل في الدار الآخرة وفي النار لكل طائفة بما تقتضيه حكمة الله فيهم وقال الآخر في المعنى :
    أحب لحبها السودان حتى * أحب لحبها سود الكلاب
    ولنا في هذا المعنى :
    أحب لحبك الحبشان طرا * وأعشق لاسمك البدر المنيرا
    قيل كانت الكلاب السود تناوشه وهو يتحبب إليها فهذا فعل المحب في حب من لا تسعده محبته عند الله ولا تورثه القربة من الله فهل هذا إلا من صدق الحب وثبوت الود في النفس فلو صحت محبتك لله ولرسوله أحببت أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت كل ما يصدر منهم في حقك مما لا يوافق طبعك ولا غرضك إنه جمال تتنعم بوقوعه منهم فتعلم عند ذلك أن لك عناية عند الله الذي أحببتهم من أجله حيث ذكرك من يحبه وخطرت على باله وهم أهل بيت رسوله صلى الله عليه وسلم فتشكر الله تعالى على هذه النعمة فإنهم ذكروك بالسنة طاهرة بتطهير الله طهارة لم يبلغها علمك وإذا رأيناك على ضد هذه الحالة مع أهل البيت الذي أنت محتاج إليهم ولرسول صلى الله عليه وسلم حيث هداك الله به فكيف أثق أنا بودك الذي تزعم به أنك شديد الحب في والرعاية لحقوقي أو لجانبي وأنت في حق أهل نبيك بهذه المثابة من الوقوع فيهم والله ما ذاك إلا من نقص إيمانك ومن مكر الله بك واستدراجه إياك من حيث لا تعلم وصورة المكر أن تقول وتعتقد إنك في ذلك تذب عن دين الله وشرعه وتقول في طلب حقك إنك ما طلبت إلا ما أباح الله لك طلبه ويندرج الذم في ذلك الطلب المشروع والبغض والمقت وإيثارك نفسك على أهل البيت وأنت لا تشعر بذلك والدواء الشافي من هذا الداء العضال أن لا ترى لنفسك معهم حقا وتنزل عن حقك لئلا يندرج في طلبه ما ذكرته لك وما أنت من حكام المسلمين حتى يتعين عليك إقامة حد أو إنصاف مظلوم أو رد حق إلى أهله فإن كنت حاكما ولا بد فاسع في استنزال صاحب الحق عن حقه إذا كان المحكوم عليه من أهل البيت فإن أبي حينئذ يتعين عليك إمضاء حكم الشرع فيه فلو كشف الله لك يا ولي عن منازلهم عند الله في الآخرة لوددت أن تكون مولى من مواليهم فالله يلهمنا رشد أنفسنا فانظر ما أشرف منزلة سلمان رضي الله عن جميعهم ولما بينت لك أقطاب هذا المقام وأنهم عبيد الله المصطفون الأخيار فاعلم إن أسرارهم التي أطلعنا الله عليها تجهلها العامة بل أكثر الخاصة التي ليس لها هذا المقام والخضر منهم رضي الله عنه وهو من أكبرهم وقد شهد الله له أنه آتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما اتبعه فيه كليم الله موسى عليه السلام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني فمن أسرارهم ما قد ذكرناه من العلم بمنزلة أهل البيت وما قد نبه الله على علو رتبتهم في ذلك ومن أسرارهم علم المكر الذي مكر الله بعباده في بغضهم مع دعواهم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله المودة في القربى وهو صلى الله عليه وسلم من جملة أهل البيت فما فعل أكثر الناس ما سألهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر الله فعصوا الله ورسوله وما أحبوا من قرابته إلا من رأوا منه الإحسان فأغراضهم أحبوا وبنفوسهم تعشقوا ومن أسرارهم الاطلاع على صحة ما شرع الله لهم في هذه الشريعة المحمدية من حيث لا تعلم العلماء بها فإن الفقهاء والمحدثين الذين أخذوا علمهم ميتا عن ميت إنما المتأخر منهم هو فيه على غلبة ظن إذ كان النقل شهادة والتواتر عزيز ثم إنهم إذا عثروا على أمور تفيد العلم بطريق التواتر لم يكن ذلك اللفظ المنقول بالتواتر نصا فيما حكموا به فإن النصوص عزيزة فيأخذون من ذلك اللفظ بقدر قوة فهمهم فيه ولهذا اختلفوا وقد يمكن أن يكون لذلك اللفظ في ذلك الأمر نص آخر يعارضه ولم يصل إليهم وما لم يصل إليهم ما تعبدوا به ولا يعرفون بأي وجه من وجوه الاحتمالات التي في قوة هذا اللفظ كان يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشرع فأخذه أهل الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكشف على الأمر الجلي والنص الصريح في الحكم أو عن الله بالبينة التي هم عليها من ربهم والبصيرة التي بها دعوا الخلق إلى الله عليها كما قال الله أفمن كان على بينة من ربه وقال أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني فلم يفرد نفسه بالبصيرة وشهد لهم بالاتباع في الحكم فلا يتبعونه إلا على بصيرة وهم عباد الله أهل هذا المقام ومن أسرارهم أيضا إصابة أهل العقائد فيما اعتقدوه في الجناب الإلهي وما تجلى لهم حتى اعتقدوا ذلك ومن أين تصور الخلاف مع الاتفاق على السبب الموجب الذي استندوا إليه فإنه ما اختلف فيه اثنان وإنما وقع الخلاف فيما هو ذلك السبب وبما ذا يسمى ذلك السبب فمن قائل هو الطبيعة ومن قائل هو الدهر ومن قائل غير ذلك فاتفق الكل في إثباته ووجوب وجوده وهل هذا الخلاف يضرهم مع هذا الاستناد أم لا هذا كله من علوم أهل هذا المقام انتهى الجزء السابع عشر
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  6. #96
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    الأقطاب الركبان

    (بسم الله الرحمن الرحيم) (الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان)
    إن لله عبادا ركبوا * نجب الأعمال في الليل البهيم
    وترقت همم الذل بهم * لعزيز جل من فرد عليم
    فاجتباهم وتجلى لهمو * وتلقاهم بكأسات النديم
    من يكن ذا رفعة في ذلة * إنه يعرف مقدار العظيم
    رتبة الحادث إن حققتها * إنما يظهر فيها بالقديم
    إن لله علوما جمة * في رسول ونبي وقسيم
    لطفت ذاتا فما يدركها * عالم الأنفاس أنفاس النسيم


    اعلم أيدك الله أن أصحاب النجب في العرف هم الركبان قال الشاعر :
    فليت لي بهمو قوما إذا ركبوا * شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
    الفرسان ركاب الخيل والركبان ركاب الإبل فالأفراس في المعروف تركبها جميع الطوائف من عجم وعرب والهجن لا يستعملها إلا العرب والعرب أرباب الفصاحة والحماسة والكرم ولما كانت هذه الصفات غالبة على هذه الطائفة سميناهم بالركبان فمنهم من يركب نجب الهمم ومنهم من يركب نجب الأعمال فلذلك جعلناهم طبقتين أولى وثانية وهؤلاء أصحاب الركبان هم الأفراد في هذه الطريقة فإنهم رضي الله عنهم على طبقات :
    - فمنهم الأقطاب
    - ومنهم الأئمة
    - ومنهم الأوتاد
    - ومنهم الأبدال
    - ومنهم النقباء
    - ومنهم النجباء
    - ومنهم الرجبيون
    - ومنهم الأفراد وما منهم طائفة إلا وقد رأيت منهم وعاشرتهم ببلاد المغرب وببلاد الحجاز والشرق .
    فهذا الباب مختص بالإفراد وهي طائفة خارجة عن حكم القطب وحدها ليس للقطب فيهم تصرف ولهم من الأعداد من الثلاثة إلى ما فوقها من الأفراد ليس لهم ولا لغيرهم فيما دون الفرد الأول الذي هو الثلاثة قدم فإن الأحدية وهو الواحد لذات الحق والاثنان للمرتبة وهو توحيد الألوهية والثلاثة أول وجود الكون عن الله فالأفراد في الملائكة الملائكة المهيمون في جمال الله وجلاله الخارجون عن الأملاك المسخرة والمدبرة اللذين هما في عالم التدوين والتسطير وهم من القلم والعقل إلى ما دون ذلك والأفراد من الإنس مثل المهيمة من الأملاك فأول الأفراد الثلاثة .
    وقد قال صلى الله عليه وسلم الثلاثة ركب فأول الركب الثلاثة إلى ما فوق ذلك ولهم من الحضرات الإلهية الحضرة الفردانية وفيها يتميزون ومن الأسماء الإلهية الفرد والمواد الواردة على قلوبهم من المقام الذي ترد منه على الأملاك المهيمة ولهذا يجهل مقامهم وما يأتون به مثل ما أنكر موسى عليه السلام على خضر مع شهادة الله فيه لموسى عليه السلام وتعريفه بمنزلته وتزكية الله إياه وأخذه العهد عليه إذ أراد صحبته ولما علم الخضر أن موسى عليه السلام ليس له ذوق في المقام الذي هو الخضر عليه كما إن الخضر ليس له ذوق فيما هو موسى عليه من العلم الذي علمه الله إلا أن مقام الخضر لا يعطي الاعتراض على أحد من خلق الله لمشاهدة خاصة هو عليها ومقام موسى والرسل يعطي الاعتراض من حيث هم رسل لا غير في كل ما يرونه خارجا عما أرسلوا به ودليل ما ذهبنا إليه في هذا قول الخضر لموسى عليه السلام وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا فلو كان الخضر نبيا لما قال له ما لم تحط به خبرا فالذي فعله لم يكن من مقام النبوة وقال له في انفراد كل واحد منهما بمقامه الذي هو عليه .
    قال الخضر لموسى عليه السلام يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا وافترقا وتميزا بالإنكار فالإنكار ليس من شأن الأفراد فإن لهم الأولية في الأمور فهم ينكر عليهم ولا ينكرون .
    قال الجنيد لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق وذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم وهم أصحاب العلم الذي كان يقول فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين يضرب بيده إلى صدره ويتنهد إن ههنا لعلوما جمة لو وجدت لها حملة فإنه كان من الأفراد ولم يسمع هذا من غيره في زمانه إلا أبي هريرة ذكر مثل هذا خرج البخاري في صحيحة عنه أنه قال :
    حملت عن النبي صلى الله عليه وسلم جوابين أما الواحد فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم البلعوم مجرى الطعام فأبو هريرة ذكر أنه حمله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيه ناقلا عن غير ذوق ولكنه علم لكونه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن إنما نتكلم فيمن أعطى عين الفهم في كلام الله تعالى في نفسه وذلك علم الأفراد وكان من الأفراد عبد الله بن العباس البحر كان يلقب به لاتساع علمه فكان يقول في قوله عز وجل الله : الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لو ذكرت تفسيره لرجمتموني وفي رواية لقلتم إني كافر .
    وإلى هذا العلم كان يشير على ابن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين عليهم الصلاة والسلام بقوله :
    فلا أدري هل هما من قيله أو تمثل بهما :
    يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
    ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا

    فنبه بقوله يعبد الوثنا على مقصوده ينظر إليه تأويل قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته بإعادة الضمير على الله تعالى وهو من بعض محتملاته بالله يا أخي أنصفني فيما أقوله لك لا شك أنك قد أجمعت معي على أنه كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار في كل ما وصف به فيها ربه تعالى من الفرح والضحك والتعجب والتبشبش والغضب والتردد والكراهة والمحبة والشوق إن ذلك وأمثاله يجب الايمان به والتصديق فلو هبت نفحات من هذه الحضرة الإلهية كشفا وتجليا وتعريفا إلهيا على قلوب الأولياء بحيث أن يعلموا بإعلام الله وشاهدوا بإشهاد الله من هذه الأمور المعبر عنها بهذه الألفاظ على لسان الرسول وقد وقع الايمان مني ومنك بهذا كله إذا أتى بمثله هذا الولي في حق الله تعالى ألست تزندقه كما قال الجنيد ألست تقول إن هذا مشبه هذا عابد وثن كيف وصف الحق بما وصف به المخلوق ما فعلت عبدة الأوثان أكثر من هذا كما قال علي بن الحسين ألست كنت تقتله أو تفتى بقتله كما قال ابن عباس فبأي شئ آمنت وسلمت لما سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الله من الأمور التي تحيلها الأدلة العقلية ومنعت من تأويلها والأشعري تأولها على وجوه من التنزيه في زعمه فأين الإنصاف فهلا قلت القدرة واسعة أن تعطي لهذا الولي ما أعطت للنبي من علوم الأسرار فإن ذلك ليس من خصائص النبوة ولا حجر الشارع على أمته هذا الباب ولا تكلم فيه بشئ بل قال إن يكن في أمتي محدثون فعمر منهم فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن ثم من يحدث ممن ليس بنبي وقد يحدث بمثل هذا فإنه خارج عن تشريع الأحكام من الحلال والحرام فإن ذلك أعني التشريع من خصائص النبوة وليس الاطلاع على غوامض العلوم الإلهية من خصائص نبوة التشريع بل هي سارية في عباد الله من رسول وولي وتابع ومتبوع يا ولي فأين الإنصاف منك أليس هذا موجودا في الفقهاء وأصحاب الأفكار الذين هم فراعنة الأولياء ودجاجة عباد الله الصالحين والله يقول لمن عمل منا بما شرع الله له إن الله يعلمه ويتولى تعليمه بعلوم أنتجتها أعماله قال تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم وقال إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ومن أقطاب هذا المقام عمر بن الخطاب وأحمد بن حنبل ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في عمر بن الخطاب يذكر ما أعطاه الله من القوة يا عمر ما لقيك الشيطان في فج إلا سلك فجا غير فجك فدل على عصمته بشهادة المعصوم وقد علمنا إن الشيطان ما يسلك قط بنا إلا إلى الباطل وهو غير فج عمر بن الخطاب فما كان عمر يسلك إلا فجاج الحق بالنص فكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم في جميع مسالكه وللحق صولة ولما كان الحق صعب المرام قويا حمله على النفوس لا تحمله ولا تقبله بل تمجه وترده لهذا قال صلى الله عليه وسلم ما ترك الحق لعمر من صديق وصدق صلى الله عليه وسلم يعني في الظاهر والباطن أما في الظاهر فلعدم الإنصاف وحب الرياسة وخروج الإنسان عن عبوديته واشتغاله بما لا يعنيه وعدم تفرغه لما دعي إليه من شغله بنفسه وعيبه عن عيوب الناس وأما في الباطن فما ترك الحق لعمر في قلبه من صديق فما كان له تعلق إلا بالله ثم الطامة الكبرى أنك إذا قلت لواحد من هذه الطائفة المنكرة اشتغل بنفسك يقول لك إنما أقوم حماية لدين الله وغيرة له والغيرة لله من الايمان وأمثال هذا ولا يسكن ولا ينظر هل ذلك من قبيل الإمكان أم لا أعني أن يكون الله قد عرف وليا من أوليائه بما يجريه في خلقه كالخضر ويعلمه علوما من لدنه تكون العبارة عنها بهذه الصيغ التي ينطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الخضر وما فعلته عن أمري وآمن هذا المنكر بها على زعمه إذ جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو كان مؤمنا بها ما أنكرها على هذا الولي لأن الشارع ما أنكر إطلاقها في جناب الحق من استواء ونزول ومعية وضحك وفرح وتبشبش وتعجب وأمثال ذلك وما ورد عنه صلى الله عليه وسلم قط أنه حجرها على أحد من عباد الله بل أخبر عن الله أنه يقول لنا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ففتح لنا وندبنا إلى التأسي به صلى الله عليه وسلم وقال فاتبعوني يحببكم الله وهذا من اتباعه والتأسي به فمن التأسي به إذا ورد علينا من الحق سبحانه وارد حق فعلمنا من لدنه علما فيه رحمة حبانا الله بها وعناية حيث كنا في ذلك على بينة من ربنا ويتلوها شاهد منا وهو اتباعنا سنته وما شرع لنا لم نخل بشئ منها ولا ارتكبنا مخالفة بتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل فنطلب لذلك المعلوم الذي علمناه من جانب الحق أمثال هذه العبارات النبوية لنفصح بها عن ذلك ولا سيما إذا سألنا عن شئ من ذلك لأن الله أخبر عمن هذه صفته أنه يدعو إلى الله على بصيرة فمن التأسي المأمور به برسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطلق على تلك المعاني هذه الألفاظ النبوية إذ لو كان في العبارة عنها ما هو أفصح منها لا طلقها صلى الله عليه وسلم فإنه المأمور بتبيين ما أنزل به علينا ولا نعدل إلى غيرها لما نريده من البيان مع التحقق بليس كمثله شئ فإنا إذا عدلنا إلى عبارة غيرها ادعينا بذلك أنا أعلم بحق الله وأنزه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أسوأ ما يكون من الأدب ثم إن المعنى لا بد أن يختل عند السامع إذ كان ذلك اللفظ الذي خالفت به لفظ من كان أفصح الناس وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن لا يدل على ذلك المعنى بحكم المطابقة فشرع لنا التأسي وغاب هذا المنكر المكفر من أتى بمثل هذا عن النظر في هذا كله وذلك لأمرين أو لأحدهما إن كان عالما فلحسد قام به قال تعالى حسدا من عند أنفسهم وإن كان جاهلا فهو بالنبوة أجهل يا ولي لقينا من أقطاب هذا المقام بجبل أبي قبيس بمكة في يوم واحد ما يزيد على السبعين رجلا وليس لهذه الطبقة تلميذ في طريقهم أصلا ولا يسلكون أحدا بطريق التربية لكن لهم الوصية والنصيحة ونشر العلم فمن وفق أخذ به ويقال إن أبا السعود بن الشبل كان منهم وما لقيته ولا رأيته ولكن شممت له رائحة طيبة ونفسا عطريا وبلغني أن عبد القادر الجيلي وكان عدلا قطب وقته شهد لمحمد بن قائد الأواني بهذا المقام كذا نقل إلي والعهدة على الناقل فإن ابن قائد زعم أنه ما رأى هناك أمامه سوى قدم نبيه وهذا لا يكون إلا لأفراد الوقت فإن لم يكن من الأفراد فلا بد أن يرى قدم قطب وقته أمامه زائدا على قدم نبيه إن كان إماما وإن كان وتدا فيرى أمامه ثلاثة أقدام وإن كان بدلا يرى أربعة قدام وهكذا إلا أنه لا بد أن يكون في حضرة الاتباع مقاما فإذا لم يقم في حضرات الاتباع وعدل به عن يمين الطريق بين المخدع وبين الطريق فإنه لا يبصر قدما أمامه وذلك هو طريق الوجه الخاص الذي من الحق إلى كل موجود ومن ذلك الوجه الخاص تنكشف للأولياء هذه العلوم التي تنكر عليهم ويزندقون بها ويزندقهم بها ويكفرهم من يؤمن بها إذا جاءته عن الرسل وهي العلوم عينها وهي التي ذكرناها آنفا ولأصحاب هذا المقام التصريف والتصرف في العالم فالطبقة الأولى من هؤلاء تركت التصرف لله في خلقه مع التمكن وتولية الحق لهم إياه تمكنا لا أمرا لكن عرضا فلبسوا الستر ودخلوا في سرادقات الغيب واستتر وبحجب العوائد ولزموا العبودة والافتقار وهم الفتيان الظرفاء الملامتية الأخفياء الأبرياء وكان أبو السعود منهم كان رحمه الله ممن امتثل أمر الله في قوله تعالى فاتخذه وكيلا فالوكيل له التصرف فلو أمر امتثل الأمر هذا من شأنهم وأما عبد القادر فالظاهر من حاله إنه كان مأمورا بالتصرف فلهذا ظهر عليه هذا هو الظن بأمثاله وأما محمد الأواني فكان يذكر إن الله أعطاه التصرف فقبله فكان يتصرف ولم يكن مأمورا فابتلي فنقصه من المعرفة القدر الذي علا أبو السعود به عليه فنطق أبو السعود بلسان الطبقة الأولى من طائفة الركبان وسميناهم أقطابا لثبوتهم ولأن هذا المقام أعني مقام العبودة يدور عليهم لم أرد بقطبيتهم أن لهم جماعة تحت أمرهم يكونون رؤساء عليهم وأقطابا لهم هم أجل من ذلك وأعلى فلا رياسة أصلا لهم في نفوسهم لتحققهم بعبوديتهم ولم يكن لهم أمر إلهي بالتقدم فما ورد عليهم فيلزمهم طاعته لما هم عليه من التحقق أيضا بالعبودية فيكونون قائمين به في مقام العبودية بامتثال أمر سيدهم وأما مع التخيير والعرض أو طلب تحصيل المقام فإنه لا يظهر به إلا من لم يتحقق بالعبودة التي خلق لها فهذا يا ولي قد عرفتك في هذا الباب بمقاماتهم وبقي التعريف بأصولهم وتعيين أحوال الأقطاب المدبرين من الطبقة الثانية منهم نذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله والله يقول الحق وهو يهدي السبيل لا رب غيره .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  7. #97
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة أصول الركبان

    (الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان)
    حدب الدهر علينا وحنا * ومضى في حكمه وما ونى
    وعشقناه فغنينا عسى * يطرب الدهر بإيقاع الغنا
    نحن حكمناك في أنفسنا * فاحكم إن شئت علينا أو لنا
    ولقد كان له الحكم وما * كان ذاك الحكم للدهر بنا
    فشفيعي هو دهري والذي * صرف الدهر كذا صرفنا
    فركبنا نطلب الأصل الذي * جعل السر لدينا علنا
    فلنا منه الذي حركنا * وله منا الذي سكننا
    حركات الدهر فينا شهدت * أنه قال له ما سكنا
    فإنا العبد الذليل المجتبى * وأنا حق وما الحق أنا

    اعلم أيدك الله أن الأصول التي اعتمد عليها الركبان كثيرة منها التبري من الحركة إذا أقيموا فيها فلهذا ركبوا فهم الساكنون على مراكبهم المتحركون بتحريك مراكبهم فهم يقطعون ما أمروا بقطعه بغيرهم لا بهم .
    فيصلون مستريحين مما تعطيه مشقة الحركة متبرئين من الدعوى التي تعطيها الحركة حتى لو افتخروا بقطع المسافات البعيدة في الزمان القليل لكان ذلك الفخر راجعا للمركب الذي قطع بهم تلك المسافة لا لهم فلهم التبري وما لهم الدعوى فهجيرهم لا حول ولا قوة إلا بالله وآيتهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى .
    يقال لهم وما قطعتم هذه المسافات حين قطعتموها ولكن الركاب قطعتها فهم المحمولون فليس للعبد صولة لا بسلطان سيده وله الذلة والعجز والمهانة والضعف من نفسه ولما رأوا أن الله قد نبه بقوله تعالى :
    وله ما سكن فأخلصه له علموا إن الحركة فيها الدعوى وأن السكون لا تشوبه دعوى فإنه نفي الحركة فقالوا :
    إن الله قد أمرنا بقطع هذه المسافة المعنوية وجوب هذه المفاوز المهلكة إليه فإن نحن قطعناها بنفوسنا لم نأمن على نفوسنا من أن نتمدح بذلك في حضرة الاتصال فإنها مجبولة على الرعونة وطلب التقدم وحب الفخر فنكون من أهل النقص في ذلك المقام بقدر ما ينبغي أن نحترم به ذلك الجلال الأعظم فلنتخذ ركابا نقطع به فإن أرادت الافتخار يكون الافتخار للركاب لا للنفوس فاتخذت من لا حول ولا قوة إلا بالله نجبا لما كانت النجب أصبر عن الماء والعلف من الأفراس وغيرها والطريق معطشة جدبة يهلك فيها من المراكب من ليس له مرتبة النجب فلهذا اتخذوها نجبا دون غيرها مما يصح أن يركب ولا يصح أن يقطع ذلك الحمد لله فإن هذا الذكر من خصائص الوصول ولا سبحان الله فإنه من خصائص التجلي ولا لا إله إلا الله فإنه من خصائص الدعاوي ولا الله أكبر فإنه من خصائص المفاضلة فتعين لا حول ولا قوة إلا بالله فإنه من خصائص الأعمال فعلا وقولا ظاهرا وباطنا لأنهم بالأعمال أمروا والسفر عمل قلبا وبدنا ومعنى وحسا وذلك مخصوص بلا حول ولا قوة إلا بالله فإنه بها يقولون لا إله إلا الله وبها نقول سبحان الله وغير ذلك من جميع الأقوال والأعمال ولما كان السكون عدم الحركة والعدم أصلهم لأنه قوله:
    وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا يريد موجودا فاختاروا السكون على الحركة وهو الإقامة على الأصل فنبه سبحانه وتعالى في قوله :
    وله ما سكن في الليل والنهار أن الخلق سلموا له العدم وادعوا له في الوجود فمن باب الحقائق عرى الحق خلقه في هذه الآية عن إضافة ما ادعوه لأنفسهم بقوله :
    وله ما سكن في الليل والنهار أي ما ثبت والثبوت أمر وجودي عقلي لا عيني بل نسبي وهو السميع العليم يسمع دعواكم في نسبة ما هو له وقد نسبتموه إليكم عليم بأن الأمر على خلاف ما دعيتموه ومن أصولهم التوحيد بلسان بي يتكلم وبي يسمع وبي يبصر وهذا مقام لا يحصل إلا عن فروع الأعمال وهي النوافل فإن هذه الفروع تنتج المحبة الإلهية والمحبة تورث العبد أن يكون بهذه الصفة فتكون هذه الصفة أصلا لهذا الصف من العباد فيما يعلمونه ويحكمون به من أحكام الخضر وعلمه فهو أصل مكتسب وهو للخضر أصل عناية إلهية بالرحمة التي آتاه الله وعن تلك الرحمة كان له هذا العلم الذي طلب موسى عليه السلام أن يعلمه منه فإن تفطنت لهذا الأمر الذي أوردناه عرفت قدر ولاية هذه الملة المحمدية والأمة ومنزلتها وأن ثمرة زهرة فروع أصلها المشروع لها في العامة هي أصل الخضر الذي أمتن الله تعالى على عبده موسى عليه السلام بلقائه وأدبه به فأنتج للمحمدي فرع فرع فرع أصله ما هو أصل للخضر ومثل موسى عليه السلام يطلب منه أن يعلمه مما هو عليه من العلم فانظر منزلة هذا العارف المحمدي أين تميزت فكيف لك بما ينتجه الأصل الذي ترجع إليه هذه الفروع .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : إن الله يقول ما تقرب إلي المتقربون بأحب إلي من أداء ما افترضته عليهم فهذا هو الأصل أداء الفرض ثم قال ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل وهو ما زاد على الفرائض ولكن من جنسها حتى تكون الفرائض أصلا لها مثل نوافل الخيرات من صلاة وزكاة وصوم وحج وذكر فهذا هو الفرع الأقرب إلى الأصل ثم ينتج له هذا العمل الذي هو نافلة محبة الله إياه وهي محبة خاصة جزاء ليست هي محبة الامتنان فإن محبة الامتنان الأصلية اشترك فيها جميع أهل السعادة عند الله تعالى وهي التي أعطت لهؤلاء التقرب إلى الله بنوافل الخيرات ثم إن هذه المحبة وهي الفرع الثاني الذي هو بمنزلة الزهرة أنتجت له أن يكون الحق سمعه وبصره ويده إلى غير ذلك وهذا هو الفرع الثالث وهو بمنزلة الثمرة التي تعقد عند الزهرة فعند ذلك يكون العبد يسمع بالحق وينطق به ويبصر به ويبطش به ويدرك به وهذا وحي خاص إلهي أعطاه هذا المقام ليس للملك فيه وساطة من الله ولهذا قال الخضر لموسى عليه السلام :
    ما لم تحط به خبرا فإن وحي الرسل إنما هو بالملك بين الله وبين رسوله فلا خبر له بهذا الذوق في عين إمضاء الحكم في عالم الشهادة فما تعود الإرسال لتشريع الأحكام الإلهية في عالم الشهادة إلا بواسطة الروح الذي ينزل به على قلبه أو في تمثله لم يعرف الرسول الشريعة إلا على هذا الوصف لا غير الشريعة فإن الرسول له قرب أداء الفرض والمحبة عليها من الله وما تنتج له تلك المحبة وله قرب النوافل ومحبتها وما يعطيه محبتها ولكن من العلم بالله لا من علم التشريع وإمضاء الحكم في عالم الشهادة فلم يحط به خبرا من هذا القبيل فهذا القدر هو الذي اختص به خضر دون موسى عليه السلام ومن هذا الباب يحكم المحمدي الذي لم يتقدم له علم بالشريعة بوساطة النقل وقراءة الفقه والحديث ومعرفة الأحكام الشرعية فينطق صاحب هذا المقام بعلم الحكم المشروع على ما هو عليه في الشرع المنزل من هذه الحضرة وليس من الرسل وإنما هو تعريف إلهي وعصمة يعطيها هذا المقام ليس للرسالة فيه مدخل فهذا معنى قوله :
    ما لم تحط به خبرا فإن الرسول لا يأخذ هذا الحكم إلا بنزول الروح الأمين على قلبه أو بمثال في شاهده يتمثل له الملك رجلا ولما كانت النبوة قد منعت والرسالة كذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان التعريف لهذا الشخص بما هو الشرع المحمدي عليه في عالم الشهادة فلو كان في زمان التشريع كما كان زمان موسى لظهر الحكم من هذا الولي كما ظهر من الخضر من غير وساطة ملك بل من حضرة القرب فالرسول والنبي لهما حضرة القرب مثل ما لهذا وليس له التشريع منها بل التشريع لا يكون له لا بوساطة الملك الروح وما بقي إلا إذا حصل للنبي المتأخر من شرع المتقدم ما هو شرع له هل يحصل ذلك بوساطة الروح كسائر شرعه أو يحصل له كما حصل للخضر ولهذا الولي منا من حضرة الوحي فمذهبي أنه لا يحصل له إلا كما يحصل ما يختص به من الشرائع ذلك الرسول ولهذا ليصدق الثقة العدل في قوله ما لم تحط به خبرا وما يعرف له منازع ولا مخالف فيما ذكرناه من أهل طريقنا ولا وقفنا عليه غير أنه إن خالفنا فيه أحد من أهل طريقنا فلا يتصور فيه خلاف لنا إلا من أحد رجلين :
    - إما رجل من أهل الله التبس عليه الأمر وجعل التعريف الإلهي حكما فأجاز أن يكون النبي أو الرسول كذلك ولكن في هذه الأمة وأما في الزمان الأول فهو حكم لصاحبه ولا بد وهو تعريف للرسول بوساطة الملك أن هذا شرع لغيره قال تعالى لما ذكر الأنبياء :
    أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وما ذكر له هداهم إلا بالوحي بوساطة لروح .
    - والرجل الآخر رجل قاس الحكم على الأخبار وأما غير ذلك فلا يكون ومع هذا فلم يصل إلينا عن أحد منهم خلاف فيما ذكرناه ولا وفاق ومن أصول هذه الطبقة أيضا أنه يتكلم بما به يسمع ولا يقول بذلك سواهم من حيث الذوق لكن قد يقول بذلك من يقول به من حيث الدليل العقلي فهؤلاء يأخذونه عن تجل إلهي وغيرهم يأخذه عن نظر صحيح موافق للأمر على ما هو عليه وهو الحق ووقوع الاختلاف في الطريق فهذا الطريق غير هذا الطريق وإن اتفقا في المنزل وهو الغاية فهو السميع لنفسه البصير لنفسه العالم لنفسه وهكذا كل ما تسميه به أو تصفه أو تنعته إن كنت ممن يسئ الأدب مع الله حيث يطلق لفظ صفة على ما نسب إليه أو لفظ نعت فإنه ما أطلق على ذلك إلا لفظ اسم فقال :
    سبح اسم ربك وتبارك اسم ربك ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وقال في حق المشركين :
    قل سموهم وما قال صفوهم ولا أنعتوهم بل قال :
    سبحان ربك رب العزة عما يصفون فنزه نفسه عن الوصف لفظا ومعنى إن كنت من أهل الأدب والتفطن فهذا معنى قولي إن كنت ممن يسئ الأدب مع الله والمخالف لنا يقول إنه يعلم بعلم ويقدر بقدرة ويبصر ببصر وهكذا جميع ما يتسمى به إلا صفات التنزيه فإنه لا يتكلم فيها بهذا النوع كالغني وأشباهه إلا بعضهم فإنه جعل ذلك كله معاني قائمة بذات الله لا هي هو ولا هي غيره ولكن هي أعيان زائدة على ذاته .
    والأستاذ أبو إسحاق جعل السبعة أصولا لا أعيانا زائدة على ذاته اتصفت بها ذاته وجعل كل اسم بحسب ما تعطيه دلالته فجعل صفات التنزيه كلها في جدول الاسم الحي وجعل الخبير والحسيب والعليم والمحصي وأخواته في جدول العلم وجعل الاسم الشكور في جدول الكلام وهكذا الحق الكل كل صفة من السبعة ما يليق بها من الأسماء بالمعنى كالخالق والرازق للقدرة وغير ذلك على هذا الأسلوب هذا مذهب الأستاذ وأجمع المتكلمون من الأشاعرة على إن ثم أمورا زائدة على الذات ونصبوا على ذلك أدلة ثم إنهم مع إجماعهم على الزائد لم يجدوا دليلا قاطعا على إن هذا الزائد على الذات هل هو عين واحدة لها أحكام مختلفة وإن كان زائدا لا بد من ذلك أو هل هذا الزائد أعيان متعددة لم يقل حاذقوهم في ذلك شيئا بل قال بعضهم يمكن أن يكون الأمر في نفسه يرجع إلى عين واحدة ويمكن أن يرجع إلى أعيان مختلفة إلا أنه زائد ولا بد ولا فائدة جاء بها هذا المتكلم إلا عدم التحكم فإن الذات إذا قبلت عينا واحدة زائدة جاز أن تقبل عيونا كثيرة زائدة على ذاتها فيكون القدماء لا يحصون كثرة وهو مذهب أبي بكر بن الطيب .
    والخلاف في ذلك يطول وليس طريقنا على هذا بنى أعني في الرد عليهم ومنازعتهم لكن طريقنا تبيين مآخذ كل طائفة ومن أين انتحلته في نحلها وما تجلى لها وهل يؤثر ذلك في سعادتها أو لا يؤثر هذا حظ أهل طريق الله من العلم بالله فلا نشتغل بالرد على أحد من خلق الله بل ربما يقيم لهم العذر في ذلك للاتساع الإلهي فإن الله أقام العذر فيمن يدعو مع الله إلها آخر ببرهان يرى أنه دليل في زعمه فقال عز من قائل :
    ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به .
    ومن أصولهم الأدب مع الله تعالى فلا يسمونه إلا بما سمي به نفسه ولا يضيفون إليه إلا ما أضافه إلى نفسه كما قال تعالى :
    ما أصابك من حسنة فمن الله وقال في السيئة :
    وما أصابك من سيئة فمن نفسك ثم قال : قل كل من عند الله قال ذلك في الأمرين إذا جمعتهما لا تقل من الله فراع اللفظ واعلم أن لجمع الأمر حقيقة تخالف حقيقة كل مفرد إذا انفرد ولم يجتمع مع غيره كسواد المداد بين العفص والزاج ففصل سبحانه بين ما يكون منه وبين ما يكون من عنده يقول تعالى في حق طائفة مخصوصة :
    والله خير وأبقى ببنية المفاضلة ولا مناسبة وقال في حق طائفة أخرى معينة صفتها :
    وما عند الله خير وأبقى فما هو عنده ما هو عين ما هو منه ولا عين هويته فبين الطائفتين ما بين المنزلتين كما قيل لواحد ما تركت لأهلك قال الله ورسوله وقيل للآخر فقال نصف مالي فقال بينكما ما بين كلمتيكما يعني في المنزلة فإذا أخذ العبد من كل ما سواه جعله في الله خير وأبقى وإذا أخذه من وجه من العالم يقتضي الحجاب والبعد والذم جعله فيما عند الله خير وأبقى فميز المراتب .
    ثم إنه سبحانه عرفنا بأهل الأدب ومنزلهم من العلم به فقال عن إبراهيم خليله أنه قال : الذي خلقي فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين ولم يقل يجوعني وإذا مرضت ولم يقل أمرضني فهو يشفين فأضاف الشفاء إليه والمرض لنفسه وإن كان الكل من عنده ولكنه تعالى هو أدب رسله إذ كان المرض لا تقبله النفوس بخلاف الموت فإن الفضلاء من العقلاء العارفين يطلبون الموت للتخلص من هذا الحبس وتطلبه الأنبياء للقاء الله الذي يتضمنه وكذلك أهل الله ولذلك ما خير نبي في الموت إلا اختاره لأن فيه لقاء الله فهو نعمة منه عليه ومنة .
    والمرض شغل شاغل عن أداء ما أوجب الله على العبد أداءه من حقوق الله لإحساسه بالألم وهو في محل التكليف وما يحس بالألم إلا الروح الحيواني فيشغل الروح المدبر لجسده عما دعي إليه في هذه الدنيا فلهذا أضاف المرض إليه والشفاء والموت للحق كما فعل صاحب موسى عليه السلام في إضافة خرق السفينة إليه إذ جعل خرقها عيبا وأضاف قتل الغلام إليه وإلى ربه لما فيه من الرحمة بابويه وما ساءهما من ذلك أضافه إليه وأضاف إقامة الجدار إلى ربه لما فيه من الصلاح والخير فقال تعالى عن عبده خضر في خرق السفينة فأردت أن أعيبها تنزيها أن يضيف إلى الجناب العالي ما ظاهره ذم في العرف والعادة وقال في إقامة الجدار لما جعل إقامته رحمة باليتيمين لما يصيبانه من الخير الذي هو الكنز فأراد ربك يخبر موسى عليه السلام أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وقال لموسى في حق الغلام إنه طبع كافرا والكفر صفة مذمومة قال تعالى ولا يرضى لعباده الكفر وأراد أن يخبره بأن الله يبدل أبويه خيرا منه زكاة وأقرب رحما فأراد أن يضيف ما كان في المسألة من العيب في نظر موسى عليه السلام حيث جعله نكرا من المنكر وجعله نفسا زاكية قتلت بغير نفس قال فأردنا أن يبدلهما ربهما فأتى بنون الجمع فإن في قتله أمرين أمر يؤدي إلى الخير وأمر إلى غير ذلك في نظر موسى وفي مستقر العادة فما كان من خير في هذا الفعل فهو لله من حيث ضمير النون وما كان فيه من نكر في ظاهر الأمر وفي نظر موسى عليه السلام في ذلك الوقت كان للخضر من حيث ضمير النون فنون الجمع لها وجهان لما فيها من الجمع وجه إلى الخير به أضاف الأمر إلى الله ووجه إلى العيب به أضاف العيب إلى نفسه وجاء بهذه المسألة والواقعة في الوسط لا في الطرف بين السفينة والجدار ليكون ما فيها من عيب من جهة السفينة وما فيها من خير من جهة الجدار فلو كانت مسألة الغلام في الطرف ابتداء أو انتهاء لم تعط الحكمة أن يكون كل وجه مخلصا من غير أن يشوبه شئ من الخير أو ضده فلو كان أولا وكانت السفينة وسط لم يصل ما في مسألة الغلام من الخير الذي له ولأبويه حتى يمر على حضرة مصيبة ظاهرا وهي السفينة وحينئذ يتصل بالخير الذي في الجدار ولو كان الجدار وسطا وتأخر حديث الغلام لم يصل عيب السفينة إلى الاتصال بعيب الغلام حتى يمر بخير ما في الجدار فيمر بغير المناسب ومن شأن الحضرات أن تقلب أعيان الأشياء أعني صفاتها إذا مرت بها فكانت مسألة الغلام وسطا فيلي وجه العيب جهة السفينة ويلي جهة الخير جهة الجدار واستقامت الحكمة .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  8. #98
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية

    فإن قلت فلم جمع بين الله وبين نفسه في ضمير النون أعني نون فأردنا وقال صلى الله عليه وسلم لما سمع بعض الخطباء وقد جمع بين الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ضمير واحد في قوله ومن يعصهما بئس الخطيب أنت .
    فاعلم أنه من الباب الذي قررناه وهو أنه لا يضاف إلى الحق إلا ما أضافه الحق إلى نفسه أو أمر به رسوله أو من آتاه علما من لدنه كالخضر المنصوص عليه فهذا من ذلك الباب فلما كان هذا الخطيب عريا من العلم اللدني ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم إليه في إباحة مثل هذا لهذا ذمه وقال بئس الخطيب أنت فإنه كان ينبغي له أن لا يجمع بين الحق والخلق في ضمير واحد إلا بإذن إلهي من رسول أو علم لدني ولم يكن واحد من هذين الأمرين عنده فلهذا ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رويناه عنه في خطبة خطبها فذكر الله تعالى فيها وذكر نفسه صلى الله عليه وسلم ثم جمع بين ربه تعالى وبين نفسه فيها في ضمير واحد فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا وما ينطق صلى الله عليه وسلم عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
    وكذا قال الخضر وما فعلته عن أمري يعني جميع ما فعله من الأعمال وجميع ما قال من الأقوال في العبارة لموسى عليه السلام عن ذلك فافهم فبهذا قد أبنت لك عن أصولهم ما فيه كفاية فالركبان هم المرادون المجذوبون المصونة أسرارهم في البيض فلا يتخللها هواء مثل القاصرات الطرف من الحور المقصورات في الخيام كأنهن بيض مكنون ومن صفاتهم أنهم لا يكشفون وجوههم عند النوم ولا ينامون إلا على ظهورهم لهم التلقي لا يتحركون إلا عن أمر إلهي ولا يسكنون إلا كذلك بإرادة إرادتهم ما يراد بهم ولما كان السكون أمرا عدميا لذلك قرنا به الإرادة دون الأمر ولما كان التحرك أمرا وجوديا لذلك قرنا به الأمر الإلهي إن فهمت وهم رضي الله عنهم لا يزاحمون ولا يزاحمون أكثر ما يجري على ألسنتهم ما شاء الله سخرت لهم السحاب لهم القدم الراسخة في علم الغيوب لهم في كل ليلة معراج روحاني بل في كل نومة من ليل أو نهار لهم استشراف على بواطن العالم فرأوا ملكوت السماوات والأرض يقول الله تعالى :
    وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين وقال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا وهو عين إسراءه والعلماء ورثة الأنبياء أحوالهم الكتمان لو قطعوا إربا إربا ما عرف ما عندهم لهذا قال خضر ما فعلته عن أمري فالكتمان من أصولهم إلا أن يؤمروا بالإفشاء والإعلان والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

    (الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية)
    إن التدبر معشوق لصاحبه * به تعشقت الأسماء والدول
    عليه عند الذي يقضي سوالفه * في كل ما يقتضيه كونه العمل
    به ترتب ما في الكون من عجب * فكل كون له في علمه أجل


    لقيت من هؤلاء الطبقة جماعة بإشبيلية من بلاد الأندلس منهم أبو يحيى الصنهاجي الضرير كان يسكن بمسجد الزبيدي صحبته إلى أن مات ودفن بجبل عال كثير الرياح بالشرق فكل الناس شق عليهم طلوع الجبل لطوله وكثرة رياحه فسكن الله الريح فلم تهب من الوقت الذي وضعناه في الجبل وأخذ الناس في حفر قبره وقطع حجره إلى أن فرغنا منه وواريناه في روضته وانصرفنا فعند انصرافنا هبت الريح على عادتها فتعجب الناس من ذلك .
    ومنهم أيضا صالح البربري وأبو عبد الله الشرفي وأبو الحجاج يوسف الشبربلي فأما صالح فساح أربعين سنة ولزم بإشبيلية مسجد الرطند إلى أربعين سنة على التجريد بالحالة التي كان عليها في سياحته .
    وأما أبو عبد الله الشرفي فكان صاحب خطوة بقي نحوا من خمسين سنة ما أسرج له سراجا في بيته رأيت له عجائب .
    وأما أبو الحجاج الشبر بلي من قرية يقال لها شبربل بشرق إشبيلية كان ممن يمشي على الماء وتعاشره الأرواح وما من واحد من هؤلاء إلا وعاشرته معاشرة مودة وامتزاج ومحبة منهم فينا وقد ذكرناهم مع أشياخنا في الدرة الفاخرة عند ذكرنا من انتفعت به في طريق الآخرة فكان هؤلاء الأربعة من أهل هذا المقام وهم من أكابر الأولياء الملامية جعل بأيديهم علم التدبير والتفصيل فلهم الاسم المدبر المفصل وهجيرهم يدبر الأمر يفصل الآيات هم العرائس أهل المنصات فلهم الآيات المعتادة وغير المعتادة فالعالم كله عندهم آيات بينات والعامة ليست الآيات عندهم إلا التي هي عندهم غير معتادة فتلك تنبههم إلى تعظيم الله والله قد جعل الآيات المعتادة لأصناف مختلفين من عباده فمنها للعقلاء مثل قوله تعالى :
    إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .
    فثم آيات للعقلاء كلها معتادة وآيات للموقنين وآيات لأولي الألباب وآيات لأولي النهي وآيات للسامعين وهم أهل الفهم عن الله وآيات للعالمين وآيات للعالمين وآيات للمؤمنين وآيات للمتفكرين وآيات لأهل التذكر فهؤلاء كلهم أصناف نعتهم الله بنعوت مختلفة وآيات مختلفات كلها ذكرها لنا في القرآن إذا بحثت عليها وتدبرتها علمت أنها آيات ودلالات على أمور مختلفة ترجع إلى عين واحدة غفل عن ذلك أكثر الناس ولهذا عدد الأصناف فإن من الآيات المذكورة المعتادة ما يدرك الناس دلالتها من كونهم ناسا وجنا وملائكة وهي التي وصف بإدراكها العالم بفتح اللام ومن الآيات ما تغمض بحيث لا يدركها إلا من له التفكر السليم ومن الآيات ما هي دلالتها مشروطة بأولي الألباب وهم العقلاء الناظرون في لب الأمور لا في قشورها فهم الباحثون عن المعاني وإن كانت الألباب والنهي العقول فلم يكتف سبحانه بلفظة العقل حتى ذكر الآيات لأولي الألباب فما كل عاقل ينظر في لب الأمور وبواطنها فإن أهل الظاهر لهم عقول بلا شك وليسوا بأولي الألباب ولا شك أن العصاة لهم عقول ولكن ليسوا بأولي نهى فاختلفت صفاتهم إذ كانت كل صفة تعطي صنفا من العلم لا يحصل إلا لمن حاله تلك الصفة فما ذكرها الله سدى وكثر الله ذكر الآيات في القرآن العزيز ففي مواضع أردفها وتلا بعضها بعضا وأردف صفة العارفين بها وفي مواضع أفردها فمثل إرداف بعضها على بعض مساقها في سورة الروم فلا يزال يقول تعالى ومن آياته ومن آياته ومن آياته فيتلوها جميع الناس ولا يتنبه لها إلا الأصناف الذين ذكرهم في كل آية خاصة فكان تلك الآيات في حق أولئك أنزلت آيات وفي حق غيرهم لمجرد التلاوة ليؤجروا عليها ولما قرأت هذه السورة وأنا في مقام هذه الطبقة ووصلت إلى قوله :
    ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله تعجبت كل العجب من حسن نظم القرآن وجمعه ولما ذا قدم ما كان ينبغي في النظر العقلي في ظاهر الأمر أن يكون على غير هذا النظم فإن النهار لابتغاء الفضل والليل للمنام كما قال في القصص :
    ومن آياته أن جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه فأعاد الضمير على الليل ولتبتغوا من فضله يريد في النهار فأضمر وإن كان الضميران يعودان على المعنى المقصود فقد يعمل الصانع بالليل ويبيع ويشتري بالليل كما أنه ينام أيضا ويسكن بالنهار ولكن الغالب في الأمور هو المعتبر .
    فلاح لي من خلف ستارة هذه الآية وحسن العبارة عنها الرافعة سترها وهو قوله منامكم بالليل والنهار أمر زائد على ما يفهم منه في العموم بقرائن الأحوال في ابتغاء الفضل للنهار والمنام لليل ما نذكره وهو أن الله نبه بهذه الآية على إن نشأة الآخرة الحسية لا تشبه هذه النشأة الدنياوية وإنها ليست بعينها بل تركيب آخر ومزاج آخر كما وردت به الشرائع والتعريفات النبوية في مزاج تلك الدار وإن كانت هذه الجواهر عينها بلا شك فإنها التي تبعثر في القبور وتنشر ولكن يختلف التركيب والمزاج بأعراض وصفات تليق بتلك الدار لا تليق بهذه الدار وإن كانت الصورة واحدة في العين والسمع والأنف والفم واليدين والرجلين بكمال النشأة ولكن الاختلاف بين فمنه ما يشعر به ويحس ومنه ما لا يشعر به ولما كانت صورة الإنشاء في الدار الآخرة على صورة هذه لنشأة لم يشعر بما أشرنا إليه ولما كان الحكم يختلف عرفنا إن المزاج اختلف فهذا الفرق بين حظ الحس والعقل فقال تعالى :
    ومن آياته منامكم بالليل والنهار ولم يذكر اليقظة وهي من جملة لآيات فذكر المنام دون اليقظة في حال الدنيا فدل على إن اليقظة لا تكون إلا عند الموت وأن الإنسان نائم أبدا ما لم يمت فذكر أنه في منام بالليل والنهار في يقظته ونومه وفي الخبر الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ألا ترى أنه لم يأت بالباء في قوله تعالى : والنهار واكتفى بباء الليل ليحقق بهذه المشاركة أنه يريد المنام في حال اليقظة المعتادة فحذفها مما يقوي الوجه الذي أبرزناه في هذه الآية فالمنام هو ما يكون فيه النائم في حال نومه فإذا استيقظ يقول رأيت كذا وكذا فدل إن الإنسان في منام ما دام في هذه النشأة في الدنيا إلى أن يموت فلم يعتبر الحق اليقظة المعتادة عندنا في العموم بل جعل الإنسان في منام في نومه ويقظته كما أوردناه في الخبر النبوي من قوله صلى الله عليه وسلم الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فوصفهم بالنوم في الحياة الدنيا .
    والعامة لا تعرف النوم في المعتاد إلا ما جرت به العادة أن يسمى نوما فنبه النبي صلى الله عليه وسلم بل صرح أن الإنسان في منام ما دام في الحياة الدنيا حتى ينتبه في الآخرة والموت أول أحوال الآخرة فصدقه الله بما جاء به في قوله تعالى ومن آياته منامكم بالليل وهو النوم العادي والنهار وهو هذا المنام الذي صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا جعل الدنيا عبرة جسرا يعبر أي تعبر كما تعبر الرؤيا التي يراها الإنسان في نومه فكما إن الذي يراه الرائي في حال نومه ما هو مراد لنفسه إنما هو مراد لغيره فيعبر من تلك الصورة المرئية في حال النوم إلى معناها المراد بها في عالم اليقظة إذا استيقظ من نومه كذلك حال الإنسان في الدنيا ما هو مطلوب للدنيا فكل ما يراه من حال وقول وعمل في الدنيا إنما هو مطلوب للآخرة فهناك يعبر ويظهر له ما رآه في الدنيا كما يظهر له في الدنيا إذا استيقظ ما رآه في المنام فالدنيا جسر يعبر ولا يعمر كالإنسان في حال ما يراه في نومه يعبر ولا يعمر فإنه إذا استيقظ لا يجد شيئا مما رآه من خير يراه أو شر وديار وبناء وسفر وأحوال حسنة أو سيئة فلا بد أن يعبر له العارف بالعبارة ما رآه فيقول له تدل رؤياك لكذا على كذا فكذلك الحياة الدنيا منام إذا انتقل إلى الآخرة بالموت لم ينتقل معه شئ مما كان في يده وفي حسه من دار وأهل ومال كما كان حين استيقظ من نومه لم ير شيئا في يده مما كان له حاصلا في رؤياه في حال نومه فلهذا قال تعالى إننا في منام بالليل والنهار وفي الآخرة تكون اليقظة وهناك تعبر الرؤيا فمن نور الله عين بصيرته وعبر رؤياه هنا قبل الموت أفلح ويكون فيها مثل من رأى رؤيا ثم رأى في رؤياه إنه استيقظ فيقص ما رآه وهو في النوم على حاله على بعض الناس الذين يراهم في نومه فيقول رأيت كذا وكذا فيفسره ويعبره له ذلك الشخص بما يراه في علمه بذلك فإذا استيقظ حينئذ يظهر له أنه لم يزل في منام في حال الرؤيا وفي حال التعبير لها وهو أصح التعبير وكذلك الفطن اللبيب في هذه الدار مع كونه في منامه يرى أنه استيقظ فيعبر رؤياه في منامه لينتبه ويزدجر ويسلك الطريق الأسد فإذا استيقظ بالموت حمد رؤياه وفرح بمنامه وأثمرت له رؤياه خيرا فلهذه الحقيقة ما ذكر الله في هذه الآية اليقظة وذكر المنام وأضافه إلينا بالليل والنهار وكان ابتغاء الفضل فيه في حق من رأى في نومه أنه استيقظ في نومه فيعبر رؤياه وهي حالة الدنيا والله يلهمنا رشد أنفسنا هذا من قوله تعالى :
    يدبر الأمر يفصل الآيات فهذا تفصيل آيات المنام بالليل والنهار والابتغاء من الفضل وجعله آيات لقوم يسمعون أي يفهمون كما قال :
    ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون أراد الفهم عن الله وقال فيهم :
    صم مع كونهم يسمعون بكم مع كونهم يتكلمون عمي مع كونهم يبصرون فهم لا يعقلون فنبهتك على ما أراد بالسمع والكلام والبصر هنا .
    فهذه الطبقة الركبانية الثانية مأخذهم للأشياء على هذا الحد الذي ذكرناه في هذه الآية وإنما ذكرنا هذا المأخذ لنعرفك بطريقتهم فتتبين لك منزلتهم من غيرهم فلطائفهم بالآيات المنصوبة المعتادة وغير المعتادة قائمة ناظرة إلى نفوس العالم ناظرة إلى الوجوه العرضية التي إليها يتوجهون بسبب أغراضهم ناظرة إلى الحدود الإلهية فيما إليه يتوجهون لا يغفلون عن النظر في ذلك طرفة عين فغفلتهم التي تقتضيها جبلتهم إنما متعلقها منهم عما ضمن لهم فهم متيقظون فيما طلب منهم غافلون عما ضمن لهم حتى لا يخرجون عن حكم الغفلة فإنها من جبلة الإنسان وغير هذه الطائفة صرفتها الغفلة عما يراد منها فإن كان الذي يقع إليه التوجه طاعة نظروا في دقائق تحصيلها ونظروا إلى الأمر الإلهي الذي يناسبها والاسم الإلهي الذي له السلطان عليها فيفصل لهم الأمر الإلهي الآية التي يطلبونها فإن كانت الآية معتادة مثل اختلاف الليل والنهار وتسخير السحاب وغير ذلك من الآيات المعتادة التي لا خبر لنفوس العامة بكونها حتى يفقدوها فإذا فقدوها حينئذ خرجوا للاستسقاء وعرفوا في ذلك الوقت موضع دلالتها وقدرها وإنهم كانوا في آية وهم لا يشعرون فإذا جاءتهم وأمطروا عادوا إلى غفلتهم هذا حال العامة كما قال الله فيهم معجلا في هذه الدار :
    هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون .
    وإذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يقول الله لهم يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا وهكذا يقولون في النار
    ليتنا نرد قال تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما عاد أصحاب الفلك إلى شركهم وبغيهم بعد إخلاصهم لله فإذا نظرت هذه الطائفة إلى هذه الآيات أرسلوها مع أمرها الإلهي إلى حيث دعاها وإن كانت الآية غير معتادة نظروا أي اسم إلهي يطلبها فإن طلبها القهار وأخواته فهي آية رهبة وزجر ووعيد أرسلوها على النفوس وإن طلبها أعني تلك الآية الاسم اللطيف وأخواته فهي آية رغبة أرسلوها على الأرواح فأشرق لها نور شعشعاني على النفوس فجنحت بذلك النفوس إلى بارئها فرزقت التوفيق والهداية وأعطيت التلذذ بالأعمال فقامت فيها بنشاط وتعرت فيها من ملابس الكسل وتبغض إليها معاشرة البطالين وصحبة الغافلين اللاهين عن ذكر الله ويكرهون الملأ والجلوة ويؤثرون الانفراد والخلوة ولهذه الطبقة الثانية حقيقة ليلة القدر وكشفها وسرها ومعناها ولهم فيها حكم إلهي اختصوا به وهي حظهم من الزمان فانظر ما أشرف إذ حباهم الله من الزمان بأشرفه فإنها خير من ألف شهر فيه زمان رمضان ويوم الجمعة ويوم عاشوراء ويوم عرفة وليلة القدر فكأنه قال فتضاعف خيرها ثلاثا وثمانين ضعفا وثلث ضعف لأنها ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر وقد تكون الأربعة الأشهر مما يكون فيها ليلة القدر فيكون التضعيف في كل ليلة قدر أربعة وثمانين ضعفا فانظر ما في هذا الزمان من الخير وبأي زمان خصت هذه الطائفة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء الثامن عشر والحمد لله .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  9. #99
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    أقطاب النيات وأسرارهم وكيفية أصولهم

    الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم وكيفية أصولهم ويقال لهم النياتيون
    الروح للجسم والنيات للعمل * تحيا بها كحياة الأرض بالمطر
    فتبصر الزهر والأشجار بارزة * وكل ما تخرج الأشجار من ثمر
    كذاك تخرج من أعمالنا صور * لها روائح من نتن ومن عطر
    لولا الشريعة كان المسك يخجل من * أعرافها هكذا يقضي به نظري
    إذا كان مستند التكوين أجمعه * له فلا فرق بين النفع والضرر
    فألزم شريعته تنعم بها سورا * تحلها صور تزهو على سرر
    مثل الملوك تراها في أسرتها * أو كالعرائس معشوقين للبصر

    روينا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
    اعلم أن لمراعاة النيات رجالا على حال مخصوص ونعت خاص أذكرهم إن شاء الله وأذكر أحوالهم والنية لجميع الحركات والسكنات في المكلفين للأعمال كالمطر لما تنبته الأرض فالنية من حيث ذاتها واحدة وتختلف بالمتعلق وهو المنوي فتكون النتيجة بحسب المتعلق به لا بحسبها فإن حظ النية إنما هو القصد للفعل أو تركه وكون ذلك الفعل حسنا أو قبيحا وخيرا أو شرا ما هو من أثر النية وإنما هو من أمر عارض عرض ميزه الشارع وعينه للمكلف فليس للنية أثر البتة من هذا الوجه خاصة كالماء إنما منزلته أن ينزل أو يسبح في الأرض وكون الأرض الميتة تحيا به أو ينهدم بيت العجوز الفقيرة بنزوله ليس ذلك له فتخرج الزهرة الطيبة الريح والمنتنة والثمرة الطيبة والخبيثة من خبث مزاج البقعة أو طيبها أو من خبث البزرة أو طيبها .
    قال تعالى : تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ثم قال :
    إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فليس للنية في ذلك إلا الإمداد كما قال تعالى : يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا يعني المثل المضروب به في القرآن أي بسببه وهو من القرآن فكما كان الماء سببا في ظهور هذه الروائح المختلفة والطعوم المختلفة كذلك هي النيات سبب في الأعمال الصالحة وغير الصالحة ومعلوم أن القرآن مهداة كله ولكن بالتأويل في المثل المضروب ضل من ضل وبه اهتدى من اهتدى فهو من كونه مثلا لم تتغير حقيقته وإنما العيب وقع في عين الفهم كذلك النية أعطت حقيقتها وهو تعلقها بالمنوي وكون ذلك المنوي حسنا أو قبيحا ليس لها وإنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن والقبح .
    وقال تعالى : إنا هديناه السبيل أي بينا له طريق السعادة والشقاء ثم قال : إما شاكرا وإما كفورا هذا راجع للمخاطب المكلف فإن نوى الخير أثمر خيرا وإن نوى الشر أثمر شرا فما أتى عليه إلا من المحل من طيبه أو خبثه .
    يقول الله تعالى : وعلى الله قصد السبيل أي هذا أوجبته على نفسي كان الله يقول الذي يلزم جانب الحق منكم أن يبين لكم السبيل الموصل إلى سعادتكم وقد فعلت فإنكم لا تعرفونه إلا بإعلامي لكم به وتبييني وسبب ذلك أنه سبق في العلم إن طريق سعادة العباد إنما هو في سبب خاص وسبب شقائهم أيضا إنما هو في طريق خاص وليس إلا العدول عن طريق السعادة وهو الايمان بالله وبما جاء من عند الله مما ألزمنا فيه الايمان به ولما كان العالم في حال جهل بما في علم الله من تعيين تلك الطريق تعين الإعلام به بصفة الكلام فلا بد من الرسول .
    قال الله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولا نوجب على الله إلا ما أوجبه على نفسه وقد أوجب التعريف على نفسه بقوله تعالى :
    وعلى الله قصد السبيل مثل قوله : وكان حقا علينا نصر المؤمنين وقوله : كتب ربكم على نفسه الرحمة وعلى الحقيقة إنما وجب ذلك على النسبة لا على نفسه فإنه يتعالى أن يجب عليه من أجل حد الواجب الشرعي فكأنه لما تعلق العلم الإلهي أزلا بتعيين الطريق التي فيها سعادتنا ولم يكن للعلم بما هو علم صورة التبليغ وكان التبليغ من صفة الكلام تعين التبليغ على نسبة كونه متكلما بتعريف الطريق التي فيها سعادة العباد التي عينها العلم فأبان الكلام الإلهي بترجمته عن العلم ما عينه من ذلك فكان الوجوب على النسبة فإنها نسب مختلفة وكذلك سائر النسب الإلهية من إرادة وقدرة وغير ذلك وقد بينا محاضرة الأسماء الإلهية ومحاورتها ومجاراتها في حلبة المناظرة على إيجاد هذا العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله في كتاب عنقاء مغرب بوبنا عليه محاضرة أزلية على نشأة أبدية وكذلك في كتاب إنشاء الجداول والدوائر لنا فقد علمت كيف تعلق الوجوب الإلهي على الحضرة الإلهية إن كنت فطنا لعلم النسب وعلى هذا يخرج قوله تعالى :
    يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا وكيف يحشر إليه من هو جليسه وفي قبضته !!!
    سمع أبو يزيد البسطامي قارئا يقرأ هذه الآية يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا فبكى حتى ضرب الدمع المنبر بل روى أنه طار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر وصاح وقال يا عجبا كيف يحشر إليه من هو جليسه فلما جاء زماننا سألنا عن ذلك فقلت ليس العجب إلا من قول أبي يزيد فاعلموا إنما كان ذلك لأن المتقي جليس الجبار فيتقي سطوته والاسم الرحمن ما له سطوة من كونه الرحمن إنما الرحمن يعطي اللين واللطف والعفو والمغفرة فلذلك يحشر إليه من الاسم الجبار الذي يعطي السطوة والهيبة فإنه جليس المتقين في الدنيا من كونهم متقين وعلى هذا الأسلوب تأخذ الأسماء الإلهية كلها وكذا تجدها حيث وردت في ألسنة النبوات إذا قصدت حقيقة الاسم وتميزه من غيره فإن له دلالتين دلالة على المسمى به ودلالة على حقيقته التي بها يتميز عن اسم آخر فافهم واعلم أن هؤلاء الرجال إنما كان سبب اشتغالهم بمعرفة النية كونهم نظروا إلى الكلمة وفيها فعلموا أنها ما ألفت حروفها وجمعت إلا لظهور نشأة قائمة تدل على المعنى الذي جمعت له في الاصطلاح فإذا تلفظ بها المتكلم فإن السامع يكون همه في فهم المعنى الذي جاءت له فإن بذلك تقع الفائدة ولهذا وجدت في ذلك اللسان على هذا الوضع الخاص ولهذا لا يقول هؤلاء الرجال بالسماع المقيد بالنغمات لعلو همتهم ويقولون بالسماع المطلق فإن السماع المطلق لا يؤثر فيهم إلا فهم المعاني وهو السماع الروحاني الإلهي وهو سماع الأكابر والسماع المقيد إنما يؤثر في أصحابه النغم وهو السماع الطبيعي فإذا ادعى من ادعى أنه يسمع في السماع المقيد بالألحان المعنى ويقول لولا المعنى ما تحركت ويدعي أنه قد خرج عن حكم الطبيعة في ذلك يعني في السبب المحرك فهو غير صادق وقد رأينا من ادعى ذلك من المتشيخين المتطفلين على الطريقة فصاحب هذه الدعوى إذا لم يكن صادقا يكون سريع الفضيحة .
    وذلك أن هذا المدعي إذا حضر مجلس السماع فاجعل بالك منه فإذا أخذ القوال في القول بتلك النغمات المحركة بالطبع للمزاج القابل أيضا وسرت الأحوال النفوس الحيوانية فحركت الهياكل حركة دورية لحكم استدارة الفلك وهو أعني الدور مما يدلك على إن السماع طبيعي لأن اللطيفة الإنسانية ما هي عن الفلك وإنما هي عن الروح المنفوخ منه وهي غير متحيزة فهي فوق الفلك فما لها في الجسم تحريك دوري ولا غير دوري وإنما ذلك للروح الحيواني الذي هو تحت الطبيعة والفلك فلا تكن جاهلا بنشأتك ولا بمن يحركك فإذا تحرك هذا المدعي وأخذه الحال ودار أو قفز إلى جهة فوق من غير دور وقد غاب عن إحساسه بنفسه وبالمجلس الذي هو فيه فإذا فرع من حاله ورجع إلى إحساسه فاسأله ما الذي حركه فيقول إن القوال قال كذا وكذا ففهمت منه معنى كذا وكذا فذلك المعنى حركني فقل له ما حركك سوى حسن النغمة والفهم إنما وقع لك في حكم التبعية فالطبع حكم على حيوانيتك فلا فرق بينك وبين الجمل في تأثير النغمة فيك فيعز عليه مثل هذا الكلام ويثقل ويقول لك ما عرفتني وما عرفت ما حركني فاسكت عنه ساعة فإن صاحب هذه الدعوى تكون الغفلة مستولية عليه ثم خذ معه في الكلام الذي يعطي ذلك المعنى فقل له ما أحسن قول الله تعالى حيث يقول واتل عليه آية من كتاب الله تتضمن ذلك المعنى الذي كان حركه من صوت المغني وحققه عنده حتى يتحققه فيأخذ معك فيه ويتكلم ولا يأخذه لذلك حال ولا حركة ولا فناء ولكن يستحسنه ويقول لقد تتضمن هذه الآية معنى جليلا من المعرفة بالله فما أشد فضيحته في دعواه فقل له يا أخي هذا المعنى بعينه هو الذي ذكرت لي أنه حركك في السماع البارحة لما جاء به القوال في شعره بنغمته الطيبة فلأي معنى سرى فيك الحال البارحة وهذا المعنى موجود فيما قد صغته لك وسقته بكلام الحق تعالى الذي هو أعلى وأصدق وما رأيتك تهتز مع الاستحسان وحصول الفهم وكنت البارحة يتخبطك الشيطان من المس كما قال الله تعالى وحجبك عن عين الفهم السماع الطبيعي فما حصل لك في سماعك إلا الجهل بك فمن لا يفرق بين فهمه وحركته كيف يرجى فلاحه .
    فالسماع من عين الفهم هو السماع الإلهي وإذا ورد على صاحبه وكان قويا لما يرد به من الإجمال فغاية فعله في الجسم أن يضجعه لا غير ويغيبه عن إحساسه ولا يصدر منه حركة أصلا بوجه من الوجوه سواء كان من الرجال الأكابر أو الصغار هذا حكم الوارد الإلهي القوي وهو الفارق بينه وبين حكم الوارد الطبيعي فإن الوارد الطبيعي كما قلنا يحركه الحركة الدورية والهيمان والتخبط فعل المجنون وإنما يضجعه الوارد الإلهي لسبب أذكره لك وذلك أن نشأة الإنسان مخلوقة من تراب قال تعالى : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم وإن كان فيه من جميع العناصر ولكن العنصر الأعظم التراب .
    قال عز وجل فيه أيضا : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب والإنسان في قعوده وقيامه بعد عن أصله الأعظم الذي منه نشأ من أكثر جهاته فإن قعوده وقيامه وركوعه فروع فإذا جاءه الوارد الإلهي وللوارد الإلهي صفة القيومية وهي في الإنسان من حيث جسميته بحكم العرض وروحه المدبر هو الذي كان يقيمه ويقعده فإذا اشتغل الروح الإنساني المدبر عن تدبيره بما يتلقاه من الوارد الإلهي من العلوم الإلهية لم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامه ولا قعوده فرجع إلى أصله وهو لصوقه بالأرض المعبر عنه بالاضطجاع ولو كان على سرير فإن السرير هو المانع له من وصوله إلى التراب فإذا فرع روحه من ذلك التلقي وصدر الوارد إلى ربه رجع الروح إلى تدبير جسده فأقامه من ضجعته هذا سبب اضطجاع الأنبياء على ظهورهم عند نزول الوحي عليهم وما سمع قط عن نبي أنه تخبط عند نزول الوحي هذا مع وجود الواسطة في الوحي وهو الملك فكيف إذا كان الوارد برفع الوسائط لا يصح أن يكون منه قط غيبة عن إحساسه ولا يتغير عن حاله الذي هو عليه فإن الوارد الإلهي برفع الوسائط الروحانية يسرى في كلية الإنسان ويأخذ كل عضو بل كل جوهر فرد فيه حظه من ذلك الوارد الإلهي من لطيف وكثيف ولا يشعر بذلك جليسه ولا يتغير عليه من حاله الذي هو عليه من جليسه شئ إن كان يأكل بقي على أكله في حاله أو شربه أو حديثه الذي هو في حديثه فإن ذلك الوارد يعم وهو قوله تعالى :
    وهو معكم أينما كنتم فمن كانت أينيته في ذلك الوقت حالة الأكل أو الشرب أو الحديث أو اللعب أو ما كان بقي على حاله فلما رأت هذه الطائفة الجليلة هذا الفرق بين الواردات الطبيعية والروحانية والإلهية ورأت أن الالتباس قد طرأ على من يزعم أنه في نفسه من رجال الله تعالى أنفوا أن يتصفوا بالجهل والتخليط فإنه محل الوجود الطبيعي فارتقت همتهم إلى الاشتغال بالنيات إذ كان الله قد قال لهم :
    وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له والإخلاص النية ولهذا قيدها بقوله : له ولم يقل مخلصين وهو من الاستخلاص فإن الإنسان قد يخلص نيته للشيطان ويسمى مخلصا فلا يكون في عمله لله شئ وقد يخلص للشركة وقد يخلص لله فلهذا قال تعالى : مخلصين له الدين لا لغيره ولا لحكم الشركة فشغلوا نفوسهم بالأصل في قبول الأعمال ونيل السعادات وموافقة الطلب الإلهي منهم فيما كلفهم به من الأعمال الخالصة له وهو المعبر عنه بالنية فنسبوا إليها لغلبة شغلهم بها وتحققوا إن الأعمال ليست مطلوبة لأنفسها وإنما هي من حيث ما قصد بها وهو النية في العمل كالمعنى في الكلمة فإن الكلمة ما هي مطلوبة لنفسها وإنما هي لما تضمنته .
    فانظر يا أخي ما أدق نظر هؤلاء الرجال وهذا هو المعبر عنه في الطريق بمحاسبة النفس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ولقيت من هؤلاء الرجال اثنين أبو عبد الله بن المجاهد وأبو عبد الله بن قسوم بإشبيلية كان هذا مقامهم وكانوا من أقطاب الرجال النياتيين ولما شرعنا في هذا المقام تأسيا بهما وبأصحابهما وامتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الواجب امتثاله في أمره حاسبوا أنفسكم وكان أشياخنا يحاسبون أنفسهم على ما يتكلمون به وما يفعلونه ويقيدونه في دفتر فإذا كان بعد صلاة العشاء وخلوا في بيوتهم حاسبوا أنفسهم وأحضروا دفترهم ونظروا فيما صدر منهم في يومهم من قول وعمل وقابلوا كل عمل بما يستحقه إن استحق استغفارا استغفروا وإن استحق توبة تابوا وإن استحق شكرا شكروا إلى أن يفرع ما كان منهم في ذلك اليوم وبعد ذلك ينامون فزدنا عليهم في هذا الباب بتقييد الخواطر فكنا نقيد ما تحدثنا به نفوسنا وما تهم به زائدا على كلامنا وأفعالنا وكنت أحاسب نفسي مثلهم في ذلك الوقت وأحضر الدفتر وأطالبها بجميع ما خطر لها وما حدثت به
    نفسها وما ظهر للحس من ذلك من قول وعمل وما نوته في ذلك الخاطر والحديث فقلت الخواطر والفضول إلا فيما يعني فهذا فائدة هذا الباب وفائدة الاشتغال بالنية وما في الطريق ما يغفل عنه أكثر من هذا الباب فإن ذلك راجع إلى مراعاة الأنفاس وهي عزيزة وبعد أن عرفتك بأصول هذه الطائفة وما هو سبب شغلهم بذلك وأنه لهم أمر شرعي وما لهم في ذلك من الأسرار والعلوم فاعلم أيضا مقامهم في ذلك وما لهم فهذه الطائفة على قلب يونس عليه السلام فإنه لما ذهب مغاضبا وظن أن الله لا يضيق عليه لما عهده من سعة رحمة الله فيه وما نظر ذلك الاتساع الإلهي الرحماني في حق غيره فتناله أمته واقتصر به على نفسه والغضب ظلمة القلب فأثرت لعلو منصبه في ظاهره فاسكن في ظلمة بطن الحوت ما شاء الله لينبهه الله على حالته حين كان جنينا في بطن أمه من كان يدبره فيه وهل كان في ذلك الموطن يتصور منه أن يغاضب أو يغاضب بل كان في كنف الله لا يعرف سوى ربه فرده إلى هذه الحالة في بطن الحوت تعليما له بالفعل لا بالقول فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت عذرا عن أمته في هذا التوحيد أي تفعل ما تريد وتبسط رحمتك على من تشاء سبحانك إني كنت من الظالمين مشتق من الظلمة أي ظلمتي عادت على ما أنت ظلمتني بل ما كان في باطني سرى إلى ظاهري وانتقل النور إلى باطني فاستنار فأزال ظلمة المغاضبة وانتشر فيه نور التوحيد وانبسطت الرحمة فسرى ذلك النور في ظاهره مثل ما سرت ظلمة الغضب فاستجاب له ربه فنجاه من الغم فقذفه الحوت من بطنه مولودا على الفطرة السليمة فلم يولد أحد من ولد آدم ولادتين سوى يونس عليه السلام فخرج ضعيفا كالطفل كما قال وهو سقيم ورباه باليقطين فإن ورقه ناعم ولا ينزل عليه ذباب فإن الطفل لضعفه لا يستطيع أن يزيل الذباب عن نفسه فغطاه بشجرة خاصيتها أن لا يقربها ذباب مع نعمة ورقها فإن ورق اليقطين مثل القطن في النعمة بخلاف سائر ورق الأشجار كلها فإن فيها خشونة وأنشأه الله عز وجل نشأة أخرى ولما رأت هذه الطائفة أن يونس عليه السلام ما أتى عليه إلا من باطنه من الصفة التي قامت به ومن قصده شغلوا نفوسهم بتمحيص النيات والقصد في حركاتهم كلها حتى لا ينوون إلا ما أمرهم الله به أن ينووه ويقصدوه وهذا غاية ما يقدر عليه رجال الله وهذه الطائفة في الرجال قليلون فإنه مقام ضيق جدا يحتاج صاحبه إلى حضور دائم وأكبر من كان فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه .
    ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه في حرب اليمامة فما هو إلا أن رأيت أن الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق لمعرفة عمر باشتغال أبي بكر بباطنه فإذا صدرت منه حركة في ظاهره فما تصدر إلا من إل وهو عزيز ولهذا كان من يفهم المقامات من المتقدمين من أهل الكتاب إذا سمعوا أو يقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا يقولون هذا كلام ما خرج إلا من إل أي هو كلام إلهي ما هو كلام مخلوق فانظر ما أحسن العلم وفي أي مقام ثبتت هذه الطائفة وبأي قائمة استمسكت جعلنا الله منهم فجل أعمالهم في الباطن مساكن السائحين منهم الغيران والكهوف وفي الأمصار ما بناه غيرهم من عباد الله تعالى لا يضعون لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة .
    وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انتقل إلى ربه ما بنى قط مسكنا لنفسه وسبب ذلك أنهم رأوا الدنيا جسرا منصوبا من خشب على نهر عظيم وهم عابرون فيه راحلون عنه فهل رأيتم أحدا بنى منزلا على جسر خشب لا والله ولا سيما وقد عرف أن الأمطار تنزل وأن النهر يعظم بالسيول التي تأتي وأن الجسور تنقطع فكل من بنى على جسر فإنما يعرض به للتلف فلو أن عمار الدنيا يكشف الله عن بصيرتهم حتى يروها جسرا ويروا النهر الذي بنيت عليه أنه خطر قوي ما بنوا الذي بنوا عليه من القصور المشيدة فلم يكن لهم عيون يبصرون بها إن الدنيا قنطرة خشب على نهر عظيم خرار ولا كان لهم سمع يسمعون به قول الرسول العالم بما أوحى الله إليه به إن الدنيا قنطرة فلا بالإيمان عملوا ولا على الرؤية والكشف حصلوا فهم كما قال الله فيهم وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم في حال سماعهم من الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال لهم إن الدنيا قنطرة وأشباه ذلك فلا تشغلوا نفوسكم بعمارتها وانهضوا فما فرع من قوله صلى الله عليه وسلم حتى رجع كثير منهم إلى عماهم وصممهم مع كونهم مسلمين مؤمنين فأخبر الله تعالى نبيه بقوله :
    ثم عموا وصموا كثير منهم بعد التوبة يقول ما نفع القول فيهم يا ولي لو فرضنا إن الدنيا باقية ألسنا نبصر رحلتنا عنها جيلا بعد جيل فمن أحوال هذه الطائفة مراعاتهم لقلوبهم وأسرارهم متعلقة بالله من حيث معرفة نفوسهم ولا اجتماع لهم بالنهار مع الغافلين بل حركتهم ليلية ونظرهم في الغيب الغالب عليهم مقام الحزن فإن الحزن إذا فقد من القلب خرب فالعارف يأكل الحلوى والعسل والمحقق الكبير يأكل الحنظل فهو كثير التنغيص لا يلتذ بنعمة أبدا ما دام في هذه الدار لشغله بما كلفه الله من الشكر عليها لقيت منهم بدنيسر عمر الفرقوي وبمدينة فاس عبد الله السماد والعارفون بالنظر إلى هؤلاء كالأطفال الذين لا عقول لهم يفرحون ويلتذون بخشخاشة فما ظنك بالمريدين فما ظنك بالعامة لهم القدم الراسخة في التوحيد ولهم المشافهة في الفهوانية يقدمون النفي على الإثبات لأن التنزيه شأنهم كلفظة لا إله إلا الله وهي أفضل كلمة جاءت بها الرسل والأنبياء توحيدهم كوني عقلي ليسوا من اللهو في شئ لهم الحضور التام على الدوام وفي جميع الأفعال اختصوا بعلم الحياة والأحياء لهم اليد البيضاء فيعلمون من الحيوان ما لا يعلمه سواهم ولا سيما من كل حيوان يمشي على بطنه لقربه من أصله الذي عنه تكون فإن كل حيوان يبعد عن أصله ينقص من معرفته بأصله على قدر ما بعد منه ألا ترى المريض الذي لا يقدر على القيام والقعود ويبقى طريحا لضعفه وهو رجوعه إلى أصله تراه فقيرا إلى ربه مسكينا ظاهر الضعف والحاجة بلسان الحال والمقال وذلك أن أصله حكم عليه لما قرب منه يقول الله : خلقكم من ضعف وقال : خلق الإنسان ضعيفا فإذا استوى قائما وبعد عن أصله تفرعن وتجبر وادعى القوة وقال أنا فالرجل من كان مع الله في حال قيامه وصحته كحاله في اضطجاعه من المرض والضعف وهو عزيز لهم البحث الشديد في النظر في أفعالهم وأفعال غيرهم معهم من أجل النيات التي بها يتوجهون وإليها ينسبون لشدة بحثهم عنها حتى تخلص لهم الأعمال ويخلصوها من غيرهم ولهذا قيل فيهم النياتيون كما قيل الملامية والصوفية لأحوال خاصة هم عليها فلهم معرفة الهاجس والهمة والعزم والإرادة والقصد وهذه كلها أحوال مقدمة للنية والنية هي التي تكون منه عند مباشرة أفعاله وهي المعتبرة في الشرع الإلهي ففيها يبحثون وهي متعلق الإخلاص وكان عالمنا الإمام سهل بن عبد الله يدقق في هذا الشأن وهو الذي نبه على نقر الخاطر ويقول إن النية هو ذلك الهاجس وأنه السبب الأول في حدوث الهم والعزم والإرادة والقصد فكان يعتمد عليه وهو الصحيح عندنا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  10. #100
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس

    الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس فعاين منها أمورا أذكرها إن شاء الله
    إن المحقق بالأنفاس رحمان * فالعرش في حقه إن كان إنسان
    وإن توجه نحو العين يطلبها * له العماء وإحسان فإحسان
    مقامه باطن الأعراف يسكنه * يزوره فيه أنصار وأعوان
    له من الليل إن حققت آخره * كما له من وجود العين إنسان
    إن لاح ظاهره تقول قرآن * أو لاح باطنه تقول فرقان
    قد جمع الله فيه كل منقبة * فهو الكمال الذي ما فيه نقصان

    اعلم أيدك الله بروح القدس أن المعلومات مختلفة لأنفسها وأن الإدراكات التي تدرك بها المعلومات مختلفة أيضا لأنفسها كالمعلومات ولكن من حيث أنفسها وذواتها لا من حيث كونها إدراكات وإن كانت مسألة خلاف عند أرباب النظر وقد جعل الله لكل حقيقة مما يجوز أن يعلم إدراكا خاصا عادة لا حقيقة أعني محلها وجعل المدرك بهذه الإدراكات لهذه المدركات عينا واحدة وهي ستة أشياء :
    سمع وبصر وشم ولمس وطعم وعقل وإدراك جميعها للأشياء ما عدا العقل ضروري ولكن الأشياء التي ارتبطت بها عادة لا تخطئ أبدا وقد غلط في هذا جماعة من العقلاء ونسبوا الغلط للحس وليس كذلك وإنما الغلظ للحاكم وأما إدراك العقل المعقولات فهو على قسمين منه ضروري مثل سائر الإدراكات ومنه ما ليس بضروري بل يفتقر في علمه إلى أدوات ست منها الحواس الخمس التي ذكرناها ومنها القوة المفكرة ولا يخلو معلوم يصح أن يعلمه مخلوق أن يكون مدركا بأحد هذه الإدراكات وإنما قلنا إن جماعة غلطت في إدراك الحواس فنسبت إليها الأغاليط وذلك أنهم رأوا إذا كانوا في سفينة تجري بهم مع الساحل رأوا الساحل يجري بجري السفينة فقد أعطاهم البصر ما ليس بحقيقة ولا معلوم أصلا فإنهم عالمون علما ضروريا أن الساحل لم يتحرك من مكانه ولا يقدرون على إنكار ما شاهدوه من التحرك وكذلك إذا طعموا سكرا أو عسلا فوجدوه مرا وهو حلو فعلموا ضرورة أن حاسة الطعم غلطت عندهم ونقلت ما ليس بصحيح والأمر عندنا ليس كذلك ولكن القصور والغلط وقع من الحاكم الذي هو العقل لا من الحواس فإن الحواس إدراكها لما تعطيه حقيقتها ضروري كما إن العقل فيما يدركه بالضرورة لا يخطئ وفيما يدركه بالحواس أو بالفكر قد يغلط فما غلط حس قط ولا ما هو إدراكه ضروري فلا شك أن الحس رأى تحركا بلا شك ووجد طعما مرا بلا شك فأدرك البصر التحرك بذاته وأدرك الطعم قوة المرارة بذاته وجاء عقل فحكم إن الساحل متحرك وأن السكر مر وجاء عقل آخر وقال إن الخلط الصفراوي قام بمحل الطعم فأدرك المرارة وحال ذلك الخلط بين قوة الطعم وبين السكر فاذن فما ذاق الطعم إلا مرارة الصفراء فقد أجمع العقلان من الشخصين على أنه أدرك المرارة بلا شك واختلف العقلان فيما هو المدرك للطعم فبان إن العقل غلط لا الحس فلا ينسب الغلط أبدا في الحقيقة إلا للحاكم لا للشاهد وعندي في هذه المسألة أمر آخر يخالف ما ادعوه وهو أن الحلاوة التي في الحلو وغير ذلك من المطعومات ليس هو في المطعوم لأمر إذا بحثت عليه وجدت صحة ما ذهبنا إليه وكذا الحكم في سائر الإدراكات ولو كان في العادة فوق العقل مدرك آخر يحكم على العقل ويأخذ عنه كما يحكم العقل على الحس لغلط أيضا ذلك المدرك الحاكم فيما هو للعقل ضروري وكان يقول إن العقل غلط فيما هو له ضروري فإذا تقرر هذا وعرفت كيف رتب الله المدركات والإدراكات وأن ذلك الارتباط أمر عادي فاعلم إن لله عبادا آخرين خرق لهم العادة في إدراكهم العلوم فمنهم من جعل له إدراك ما يدرك بجميع القوي من المعقولات والمحسوسات بقوة البصر خاصة وآخر بقوة السمع وهكذا بجميع القوي ثم بأمور عرضية خلاف القوي من ضرب وحركة وسكون وغير ذلك .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ضرب بيده بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فعلمت علم الأولين والآخرين فدخل في هذا العلم كل معلوم معقول ومحسوس مما يدركه المخلوق فهذا علم حاصل لا عن قوة من القوي الحسية والمعنوية فلهذا قلنا إن ثم سببا آخر خلاف هذه القوي تدرك به المعلومات وإنما قلنا قد تدرك العلوم بغير قواها المعتادة فحكمنا على هذه الإدراكات لمدركاتها المعتادة بالعادة من أجل المتفرس فينظر صاحب الفراسة في الشخص فيعلم ما يكون منه أو ما خطر له في باطنه أو ما فعل وكذلك الزاجر وأشباهه وإنما جئنا بهذا كله تأنيسا لما نريد أن ننسبه إلى أهل الله من الأنبياء والأولياء فيما يدركونه من العلوم على غير الطرق المعتادة فإذا أدركوها نسبوا إلى تلك الصفة التي أدركوا بها المعلومات فيقولون فلان صاحب نظر أي بالنظر يدرك جميع المعلومات وهذا ذقته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفلان صاحب سمع وفلان صاحب طعم وصاحب نفس وأنفاس يعني الشم وصاحب لمس وفلان صاحب معنى وهذا خارج عن هؤلاء بل هو كما يقال في العامة صاحب فكر صحيح .
    فمن الناس من أعطى النظر إلى آخر القوي على قدر ما أعطى وهو له عادة إذا استمر ذلك عليه لأنه مشتق من العود أي يعود ذلك عليه في كل نظرة أو في كل شم ما ثم غير ذلك وكذلك أيضا لتعلم إن الأسماء الإلهية مثل هذا وأن كل اسم يعطي حقيقة خاصة ففي قوته أن يعطي كل واحد من الأسماء الإلهية ما تعطيه جميع الأسماء قال تعالى :
    قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى وكذلك لو ذكر كل اسم لقال فيه إن له الأسماء الحسنى وذلك لاحدية المسمى فاعلم ذلك فمن الناس من يختص به الاسم الله فتكون معارفه إلهية ومنهم من يختص به الاسم الرحمن فتكون معارفه رحمانية كما كانت في القوي الكونية يقال فيها معارف هذا الشخص نظرية وفي حق آخر سمعية فهو من عالم النظر وعالم السمع وعالم الأنفاس هكذا تنسب معارفه في الإلهيات إلى الاسم الإلهي الذي فتح له فيه فتندرج فيه حقائق الأسماء كلها فإذا علمت هذا أيضا فاعلم إن الذي يختص بهذا الباب من الأسماء الإلهية لهذا الشخص المعين الاسم الرحمن والذي يختص به من القوي فينسب إليها قوة الشم ومتعلقها الروائح وهي الأنفاس فهو من عالم الأنفاس في نسبة القوي ومن الرحمانيين في مراتب الأسماء فنقول إن هذا الشخص المعين في هذا الباب سواء كان زيدا أو عمرا معرفته رحمانية فكل أمر ينسب إلى الاسم الرحمن في كتاب أو سنة فإنه ينسب إلى هذا الشخص فإن هذا الاسم هو الممد له وليس لاسم إلهي عليه حكم إلا بوساطة هذا الاسم على أي وجه كان ولهذا نقول إن الله سبحانه قد أبطن في مواضع رحمته في عذابه ونقمته كالمريض الذي جعل في عذابه بالمرض رحمته به فيما يكفر عنه من الذنوب فهذه رحمة في نقمة وكذلك من انتقم منه في إقامة الحد من قتل أو ضرب فهو عذاب حاضر فيه رحمة باطنة بها ارتفعت عنه المطالبة في الدار الآخرة كما أنه في نعمته في الدنيا من الاسم المنعم أبطن نقمته فهو ينعم الآن بما به يتعذب لبطون العذاب فيه في الدار الآخرة أو في زمان التوبة فإن الإنسان إذا تاب ونظر وفكر فيما تلذذ به من المحرمات تعود تلك الصور المستحضرة عليه عذابا وكان قبل التوبة حين يستحضرها في ذهنه يلتذ بها غاية اللذة فسبحان من أبطن رحمته في عذابه وعذابه في رحمته ونعمته في نقمته ونقمته في نعمته فالمبطون أبدا هو روح العين الظاهرة أي شئ كان فهذا الشخص لما كانت معرفته رحمانية وكان الاسم الرحمن استوى على العرش فقال تعالى الرحمن على العرش استوى كانت همة هذا الشخص عرشية فكما كان العرش للرحمن كانت الهمة لهذه المعرفة محلا لاستوائها فقيل همته عرشية ومقام هذا الشخص باطن الأعراف وهو السور الذي بين أهل السعادة والشقاوة للأعراف رجال سيذكرون وهم الذين لم تقيدهم صفة كأبي يزيد وغيره وإنما كان مقامه باطن الأعراف لأن معرفته رحمانية وهمته عرشية فإن العرش مستوي الرحمن كذلك باطن الأعراف فيه الرحمة كما إن ظاهره فيه العذاب فهذا الشخص له رحمة بالموجودات كلها بالعصاة والكفار وغيرهم قال تعالى لسيد هذا المقام وهو محمد صلى الله عليه وسلم حين دعا على رعل وذكوان وعصية بالعذاب والانتقام فقال عليك بفلان وفلان وذكر ما كان منهم قال الله له إن الله ما بعثك سبابا ولا لعانا ولكن بعثك رحمة فنهى عن الدعاء عليهم وسبهم وما يكرهون وأنزل الله عز وجل عليه :
    وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فعم العالم أي لترحمهم وتدعوني لهم لا عليهم فيكون عوض قوله لعنهم الله تاب الله عليهم وهداهم كما قال حين جرحوه اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون يريد من كذبه من غير أهل الكتاب والمقلدة من أهل الكتاب لا غيرهم فلهذا قلنا في حق هذا الشخص صاحب هذا المقام إنه رحيم بالعصاة والكفار فإذا كان حاكما هذا الشخص وأقام الحد أو كان ممن تتعين عليه شهادة في إقامة حد فشهد به أو أقامه فلا يقيمه إلا من باب الرحمة ومن الاسم الرحمن في حق المحدود والمشهود عليه لا من باب الانتقام وطلب التشفي لا يقتضيه مقام هذا الاسم فلا يعطيه حاله هذا الشخص قال تعالى في قصة إبراهيم :
    إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ومن كان هذا مقامه ومعرفته وهذا الاسم الرحمن ينظر إليه فيعاين من الأسرار ذوقا ما بين نسبة الاستواء إلى العرش وما بين نسبة الأين إلى العماء هل هما على حد واحد أو يختلف ويعلم ما للحق من نعوت الجلال واللطف معا بين العماء والاستواء إذ قد كان في العماء ولا عرش فيوصف بالاستواء عليه ثم خلق العرش واستوى عليه بالاسم الرحمن وللعرش حد يتميز به من العماء الذي هو الاسم الرب وللعماء حد يتميز به عن العرش ولا بد من انتقال من صفة إلى صفة فما كان نعته تعالى بين العماء والعرش أو بأي نسبة ظهر بينهما إذ قد تميز كل واحد منهما عن صاحبه بحده وحقيقته كما يتميز العماء الذي فوقه الهواء وتحته الهواء وهو السحاب الرقيق الذي يحمله الهواء الذي تحته وفوقه عن العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء فهو عماء غير محمول فيعلم السامع أن العماء الذي جعل للرب أينية أنه عماء غير محمول ثم جاء قوله تعالى :
    هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام فهل هذا الغمام هو راجع إلى ذلك العماء فيكون العماء حاملا للعرش ويكون العرش مستوي الرحمن فتجمع القيامة بين العماء والعرش أو هو هذا المقام المقصود الذي فوقه هواء وتحته هواء فصاحب هذا المقام يعطي علم ذلك كله ثم إن صاحب هذا المقام يعطي أيضا من العلوم الإلهية من هذا النوع بالاسم الرحمن نزول الرب إلى سماء الدنيا من العرش يكون هذا النزول أو من العماء فإن العماء إنما ورد حين وقع السؤال عن الاسم الرب فقيل له أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه فقال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء فاسم كان المضمر هو ربنا وقال ينزل ربنا إلى السماء فيدلك هذا على إن نزوله إلى السماء الدنيا من ذلك العماء كما كان استواءه على العرش من ذلك العماء فنسبته إلى السماء الدنيا كنسبته إلى العرش لا فرق فما فارق العرش في نزوله إلى السماء الدنيا ولا فارق العماء في نزوله إلى العرش ولا إلى السماء الدنيا ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول في هذا النزول إلى السماء الدنيا هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فاغفر له هل من سائل فأعطيه هل من داع فأجيبه فهذا كله من باب رحمته ولطفه وهذا حقيقة الاسم الرحمن الذي استوى على العرش فنزلت هذه الصفة مع الاسم الرب إلى السماء الدنيا فهو ما أعلمناك به إن كل اسم إلهي يتضمن حكم جميع الأسماء الإلهية من حيث إن المسمى واحد فيعلم صاحب هذا المقام من هذا النزول الرباني السماوي ما يختص بالاسم الرحمن منه الذي قال به هل من تائب هل من مستغفر فإن الرحمن يطلب هذا القول بلا شك فهذا حظ ما يعلم صاحب هذا المقام من هذا النزول بلا واسطة ويعلم نزول الرب من العماء إلى السماء بوساطة الاسم الرحمن لأنه ليس للاسم الرب على صاحب هذا المقام سلطان فإنه كما قلنا الاسم الرحمن فلا يعلم من الاسم الرب ولا غيره أمرا إلا بالاسم الرحمن فيعلم عند ذلك بإعلام الرحمن إياه ما أراد الحق بنزوله من العماء إلى السماء على هذا الوجه هي معرفته ثم مما يختص بعلمه صاحب هذا المقام بوساطة الاسم الرحمن علم قول الله ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن فأتى بياء الإضافة في السعة والعبودية فلم يأخذ من الله إلا قدر ما تعطيه الياء خاصة ويتضمن هذا علمين علما بما فيه من العناية بعبده المؤمن فيأخذه من الاسم الرحمن بذاته وعلما بما فيه من سر الإضافة بحرف الياء فيأخذه من الله بترجمة الاسم الرحمن فيعلم إن للسعة هنا المراد بها الصورة التي خلق الإنسان عليها كأنه يقول ما ظهرت أسمائي كلها إلا في النشأة الإنسانية قال تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها أي الأسماء الإلهية التي وجدت عنها الأكوان كلها ولم تعطها الملائكة .
    وقال صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته وإن كان الضمير عندنا متوجها أن يعود على آدم فيكون فيه رد على بعض النظار من أهل الأفكار ويتوجه أن يعود على الله لتخلقه بجميع الأسماء الإلهية فعلمت إن هذه السعة إنما قبلها العبد المؤمن لكونه على الصورة كما قبلت المرآة صورة الرائي دون غيرها مما لا صقالة فيه ولا صفاء ولم يكن هذا للسماء لكونها شفافة ولا للأرض لكونها غير مصقولة فدل على إن خلق الإنسان وإن كان عن حركات فلكية هي أبوه وعن عناصر قابلة وهي أمه فإن له من جانب الحق أمرا ما هو في آبائه ولا في أمهاته من ذلك الأمر وسع جلال الله تعالى إذ لو كان ذلك من قبل أبيه الذي هو السماء أو أمه التي هي الأرض أو منهما لكان السماء والأرض أولى بأن يسعا الحق ممن تولد عنهما ولا سيما والله تعالى يقول الخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون يريد في المعنى لا في الجرمية ومع هذا فاختص الإنسان بأمر أعطاه هذه السعة التي ضاق عنها السماء والأرض فلم تكن له هذه السعة إلا من حيث أمر آخر من الله فضل به على السماء والأرض فكل واحد من العالم فاضل مفضول فقد فضل كل واحد من العالم من فضله لحكمة الافتقار والنقص الذي هو عليه كل ما سوى الله فإن الإنسان إذا زها بهذه السعة وافتخر على الأرض والسماء جاءه قوله تعالى :
    لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وإذا زهت السماء والأرض بهذه الآية على الإنسان جاء قوله ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي فأزال عنه هذا العلم ذلك الزهو والفخر وعنهما وافتقر الكل إلى ربه وانحجب عن زهوه ونفسه وقوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون يدل على إن بعض الناس يعلم ذلك وعلم هذا من علمه منا من الاسم الرحمن الذي هو له وبه تحقق فسل به خبيرا فرحمه عند ما زها بعلم ما فضل به على السماء والأرض وعلم من ذلك أنه ما حصل له من الاسم الرحمن إلا قدر ما كشف له مما فيه دواؤه فإن ذلك الأمر الذي به فضل السماء والأرض هذا العبد هو أيضا من الاسم الرحمن ما جاد به على هذا العبد ولا تقول إن هذا طعن في كونه نسخة من العالم بل هو على الحقيقة نسخة جامعة باعتبار إن فيه شيئا من السماء بوجه ما ومن الأرض بوجه ما ومن كل شئ بوجه ما لا من جميع الوجوه فإن الإنسان على الحقيقة من جملة المخلوقات لا يقال فيه إنه سماء ولا أرض ولا عرش ولكن يقال فيه إنه يشبه السماء من وجه كذا والأرض من وجه كذا والعرش من وجه كذا وعنصر النار من وجه كذا وركن الهواء من وجه كذا والماء والأرض وكل شئ في العالم فبهذا الاعتبار يكون نسخة وله اسم الإنسان كما للسماء اسم السماء ومن علوم صاحب هذا المقام نزول القرآن فرقانا لا قرآنا فإذا علمه قرآنا فليس من الاسم الرحمن وإنما الاسم الرحمن ترجم له عن اسم آخر إلهي يتضمنه الاسم الرحمن وأنه نزل في ليلة مباركة وهي ليلة القدر فعرف بنزوله مقادير الأشياء وأوزانها وعرف بقدره منها كما نزل الرب تعالى في الثلث الباقي من الليل فالليل محل النزول الزماني للحق وصفته التي هي القرآن وكان الثلث الباقي من الليل في نزول الرب غيب محمد صلى الله عليه وسلم وغيب هذا النوع الإنساني فإن الغيب ستر والليل ستر وسمي هذا الباقي من الليل الثلث لأن هذه النشأة الإنسانية لها البقاء دائما في دار الخلود فإن الثلثين الأولين ذهبا بوجود الثلث الباقي أو الآخر من الليل فيه نزل الحق فأوجب له البقاء أيضا وهو ليل لا يعقبه صباح أبدا فلا يذهب لكن ينتقل من حال إلى حال ومن دار إلى دار كما ينتقل الليل من مكان إلى مكان أمام الشمس وإنما يفر أمامها لئلا تذهب عينه إذ كان النور ينافي الظلمة وتنافيه غير أن سلطان النور أقوى فالنور ينفر الظلمة والظلمة لا تنفر النور وإنما هو النور ينتقل فتظهر الظلمة في الموضع الذي لا عين للنور فيه ألا ترى الحق تسمى بالنور ولم يتسم بالظلمة إذ كان النور وجودا والظلمة عدما وإذ كان النور لا تغالبه الظلمة بل النور الغالب كذلك الحق لا يغالبه الخلق بل الحق الغالب فسمى نفسه نورا فتذهب السماء وهو الثلث الأول من الليل وتذهب الأرض وهو الثلث الثاني من الليل ويبقى الإنسان في الدار الآخرة أبد الآبدين إلى غير نهاية وهو الثلث الباقي من الليل وهو الولد عن هذين الأبوين السماء والأرض فنزل القرآن في الليلة المباركة في الثلث الآخر منها وهو الإنسان الكامل ففرق فيه كل أمر حكيم فتميز عن أبويه بالبقاء نزل به الروح الأمين على قلبك هو محمد صلى الله عليه وسلم ألا ترى الشارع كيف قال في ولد الزنا إنه شر الثلاثة وكذلك ولد الحلال خير الثلاثة من هذا الوجه خاصة فإن الماء الذي خلق منه الولد من الرجل والمرأة أراد الخروج وهو الماء الذي تكون منه الولد وهو الأمر الثالث فحرك لما أراد الخروج الأبوين للنكاح ليخرج وكان تحريكه لهما على غير وجه مرضي شرعا يسمى سفاحا فقيل فيه إنه شر الثلاثة أي هو سبب الحركة التي بها انطلق عليهم اسم الشر فجعله ثلاثة أثلاث الأبوان ثلثان والولد ثالث كذلك قسم الليل على ثلاثة أثلاث ثلثان ذاهبان وهما السماء والأرض وثلث باق وهو الإنسان وفيه ظهرت صورة الرحمن وفيه نزل القرآن وإنما سميت السماء والأرض ليلا لأن الظلمة لها من ذاتها والإضاءة فيها من غيرها من الأجسام المستنيرة التي هي الشمس وأمثالها فإذا زالت الشمس أظلمت السماء والأرض فهذا يا أخي قد استفدت علوما لم تكن تعرفها قبل هذا وهي علوم هذا الشخص المحقق بمنزل الأنفاس وكل ما أدركه هذا الشخص فإنما أدركه من الروائح بالقوة الشمية لا غير وقد رأينا منهم جماعة بإشبيلية وبمكة وبالبيت المقدس وفاوضناهم في ذلك مفاوضة حال لا مفاوضة نطق كما أني فاوضت طائفة أخرى من أصحاب النظر البصري بالبصر فكنت أسأل وأجاب ونسأل ونجيب بمجرد النظر ليس بيننا كلام معتاد ولا اصطلاح بالنظر أصلا لكن كنت إذا نظرت إليه علمت جميع ما يريده مني وإذا نظر إلى علم جميع ما نريده منه فيكون نظره إلي سؤالا أو جوابا ونظري إليه كذلك فنحصل علوما جمة بيننا من غير كلام ويكفي هذا القدر من بعض علم هذا الشخص فإن علومه كثيرة أحطنا بها فمن أراد أن يعرف مما ذكرناه شيئا فليعلم الفرق بين في في قوله كان في عماء وبين استوى في قوله الرحمن على العرش استوى ولم يقل في كما قال في السماء وفي الليل ويتبين لك في كل ما ذكرناه مقام جمع الجمع ومقام الجمع ومقام التفرقة ومقام تمييز المراتب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء التاسع عشر
    لا اله الا الله محمد رسول الله

صفحة 10 من 12 الأولىالأولى ... 89101112 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 01:37 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft