إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 8 من 10 الأولىالأولى ... 678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 71 إلى 80 من 98

الموضوع: الفتوحات المكية الجزء الأول

  1. #71
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10

    في معرفة دورة فلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

    (بسم الله الرحمن الرحيم) (الباب الثاني عشر) في معرفة دورة فلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
    وهي دورة السيادة وأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله تعالى

    إلا بأبي من كان ملكا وسيدا * وآدم بين الماء والطين واقف
    فذاك الرسول الأبطحي محمد * له في العلى مجد تليد وطارف
    أتى بزمان السعد في آخر المدى * وكانت له في كل عصر مواقف
    أتى لانكسار الدهر يجبر صدعه * فأثنت عليه ألسن وعوارف
    إذا رام أمرا لا يكون خلافه * وليس لذاك الأمر في الكون صارف

    اعلم أيدك الله أنه لما خلق الله الأرواح المحصورة المدبرة للأجسام بالزمان عند وجود حركة الفلك لتعيين المدة المعلومة عند الله وكان عند أول خلق الزمان بحركته خلق الروح المدبرة روح محمد صلى الله عليه وسلم ثم صدرت الأرواح عند الحركات فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة وأعلمه الله بنبوته وبشره بها وآدم لم يكن إلا كما قال بين الماء والطين وانتهى الزمان بالاسم الباطن في حق محمد صلى الله عليه وسلم إلى وجود جسمه وارتباط الروح به انتقل حكم الزمان في جريانه إلى الاسم الظاهر فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بذاته جسما وروحا فكان الحكم له باطنا أولا في جميع ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل سلام الله عليهم أجمعين ثم صار الحكم له ظاهرا فنسخ كل شرع أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الإسمين وإن كان المشرع واحدا وهو صاحب الشرع فإنه قال كنت نبيا وما قال كنت إنسانا ولا كنت موجودا وليست النبوة إلا بالشرع المقرر عليه من عند الله فأخبر أنه :
    صاحب النبوة قبل وجود الأنبياء الذين هم نوابه في هذه الدنيا كما قررناه فيما تقدم من أبواب هذا الكتاب فكانت استدارته انتهاء دورته بالاسم الباطن وابتداء دورة أخرى بالاسم الظاهر فقال استدار كهيئته يوم خلقه الله في نسبة الحكم لنا ظاهرا كما كان في الدورة الأولى منسوبا إلينا باطنا أي إلى محمد وفي الظاهر منسوبا إلى من نسب إليه من شرع إبراهيم وموسى وعيسى وجميع الأنبياء والرسل وفي الأنبياء من الزمان أربعة حرم :
    هود وصالح وشعيب سلام الله عليهم ومحمد صلى الله عليه وسلم وعينها من الزمان ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر .
    ولما كانت العرب تنسأ في الشهور فترد المحرم منها حلالا والحلال منها حراما وجاء محمد صلى الله عليه وسلم فرد الزمان إلى أصله الذي حكم الله به عند خلقه فعين الحرم من الشهور على حد ما خلقها الله عليه فلهذا قال في اللسان الظاهر إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله كذلك استدار الزمان فأظهر محمدا صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه جسما وروحا بالاسم الظاهر حسا فنسخ من شرعه المتقدم ما أراد الله أن ينسخ منه وأبقى ما أراد الله أن يبقى منه وذلك من الأحكام خاصة لا من الأصول ولما كان ظهوره بالميزان وهو العدل في الكون وهو معتدل لأن طبعه الحرارة والرطوبة كان من حكم الآخرة فإن حركة الميزان متصلة بالآخرة إلى دخول الجنة والنار .
    ولهذا كان العلم في هذه الأمة أكثر مما كان في الأوائل وأعطى محمد صلى الله عليه وسلم علم الأولين والآخرين لأن حقيقة الميزان تعطي ذلك وكان الكشف أسرع في هذه الأمة مما كان في غيرها لغلبة البرد واليبس على سائر الأمم قبلنا وإن كانوا أذكياء وعلماء فآحاد منهم معينون بخلاف ما هم الناس اليوم عليه ألا ترى هذه الأمة قد ترجمت جميع علوم الأمم ولو لم يكن المترجم عالما بالمعنى الذي دل عليه لفظ المتكلم به لما صح أن يكون هذا مترجما ولا كان ينطلق على ذلك اسم الترجمة فقد علمت هذه الأمة علم من تقدم واختصت بعلوم لم تكن للمتقدمين ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله فعلمت علم الأولين وهم الذين تقدموه ثم قال والآخرين وهو علم ما لم يكن عند المتقدمين وهو ما تعلمه أمته من بعده إلى يوم القيامة فقد أخبر أن عندنا علوما لم تكن قبل فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لنا وهو الصادق بذلك فقد ثبتت له صلى الله عليه وسلم السيادة في العلم في الدنيا وثبتت له أيضا السيادة في الحكم حيث قال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا إن يتبعني ويبين ذلك عند نزول عيسى عليه السلام وحكمه فينا بالقرآن فصحت له السيادة في الدنيا بكل وجه ومعنى ثم أثبت السيادة له على سائر الناس يوم القيامة بفتحه باب الشفاعة ولا يكون ذلك لنبي يوم القيامة إلا له صلى الله عليه وسلم فقد شفع صلى الله عليه وسلم في الرسل والأنبياء أن تشفع نعم وفي الملائكة فاذن الله تعالى عند شفاعته في ذلك لجميع من له شفاعة من ملك ورسول ونبي ومؤمن أن يشفع فهو صلى الله عليه وسلم أول شافع بإذن الله وارحم الراحمين آخر شافع يوم القيامة فيشفع الرحيم عند المنتقم أن يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط فيخرجهم المنعم المتفضل وأي شرف أعظم من دائرة تدار يكون آخرها أرحم الراحمين وآخر الدائرة متصل بأولها فأي شرف أعظم من شرف محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان ابتداء هذه الدائرة حيث اتصل بها آخرها لكما لها فبه سبحانه ابتدأت الأشياء وبه كملت وما أعظم شرف المؤمن حيث تلت شفاعته بشفاعة أرحم الراحمين فالمؤمن بين الله وبين الأنبياء فإن العلم في حق المخلوق وإن كان له الشرف التام الذي لا تجهل مكانته ولكن لا يعطي السعادة في القرب الإلهي إلا بالإيمان فنور الايمان في المخلوق أشرف من نور العلم الذي لا إيمان معه فإذا كان الايمان يحصل عنه العلم فنور ذلك العلم المولد من نور الايمان أعلى وبه يمتاز على المؤمن الذي ليس بعالم فيرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين درجات على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم ويزيد العلم بالله .
    فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه أنتم أعلم بمصالح دنياكم فلا فلك أوسع من فلك محمد صلى الله عليه وسلم فإن له الإحاطة وهي لمن خصه الله بها من أمته بحكم التبعية فلنا الإحاطة بسائر الأمم ولذلك كنا شهداء على الناس فأعطاه الله من وحي أمر السماوات ما لم يعط غيره في طالع مولده .
    - فمن الأمر المخصوص بالسماء الأولى من هناك لم يبدل حرف من القرآن ولا كلمة ولو ألقى الشيطان في تلاوته ما ليس منها بنقص أو زيادة لنسخ الله ذلك وهذا عصمة ومن ذلك الثبات ما نسخت شريعته بغيرها بل ثبتت محفوظة واستقرت بكل عين ملحوظة ولذلك تستشهد بها كل طائفة .
    - ومن الأمر المخصوص بالسماء الثانية من هناك أيضا خص بعلم الأولين والآخرين والتؤدة والرحمة والرفق وكان بالمؤمنين رحيما وما أظهر في وقت غلظة على أحد إلا عن أمر إلهي حين قيل له جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم فأمر به لما لم يقتض طبعه ذلك وإن كان بشرا يغضب لنفسه ويرضى لنفسه فقد قدم لذلك دواءنا فما يكون في ذلك الغضب رحمة من حيث لا يشعر بها في حال الغضب فكان يدل بغضبه مثل دالته برضاه وذلك لأسرار عرفناها ويعرفها أهل الله منا فصحت له السيادة على العالم من هذا الباب .
    فإن غير أمته قيل فيهم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون فأضلهم الله على علم وتولى الله فينا حفظ ذكره فقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون لأنه سمع العبد وبصره ولسانه ويده واستحفظ كتابه غير هذه الأمة فحرفوه .
    - ومن الأمر المخصوص من وحي السماء الثالثة من هناك أيضا السيف الذي بعثه به والخلافة واختص بقتال الملائكة معه منها أيضا فإن ملائكة هذه السماء قاتلت معه يوم بدر ومن هذه السماء أيضا بعث من قوم ليس لهم همة إلا في قرى الأضياف ونحر الجزر والحروب الدائمة وسفك الدماء وبهذا يتمدحون ويمدحون قيل في بعضهم :
    ضروب بنصل السيف سوق سمانها * إذا عدموا زادا فإنك عاقر
    (وقال الآخر منهم يمدح قومه)
    لا يبعدن قومي الذين همو * سم العداة وآفة الجزر
    النازلون بكل معترك * والطيبون معاقد الأزر

    فمدحهم بالكرم والشجاعة والعفة يقول عنترة بن شداد في حفظ الجار في أهله :
    وأغض طرفي ما بدت لي جارتي * حتى يواري جارتي مأواها
    ولا خفاء عند كل أحد بفضل العرب على العجم بالكرم والحماسة والوفاء وإن كان في العجم كرماء وشجعان ولكن آحاد كما إن في العرب جبناء وبخلاء ولكن أحاد وإنما الكلام في الغالب لا في النادر وهذا ما لا ينكره أحد فهذا مما أوحى الله في هذه السماء فهذا كله من الأمر الذي يتنزل بين السماء والأرض لمن فهم ولو ذكرنا على التفصيل ما في كل سماء من الأمر الذي أوحى الله سبحانه فيها لأبرزنا من ذلك عجائب ربما كان ينكرها بعض من ينظر في ذلك العلم من طريق الرصد والتسيير من أهل التعاليم ويحار المنصف منهم فيه إذا سمعه .
    - ومن الوحي المأمور به في السماء الرابعة نسخه بشريعته جميع الشرائع وظهور دينه على جميع الأديان عند كل رسول ممن تقدمه وفي كل كتاب منزل فلم يبق لدين من الأديان حكم عند الله إلا ما قرر منه فبتقريره ثبت فهو من شرعه وعموم رسالته وإن كان بقي من ذلك حكم فليس هو من حكم الله إلا في أهل الجزية خاصة وإنما قلنا ليس هو حكم الله لأنه سماه باطلا فهو على من اتبعه لا له فهذا أعني بظهور دينه على جميع الأديان كما قال النابغة في مدحه :
    ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب
    بأنك شمس والملوك كواكب * إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

    وهذه منزلة محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلة ما جاء به من الشرع من الأنبياء وشرائعهم سلام الله عليهم أجمعين فإن أنوار الكواكب اندرجت في نور الشمس فالنهار لنا والليل وحده لأهل الكتب إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقد بسطنا في التنزلات الموصلية من أمر كل سماء ما إذا وقفت عليه عرفت بعض ما في ذلك .
    - ومن الوحي المأمور به في السماء الخامسة من هناك المختص بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه ما ورد قط عن نبي من الأنبياء أنه حبب إليه النساء إلا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كانوا قد رزقوا منهن كثيرا كسليمان عليه السلام وغيره ولكن كلامنا في كونه حبب إليه وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان نبيا وآدم بين الماء والطين كما قررناه وعلى الوجه الذي شرحناه فكان منقطعا إلى ربه لا ينظر معه إلى كون من الأكوان لشغله بالله عنه فإن النبي مشغول بالتلقي من الله ومراعاة الأدب فلا يتفرع إلى شئ دونه فحبب الله إليه النساء فأحبهن عناية من الله بهن فكان صلى الله عليه وسلم بحبهن بكون الله حببهن إليه خرج مسلم في صحيحه في أبواب الايمان أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب أن يكون نعلي حسنا وثوبي حسنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب الجمال ومن هذه السماء حب الطيب وكان من سنته النكاح لا التبتل وجعل النكاح عبادة للسر الإلهي الذي أودع فيه وليس إلا في النساء وذلك ظهور الأعيان للثلاثة الأحكام التي تقدم ذكرها في الانتاج عن المقدمتين والرابط الذي جعله علة الانتاج فهذا الفضل وما شاكله مما اختص به محمد صلى الله عليه وسلم وزاد فيه بنكاح الهبة كما جعل في أمته فيما يبين لها من النكاح لمن لا شئ له من الأعواض بما يحفظه من القرآن خاصة لا أنه يعلمها وهذا وإن لم يقو قوة الهبة ففيه اتساع للأمة وليس في الوسع استيفاء ما أوحى الله من الأمر في كل سماء .

    لا اله الا الله محمد رسول الله

  2. #72
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10
    - ومن الأمر الموحي في السماء السادسة إعجاز القرآن والذي أعطيه صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم من هذه السماء تنزل إليه ولم يعط ذلك نبي قبله وقد قال أعطيت ستا لم يعطهن نبي قبلي وكل ذلك أوحي في السماوات من قوله وأوحى في كل سماء أمرها فجعل في كل سماء ما يصلح تنفيذه في الأرض في هذا الخلق فكان من ذلك أن بعث وحده إلى الناس كافة فعمت رسالته وهذا مما أوحى الله به في السماء الرابعة .
    ونصر بالرعب وهو مما أوحى الله به في السماء الثالثة من هناك .
    ومنها ما حلل الله له من الغنائم وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا من السماء الثانية من هناك أوتيت جوامع الكلم من أمر وحي السماء السادسة ومن أمر هذه السماء ما خصه الله به من إعطائه إياه مفاتيح خزائن الأرض .
    - ومن الوحي المأمور به في السماء السابعة من هناك وهي السماء الدنيا التي تلينا كون الله خصه بصورة الكمال فكملت به الشرائع وكان خاتم النبيين ولم يكن ذلك لغيره صلى الله عليه وسلم فبهذا وأمثاله انفرد بالسيادة الجامعة للسيادات كلها والشرف المحيط الأعم صلى الله عليه وسلم فهذا قد نبهنا على ما حصل له في مولده من بعض ما أوحى الله به في كل سماء من أمره .
    وقوله الزمان ولم يقل الدهر ولا غيره ينبه على وجود الميزان فإنه ما خرج عن الحروف التي في الميزان بذكر الزمان وجعل ياء الميزان مما يلي الزاي وخفف الزاي وعددها في الزمان إشعارا بأن في هذه الزاي حرفا مدغما فكان أول وجود الزمان في الميزان للعدل الروحاني وفي الاسم الباطن لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ثم استدار بعد انقضاء دورة الزمان التي هي ثمانية وسبعون ألف سنة ثم ابتدأت دورة أخرى من الزمان بالاسم الظاهر فظهر فيها جسم محمد صلى الله عليه وسلم وظهرت شريعته على التعيين والتصريح لا بالكناية واتصل الحكم بالآخرة فقال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وقيل لنا وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان وقال تعالى : والسماء رفعها ووضع الميزان فبالميزان أوحى في كل سماء أمرها وبه قدر في الأرض أقواتها ونصبه الحق في العالم في كل شئ فميزان معنوي وميزان حسي لا يخطئ أبدا فدخل الميزان في الكلام وفي جميع الصنائع المحسوسة وكذلك في المعاني إذ كان أصل وجود الأجسام والأجرام وما تحمله من المعاني عند حكم الميزان وكان وجود الميزان وما فوق الزمان عن الوزن الإلهي الذي يطلبه الاسم الحكيم ويظهره الحكم العدل لا إله إلا هو .
    وعن الميزان ظهر العقرب وما أوحى الله فيه من الأمر الإلهي والقوس والجدي والدلو والحوت والحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وانتهت الدورة الزمانية إلى الميزان لتكرار الدور فظهر محمد صلى الله عليه وسلم .
    وكان له في كل جزء من أجزاء الزمان حكم اجتمع فيه بظهوره صلى الله عليه وسلم وهذه الأسماء أسماء ملائكة خلقهم الله وهم الاثنا عشر ملكا وجعل لهم الله مراتب في الفلك المحيط وجعل بيد كل ملك ما شاء أن يجعله مما يبرزه فيمن هو دونهم إلى الأرض حكمة فكانت روحانية محمد صلى الله عليه وسلم تكتسب عند كل حركة من الزمان أخلاقا بحسب ما أودع الله في تلك الحركات من الأمور الإلهية فما زالت تكتسب هذه الصفات الروحانية قبل وجود تركيبها إلى أن ظهرت صورة جسمه في عالم الدنيا بما جبله الله عليه من الأخلاق المحمودة فقيل فيه وإنك لعلى خلق عظيم فكان ذا خلق لم يكن ذا تخلق ولما كانت الأخلاق تختلف أحكامها باختلاف المحل الذي ينبغي أن يقابل بها احتاج صاحب الخلق إلى علم يكون عليه حتى يصرف في ذلك المحل الخلق الذي يليق به عن أمر الله فيكون قربة إلى الله فلذلك تنزلت الشرائع لتبين للناس محال أحكام الأخلاق التي جبل الإنسان عليها فقال الله في مثل ذلك : ولا تقل لهما أف لوجود التأفيف في خلقه فأبان عن المحل الذي لا ينبغي أن يظهر فيه حكم هذا الخلق ثم بين المحل الذي ينبغي أن يظهر فيه هذا الخلق فقال : أف لكم ولما تعبدون من دون الله وقال تعالى : فلا تخافوهم فأبان عن المحل الذي ينبغي أن لا يظهر فيه خلق الخوف ثم قال لهم :
    خافوني فأبان لهم حيث ينبغي أن يظهر حكم هذه الصفة وكذلك الحسد والحرص وجميع ما في هذه النشأة الطبيعية الظاهر حكم روحانيتها فيها قد أبان الله لنا حيث نظهرها وحيث نمنعها فإنه من المحال إزالتها عن هذه النشأة إلا بزوالها لأنها عينها والشئ لا يفارق نفسه .
    قال صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين وقال زادك الله حرصا ولا تعد وإنما قلنا الظاهر حكم روحانيتها فيها تحرزنا بذلك من أجل أهل الكشف والعلماء الراسخين في العلم من المحققين العالمين فإن المسمى بالجماد والنبات عندنا لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة لا يحس بها مثل ما يحسها من الحيوان فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق بل حي ناطق غير إن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا غير بالصورة ووقع التفاضل بين الخلائق في المزاج فإنه لا بد في كل ممتزج من مزاج خاص لا يكون إلا له به يتميز عن غيره كما يجتمع مع غيره في أمر فلا يكون عين ما يقع به الافتراق والتميز عين ما يقع به الاشتراك وعدم التميز فاعلم ذلك وتحققه قال تعالى : وإن من شئ إلا يسبح بحمدهوشئ نكرة ولا يسبح إلا حي عاقل عالم بمسبحه وقد ورد أن المؤذن يشهد له مدي صوته من رطب ويابس والشرائع والنبوات من هذا القبيل مشحونة .
    ونحن زدنا مع الايمان بالأخبار الكشف فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه كل إنسان فكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم فرسولهم من ذواتهم إعلام من الله بإلهام خاص جبلهم عليه كعلم بعض الحيوانات بأشياء يقصر عن إدراكها المهندس النحر يرو علمهم على الإطلاق بمنافعهم فيما يتناولونه من الحشائش والمأكل وتجنب ما يضرهم من ذلك كل ذلك في فطرتهم كذلك المسمى جمادا ونباتا أخذ الله بأبصارنا وأسماعنا عماهم عليه من النطق ولا تقوم الساعة حتى تكلم الرجل فخذه بما فعله أهله جعل الجهلاء من الحكماء هذا إذا صح إيمانهم به من باب العلم بالاختلاج يريدون به علم الزجر وإن كان علم الزجر علما صحيحا في نفس الأمر وأنه من أسرار الله ولكن ليس هو مقصود الشارع في هذا الكلام فكان له صلى الله عليه وسلم الكشف الأتم فيرى ما لا نرى ولقد نبه عليه السلام على أمر عمل عليه أهل الله فوجدوه صحيحا قوله لولا تزييد في حديثكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع فخص برتبة الكمال في جميع أموره ومنها الكمال في العبودية فكان عبدا صرفا لم يقم بذاته ربانية على أحد وهي التي أوجبت له السيادة وهي الدليل على شرفه على الدوام وقد قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ولنا منه ميراث وافر وهو أمر يختص بباطن الإنسان وقوله وقد يظهر خلاف ذلك بأفعاله مع تحققه بالمقام فيلتبس على من لا معرفة له بالأحوال فقد بينا في هذا الباب ما مست الحاجة إليه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  3. #73
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10
    - ومن الأمر الموحي في السماء السادسة إعجاز القرآن والذي أعطيه صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم من هذه السماء تنزل إليه ولم يعط ذلك نبي قبله وقد قال أعطيت ستا لم يعطهن نبي قبلي وكل ذلك أوحي في السماوات من قوله وأوحى في كل سماء أمرها فجعل في كل سماء ما يصلح تنفيذه في الأرض في هذا الخلق فكان من ذلك أن بعث وحده إلى الناس كافة فعمت رسالته وهذا مما أوحى الله به في السماء الرابعة .
    ونصر بالرعب وهو مما أوحى الله به في السماء الثالثة من هناك .
    ومنها ما حلل الله له من الغنائم وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا من السماء الثانية من هناك .
    أوتيت جوامع الكلم من أمر وحي السماء السادسة ومن أمر هذه السماء ما خصه الله به من إعطائه إياه مفاتيح خزائن الأرض ومن الوحي المأمور به في السماء السابعة من هناك وهي السماء الدنيا التي تلينا كون الله خصه بصورة الكمال فكملت به الشرائع وكان خاتم النبيين ولم يكن ذلك لغيره صلى الله عليه وسلم فبهذا وأمثاله انفرد بالسيادة الجامعة للسيادات كلها والشرف المحيط الأعم صلى الله عليه وسلم فهذا قد نبهنا على ما حصل له في مولده من بعض ما أوحى الله به في كل سماء من أمره وقوله الزمان ولم يقل الدهر ولا غيره ينبه على وجود الميزان فإنه ما خرج عن الحروف التي في الميزان بذكر الزمان وجعل ياء الميزان مما يلي الزاي وخفف الزاي وعددها في الزمان إشعارا بأن في هذه الزاي حرفا مدغما فكان أول وجود الزمان في الميزان للعدل الروحاني وفي الاسم الباطن لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ثم استدار بعد انقضاء دورة الزمان التي هي ثمانية وسبعون ألف سنة ثم ابتدأت دورة أخرى من الزمان بالاسم الظاهر فظهر فيها جسم محمد صلى الله عليه وسلم وظهرت شريعته على التعيين والتصريح لا بالكناية واتصل الحكم بالآخرة فقال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وقيل لنا وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان وقال تعالى والسماء رفعها ووضع الميزان فبالميزان أوحى في كل سماء أمرها وبه قدر في الأرض أقواتها ونصبه الحق في العالم في كل شئ فميزان معنوي وميزان حسي لا يخطئ أبدا فدخل الميزان في الكلام وفي جميع الصنائع المحسوسة وكذلك في المعاني إذ كان أصل وجود الأجسام والأجرام وما تحمله من المعاني عند حكم الميزان وكان وجود الميزان وما فوق الزمان عن الوزن الإلهي الذي يطلبه الاسم الحكيم ويظهره الحكم العدل لا إله إلا هو وعن الميزان ظهر العقرب وما أوحى الله فيه من الأمر الإلهي والقوس والجدي والدلو والحوت والحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وانتهت الدورة الزمانية إلى الميزان لتكرار الدور فظهر محمد صلى الله عليه وسلم وكان له في كل جزء من أجزاء الزمان حكم اجتمع فيه بظهوره صلى الله عليه وسلم وهذه الأسماء أسماء ملائكة خلقهم الله وهم الاثنا عشر ملكا وجعل لهم الله مراتب في الفلك المحيط وجعل بيد كل ملك ما شاء أن يجعله مما يبرزه فيمن هو دونهم إلى الأرض حكمة فكانت روحانية محمد صلى الله عليه وسلم تكتسب عند كل حركة من الزمان أخلاقا بحسب ما أودع الله في تلك الحركات من الأمور الإلهية فما زالت تكتسب هذه الصفات الروحانية قبل وجود تركيبها إلى أن ظهرت صورة جسمه في عالم الدنيا بما جبله الله عليه من الأخلاق المحمودة فقيل فيه وإنك لعلى خلق عظيم فكان ذا خلق لم يكن ذا تخلق ولما كانت الأخلاق تختلف أحكامها باختلاف المحل الذي ينبغي أن يقابل بها احتاج صاحب الخلق إلى علم يكون عليه حتى يصرف في ذلك المحل الخلق الذي يليق به عن أمر الله فيكون قربة إلى الله فلذلك تنزلت الشرائع لتبين للناس محال أحكام الأخلاق التي جبل الإنسان عليها فقال الله في مثل ذلك ولا تقل لهما أف لوجود التأفيف في خلقه فأبان عن المحل الذي لا ينبغي أن يظهر فيه حكم هذا الخلق ثم بين المحل الذي ينبغي أن يظهر فيه هذا الخلق فقال أف لكم ولما تعبدون من دون الله وقال تعالى فلا تخافوهم فأبان عن المحل الذي ينبغي أن لا يظهر فيه خلق الخوف ثم قال لهم خافوني فأبان لهم حيث ينبغي أن يظهر حكم هذه الصفة وكذلك الحسد والحرص وجميع ما في هذه النشأة الطبيعية الظاهر حكم روحانيتها فيها قد أبان الله لنا حيث نظهرها وحيث نمنعها فإنه من المحال إزالتها عن هذه النشأة إلا بزوالها لأنها عينها والشئ لا يفارق نفسه قال صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين وقال زادك الله حرصا ولا تعد وإنما قلنا الظاهر حكم روحانيتها فيها تحرزنا بذلك من أجل أهل الكشف والعلماء الراسخين في العلم من المحققين العالمين فإن المسمى بالجماد والنبات عندنا لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة لا يحس بها مثل ما يحسها من الحيوان فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق بل حي ناطق غير إن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا غير بالصورة ووقع التفاضل بين الخلائق في المزاج فإنه لا بد في كل ممتزج من مزاج خاص لا يكون إلا له به يتميز عن غيره كما يجتمع مع غيره في أمر فلا يكون عين ما يقع به الافتراق والتميز عين ما يقع به الاشتراك وعدم التميز فاعلم ذلك وتحققه قال تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده وشئ نكرة ولا يسبح إلا حي عاقل عالم بمسبحه وقد ورد أن المؤذن يشهد له مدي صوته من رطب ويابس والشرائع والنبوات من هذا القبيل مشحونة ونحن زدنا مع الايمان بالأخبار الكشف فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه كل إنسان فكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم فرسولهم من ذواتهم إعلام من الله بإلهام خاص جبلهم عليه كعلم بعض الحيوانات بأشياء يقصر عن إدراكها المهندس النحر يرو علمهم على الإطلاق بمنافعهم فيما يتناولونه من الحشائش والمأكل وتجنب ما يضرهم من ذلك كل ذلك في فطرتهم كذلك المسمى جمادا ونباتا أخذ الله بأبصارنا وأسماعنا عماهم عليه من النطق ولا تقوم الساعة حتى تكلم الرجل فخذه بما فعله أهله جعل الجهلاء من الحكماء هذا إذا صح إيمانهم به من باب العلم بالاختلاج يريدون به علم الزجر وإن كان علم الزجر علما صحيحا في نفس الأمر وأنه من أسرار الله ولكن ليس هو مقصود الشارع في هذا الكلام فكان له صلى الله عليه وسلم الكشف الأتم فيرى ما لا نرى ولقد نبه ع على أمر عمل عليه أهل الله فوجدوه صحيحا قوله لولا تزييد في حديثكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع فخص برتبة الكمال في جميع أموره ومنها الكمال في العبودية فكان عبدا صرفا لم يقم بذاته ربانية على أحد وهي التي أوجبت له السيادة وهي الدليل على شرفه على الدوام وقد قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ولنا منه ميراث وافر وهو أمر يختص بباطن الإنسان وقوله وقد يظهر خلاف ذلك بأفعاله مع تحققه بالمقام فيلتبس على من لا معرفة له بالأحوال فقد بينا في هذا الباب ما مست الحاجة إليه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  4. #74
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10

    معرفة حملة العرش

    الباب الثالث عشر في معرفة حملة العرش
    العرش والله بالرحمن محمول * وحاملوه وهذا القول معقول
    وأي حول لمخلوق ومقدرة * لولاه جاء به عقل وتنزيل
    جسم وروح وأقوات ومرتبة * ما ثم غير الذي رتبت تفصيل
    فذا هو العرش إن حققت سورته * والمستوي باسمه الرحمن مأمول
    وهم ثمانية والله يعلمهم * واليوم أربعة ما فيه تعليل
    محمد ثم رضوان ومالكهم * وآدم وخليل ثم جبريل
    والحق بميكال إسرافيل ليس هنا * سوى ثمانية غر بهاليل

    اعلم أيد الله الولي الحميم أن العرش في لسان العرب يطلق ويراد به الملك يقال ثل عرش الملك إذا دخل في ملكه خلل ويطلق ويراد به السرير فإذا كان العرش عبارة عن الملك فتكون حملته هم القائمون به وإذا كان العرش السرير فتكون حملته ما يقوم عليه من القوائم أو من يحمله على كواهلهم والعدد يدخل في حملة العرش وقد جعل الرسول
    حكمهم في الدنيا أربعة وفي القيامة ثمانية فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ثم قال وهم اليوم أربعة يعني في يوم الدنيا وقوله :
    يومئذ ثمانية يعني يوم الآخرة روينا عن ابن مسرة الجبلي من أكبر أهل الطريق علما وحالا وكشفا العرش المحمول هو الملك وهو محصور في جسم وروح وغذاء ومرتبة :
    - فآدم وإسرافيل للصور
    - وجبريل ومحمد للأرواح
    - وميكائيل وإبراهيم للأرزاق
    - ومالك ورضوان للوعد والوعيد
    وليس في الملك إلا ما ذكر والأغذية التي هي الأرزاق حسية ومعنوية .
    فالذي نذكر في هذا الباب الطريقة الواحدة التي هي بمعنى الملك لما يتعلق به من الفائدة في الطريق وتكون حملته عبارة عن القائمين بتدبيره فتدبر صورة عنصرية أو صورة نورية وروحا مدبر الصورة عنصرية وروحا مدبرا مسخرا الصورة نورية وغذاء لصورة عنصرية وغذاء علوم ومعارف لأرواح ومرتبة حسية من سعادة بدخول الجنة .
    ومرتبة حسية من شقاوة بدخول جهنم
    ومرتبة روحية علمية فمبني هذا الباب على أربع مسائل :
    المسألة الأولى الصورة والمسألة الثانية الروح والمسألة الثالثة الغذاء والمسألة الرابعة المرتبة وهي الغاية .
    وكل مسألة منها تنقسم قسمين فتكون ثمانية وهم حملة عرش الملك أي إذا ظهرت الثمانية قام الملك وظهر واستوى عليه مليكة .
    المسألة الأولى الصورة وهي تنقسم قسمين :
    - صورة جسمية عنصرية تتضمن صورة جسدية خيالية .
    - والقسم الآخر صورة جسمية نورية .
    فلنبتدئ بالجسم النوري فنقول : إن أول جسم خلقه الله أجسام الأرواح الملكية المهيمة في جلال الله ومنهم العقل الأول والنفس الكل وإليها انتهت الأجسام النورية المخلوقة من نور الجلال وما ثم ملك من هؤلاء الملائكة من وجد بواسطة غيره إلا النفس التي دون العقل وكل ملك خلق بعد هؤلاء فداخلون تحت حكم الطبيعة فهم من جنس أفلاكها التي خلقوا منها وهم عمارها وكذلك ملائكة العناصر وآخر صنف من الأملاك الملائكة المخلوقون من أعمال العباد وأنفاسهم .
    فلنذكر ذلك صنفا صنفا في هذا الباب إن شاء الله تعالى اعلم أن الله تعالى كان قبل إن يخلق الخلق ولا قبلية زمان وإنما ذلك عبارة للتوصيل تدل على نسبة يحصل بها المقصود في نفس السامع كان جل وتعالى في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وهو أول مظهر إلهي ظهر فيه سرى فيه النور الذاتي كما ظهر في قوله :
    الله نور السماوات والأرض فلما انصبغ ذلك العماء بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجسام الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم فلما أوجدهم تجلى لهم فصار لهم من ذلك التجلي غيبا كان ذلك الغيب روحا لهم أي لتلك الصور وتجلى لهم في اسمه الجميل فهاموا في جلال جماله فهم لا يفيقون فلما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عين واحدا من هؤلاء الملائكة الكروبيين وهو أول ملك ظهر من ملائكة ذلك النور سماه العقل والقلم وتجلى له في مجلي التعليم الوهبي بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية وحد فقبل بذاته علم ما يكون وما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي .
    فاشتق من هذا العقل موجودا آخر سماه اللوح وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه جميع ما يكون إلى يوم القيامة لا غير وجعل لهذا القلم ثلاثمائة وستين سنا في قلميته أي من كونه قلما ومن كونه عقلا ثلاثمائة وستين تجليا أو رقيقة كل سن أو رقيقة تغترف من ثلاثمائة وستين صنفا من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح فهذا حصر ما في العالم من العلوم إلى يوم القيامة فعلمها اللوح حين أودعه إياها القلم فكان من ذلك علم الطبيعة وهو أول علم حصل في هذا اللوح من علوم ما يريد الله خلقه فكانت الطبيعة دون النفس وذلك كله في عالم النور الخالص .
    ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التي هي في مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق فعندما أوجدها أفاض عليها النور إفاضة ذاتية بمساعدة الطبيعة فلأم شعثها ذلك النور فظهر الجسم المعبر عنه بالعرش فاستوى عليه الاسم الرحمن بالاسم الظاهر فذلك أول ما ظهر من عالم الخلق وخلق من ذلك النور الممتزج الذي هو مثل ضوء السحر الملائكة الحافين بالسرير وهو قوله :
    وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم فليس لهم شغل إلا كونهم حافين من حول العرش يسبحون بحمده وقد بينا خلق العالم في كتاب سميناه عقلة المستوفز وإنما نأخذ منه في هذا الباب رؤس الأشياء .
    ثم أوجد الكرسي في جوف هذا العرش وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته فكل فلك أصل لما خلق فيه من عمارة كالعناصر فيما خلق منها من عمارها كما خلق آدم من تراب وعمر به وببنيه الأرض وقسم في هذا الكرسي الكريم الكلمة إلى خبر وحكم وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش كما ورد في الخبر النبوي ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكا في جوف فلك وخلق في كل فلك عالما منه يعمرونه سماهم ملائكة يعني رسلا وزينها بالكواكب وأوحى في كل سماء أمرها إلى أن خلق صور المولدات ولما أكمل الله هذه الصور النورية والعنصرية بلا أرواح تكون غيبا لهذه الصور تجلى لكل صنف من الصور بحسب ما هي عليه فتكون عن الصور وعن هذا التجلي أرواح الصور وهي المسألة الثانية .
    فخلق الأرواح وأمرها بتدبير الصور وجعلها غير منقسمة بل ذاتا واحدة وميز بعضها عن بعض فتميزت وكان ميزها بحسب قبول الصور من ذلك التجلي وليست الصور بأينيات لهذه الأرواح على الحقيقة إلا أن هذه الصور لها كالملك في حق الصور العنصرية وكالمظاهر في حق الصور كلها ثم أحدث الله الصور الجسدية الخيالية بتجل آخر بين اللطائف والصور تتجلى في تلك الصور الجسدية الصور النورية والنارية ظاهرة للعين وتتجلى الصور الحسية حاملة للصور المعنوية في هذه الصور الجسدية في النوم وبعد الموت وقبل البعث وهو البرزخ الصوري وهو قرن من نور أعلاه واسع وأسفله ضيق فإن أعلاه الصماء وأسفله الأرض .
    وهذه الأجساد الصورية التي يظهر فيها الجن والملائكة وباطن الإنسان وهي الظاهرة في النوم وصور سوق الجنة وهي هذه الصور التي تعمر الأرض التي تقدم الكلام عليها في بابها ثم إن الله تعالى جعل لهذه الصور ولهذه الأرواح غذاء وهو المسألة الثالثة .
    يكون بذلك الغذاء بقاؤهم وهو رزق حسي ومعنوي فالمعنوي منه غذاء العلوم والتجليات والأحوال والغذاء المحسوس معلوم وهو ما تحمله صور المطعومات والمشروبات من المعاني الروحانية أعني القوي فذلك هو الغذاء فالغذاء كله معنوي على ما قلناه وإن كان في صور محسوسة فتتغذى كل صورة نورية كانت أو حيوانية أو جسدية بما يناسبها وتفصيل ذلك يطول .
    ثم إن الله جعل لكل عالم مرتبة في السعادة والشقاء ومنزلة وتفاصيلها لا تنحصر فسعادتها بحسبها فمنها سعادة غرضية ومنها سعادة كمالية ومنها سعادة ملائمة ومنها سعادة وضعية أعني شرعية والشقاوة مثل ذلك في التقسيم بما لا يوافق الغرض ولا الكمال ولا المزاج وهو غير الملائم ولا الشرع وذلك كله محسوس ومعقول فالمحسوس منه ما يتعلق بدار الشقاء من الآلام في الدنيا والآخرة ويتعلق بدار السعادة من اللذات في الدنيا والآخرة ومنه خالص وممتزج فالخالص يتعلق بالدار الآخرة والممتزج يتعلق بالدار الدنيا فيظهر السعيد بصورة الشقي والشقي بصورة السعيد وفي الآخرة يمتازون وقد يظهر الشقي في الدنيا بشقاوته ويتصل بشقاء الآخرة وكذلك السعيد ولكنهم مجهولون وفي الآخرة يمتازون وامتازوا اليوم أيها المجرمون فهنا لك تلحق المراتب بأهلها لحوقا لا ينخرم ولا يتبدل فقد بان لك معنى الثمانية التي هي مجموع الملك المعبر عنه بالعرش وهذه هي المسألة الرابعة .
    فقد بان لك معنى الثمانية وهذه الثمانية للنسب الثمانية التي يوصف بها الحق وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وإدراك المطعوم والمشموم والملموس بالصفة اللائقة به فإن لهذا الإدراك بها تعلقا كإدراك السمع بالمسموعات والبصر بالمبصرات ولهذا انحصر الملك في ثمانية فالظاهر منها في الدنيا أربعة الصورة والغذاء والمرتبتان ويوم القيامة تظهر الثمانية بجميعها للعيان وهو قوله تعالى :
    ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية فقال صلى الله عليه وسلم وهم اليوم أربعة هذا في تفسير العرش بالملك وأما العرش الذي هو السرير فإن لله ملائكة يحملونه على كواهلهم هم اليوم أربعة وغدا يكونون ثمانية لأجل الحمل إلى أرض الحشر وورد في صور هؤلاء الأربعة الحملة ما يقاربه قول ابن مسرة فقيل :
    الواحد على صورة الإنسان
    والثاني على صورة الأسد
    والثالث على صورة النسر
    والرابع على صورة الثور وهو الذي رآه السامري فتخيل أنه إله موسى فصنع لقومه العجل وقال هذا إلهكم وإله موسى القصة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  5. #75
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10

    في معرفة أسرار الأنبياء أعني أنبياء الأولياء وأقطاب

    الباب الرابع عشر في معرفة أسرار الأنبياء أعني أنبياء الأولياء وأقطاب الأمم المكملين من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأن القطب واحد منذ خلقه الله لم يمت وأين مسكنه
    أنبياء الأولياء الورثة * عرف الله بهم من بعثه
    ثم في روع إمام واحد * سر هذا الأمر روح نفته
    ثم لما عقد الله له * وسرى في خلقه ما نكثا
    وتلقته على عزته * منة منه قلوب الورثة
    موضع القطب الذي يسكنه * ليس يدريه سوى من ورثه

    اعلم أيدك الله أن النبي هو الذي يأتيه الملك بالوحي من عند الله يتضمن ذلك الوحي شريعة يتعبده بها في نفسه فإن بعث بها إلى غيره كان رسولا .
    ويأتيه الملك على حالتين إما ينزل بها على قلبه على اختلاف أحوال في ذلك التنزل وإما على صورة جسدية من خارج يلقى ما جاء به إليه على أذنه فيسمع أو يلقيها على بصره فيبصره فيحصل له من النظر مثل ما يحصل له من السمع سواء وكذلك سائر القوي الحساسة وهذا باب قد أغلق برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا سبيل أن يتعبد الله أحدا بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية .
    وإن عيسى
    عليه السلام إذا نزل ما يحكم إلا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الأولياء فإنه من شرف محمد صلى الله عليه وسلم إن ختم الله ولاية أمته والولاية مطلقة بنبي رسول مكرم ختم به مقام الولاية فله يوم القيامة حشر أن يحشر مع الرسل رسولا ويحشر معنا وليا تابعا محمدا صلى الله عليه وسلم كرمه الله تعالى وإلياس بهذا المقام على سائر الأنبياء وأما حالة أنبياء الأولياء في هذه الأمة فهو كل شخص أقامه الحق في تجل من تجلياته وأقام له مظهر محمد صلى الله عليه وسلم ومظهر جبريل عليه السلام فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد صلى الله عليه وسلم حتى إذا فرع من خطابه وفزع عن قلب هذا الولي عقل صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية فيأخذها هذا الولي كما أخذها المظهر المحمدي للحضور الذي حصل له في هذه الحضرة مما أمر به ذلك المظهر المحمدي من التبليغ لهذه الأمة فيرد إلى نفسه وقد وعى ما خاطب الروح به مظهر محمد صلى الله عليه وسلم وعلم صحته علم يقين بل عين يقين فأخذ حكم هذا النبي وعمل به على بينة من ربه .
    فرب حديث ضعيف قد ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضاع كان في رواته يكون صحيحا في نفس الأمر ويكون هذا الواضع مما صدق في هذا الحديث ولم يضعه وإنما رده المحدث لعدم الثقة بقوله في نقله وذلك إذا انفرد به ذلك الواضع أو كان مدار الحديث عليه وأما إذا شاركه فيه ثقة سمعه معه قبل ذلك الحديث من طريق ذلك الثقة وهذا ولي قد سمعه من الروح يلقيه على حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم كما سمع الصحابة في حديث جبريل
    عليه السلام مع محمد صلى الله عليه وسلم في الإسلام والايمان والإحسان في تصديقه إياه .
    وإذا سمعه من الروح الملقي فهو فيه مثل الصاحب الذي سمعه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم علما لا يشك فيه بخلاف التابع فإنه يقبله على طريق غلبة الظن لارتفاع النهمة المؤثرة في الصدق ورب حديث يكون صحيحا من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف الذي قد عاين هذا المظهر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الحديث الصحيح فأنكره وقال له لم أقله ولا حكمت به فيعلم ضعفه فيترك العمل به عن بينة من ربه وإن كان قد عمل به أهل النقل لصحة طريقه وهو في نفس الأمر ليس كذلك وقد ذكر مثل هذا مسلم في صدر كتابه الصحيح وقد يعرف هذا المكاشف من وضع ذلك الحديث الصحيح طريقه في زعمهم إما أن يسمى له أو تقام له صورة الشخص فهؤلاء هم أنبياء الأولياء ولا يتفردون قط بشريعة ولا يكون لهم خطاب بها إلا بتعريف إن هذا هو شرع محمد صلى الله عليه وسلم أو يشاهد المنزل عليه بذلك الحكم في حضرة التمثل الخارج عن ذاته والداخل المعبر عنه بالمبشرات في حق النائم غير إن الولي يشترك مع النبي في إدراك ما تدركه العامة في النوم في حال اليقظة سواء وقد أثبت هذا المقام للأولياء أهل طريقنا وإتيان هذا وهو الفعل بالهمة والعلم من غير معلم من المخلوقين غير الله وهو علم الخضر فإن آتاه الله العلم بهذه الشريعة التي تعبده بها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارتفاع الوسائط أعني الفقهاء وعلماء الرسوم كان من العلم اللدني ولم يكن من أنبياء هذه الأمة فلا يكون من يكون من الأولياء وارث نبي إلا على هذه الحالة الخاصة من مشاهدة الملك عند الإلقاء على حقيقة الرسول فافهم .
    فهؤلاء هم أنبياء الأولياء وتستوي الجماعة كلها في الدعاء إلى الله على بصيرة كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول :
    أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وهم أهل هذا المقام فهم في هذه الأمة مثل الأنبياء في بني إسرائيل على مرتبة تعبد هارون بشريعة موسى عليهما السلام مع كونه نبيا فإن الله قد شهد بنبوته وصرح بها في القرآن فمثل هؤلاء يحفظون الشريعة الصحيحة التي لا شك فيها على أنفسهم وعلى هذه الأمة ممن اتبعهم فهم أعلم الناس بالشرع غير أن الفقهاء لا يسلمون لهم ذلك وهؤلاء لا يلزمهم إقامة الدليل على صدقهم بل يجب عليهم الكتم لمقامهم ولا يردون على علماء الرسوم فيما ثبت عندهم مع علمهم بأن ذلك خطأ في نفس الأمر فحكمهم حكم المجتهد الذي ليس له أن يحكم في المسألة بغير ما أداه إليه اجتهاده وأعطاه دليله وليس له أن يخطئ المخالف له في حكمه فإن الشارع قد قرر ذلك الحكم في حقه فالأدب يقتضي له أن لا يخطئ ما قرره الشارع حكما ودليله وكشفه يحكم عليه باتباع حكم ما ظهر له وشاهده وقد ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن علماء هذه الأمة أنبياء بني إسرائيل يعني المنزلة التي أشرنا إليها فإن أنبياء بني إسرائيل كانت تحفظ عليهم شرائع رسلهم وتقوم بها فيهم وكذلك علماء هذه الأمة وأئمتها يحفظون عليها أحكام رسولها صلى الله عليه وسلم كعلماء الصحابة ومن نزل عنهم من التابعين وأتباع التابعين كالثوري وابن عيينة وابن سيرين والحسن ومالك وابن أبي رباح وأبي حنيفة ومن نزل عنهم كالشافعي وابن حنبل ومن جرى مجرى هؤلاء إلى هلم جرا في حفظ الأحكام .
    (وطائفة أخرى) من علماء هذه الأمة يحفظون عليها أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأسرار علومه كعلي وابن عباس وسلمان وأبي هريرة وحذيفة ومن التابعين كالحسن البصري ومالك بن دينار وبنان الحمال وأيوب السختياني ومن نزل عنهم بالزمان كشيبان الراعي وفرج الأسود المعمر والفضيل بن عياض وذي النون المصري ومن نزل عنهم كالجنيد والتستري ومن جرى مجرى هؤلاء من السادة في حفظ الحال النبوي والعلم اللدني والسر الإلهي فأسرار حفظة الحكم موقوفة في الكرسي عند القدمين إذ لم يكن لهم حال نبوي يعطي سرا إلهيا ولا علما لدنيا وأسرار حفاظ الحال النبوي والعلم اللدني من علماء حفاظ الحكم وغيرهم موقوفة عند العرش والعماء ولا موقوفة ومنها ما لها مقام ومنها ما لا مقام لها وذلك مقام لها تتميز به فإن ترك العلامة بين أصحاب العلامات علامة محققة غير محكوم عليها بتقييد وهي أسنى العلامات ولا يكون ذلك إلا للمتمكن الكامل في الورث المحمدي وأما أقطاب الأمم المكملين في غير هذه الأمة ممن تقدمنا بالزمان فجماعة ذكرت لي أسماؤهم باللسان العربي لما أشهدتهم ورأيتهم في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة في مشهد أقدس فكان منهم المفرق ومداوي الكلوم والبكاء والمرتفع والشفاء والماحق والعاقب والمنحور وشحر الماء وعنصر الحياة والشريد والراجع والصانع والطيار والسالم والخليفة والمقسوم والحي والرامي والواسع والبحر والملصق والهادي والمصلح والباقي فهؤلاء المكملون الذين سموا لنا من آدم
    عليه السلام إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم .
    وأما القطب الواحد فهو روح محمد صلى الله عليه وسلم وهو الممد لجميع الأنبياء والرسل سلام الله عليهم أجمعين والأقطاب من حين النش ء الإنساني إلى يوم القيامة .
    قيل له صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم وآدم بين الماء والطين .
    وكان اسمه مداوي الكلوم فإنه بجراحات الهوى خبير والرأي والدنيا والشيطان والنفس بكل لسان نبوي أو رسالي أو لسان الولاية وكان له نظر إلى موضع ولادة جسمه بمكة وإلى الشام ثم صرف الآن نظره إلى أرض كثيرة الحر واليبس لا يصل إليها أحد من بني آدم بجسده إلا أنه قد رآها بعض الناس من مكة في مكانه من غير نقلة زويت له الأرض فرآها وقد أخذنا نحن عنه علوما جمة بما خد مختلفة ولهذا الروح المحمدي مظاهر في العالم أكمل مظهره في قطب الزمان وفي الأفراد وفي ختم الولاية المحمدي وختم الولاية العامة الذي هو عيسى ع وهو المعبر عنه بمسكنه وسأذكر فيما بعد هذا الباب إن شاء الله ما له من كونه مداوي الكلوم من الأسرار وما انتشر عنه من العلوم ثم ظهر هذا السر بعد ظهور حال مداوي الكلوم في شخص آخر اسمه المستسلم للقضاء والقدر ثم انتقل الحكم منه إلى مظهر الحق ثم انتقل من مظهر الحق إلى الهائج ثم انتقل من الهائج إلى شخص يسمى واضع الحكم وأظنه لقمان والله أعلم فإنه كان في زمان داود وما أنا منه على يقين أنه لقمان ثم انتقل من واضع الحكم إلى الكاسب ثم انتقل من الكاسب إلى جامع الحكم وما عرفت لمن انتقل الأمر من بعده وسأذكر في هذا الكتاب إذا جاءت أسماء هؤلاء ما اختصوا به من العلوم ونذكر لكل واحد منهم مسألة إن شاء الله ويجري ذلك على لساني فما أدري ما يفعل الله بي ويكفي هذا القدر من هذا الباب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء الثالث عشر .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  6. #76
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10

    معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم

    (بسم الله الرحمن الرحيم) الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
    عالم الأنفاس من نفسي * وهم الأعلون في القدس
    مصطفاهم سيد لسن * وحيه يأتيه في الجرس
    قلت للبواب حين رأى * ما أقاسيه من الحرس
    قال ما تبغيه يا ولدي * قلت قرب السيد الندس
    من شفيعي للإمام عسى * خطرة منه لمختلس
    قال ما يعطي عوارفه * لغني غير مبتئس

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن قيل إن الأنصار نفس الله بهم عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من مقاساة الكفار المشركين والأنفاس روائح القرب الإلهي فلما تنسمت مشام العارفين عرف هذه الأنفاس وتوفرت الدواعي منهم إلى طلب محقق ثابت القدم في ذلك المقام ينبئهم بما في طي ذلك المقام الأقدس وما جاءت به هذه الأنفاس من العرف إلا نفس من الأسرار والعلوم بعد البحث بالهمم والتعرض لنفحات الكرم عرفوا بشخص إلهي عنده السر الذي يطلبونه والعلم الذي يريدون تحصيله وأقامه الحق فيهم قطبا يدور عليه فلكهم .
    وأما ما يقوم به ملكهم يقال له مداوي الكلوم فانتشر عنه فيهم من العلم والحكم والأسرار ما لا يحصرها كتاب وأول سر أطلع عليه الدهر الأول الذي عنه تكونت الدهور وأول فعل أعطى فعل ما تقتضيه روحانية السماء السابعة سماء كيوان فكان يصير الحديد فضة بالتدبير والصنعة ويصير الحديد ذهبا بالخاصية وهو سر عجيب ولم يطلب على هذا رغبة في المال ولكن رغبة في حسن المال ليقف من ذلك على رتبة الكمال وأنه مكتسب في التكوين فإن المرتبة الأولى من عقد الأبخرة المعدنية بالحركات الفلكية والحرارة الطبيعية زئبقا وكبريتا وكل متكون في المعدن فإنه يطلب الغاية الذي هو الكمال وهو الذهب .
    لكن تطرأ عليه في المعدن علل وأمراض من يبس مفرط أو رطوبة مفرطة أو حرارة أو برودة تخرجه عن الاعتدال فيؤثر فيه ذلك المرض صورة تسمى الحديد أو النحاس أو الأسرب أو غير ذلك من المعادن .
    فأعطى هذا الحكيم معرفة العقاقير والأدوية المزيل استعمالها تلك العلة الطارئة على شخصية هذا الطالب درجة الكمال من المعدنيات وهي الذهب فأزالها فصح ومشى حتى لحق بدرجة الكمال ولكن لا يقوي في الكمالية قوة الصحيح الذي ما دخل جسمه مرض فإن الجسد الذي يدخله المرض بعيد أن يتخلص وينقى الخلوص الذي لا يشوبه كدر وهو الخلاص الأصلي كيحيى في الأنبياء وآدم عليهما السلام ولم يكن الغرض إلا درجة الكمال الإنساني في العبودية فإن الله خلقه في أحسن تقويم ثم رده إلى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فأبقوا على الصحة الأصلية وذلك أنه في طبيعته اكتسب علل الأعراض وأمراض الأغراض فأراد هذا الحكيم أن يرده إلى أحسن تقويم الذي خلقه الله عليه فهذا كان قصد الشخص العاقل بمعرفة هذه الصنعة المسماة بالكيمياء وليست سوى معرفة المقادير والأوزان فإن الإنسان لما خلقه الله وهو آدم أصل هذه النشأة الإنسانية والصورة الجسمية الطبيعية العنصرية ركب جسده من حار وبارد ورطب ويابس بل من بارد يابس وبارد رطب وحار رطب وحار يابس وهي الأخلاط الأربعة السوداء والبلغم والدم والصفراء كما هي في جسم العالم الكبير النار والهواء والماء والتراب فخلق الله جسم آدم من طين وهو مزج الماء بالتراب ثم نفخ فيه نفسا وروحا ولقد ورد في النبوة الأولى في بعض الكتب المنزلة على نبي في بني إسرائيل ما أذكر نصه الآن فإن الحاجة مست إلى ذكره فإن أصدق الأخبار ما روى عن الله تعالى :
    فروينا عن مسلمة بن وضاح مسندا إليه وكان من أهل قرطبة فقال :
    قال الله في بعض ما أنزله على أنبياء بني إسرائيل إني خلقت يعني آدم من تراب وماء ونفخت فيه نفسا وروحا فسويت جسده من قبل التراب ورطوبته من الماء وحرارته من النفس وبرودته من الروح قال ثم جعلت في الجسد بعد هذا أربعة أنواع أخر لا تقوم واحدة منهن إلا بالأخرى وهي المرتان والدم والبلغم ثم أسكنت بعضهن في بعض فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ومسكن الحرارة في المرة الصفراء ومسكن الرطوبة في الدم ومسكن البرودة في البلغم ثم قال جل ثناؤه فأي جسد اعتدلت فيه هذه الأخلاط كملت صحته واعتدلت بنيته فإن زادت واحدة منهن على الأخرى وقهرتهن دخل السقم على الجسد بقدر ما زادت وإذا كانت ناقصة ضعفت عن مقاومتهن فدخل السقم بغلبتهن إياها وضعفها عن مقاومتهن فعلم الطب أن يزيد في الناقص أو ينقص من الزائد طلب الاعتدال في كلام طويل عن الله تعالى ذكرناه في الموعظة الحسنة فكان هذا الإمام من أعلم الناس بهذا النش ء الطبيعي وما للعالم العلوي فيه من الآثار المودعة في أنوار الكواكب وسباحتها وهو الأمر الذي أوحى الله في السماوات وفي اقتراناتها وهبوطها وصعودها وأوجها وحضيضها قال تعالى وأوحى في كل سماء أمرها وقال في الأرض وقدر فيها أقواتها وكان لهذا الشخص فيما ذكرناه مجال رحب وباع متسع وقدم راسخة لكن ما تعدت قوته في النظر الفلك السابع من باب الذوق والحال لكن حصل له ما في الفلك المكوكب والأطلس بالكشف والاطلاع وكان الغالب عليه قلب الأعيان في زعمه والأعيان لا تنقلب عندنا جملة واحدة فكان هذا الشخص لا يبرح يسبح بروحانيته من حيث رصده وفكره مع المقابل في درجه ودقائقه وكان عنده من أسرار إحياء الموات عجائب وكان مما خصه الله به أنه ما حل بموضع قد أجدب إلا أوجد الله فيه الخصب والبركة .
    كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خضر رضي الله عنه وقد سئل عن اسمه بخضر فقال صلى الله عليه وسلم :
    ما قعد على فروة إلا اهتزت تحته خضراء وكان هذا الإمام له تلميذ كبير في المعرفة الذاتية وعلم القوة وكان يتلطف بأصحابه في التنبيه عليه ويستر عن عامة أصحابه ذلك خوفا عليه منهم ولذلك سمي مداوي الكلوم كما استكتم يعقوب يوسف عليهما السلام حذرا عليه من إخوته وكان يشغل عامة أصحابه بعلم التدبير ومثل ذلك مما يشاكل هذا الفن من تركيب الأرواح في الأجساد وتحليل الأجساد وتأليفها بخلع صورة عنها أو خلع صورة عليها ليقفوا من ذلك على صنعة الله العليم الحكيم وعن هذا القطب خرج علم العالم وكونه إنسانا كبيرا وإن الإنسان مختصرة في الجرمية مضاهية في المعنى فأخبرني الروح الذي أخذت منه ما أودعته في هذا الكتاب أنه جمع أصحابه يوما في دسكرة وقام فيهم خطيبا وكانت عليه مهابة فقال افهموا عني ما أرمزه لكم في مقامي هذا وفكروا فيه واستخرجوا كنزه واتساع زمانه في أي عالم هو وإني لكم ناصح ومأكل ما يدري يذاع فإنه لكل علم أهل يختص بهم وما يتمكن الانفراد ولا يسع الوقت فلا بد أن يكون في الجمع فطر مختلفة وأذهان غير مؤتلفة والمقصود من الجماعة واحد إياه أقصد بكلامي وبيده مفتاح رمزي ولكل مقام مقال ولكل علم رجال ولكل وارد حال فافهموا عني ما أقول وعوا ما تسمعون فبنور النور أقسمت وبروح الحياة وحياة الروح آليت إني عنكم لمنقلب من حيث جئت وراجع إلى الأصل الذي عنه وجدت فقد طال مكثي في هذه الظلمة وضاق نفسي بترادف هذه الغمة وإني سألت الرحلة عنكم وقد أذن لي في الرحيل فأثبتوا على كلامي فتعقلون ما أقول بعد انقضاء سنين عينها وذكر عددها فلا تبرحوا حتى آتيكم بعد هذه المدة وإن برحتم فلتسرعوا إلى هذا المجلس الكرة وإن لطف مغناه وغلب على الحرف معناه فالحقيقة الحقيقة والطريقة الطريقة فقد اشتركت الجنة والدنيا في اللبن والبناء وإن كانت الواحدة من طين وتبن والأخرى من عسجد ولجين هذا ما كان من وصيته لبنيه وهذه مسألة عظيمة رمزها وراح فمن عرفها استراح .
    ولقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي فكان يظهر التعجب مما سمع فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي فإنه كان من أصدقائه وأناصبي ما بقل وجهي ولا طر شاربي فعند ما دخلت عليه قام من مكانه إلى محبة وإعظاما فعانقني وقال لي نعم قلت له نعم فزاد فرحه بي لفهمي عنه ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له لا فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده وقال :
    كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي هل هو ما أعطاه لنا النظر قلت له نعم لا وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها فاصفر لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل وعرف ما أشرت به إليه وهو عين هذه المسألة التي ذكرها هذا القطب الإمام أعني مداوي الكلوم وطلب بعد ذلك من أبى الاجتماع بنا ليعرض ما عنده علينا هل هو يوافق أو يخالف فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي فشكر الله تعالى الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلا وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة وقال هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها الفاتحين مغالق أبوابها والحمد لله الذي خصني برؤيته ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية فأقيم لي رحمه الله في الواقعة في صورة ضرب بيني وبينه فيها حجاب رقيق أنظر إليه منه ولا يبصرني ولا يعرف مكاني وقد شغل بنفسه عني فقلت إنه غير مراد لما نحن عليه فما اجتمعت به حتى درج وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة مراكش ونقل إلى قرطبة وبها قبره .
    ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسين محمد بن جبير كاتب السيد أبي سعيد وصاحبي أبو الحكم عمر و ابن السراج الناسخ فالتفت أبو الحكم إلينا وقال ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه هذا الإمام وهذه أعماله يعني تواليفه فقال له ابن جبير :
    يا ولدي نعم ما نظرت لا فض فوك فقيدتها عندي موعظة وتذكرة رحم الله جميعهم وما بقي من تلك الجماعة غيري وقلنا في ذلك :
    هذا الإمام وهذه أعماله * يا ليت شعري هل أتت آماله
    وكان هذا القطب مداوي الكلوم قد أظهر سر حركة الفلك وأنه لو كان على غير هذا الشكل الذي أوجده الله عليه لم يصح أن يتكون شئ في الوجود الذي تحت حيطته وبين الحكمة الإلهية في ذلك ليرى الألباب علم الله في الأشياء وإنه بكل شئ عليم لا إله إلا هو العليم الحكيم وفي معرفة الذات والصفات علم ما أشار إليه هذا القطب فلو تحرك غير المستدير لما عمر الخلأ بحركته وكانت أحياز كثيرة تبقي في الخلأ فكان لا يتكون عن تلك الحركة تمام أمر وكان ينقص منه قدر ما نقص من عمارة تلك الأحياز بالحركة وذلك بمشيئة الله تعالى وحكمته الجارية في وضع الأسباب .
    وأخبر هذا القطب أن العالم موجود ما بين المحيط والنقطة على مراتبهم وصغر أفلاكهم وعظمها وأن الأقرب إلى المحيط أوسع من الذي في جوفه فيومه أكبر ومكانه أفسخ ولسانه أفصح وهو إلى التحقق بالقوة والصفاء أقرب وما انحط إلى العناصر نزل عن هذه الدرجة حتى إلى كرة الأرض وكل جزء في كل محيط يقابل ما فوقه وما تحته بذاته لا يزيد واحد على الآخر شئ وإن اتسع الواحد وضاق الآخر وهذا من إيراد الكبير على الصغير والواسع على الضيق من غير أن يوسع الضيق أو يضيق الواسع والكل ينظر إلى النقطة بذواتهم والنقطة مع صغرها تنظر إلى كل جزء من المحيط بها بذاتها فالمختصر المحيط والمختصر منه النقطة وبالعكس فانظر ولما انحط الأمر إلى العناصر حتى انتهى إلى الأرض كثر عكره مثل الماء في الحب والزيت وكل مائع في الدن ينزل إلى أسفله عكره ويصفو أعلاه والمعنى في ذلك ما يجده عالم الطبيعة من الحجب المانعة عن إدراك الأنوار من العلوم والتجليات بكدورات الشهوات والشبهات الشرعية وعدم الورع في اللسان والنظر والسماع والمطعم والمشرب والملبس والمركب والمنكح وكدورات الشهوات بالانكباب عليها والاستفراغ فيها وإن كانت حلالا وإنما لم يمنع نيل الشهوات في الآخرة وهي أعظم من شهوات الدنيا من التجلي لأن التجلي هناك على الأبصار وليست الأبصار بمحل للشهوات والتجلي هنا في الدنيا إنما هو على البصائر والبواطن دون الظاهر والبواطن محل الشهوات ولا يجتمع التجلي والشهوة في محل واحد فلهذا جنح العارفون والزهاد في هذه الدنيا إلى التقليل من نيل شهواتها والشغل بكسب حطامها .

    لا اله الا الله محمد رسول الله

  7. #77
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10
    وهذا الإمام هو الذي أعلم أصحابه أن ثم رجالا سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة لكل بدل إقليم وإليهم تنظر روحانيات السماوات السبع ولكل شخص منهم قوة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السماوات وهم إبراهيم الخليل يليه موسى يليه هارون يتلوه إدريس يتلوه يوسف يتلوه عيسى يتلوه آدم سلام الله عليهم أجمعين وأما يحيى فله تردد بين عيسى وبين هارون .
    فينزل على قلوب هؤلاء الأبدال السبعة من حقائق هؤلاء الأنبياء عليهم السلام وتنظر إليهم هذه الكواكب السبعة بما أودع الله تعالى في سبحاتها في أفلاكها وبما أودع الله في حركات هذه السماوات السبع من الأسرار والعلوم والآثار العلوية والسفلية قال تعالى وأوحى في كل سماء أمرها فلهم في قلوبهم في كل ساعة وفي كل يوم بحسب ما يعطيه صاحب تلك الساعة وسلطان ذلك اليوم .
    - فكل أمر علمي يكون في يوم الأحد فمن مادة إدريس عليه السلام وكل أثر علوي يكون في ذلك اليوم في عنصر الهواء والنار فمن سباحة الشمس ونظرها المودع من الله تعالى فيها وما يكون من أثر في عنصر الماء والتراب في ذلك اليوم .
    فمن حركة الفلك الرابع وموضع هذا الشخص الذي يحفظه من الأقاليم الإقليم الرابع فمما يحصل لهذا الشخص المخصوص من الأبدال بهذا الإقليم من العلوم علم أسرار الروحانيات وعلم النور والضياء وعلم البرق والشعاع وعلم كل جسم مستنير ولما ذا استنار وما المزاج الذي أعطاه هذا القبول مثل الحباحب من الحيوان وكأصول شجر التين من النبات وكحجر المهى والياقوت وبعض لحوم الحيوان وعلم الكمال في المعدن والنبات والحيوان والإنسان والملك وعلم الحركة المستقيمة حيثما ظهرت في حيوان أو نبات وعلم معالم التأسيس وأنفاس الأنوار وعلم خلع الأرواح المدبرات وإيضاح الأمور المبهمات وحل المشكل من المسائل الغامضة وعلم النغمات الفلكية والدولابية وأصوات آلات الطرب من الأوتار وغيرها وعلم المناسبة بينها وبين طبائع الحيوان وما للنبات منها وعلم ما إليه تنتهي المعاني الروحانية والروائح العطرية وما المزاج الذي عطرها ولما ذا ترجع وكيف ينقلها الهواء إلى الإدراك الشمي وهل هو جوهر أو عرض كل ذلك يناله ويعلمه صاحب ذلك الإقليم في ذلك اليوم وفي سائر الأيام في ساعات حكم حركة ذلك الفلك وحكم ما فيه من الكواكب وما فيه من روحانية النبي هكذا إلى تمام دورة الجمعة .
    - وكل أمر علمي يكون في يوم الاثنين فمن روحانية آدم عليه السلام وكل أثر علوي في عنصر الهواء والنار فمن سباحة القمر وكل أثر سفلي في عنصر الماء والتراب فمن حركة فلك السماء الدنيا ولهذا الشخص الإقليم السابع فما يحصل لهذا البدل من العلوم في نفسه في يوم الاثنين وفي كل ساعة من ساعات أيام الجمعة مما يكون لهذا الفلك حكم فيها علم السعادة والشقاء وعلم الأسماء وما لها من الخواص وعلم المد والجزر والربو والنقص .
    - وكل أمر علمي يكون في يوم الثلاثاء فمن روحانية هارون عليه السلام وكل أثر علوي في عنصر النار والهواء فمن روحانية الأحمر وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن حركة الفلك الخامس ولهذا البدل من الأقاليم الإقليم الثالث فما يعطيه من العلوم في هذا اليوم وفي ساعاته من الأيام علم تدبير الملك وسياسته وعلم الحمية والحماية وترتيب الجيوش والقتال ومكايد الحروب وعلم القرابين وذبح الحيوان وعلم أسرار أيام النحر وسريانه في سائر البقاع وعلم الهدى والضلال وتميز الشبهة من الدليل .
    - وكل أمر علمي يكون في يوم الأربعاء فمن روحانية عيسى عليه السلام وهو يوم النور وكان له نظر إلينا في دخولنا في هذا الطريق التي نحن اليوم عليها وكل أثر في عنصر النار والهواء فمن روحانية سباحة الكاتب في فلكه وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن حركة فلك السماء الثانية وللبدل صاحب هذا اليوم الإقليم السادس ومما يحصل له من العلوم في هذا اليوم وفي ساعته من الأيام علم الأوهام والإلهام والوحي والآراء والأقيسة والرؤيا والعبادة والاختراع الصناعي والعطردة وعلم الغلط الذي يعلق بعين الفهم وعلم التعاليم وعلم الكتابة والآداب والزجر والكهانة والسحر والطلسمات والعزائم .
    - وكل أمر علمي يكون في يوم الخميس فمن روحانية موسى عليه السلام وكل أثر علوي في ركن النار والهواء فمن سباحة المشتري وكل أثر سفلي في عنصر الماء والتراب فمن حركة فلكه ولهذا البدل من الأقاليم الإقليم الثاني ومما يحصل له من العلوم في هذا اليوم وفي ساعاته من الأيام علم النبات والنواميس وعلم أسباب الخير ومكارم الأخلاق وعلم القربات وعلم قبول الأعمال وأين ينتهي بصاحبها .
    - وكل أمر علمي يكون في يوم الجمعة يكون لهذا الشخص الذي يحفظ الله به الإقليم الخامس فمن روحانية يوسف عليه السلام وكل أثر علوي يكون في ركن النار والهواء فمن نظر كوكب الزهرة وكل أثر سفلي في ركن الماء والأرض فمن حركة فلك الزهرة وهو من الأمر الذي أوحى الله في كل سماء وهذه الآثار هي الأمر الإلهي الذي يتنزل بين السماء والأرض وهو في كل ما يتولد بينهما بين السماء بما ينزل منها وبين الأرض بما تقبل من هذا النزول كما يقبل رحم الأنثى الماء من الرجل للتكوين والهواء الرطب من الطير قال تعالى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا إن الله على كل شئ قدير والقدرة ما لها تعلق إلا بالإيجاد فعلمنا إن المقصود بهذا التنزل إنما هو التكوين ومما يحصل له من العلوم في هذا اليوم وفي ساعاته من الأيام علم التصوير من حضرة الجمال والأنس وعلم الأحوال .
    - وكل أمر علمي يكون في يوم السبت لهذا البدل الذي له حفظ الإقليم الأول فمن روحانية إبراهيم الخليل ع وما يكون فيه من أثر علوي في ركن النار والهواء فمن حركة كوكب كيوان في فلكه وما كان من أثر في العالم السفلي ركن الأرض والماء فمن حركة فلكه يقول تعالى في الكواكب السيارة كل في فلك يسبحون وقال تعالى وبالنجم هم يهتدون فخلقها للاهتداء بها ومما يحصل له من العلوم في هذا اليوم وفي ساعاته من باقي الأيام ليلا ونهارا علم الثبات والتمكين وعلم الدوام والبقاء وعلم هذا الإمام بمقامات هؤلاء الأبدال وهجيراهم .
    وقال إن مقام الأول وهجيره ليس كمثله شئ وسبب ذلك كون الأولية له إذ لو تقدم له مثل لما صحت له الأولية فذكره مناسب لمقامه .
    ومقام الشخص الثاني في هجيره لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي وهو مقام العلم الإلهي وتعلقه لا ينتهي وهو الثاني من الأوصاف فإن أول الأوصاف الحياة ويليه العلم وهجير الشخص الثالث ومقامه وفي أنفسكم أفلا تبصرون وهي المرتبة الثالثة فإن الآيات الأول هي الأسماء الإلهية والآيات الثواني في الآفاق والآيات التي تلي الثواني في أنفسنا قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم فلهذا اختص بهذا الهجير الثالث من الأبدال .
    ومقام الرابع في هجيره يا ليتني كنت ترابا وهو الركن الرابع من الأركان الذي يطلب المركز عند من يقول به فليس لنقطة الأكرة أقرب من الأرض وتلك النقطة كانت سبب وجود المحيط فهو يطلب القرب من الله موجد الأشياء ولا يحصل إلا بالتواضع ولا أنزل في التواضع من الأرض وهي منابع العلوم وتفجر الأنهار وكل ما ينزل من المعصرات فإنما هو من بخارات الرطوبات التي تصعد من الأرض فمنها تتفجر العيون والأنهار ومنها تخرج البخارات إلى الجو فتستحيل ماء فينزل غيثا فلهذا اختص الرابع بالرابع من الأركان .
    ومقام الخامس فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ولا يسأل إلا المولود فإنه في مقام الطفولة من الطفل وهو الندا قال تعالى أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا فلا يعلم حتى يسأل فالولد في المرتبة الخامسة لأن أمهاته أربعة وهن الأركان فكان هو العين الخامسة فلهذا كان السؤال هجير البدل الخامس من بين الأبدال .
    وأما مقام السادس فهجيره أفوض أمري إلى الله وهي المرتبة السادسة فكانت للسادس وإنما كانت السادسة له لأنه في المرتبة الخامسة كما ذكرنا يسأل وقد كان لا يعلم فعند ما سأل علم ولما علم تحقق بعلمه بربه ففوض أمره إليه لأنه علم إن أمره ليس بيده منه شئ وأن الله يفعل ما يريد فقال قد علمت إن الله لما ملكني أمري وهو يفعل ما يريد علمت إن التفويض في ذلك أرجح لي فلذلك اتخذه هجيرا .
    ومقام السابع إنا عرضنا الأمانة وذلك أن لها الرتبة السابعة وكان أيضا تكوين آدم المعبر عنه بالإنسان في الرتبة السابعة فإنه عن عقل ثم نفس ثم هباء ثم فلك ثم فاعلان ثم منفعلان فهذه ستة ثم تكون الإنسان الذي هو آدم في الرتبة السابعة ولما كان وجود الإنسان في السنبلة ولها من الزمان في الدلالة سبعة آلاف سنة فوجد الإنسان في الرتبة السابعة من المدة فما حمل الأمانة إلا من تحقق بالسبعة وكان هذا هو السابع من الأبدال فلذلك اتخذ هجيراه هذه الآية .
    فهذا قد بينا لك مراتب الأبدال وأخبرت أن هذا القطب الذي هو مداوي الكلوم كان في زمان حبسه في هيكله وولايته في العالم إذا وقف وقف لوقفته سبعون قبيلة كلهم قد ظهرت فيهم المعارف الإلهية وأسرار الوجود وكان أبدا لا يتعدى كلامه السبعة ومكث زمانا طويلا في أصحابه وكان يعين في زمانه من أصحابه شخصا فاضلا كان أقرب الناس إليه مجلسا كان اسمه المستسلم فلما درج هذا الإمام ولي مقامه في القطبية المستسلم وكان غالب علمه علم الزمان وهو علم شريف منه يعرف الأزل ومنه ظهر قوله ع كان الله ولا شئ معه وهذا علم لا يعلمه إلا الأفراد من الرجال .
    وهو المعبر عنه بالدهر الأول ودهر الدهور وعن هذا الأزل وجد الزمان وبه تسمى الله بالدهر وهو قوله عليه السلام لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر والحديث صحيح ثابت ومن حصل له علم الدهر لم يقف في شئ ينسبه إلى الحق فإن له الاتساع الأعظم ومن هذا العلم تعددت المقالات في الإله ومنه اختلفت العقائد وهذا العلم يقبلها كلها ولا يرد منها شيئا وهو العلم العام وهو الظرف الإلهي وأسراره عجيبة ما له عين موجودة وهو في كل شئ حاكم يقبل الحق نسبته ويقبل الكون نسبته هو سلطان الأسماء كلها المعينة والمغيبة عنا فكان لهذا الإمام فيه اليد البيضاء وكان له من علمه بدهر الدهور علم حكمة الدنيا في لعبها بأهلها ولم سمي لعبا والله أوجده وكثيرا ما ينسب اللعب إلى الزمان فيقال لعب الزمان بأهله وهو متعلق السابقة وهو الحاكم في العاقبة .
    وكان هذا الإمام يذم الكسب ولا يقول به مع معرفته بحكمته ولكن كان يرقى بذلك هم أصحابه عن التعلق بالوسائط أخبرت أنه ما مات حتى علم من أسرار الحق في خلقه ستة وثلاثين ألف علم وخمسمائة علم من العلوم العلوية خاصة .
    ومات رحمه الله وولي بعده شخص فاضل اسمه مظهر الحق عاش مائة وخمسين سنة ومات وولي بعده الهائج وكان كبير الشأن ظهر بالسيف عاش مائة وأربعين سنة مات مقتولا في غزاة كان الغالب على حاله من الأسماء الإلهية القهار ولما قتل ولي بعده شخص يقال له لقمان والله أعلم وكان يلقب واضع الحكم عاش مائة وعشرين سنة كان عارفا بالترتيب والعلوم الرياضية والطبيعية والإلهية وكان كثير الوصية لأصحابه فإن كان هو لقمان فقد ذكر الله لنا ما كان يوصي به ابنه مما يدل على رتبته في العلم بالله وتحريضه على القصد والاعتدال في الأشياء في عموم الأحوال ولما مات رحمه الله وكان في زمان داود عليه السلام ولي بعده شخص اسمه الكاسب وكانت له قدم راسخة في علم المناسبات بين العالمين والمناسبة الإلهية التي وجد لها العالم على هذه الصورة التي هو عليها كان هذا الإمام إذا أراد إظهار أثر ما في الوجود نظر في نفسه إلى المؤثر فيه من العالم العلوي نظرة مخصوصة على وزن معلوم فيظهر ذلك الأثر من غير مباشرة ولا حيلة طبيعية وكان يقول :
    إن الله أودع العلم كله في الأفلاك وجعل الإنسان مجموع رقائق العالم كله فمن الإنسان إلى كل شئ في العالم رقيقة ممتدة من تلك الرقيقة يكون من ذلك الشئ في الإنسان ما أودع الله عند ذلك الشئ من الأمور التي أمنه الله عليها ليؤديها إلى هذا الإنسان وبتلك الرقيقة يحرك الإنسان العارف ذلك الشئ لما يريده فما من شئ في العالم إلا وله أثر في الإنسان وللإنسان أثر فيه فكان لهذا كشف هذه الرقائق ومعرفتها وهي مثل أشعة النور عاش هذا الإمام ثمانين سنة ولما مات ورثه شخص يسمى جامع الحكم عاش مائة وعشرين سنة له كلام عظيم في أسرار الأبدال والشيخ والتلميذ وكان يقول بالأسباب وكان قد أعطى أسرار النبات وكان له في كل علم يختص بأهل هذا الطريق قدم وفيما ذكرناه في هذا الباب غنية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  8. #78
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10

    في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية

    الباب السادس عشر في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية ومبدأ معرفة الله منها ومعرفة الأوتاد والأبدال ومن تولاهم من الأرواح العلوية وترتيب أفلاكها
    علم الكثائف أعلام مرتبة * هي الدليل على المطلوب للرسل
    وهي التي حجبت أسرار ذي عمه * وهي التي كشفت معالم السبل
    لها من العالم العلوي سبعته * من الهلال وخذ علوا إلى زحل
    لولا الذي أوجد الأوتاد أربعة * رسى بها الأرض فابتزت من الميل
    لما استقر عليها من يكون بها * فأعجب له مثلا ناهيك من مثل

    اعلم أيدك الله أنا قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا منازل الأبدال ومقاماتهم ومن تولاهم من الأرواح العلوية وترتيب أفلاكها وما للنيرات فيهم من الآثار وما لهم من الأقاليم فلنذكر في هذا الباب ما بقي مما ترجمت عليه .
    المنازل السفلية هنا عبارة عن الجهات الأربع التي يأتي منها الشيطان إلى الإنسان وسميناها سفلية لأن الشيطان من عالم السفل فلا يأتي إلى الإنسان إلا من المنازل التي تناسبه وهي اليمين والشمال والخلف والأمام قال تعالى :
    ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ويستعين على الإنسان بالطبع فإنه المساعد له فيما يدعوه إليه من اتباع الشهوات فأمر الإنسان أن يقاتله من هذه الجهات وأن يحصن هذه الجهات بما أمره الشرع أن يحصنها به حتى لا يجد الشيطان إلى الدخول إليه منها سبيلا .
    - فإن جاءك من بين يديك وطردته لاحت لك من العلوم علوم النور منة من الله عليك وجزاء حيث آثرت جناب الله على هواك وعلوم النور على قسمين :
    علوم كشف وعلوم برهان بصحيح فكر فيحصل له من طريق البرهان ما يرد به الشبه المضلة القادحة في وجود الحق وتوحيده وأسمائه وأفعاله .
    فبالبرهان يرد على المعطلة ويدل على إثبات وجود الإله وبه يرد على أهل الشرك الذين يجعلون مع الله إلها آخر ويدل على توحيد الإله من كونه إلها وبه يرد على من ينفي أحكام الأسماء الإلهية وصحة آثارها في الكون ويدل على إثباتها بالبرهان السمعي من طريق الإطلاق وبالبرهان العقلي من طريق المعاني وبه يرد على نفاة الأفعال من الفلاسفة ويدل على أنه سبحانه فاعل وأن المفعولات مرادة له سمعا وعقلا .
    - وأما علوم الكشف فهو ما يحصل له من المعارف الإلهية في التجليات في المظاهر .
    - وإن جاءك من خلفك وهو ما يدعوك إليه أن تقول على الله ما لا تعلم وتدعي النبوة والرسالة وإن الله قد أوحي إليك وذلك أن الشيطان إنما ينظر في كل ملة كل صفة علق الشارع المذمة عليها في تلك الأمة فيأمرك بها وكل صفة علق المحمدة عليها نهاك عنها هذا على الإطلاق والملك على النقيض منه يأمرك بالمحمود منها وينهاك عن المذموم فإذا طردته من خلفك لاحت لك علوم الصدق ومنازله وأين ينتهي بصاحبه كما قال تعالى :
    في مقعد صدق إلا أن ذلك صدقهم هو الذي أقعدهم ذلك المقعد عند مليك مقتدر فإن الاقتدار يناسب الصدق فإن معناه القوي يقال رمح صدق أي صلب قوي ولما كانت القوة صفة هذا الصادق حيث قوى على نفسه فلم يتزين بما ليس له والتزم الحق في أقواله وأحواله وأفعاله وصدق فيها أقعده الحق عند مليك مقتدر أي أطلعه على القوة الإلهية التي أعطته القوة في صدقه الذي كان عليه فإن الملك هو الشديد أيضا فهو مناسب للمقتدر .
    قال قيس بن الحطيم يصف طعنة :
    ملكت بها كفي فانهرت فتقها *** يرى قائم من دونها ما وراءها
    أي شددت كفي بها يقال ملكت العجين إذا شددت عجنه فيحصل لك إذا خالفته في هذا الأمر الذي جاءك به علم تعلق الاقتدار الإلهي بالإيجاد .
    وهي مسألة خلاف بين أهل الحقائق من أصحابنا ويحصل لك علم العصمة والحفظ الإلهي حتى لا يؤثر فيك وهمك ولا غيرك فتكون خالصا لربك .
    - وإن جاءك من جهة اليمين فقويت عليه ودفعته فإنه إذا جاءك من هذه الجهة الموصوفة بالقوة فإنه يأتي إليك ليضعف إيمانك ويقينك ويلقي عليك شبها في أدلتك ومكاشفاتك فإنه له في كل كشف يطلعك الحق عليه أمرا من عالم الخيال ينصبه لك مشابها لحالك الذي أنت به في وقتك فإن لم يكن لك علم قوي بما تميز به بين الحق وما يخيله لك فتكون موسوي المقام وإلا التبس عليك الأمر كما خيلت السحرة للعامة أن الحبال والعصي حيات ولم تكن كذلك وقد كان موسى عليه السلام لما ألقى عصاه فكانت حية تسعى خاف منها على نفسه على مجرى العادة وإنما قدم الله بين يديه معرفة هذا قبل جمع السحرة ليكون على يقين من الله أنها آية وأنها لا تضره وكان خوفه الثاني عند ما ألقت السحرة الحبال والعصي فصارت حيات في أبصار الحاضرين على الأمة لئلا يلتبس عليهم الأمر فلا يفرقون بين الخيال والحقيقة أو بين ما هو من عند الله وبين ما ليس من عند الله فاختلف تعلق الخوفين فإنه
    عليه السلام على بينة من ربه قوي الجاش بما تقدم له إذ قيل له في الإلقاء الأول :
    خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى أي ترجع عصا كما كانت في عينك فأخفى تعالى العصا في روحانية الحية البرزخية فتلقفت جميع حيات السحرة المتخيلة في عيون الحاضرين فلم يبق لتلك الحبال والعصي عين ظاهرة في أعينهم وهي ظهور حجته على حججهم في صور حبال وعصى فأبصرت السحرة والناس حبال السحرة وعصيهم التي ألقوها حبالا وعصيا فهذا كان تلقفها لا أنها انعدمت الحبال والعصي إذ لو انعدمت لدخل عليهم التلبيس في عصا موسى وكانت الشبهة تدخل عليهم فلما رأى الناس الحبال حبالا علموا أنها مكيدة طبيعية يعضدها قوة كيدية روحانية فتلقفت عصا موسى صور الحيات من الحبال والعصي كما يبطل كلام الخصم إذا كان على غير حق أن يكون حجة لا إن ما أتى به ينعدم بل يبقى محفوظا معقولا عند السامعين ويزول عندهم كونه حجة فلما علمت السحرة قدر ما جاء به موسى من قوة الحجة وأنه خارج عما جاءوا به وتحققت شفوف ما جاء به على ما جاءوا به ورأوا خوفه علموا أن ذلك من عند الله ولو كان من عنده لم يخف لأنه يعلم ما يجري فآيته عند السحرة خوفه وآيته عند الناس تلقف عصاه فآمنت السحرة قيل كانوا ثمانين ألف ساحر وعلموا إن أعظم الآيات في هذا الموطن تلقف هذه الصور من أعين الناظرين وإبقاء صورة حية عصا موسى في أعينهم والحال عندهم واحدة فعلموا صدق موسى فيما يدعوهم إليه وأن هذا الذي أتى به خارج عن الصور والحيل المعلومة في السحر فهو أمر إلهي ليس لموسى
    عليه السلام فيه تعمل فصدقوا برسالته على بصيرة واختاروا عذاب فرعون على عذاب الله وآثروا الآخرة على الدنيا وعلموا من علمهم بذلك أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما وأن الحقائق لا تتبدل وأن عصا موسى مبطونة في صورة الحية عن أعين الجميع وعن الذي ألقاها بخوفه الذي شهدوا منه فهذه فائدة العلم .
    - وإن جاءك الشيطان من جهة الشمال بشبهات التعطيل أو وجود الشريك لله تعالى في ألوهيته فطردته فإن الله يقويك على ذلك بدلائل التوحيد وعلم النظر فإن الخلف للمعطلة ودفعهم بضرورة العلم الذي يعلم به وجود الباري فالخلف للتعطيل والشمال للشرك واليمين للضعف ومن بين أيديهم التشكيك في الحواس ومن هنا دخل التلبيس على السوفسطائية حيث أدخل لهم الغلط في الحواس وهي التي يستند إليها أهل النظر في صحة أدلتهم وإلى البديهيات في العلم الإلهي وغيره فلما أظهر لهم الغلط في ذلك قالوا ما ثم علم أصلا يوثق به فإن قيل لهم فهذا علم بأنه ما ثم علم فما مستندكم وأنتم غير قائلين به قالوا وكذلك نقول إن قولنا هذا ليس بعلم وهو من جملة الأغاليط يقال لهم فقد علمتم إن قولكم هذا ليس بعلم وقولكم إن هذا أيضا من جملة الأغاليط إثبات ما نفيتموه فأدخل عليهم الشبه فيما يستندون إليه في تركيب مقدماتهم في الأدلة ويرجعون إليه فيها ولهذا عصمنا الله من ذلك فلم يجعل للحس غلطا جملة واحدة وإن الذي يدركه الحس حق فإنه موصل ما هو حاكم بل شاهد وإنما العقل هو الحاكم والغلط منسوب إلى الحاكم في الحكم ومعلوم عند القائلين بغلط الحس وغير القائلين به إن العقل يغلط إذا كان النظر فاسدا أعني نظر الفكر فإن النظر ينقسم إلى :
    صحيح وفاسد فهذا هو من بين أيديهم ثم لتعلم أن الإنسان قد جعله الحق قسمين في ترتيب مدينة بدنه وجعل القلب بين القسمين منه كالفاصل بين الشيئين فجعل في القسم الأعلى الذي هو الرأس جميع القوي الحسية والروحانية وما جعل في النصف الآخر من القوي الحساسة إلا حاسة اللمس فيدرك الخشن واللين والحار والبارد والرطب واليابس بروحه الحساس من حيث هذه القوة الخاصة السارية في جميع بدنه لا غير ذلك .
    وأما من القوي الطبيعية المتعلقة بتدبير البدن :
    فالقوة الجاذبة وبها تجذب النفس الحيوانية ما به صلاح العضو من الكبد والقلب .
    والقوة الماسكة وبها تمسك ما جذبته الجاذبة على العضو حتى يأخذ منه ما فيه منافعه فإن قلت فإذا كان المقصود المنفعة فمن أين دخل المرض على الجسد فاعلم إن المرض من الزيادة على ما يستحقه من الغذاء أو النقص مما يستحقه فهذه القوة ما عندها ميزان الاستحقاق فإذا جذبت زائدا على ما يحتاج إليه البدن أو نقصت عنه كان المرض فإن حقيقتها الجذب ما حقيقتها الميزان فإذا أخذته على الوزن الصحيح فذلك لها بحكم الاتفاق ومن قوة أخرى لا بحكم القصد وذلك ليعلم المحدث نقصه وأن الله يفعل ما يريد .
    وكذلك فيه أيضا القوة الدافعة وبها يعرق البدن فإن الطبيعة ما هي دافعة بمقدار مخصوص لأنها تجهل الميزان وهي محكومة لأمر آخر من فضول تطرأ في المزاج تعطيها القوة الشهوانية وكذلك أيضا هذا كله سار في جميع البدن علوا وسفلا .
    وأما سائر القوي فمحلها النصف الأعلى وهو النصف الأشرف محل وجود الحياتين حياة الدم وحياة النفس فأي عضو مات من هذه الأعضاء زالت عنه القوي التي كانت فيه من المشروط وجودها بوجود الحياة وما لم يمت العضو وطرأ على محل قوة ما خلل فإن حكمها يفسد ويتخبط ولا يعطي علما صحيحا .
    كمحل الخيال إذا طرأت فيه علة فالخيال لا يبطل وإنما يبطل قبول الصحة فيما يراه علما وكذلك العقل وكل قوة روحانية .
    وأما القوي الحسية فهي أيضا موجودة لكن تطرأ حجب بينها وبين مدركاتها في العضو القائمة به من ماء ينزل في العين وغير ذلك وأما القوي ففي محالها ما زالت ولا برحت ولكن الحجب طرأت فمنعت فالأعمى يشاهد الحجاب ويراه وهو الظلمة التي يجدها فهي ظلمة الحجاب فمشهده الحجاب وكذلك ذائق العسل والسكر إذا وجده مرا فالمباشر للعضو القائم به قوة الذوق إنما هو المرة الصفراء فلذلك أدرك المرارة فالحس يقول أدركت مرارة والحاكم إن أخطأ يقول هذا السكر مر وإن أصاب عرف العلة فلم يحكم على السكر بالمرارة وعرف ما أدركت القوة وعرف أن الحس الذي هو الشاهد مصيب على كل حال وأن القاضي يخطئ ويصيب .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  9. #79
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10

    وأما معرفة الحق من هذا المنزل

    (فصل) وأما معرفة الحق من هذا المنزل
    فاعلم إن الكون لا تعلق له بعلم الذات أصلا وإنما متعلقة العلم بالمرتبة وهو مسمى الله فهو الدليل المحفوظ الأركان الساد على معرفة الإله وما يجب أن يكون عليه سبحانه من أسماء الأفعال ونعوت الجلال وبأية حقيقة يصدر الكون من هذه الذات المنعوتة بهذه المرتبة المجهولة العين والكيف .
    وعندنا لا خلاف في أنها لا تعلم بل يطلق عليها نعوت تنزيه صفات الحدث وأن القدم لها والأزل الذي يطلق لوجودها إنما هي أسماء تدل على سلوب من نفي الأولية وما يليق بالحدوث وهذا يخالفنا فيه جماعة من المتكلمين الأشاعرة ويتخيلون أنهم قد علموا من الحق صفة نفسية ثبوتية وهيهات أنى لهم بذلك .
    وأخذت طائفة ممن شاهدناهم من المتكلمين كأبي عبد الله الكتاني وأبي العباس الأشقر والضرير السلاوي صاحب الأرجوزة في علم الكلام على أبي سعيد الخراز وأبي حامد وأمثالهما في قولهم لا يعرف الله إلا الله .
    وإنما اختلف أصحابنا في رؤية الله تعالى إذا رأيناه في الدار الآخرة بالأبصار ما الذي نرى وكلامهم فيه معلوم عند أصحابنا وقد أوردنا تحقيق ذلك في هذا الكتاب مفرقا في أبواب منازله وغيرها بطريق الإيماء لا بالتصريح فإنه مجال ضيق تقف العقول فيه لمناقضته أدلتها فهو المرئي سبحانه على الوجه الذي قاله وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما أراده من ذلك .
    فإن الناظرين فيما قاله وأوحي به إلينا اختلفوا في تأويله وليس بعض الوجوه بأولى من بعض فتركنا الخوض في ذلك إذا الخلاف فيه لا يرتفع من العالم بكلامنا ولا بما نورده فيه

    (فصل) وأما حديث الأوتاد الذي يتعلق معرفتهم بهذا الباب
    فاعلم إن الأوتاد الذين يحفظ الله بهم العالم أربعة لا خامس لهم وهم أخص من الأبدال والإمامان أخص منهم والقطب هو أخص الجماعة والأبدال في هذا الطريق لفظ مشترك :
    يطلقون الأبدال على من تبدلت أوصافه المذمومة بالمحمودة ويطلقونه على عدد خاص وهم أربعون عند بعضهم لصفة يجتمعون فيها .
    ومنهم من قال عددهم سبعة والذين قالوا سبعة منا من جعل السبعة الأبدال خارجين عن الأوتاد متميزين .
    ومنا من قال إن الأوتاد الأربعة من الأبدال فالأبدال سبعة ومن هذه السبعة أربعة هم الأوتاد واثنان هما الإمامان وواحد هو القطب وهذه الجملة هم الأبدال .
    وقالوا سموا أبدالا لكونهم إذا مات واحد منهم كان الآخر بدله ويؤخذ من الأربعين واحد وتكمل الأربعون بواحد من الثلاثمائة وتكمل الثلاثمائة بواحد من صالحي المؤمنين .
    وقيل سموا أبدالا لأنهم أعطوا من القوة أن يتركوا بدلهم حيث يريدون لأمر يقوم في نفوسهم على علم منهم فإن لم يكن على علم منهم فليس من أصحاب هذا المقام فقد يكون من صلحاء الأمة وقد يكون من الأفراد .
    وهؤلاء الأوتاد الأربعة لهم مثل ما للابدال الذين ذكرناهم في الباب قبل هذا روحانية إلهية وروحانية آلية :
    فمنهم من هو على قلب آدم
    والآخر على قلب إبراهيم
    والآخر على قلب عيسى
    والآخر على قلب محمد عليهم السلام
    فمنهم من تمده روحانية إسرافيل
    وآخر روحانية ميكائيل
    وآخر روحانية جبريل
    وآخر روحانية عزرائيل .
    ولكل وتد ركن من أركان البيت فالذي على قلب آدم عليه السلام له الركن الشامي .
    والذي على قلب إبراهيم
    عليه السلام له الركن العراقي .
    والذي على قلب عيسى عليه السلام له الركن اليماني .
    والذي على قلب محمد صلى الله عليه وسلم له ركن الحجر الأسود وهو لنا بحمد الله .
    وكان بعض الأركان في زماننا الربيع بن محمود المارديني الحطاب فلما مات خلفه شخص آخر وكان الشيخ أبو علي الهواري قد أطلعه الله عليهم في كشفه قبل أن يعرفهم وتحقق صورهم فما مات حتى أبصر منهم ثلاثة في عالم الحس أبصر ربيعا المارديني وأبصر الآخر وهو رجل فارسي وأبصرنا ولازمنا إلى أن مات سنة تسع وتسعين وخمسمائة أخبرني بذلك وقال لي ما أبصرت الرابع وهو رجل حبشي واعلم أن هؤلاء الأوتاد يحوون على علوم جمة كثيرة فالذي لا بد لهم من العلم به وبه يكونون أوتادا فما زاد من العلوم فمنهم من له خمسة عشر علما
    ومنهم من له ولا بد ثمانية عشر علما
    ومنهم من له أحد وعشرون علما
    ومنهم من له أربعة وعشرون علما
    فإن أصناف العدد كثيرة هذا العدد من أصناف العلوم لكل واحد منهم لا بد له منه وقد يكون الواحد أو كلهم يجمع أو يجمعون علم الجماعة وزيادة ولكن الخاص لكل واحد منهم ما ذكرنا من العدد فهو شرط فيه وقد لا يكون له ولا لواحد منهم علم زائد لا من الذي عند أصحابه ولا مما ليس عندهم .
    فمنهم من له الوجه وهو قوله تعالى عن إبليس :
    ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولكل جهة وتد يشفع يوم القيامة فيمن دخل عليه إبليس من جهته .
    فالذي له الوجه له من العلوم علم الاصطلام والوجد والشوق والعشق وغامضات المسائل وعلم النظر وعلم الرياضة وعلم الطبيعة والعلم الإلهي وعلم الميزان وعلم الأنوار وعلم السبحات الوجهية وعلم المشاهدة وعلم الفناء وعلم تسخير الأرواح وعلم استنزال الروحانيات العلى وعلم الحركة وعلم إبليس وعلم المجاهدة وعلم الحشر وعلم النشر وعلم موازين الأعمال وعلم جهنم وعلم الصراط .
    والذي له الشمال له علم الأسرار وعلم الغيوب وعلم الكنوز وعلم النبات وعلم المعدن وعلم الحيوان وعلم خفيات الأمور وعلم المياه وعلم التكوين وعلم التلوين وعلم الرسوخ وعلم الثبات وعلم المقام وعلم القدم وعلم الفصول المقومة وعلم الأعيان وعلم السكون وعلم الدنيا وعلم الجنة وعلم الخلود وعلم التقلبات .
    والذي له اليمين له علم البرازخ وعلم الأرواح البرزخية وعلم منطق الطير وعلم لسان الرياح وعلم التنزل وعلم الاستحالات وعلم الزجر وعلم مشاهدة الذات وعلم تحريك النفوس وعلم الميل وعلم المعراج وعلم الرسالة وعلم الكلام وعلم الأنفاس وعلم الأحوال وعلم السماع وعلم الحيرة وعلم الهوى .
    والذي له الخلف له علم الحياة وعلم الأحوال المتعلقة بالعقائد وعلم النفس وعلم التجلي وعلم المنصات وعلم النكاح وعلم الرحمة وعلم التعاطف وعلم التودد وعلم الذوق وعلم الشرب وعلم الري وعلم جواهر القرآن وعلم درر الفرقان وعلم النفس الأمارة .
    فكل شخص كما ذكرنا لا بد له من هذه العلوم فما زاد على ذلك فذلك من الاختصاص الإلهي فهذا قد بينا مراتب الأوتاد وكنا في الباب الذي قبله بينا ما يختص به الأبدال وبينا في فصل المنازل من هذا الكتاب ما يختص به القطب والإمامان مستوفى الأصول في باب يخصه وهو السبعون ومائتان من أبواب هذا الكتاب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  10. #80
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,364
    التقييم: 10

    في معرفة انتقال العلوم الكونية

    الباب السابع عشر في معرفة انتقال العلوم الكونية ونبذة من العلوم الإلهية الممدة الأصلية
    علوم الكون تنتقل انتقالا * وعلم الوجه لا يرجو زوالا
    فنثبتها وننفيها جميعا * ونقطع نجدها حالا فحالا
    إلهي كيف يعلمكم سواكم * ومثلك من تبارك أو تعالى
    إلهي كيف يعلمكم سواكم * وهل غير يكون لكم مثالا
    ومن طلب الطريق بلا دليل * إلهي لقد طلب المحالا
    إلهي كيف تهواكم قلوب * وما ترجو التألف والوصالا
    إلهي كيف يعرفكم سواكم * وهل شئ سواكم لا ولا لا
    إلهي كيف تبصركم عيون * ولست النيرات ولا الضلالا
    إلهي لا أرى نفسي سواكم * وكيف أرى المحال أو الضلالا
    إلهي أنت أنت وإن إني * ليطلب من إنايتك النوالا
    لفقر قام عندي من وجودي * تولد من غناك فكان حالا
    وأطلعني ليظهرني إليه * ولم يرني سواه فكنت آلا
    ومن قصد السراب يريد ماء * يرى عين الحياة به زلالا
    أنا الكون الذي لا شئ مثلي * ومن أنا مثله قبل المثالا
    وذا من أعجب الأشياء فانظر * عساك ترى مماثله استحالا
    فما في الكون غير وجود فرد * تنزه أن يقاوم أو ينالا

    اعلم أيدك الله أن كل ما في العالم منتقل من حال إلى حال فعالم الزمان في كل زمان منتقل وعالم الأنفاس في كل نفس وعالم التجلي في كل تجل .
    والعلة في ذلك قوله تعالى :
    كل يوم هو في شأن وأيده بقوله تعالى :
    سنفرغ لكم أيها الثقلان وكل إنسان يجد من نفسه تنوع الخواطر في قلبه في حركاته وسكناته فما من تقلب يكون في العالم الأعلى والأسفل إلا وهو عن توجه إلهي بتجل خاص لتلك العين فيكون استناده من ذلك التجلي بحسب ما تعطيه حقيقته .
    واعلم أن المعارف الكونية منها علوم مأخوذة من الأكوان ومعلوماتها أكوان وعلوم تؤخذ من الأكوان ومعلوماتها نسب والنسب ليست بأكوان .
    وعلوم تؤخذ من الأكوان ومعلومها ذات الحق وعلوم تؤخذ من الحق ومعلومها الأكوان وعلوم تؤخذ من النسب ومعلومها الأكوان وهذه كلها تسمى العلوم الكونية وهي تنتقل بانتقال معلوماتها في أحوالها وصورة انتقالها أيضا إن الإنسان يطلب ابتداء معرفة كون من الأكوان أو يتخذ دليلا على مطلوبه كونا من الأكوان فإذا حصل له ذلك المطلوب لاح له وجه الحق فيه ولم يكن ذلك الوجه مطلوبا له فتعلق به هذا الطالب وترك قصده الأول وانتقل العلم يطلب ما يعطيه ذلك الوجه فمنهم من يعرف ذلك ومنهم من هو حاله هذا ولا يعرف ما انتقل عنه ولا ما انتقل إليه حتى إن بعض أهل الطريق زل فقال :
    إذا رأيتم الرجل يقيم على حال واحدة أربعين يوما فاعلموا أنه مراء يا عجبا وهل تعطي الحقائق أن يبقى أحد نفسين أو زمانين على حال واحدة فتكون الألوهية معطلة الفعل في حقه هذا ما لا يتصور إلا أن هذا العارف لم يعرف ما يراد بالانتقال بكون الانتقال كان في الأمثال فكان ينتقل مع الأنفاس من الشئ إلى مثله فالتبست عليه الصورة بكونه ما تغير عليه من الشخص حاله الأول في تخبله كما يقال فلان ما زال اليوم ماشيا وما قعد ولا شك أن المشي حركات كثيرة متعددة وكل حركة ما هي عين الأخرى بل هي مثلها وعلمك ينتقل بانتقالها فيقول ما تغير عليه الحال وكم تغيرت عليه من الأحوال .
    (فصل)
    وأما انتقالات العلوم الإلهية فهو الاسترسال الذي ذهب إليه أبو المعالي إمام الحرمين والتعلقات التي ذهب إليها محمد بن عمر بن الخطيب الرازي .
    وأما أهل القدم الراسخة من أهل طريقنا فلا يقولون هنا بالانتقالات فإن الأشياء عند الحق مشهودة معلومة الأعيان والأحوال على صورها التي تكون عليها ومنها إذا وجدت أعيانها إلى ما لا يتناهى فلا يحدث تعلق على مذهب ابن الخطيب ولا يكون استرسال على مذهب إمام الحرمين رضي الله عن جميعهم .
    والدليل العقلي الصحيح يعطي ما ذهبنا إليه وهذا الذي ذكره أهل الله ووافقنا هم عليه يعطيه الكشف من المقام الذي وراء طور العقل فصدق الجميع وكل قوة أعطت بحسبها فإذا أوجد الله الأعيان فإنما أوجدها لها لا له وهي على حالاتها بأماكنها وأزمنتها على اختلاف أمكنتها وأزمنتها فيكشف لها عن أعيانها وأحوالها شيئا بعد شئ إلى ما لا يتناهى على التتالي .
    والتتابع فالأمر بالنسبة إلى الله واحد كما قال تعالى وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر والكثرة في نفس المعدودات وهذا الأمر قد حصل لنا في وقت فلم يختل علينا فيه وكان الأمر في الكثرة واحدا عندنا ما غاب ولا زال وهكذا شهده كل من ذاق هذا فهم في المثال كشخص واحد له أحوال مختلفة وقد صورت له صورة في كل حال يكون عليها هكذا كل شخص وجعل بينك وبين هذه الصور حجاب فكشف لك عنها وأنت من جملة من له فيها صورة فأدركت جميع ما فيها عند رفع الحجاب بالنظرة الواحدة فالحق سبحانه ما عدل بها عن صورها في ذلك الطبق بل كشف لها عنها وألبسها حالة الوجود لها فعاينت نفسها على ما تكون عليه أبدا وليس في حق نظرة الحق زمان ماض ولا مستقبل بل الأمور كلها معلومة له في مراتبها بتعداد صورها فيها ومراتبها لا توصف بالتناهي ولا تنحصر ولا حد لها تقف عنده فهكذا هو إدراك الحق تعالى للعالم ولجميع الممكنات في حال عدمها ووجودها فعليها تنوعت الأحوال في خيالها لا في علمها فاستفادت من كشفها لذلك علما لم يكن عندها لا حالة لم تكن عليها فتحقق هذا فإنها مسألة خفية غامضة تتعلق بسر القدر القليل من أصحابنا من يعثر عليها .
    وأما تعلق علمنا بالله تعالى فعلى قسمين :
    - معرفة بالذات الإلهية وهي موقوفة على الشهود والرؤية لكنها رؤية من غير إحاطة .
    - ومعرفة بكونه إلها وهي موقوفة على أمرين:
    - أحدهما وهو الوهب
    - والأمر الآخر النظر والاستدلال وهذه هي المعرفة المكتسبة .
    وأما العلم بكونه مختارا فإن الاختيار يعارضه أحدية المشيئة فنسبته إلى الحق إذا وصف به إنما ذلك من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحق عليه .
    قال تعالى :
    ولكن حق القول مني وقال تعالى : أفمن حقت عليه كلمة العذاب وقال :
    ما يبدل القول لدي و ما أحسن ما تمم به هذه الآية :
    وما أنا بظلام للعبيد وهنا نبه على سر القدر وبه كانت الحجة البالغة لله على خلقه وهذا هو الذي يليق بجناب الحق والذي يرجع إلى الكون .
    ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها فما شئنا ولكن استدراك للتوصيل فإن الممكن قابل للهداية والضلالة من حيث حقيقته فهو موضع الانقسام وعليه يرد التقسيم وفي نفس الأمر ليس لله فيه إلا أمر واحد وهو معلوم عند الله من جهة حال الممكن .
    (مسألة)
    ظاهر معقول الاختراع عدم المثال في الشاهد كيف يصح الاختراع في أمر لم يزل مشهودا له تعالى معلوما كما قررناه في علم الله بالأشياء في كتاب المعرفة بالله .
    (مسألة)
    الأسماء الإلهية نسب وإضافات ترجع إلى عين واحدة إذ لا يصح هناك كثرة بوجود أعيان فيه كما زعم من لا علم له بالله من بعض النظار ولو كانت الصفات أعيانا زائدة وما هو إله إلا بها لكانت الألوهية معلولة بها فلا يخلو :
    - أن تكون هي عين الإله فالشئ لا يكون علة لنفسه .
    - أو لا تكون فالله لا يكون معلولا لعلة ليست عينه فإن العلة متقدمة على المعلول بالرتبة فيلزم من ذلك افتقار الإله من كونه معلولا لهذه الأعيان الزائدة التي هي علة له وهو محال ثم إن الشئ المعلول لا يكون له علتان وهذه كثيرة ولا يكون إلها إلا بها فبطل أن تكون الأسماء والصفات أعيانا زائدة على ذاته تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا (مسألة)
    الصورة في المرآة جسد برزخي كالصورة التي يراها النائم إذا وافقت الصورة الخارجة وكذلك الميت والمكاشف وصورة المرآة أصدق ما يعطيه البرزخ إذا كانت المرآة على شكل خاص ومقدار جرم خاص فإن لم تكن كذلك لم تصدق في كل ما تعطيه بل تصدق في البعض واعلم أن أشكال المرائي تختلف فتختلف الصور فلو كان النظر بالانعكاس إلى المرئيات كما يراه بعضهم لأدركها الرائي على ما هي عليه من كبر جرمها وصغره ونحن نبصر في الجسم الصقيل الصغير الصورة المرئية الكبيرة في نفسها صغيرة وكذلك الجسم الكبير الصقيل يكبر الصورة في عين الرائي ويخرجها عن حدها وكذلك العريض والطويل والمتموج فاذن ليست الانعكاسات تعطي ذلك فلم يتمكن أن نقول إلا أن الجسم الصقيل أحد الأمور التي تعطي صور البرزخ ولهذا لا تتعلق الرؤية فيها إلا بالمحسوسات فإن الخيال لا يمسك إلا ما له صورة محسوسة أو مركب من أجزاء محسوسة تركبها القوة المصورة فتعطي صورة لم يكن لها في الحس وجود أصلا لكن أجزاء ما تركبت منه محسوسة لهذا الرائي بلا شك .
    (مسألة)
    أكمل نشأة ظهرت في الموجودات الإنسان عند الجميع لأن الإنسان الكامل وجد على الصورة لا الإنسان الحيوان والصورة لها الكمال ولكن لا يلزم من هذا أن يكون هو الأفضل عند الله فهو أكمل بالمجموع فإن قالوا يقول الله : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ومعلوم أنه لا يريد أكبر في الجرم ولكن يريد في المعنى قلنا له صدقت ولكن من قال إنها أكبر منه في الروحانية بل معنى السماوات والأرض من حيث ما يدل عليه كل واحدة منهما من طريق المعنى المنفرد من النظم الخاص لأجرامهما أكبر في المعنى من جسم الإنسان لا من كل الإنسان ولهذا يصدر عن حركات السماوات والأرض أعيان المولدات والتكوينات والإنسان من حيث جرمه من المولدات ولا يصدر من الإنسان هذا وطبيعة العناصر من ذلك فلهذا كانا أكبر من خلق الإنسان إذ هما له كالأبوين وهو من الأمر الذي يتنزل بين السماء والأرض ونحن إنما ننظر في الإنسان الكامل فنقول إنه أكمل وأما أفضل عند الله فذلك لله تعالى وحده .
    فإن المخلوق لا يعلم ما في نفس الخالق إلا بإعلامه إياه .
    (مسألة)
    ليس للحق صفة نفسية ثبوتية إلا واحدة لا يجوز أن يكون له اثنتان فصاعدا إذ لو كان لكانت ذاته مركبة منهما أو منهن والتركيب في حقه محال فإثبات صفة زائدة ثبوتية على واحدة محال .
    (مسألة)
    لما كانت الصفات نسبا وإضافات والنسب أمور عدمية وما ثم إلا ذات واحدة من جميع الوجوه لذلك جاز أن يكون العباد مرحومين في آخر الأمر ولا يسرمد عليهم عدم الرحمة إلى ما لا نهاية له إذ لا مكره له على ذلك والأسماء والصفات ليست أعيانا توجب حكما عليه في الأشياء فلا مانع من شمول الرحمة للجميع ولا سيما وقد ورد سبقها للغضب فإذا انتهى الغضب إليها كان الحكم لها فكان الأمر على ما قلناه لذلك قال تعالى :
    ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا فكان حكم هذه المشيئة في الدنيا بالتكليف وأما في الآخرة فالحكم لقوله يفعل ما يريد فمن يقدر أن يدل على أنه لم يرد إلا تسرمد العذاب على أهل النار ولا بد أو على واحد في العالم كله حتى يكون حكم الاسم المعذب والمبلى والمنتقم وأمثاله صحيحا والاسم المبلى وأمثاله نسبة وإضافة لا عين موجودة وكيف تكون الذات الموجودة تحت حكم ما ليس بموجود فكل ما ذكر من قوله :
    لو شاء ولئن شئنا لأجل هذا الأصل فله الإطلاق وما ثم نص يرجع إليه لا يتطرق إليه احتمال في تسرمد العذاب كما لنا في تسرمد النعيم فلم يبق إلا الجواز وأنه رحمن الدنيا والآخرة فإذا فهمت ما أشرنا إليه قل تشعيبك بل زال بالكلية .
    (مسألة)
    إطلاق الجواز على الله تعالى سوء أدب مع الله ويحصل المقصود بإطلاق الجواز على الممكن وهو الأليق إذ لم يرد به شرع ولا دل عليه عقل فافهم وهذا القدر كاف فإن العلم إلهي أوسع من أن يستقصي والله يقول الحق وهو يهدي سبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

صفحة 8 من 10 الأولىالأولى ... 678910 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 05:53 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft