الخبر قسم من أقسام الكلام اللساني المفيد وقد وقع الخلاف في حده اصطلاحاً وليس ذلك للعجز عن تحديد واقعه وإنما للعجز عن وضع كلام يفيد تحديد واقعه تحديداً جامعاً مانعاً يقبله جميع الباحثين والأصوليين.
أما واقعه فلا خلاف في تعيينه حيثما ورد ولا خلاف في تمييزه عن باقي أقسام الكلام التي تقابل الخبر كالأمر والنهي والاستفهام والنداء والتمني والعرض والترجي وهي الإنشاء والتنبيه .
وإذا شئنا تعريفه نستطيع القول : هو كلام يفيد إضافة معنى إلى معنى أو قل : هو كلام يفيد إضافة وصف أو فعل إلى واقعٍ موجودٍ أو متصور في الذهن .
وهذه الإضافة قد تكون صحيحة وقد تكون خطأً أي أن الخبر قد يكون صحيحاً وقد يكون خطأً أو كما يقال : يدخله الصدق ويدخله الكذب .
والأدق أن يقال : قد يكون مطابقاً للواقع وقد يكون غير مطابق للواقع. وهذا من جهة الخبر بغض النظر عن المُخبر الذي قد يكون صادقاً في النقل غير مخطئ في النقل أو ناسٍ أو متوهم… أو قد يكون عامداً للكذب .
ولما كانت الأخبار قد تكون مطابقة للواقع وقد تكون غير مطابقة فإنَّ الخبر قد يُصَدَّقُ وقد يُكَذَّبُ وذلك لاعتبارات عديدة منها ما يعود إلى المخبر ومنها ما يعود الخبر نفسه .
وقد يقف المُخْبَرُ عاجزاً عن تصديق الخبر أو تكذيبه أو عن قبوله أو رده .
ولا عبرة في تصديق الخبر أو تكذيبه في جعله مطابقاً للواقع أو العكس وإنما العبرة في النظر الذي يؤدي إلى أيٍ منهما .
وقد يكون الخبر من النوع الذي يعمل فيه العقل كقول القائل: المسيح ابن الله، أو قوله: الله موجود. فهنا صياغتان لخبرين أولهما لا يطابق الواقع والثاني يطابق الواقع. وقد يأتي الخبران من نفس الجهة. فهنا لا ينظر إلى المخبرين من حيث وصفهم بالعدالة أو العكس. وإنما ينظر إلى الخبر أولاً فإن كان من ما فيه أو مضمونه مستنداً إلى الحس كالمشاهدة أو السماع المباشر يُنْتَقَلُ إلى البحث في صدق وعدالة المخبرين وإن كان مما يستند إلى البحث العقلي، أي إلى النظر والاستدلال، فإنه يبحث الأمر لتقريره بالنظر والاستدلال. كما في المثلين أعلاهن فإن العقل ينظر ويستدل بالمحسوسات على أن المسيح ليس ابن الله، فالخبر الأول لا يطابق الواقع، وعلى أن الله موجود فالخبر الثاني يطابق الواقع .
والخبر الذي نبحث فيه هنا ليس من هذا النوع، أي ليس الذي يكون المُخبر مستنداً فيه إلى النظر والاستدلال العقليين . وغنما هو الخبر الذي يكون المُخبر فيه مستنداً إلى الحس مباشرةً والذي يكون دور المُخبر فيه نقلَ ما أحس به هو أو نقل ما نُقل إليه من خبر عمَّن أحس به أو عمن نقله عمن أحس به وهكذا .
ولما كان الإنسان عموماً ـ إلا من يُخَصُّ بدليل ـ بحسب ما ركَّبَ الله فيه من خصائص يُحْتَملُ أن يقع منه الكذب والخطأ والسهو والنسيان والتوهم وما شابه هذه الأوصاف مما يؤدي إلى عدم مطابقة خبره للواقع فإنه قد وجب لأجل التمييز بين الخبر المطابق والخبر غير المطابق أن يتحرى المخبَرُ عن هذه الأوصاف في المخبِر. وهذا في الأخبار بشكل عام . فإذا كانت الأخبار مهمة أو أكثر أهمية أو ذات شأن كبير عند المخبَر أو المخبَرين . وجب أن يزداد التحري أو يُبذلَ فيه الجهد الكبير بحسب أهمية الخبر للمخبَرين .
والأخبار التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي من هذا النوع فقد كان رسولاً إلى الناس كافة ولو كان رجلاً عادياً لأمكن لقائل أن يقول : هو رجل مثلنا ينطبق عليه ما ينطبق على البشر فلعله يكذب في هذا الخبر أو يخطئ في هذا أو ينسى في هذه الأمور إلى آخره . ولكن الله تعالى أرسل معه علامة تلغي كل هذه الاحتمالات . وتقطع الشك باليقين . وهذا اليقين هو أنه صلى الله عليه وسلم تميز عن البشر العاديين بأنه يُوحى إليه وأيده بعلامة تدل على أنه معصوم عن الكذب والخطأ والنسيان والسهو وما شاكله في أخبار الشريعة. هذه العلامة هي القرآن المعجز. فصار كل ما يأت به الرسول صلى الله عليه وسلم من أخبار الشريعة صدقاً ولا يدخله أي احتمال يؤدي إلى الخطأ أو عدم مطابقة للواقع . ولذلك كان كل ما يخبر به صلى الله عليه وسلم عن ربه من أخبار أو أوامر أو نواه صدقاً مقطوعاً به ضرورةً . قال تعالى : قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ). وقال: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .
ولما كان الدين ـ الإسلام ـ أجل شأن يعني البشر قاطبة أدركوا ذلك أم لم يدركوه ولما كان لا بد من معرفة ما أمر الله به أن يعتقد وما نهى عن اعتقاده وما أمر بفعله وما نهى عن فعله، وبما انه لا مصدر لذلك كله إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قم من قام من المسلمين من الذين أدركوا عِظَمَ هذا الشأن ـ بعد التحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ـ يجمعون أخباره وينقونها من كل شائبة قد تشوبها ومن كل قول دخيل قد يدخل عليها .
ونحن لا يمكننا معرفة ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من خلال ما ينسبه إليه المخبرون عنه إخباراً مستنداً إلى الحس ينقله هؤلاء إلى من بعدهم وهكذا . فوجب لمعرفة أي شأن من شؤون الدين النظر في نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما صحبت نسبته إليه قُبل وما لم تصح نسبته إليه رُد .
وحين ننظر إلى المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال نجد اختلافاً في قوة صدق النسبة. فهناك أشياء نُسِبت إليه وثبت لدينا بالقطع صدورها عنه وهناك أشياء تنسب إليه ونقطع أنها لم تصدر عنه . وهناك أشياء يترجح لدينا نسبتها إليه وأشياء يترجح لدينا عدم صدورها عنه .
إن الذي سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة أو شاهدة فعله يكون كافراً لو رد كلامه أو رد مضمونه .
أما الذي يسمع ممن سمع عنه أو من خلال مخبرين يخبر سابقُهم اللاحق مِثْلَنا في عصرنا اليوم، فعليه أن يبحث في الحلقة أو الواسطة أو السلسلة التي تصل ما بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم لمعرفة صدق النسبة . فإن كانت هذه الواسطة مما يقطع بصدقها أو بمطابقة خبرها للواقع وجب علينا القطع بصدور ذلك القول أو الفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت تلك الواسطة مما لا يكن فيها القطع بصحة خبرها أو عدم صحته فإنه يُعمد حينئذٍ إلى الترجيح .
وهكذا فإن المنقول إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم منه ما تأكد لدينا على سبيل القطع صدوره عنه ومن ذلك القرآن الكريم، فإنه مقطوع به أنه قد أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم لفظاً ومعنى بحرفيته بلا زيادة ولا نقصان على أنه من كلام الله سبحانه وتعالى وليس من حديثه صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك أيضاً بعض أحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم : «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
ومنه ما ترجح لدينا أي كان الظن بصدوره عن المعصوم صلى الله عليه وسلم أقوى من الظن بعدم صدوره عنه وهذا هو حال السنة المنقولة إلينا بالرواية من بدء روايتها وتناقلها حتى تدوينها .
وعليه فالنصوص الشرعية قسمان : منها ما هو مقطوع بنسبته إلى الوحي ومنها ما هو ليس مقطوعاً بنسبته إلى الوحي .
أما الأول : فقلنا إن مثاله القرآن الكريم فإنه تتناقله الجموع الكبيرة جداً عن الجموع الكبيرة جداً في شتى الأماكن المتقاربة والمتباعدة لفظاً ومعنى من وقت جمعه ونسخه إلى يومنا هذا بحيث يستحيل على العقل أن يداخله الشك بأي شيء منه .
و تكفير الشاك بالقرآن آت من جهة أن الشك فيه يعتبر شكاً في عصمة النبي في التبليغ .
و هذا هو الكفر. ولو قال الشاك : لا بل أشك في الواسطة التي بيننا وبين لنبي لَرُدَّ كلامه لأن العقل يحيل وقوع الخطأ سواء عن قصد أو عن غير قصد في الواسطة وذلك بسبب الكثرة واستحالة التواطؤ .
و كذلك يقال في الحديث المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمنقول إلينا عن الجموع الكثيرة التي يستحيل القول مع كثرتها بالخطأ أو التواطؤ فإن إنكار أو رد هكذا حديث يعتبر كفراً ويقال فيه مثل ما قيل في إنكار القرآن .
و مثل هذا الخبر هو الذي سماه علماؤنا بالمتواتر وقالوا في حده : « خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم » و قيل : « خبر جماعة عن جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه » و قيل : « خبر جمع عن محسوس يمتنع تواطؤهم على الكذب من حيث كثرتهم » [انظر إرشاد الفحول للشوكاني].
وجاء في شرح جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي عن « الورقات في الأصول » لإمام الحرمين الجويني : « المتواتر هو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم وهكذا إلى أن ينتهي إلى المُخْبَرِ عنه، فيكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد » .
وقالوا في وصفه أو في علامته إنه ما أفاد بنفسه العالم. فقال الشوكاني : « واعلم أنه لم يخالف أحد من أهل الإسلام ولا من العقلاء في أن خبر التواتر يفيد العلم » وقال شارح « الورقات في الأصول» في شرحه : « والخبر ينقسم إلى قسمين آحاد ومتواتر. فالمتواتر ما يوجب العلم » .
أما الثاني : فهو القسم الذي لم يحصل اليقين بصحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمانع من ذلك هو أن الواسطة التي تقع بين المخبِر والمخبَر لم تصل إلى الحد الذي يُقطع معه بعدم الخطأ أو الكذب أو التواطؤ في النقل. وهذا شأن الغالبية العظمى مما وصلنا من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك أن يأتينا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلسلة واحدة أو أكثر. وبعد النظر ـ من أهل النظر ـ في تلك السلسلة أو السلاسل تكون النتيجة أن يغلب على الظن عدم نسبة الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأن بعض الرواة فاسقٌ أو مجهول أو غير هذا من الأسباب . أو يغلب على الظن بدرجة ليست كبيرة صحة نسبة الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو بدرجة كبيرة . وهذا القسم من الأحاديث لا يقال له متواتر. أي لم يبلغ عدد الواردة في كل طبقة العدد الذي يستحيل معه الكذب أو الخطأ. ولذلك فمهما بلغت درجة صحة الحديث في هذا القسم فإنه ما زال عالقاً فيه شك ولو قليل جداً يمنع من القطع بنسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .
وهذا الخبر يقال له خبر آحاد. ولذلك قسم علماؤنا الخبر إلى قسمين : متواتر وآحاد. والآحاد منه الصحيح ومنه الحسن ومنه الضعيف.
فإذا بَلَغَنا الحديث بطريق الآحاد مثلاً وترجَّح لدينا صدق نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإننا نرجح صدق الخبر أو مطابقته للواقع . والخبر هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال كذا أو فعل كذا.
ولكننا لا نقطع بذلك أي لا نقطع أنه صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك أو فعل ذلك. وذلك لأن الواسطة غير مقطوع بمطابقة خبرها للواقع . وهذا معناه أن خبر الآحاد لا يفيد القطع. وهذه المسألة دليلها فهم واقع خبر الآحاد كما سبق شرحه. والقطع أو اليقين هو المقصود بكلمة العلم. فتقول خبر الآحاد لا يفيد بنفسه العلم وهو قول مقطوع بحصته. إذ أنه ضرورة عقلية لا يناقش فيها إلا مكابر أو من قصر به العقل عن فهمها. وهي مسألة ليست مقصورة على الشرعيات وإنما هي عامة في الشرعيات وغيرها.
ومن هنا كان من الغريب بل ومن المُستنكر أن تسمع بعض الأصوات هنا وهناك تردد أن خبر الآحاد يفيد العلم وتَستَهجِنُ القول الآخر مع أنه ضرورة عقلية أولاً وقول فَحول العلماء والأصول سلفاً وخلفاً ثانياً.
رب قائل يقول إن الناقلين للخبر أي رواته كلهم ثقات، فهم لا يكذبون وهم يتحرون الصدق فيما يروون. أقول: نعم، ولهذا قلنا إننا نأخذ قولهم ونعتبره صحيحاً ولكنهم لا يستحيل عليهم الكذب، ولا الخطأ رغم التقوى وتحري الصدق والتروي. إذ لا أحد منهم معصوم. ومثل هذه الأمور لا تستحيل إلى على من عصمه الله.
إلا أنه لا بد من الإشارة هنا إلى مسألة يدخل منها الخطأ في فهم آراء العلماء بما يفيده خبر الآحاد. فالبعض مثلاً يقول إن خبر الآحاد يفيد العلم ويضرب مثلاً يقول إن خبر الآحاد يفيد العلم ويضرب مثلاً على ذلك أحاديث صحيحي مسلم والبخاري. ويقول إن الأمة تلقتهما بالقبول. وهذا القول ليس فيه دلالة على أن خبر الآحاد يفيد العلم. إذ أن القائلين بهذا ـ ومنهم ابن الصلاح مثلاً ـ يشترطون تلقي الأمة للخبر بالقبول. وتلقي الأمة للخبر بالقبول هو تعبير عن الإجماع عند هؤلاء. والإجماع عندهم أيضاً هو دليل شرعي كالقرآن والسنة والقياس يكون العلم الحاصل بخبر الآحاد ليس مستنده الآحاد، وإنما مستنده الإجماع. والإجماع قرينة أقوى من قرينة الكثرة التي لا تصل إلى التواتر إذ الأمة في مجموعها معصومة عن الخطأ عند من يقول بإجماع الأمة. وقد استثنى ابن الصلاح من أحاديث الصحيحين الأحاديث التي انتقدها العلماء في إفادة العلم. فاعتبر هذه الأحاديث المنتقدة غير متلقاة بالقبول مما يدل على أن إفادة العلم ليست راجعة إلى خبر الآحاد نفسه بل إلى أمر آخر هو إجماع الأمة.
وهذا يقودنا إلى بحث آخر لسنا بصدده وهو : هل إجماع الأمة دليل قطعي، أو ظني؟ والمستقر عليه أنه ليس من الاجماعات المبحوثة في علم الأصول قطعياً إلا إجماع الصحابة. علاوة على عدم التسليم في إمكانية وقوع إجماع بعد الصحابة رضوان الله عليهم.
علاوة على أن الإمام النووي قد رد قول ابن الصلاح معتبراً أن أحاديث الصحيحين كغيرها تفيد الظن ما لم تتواتر وعلل ذلك بأن شأنها شأن الأحاديث الأخرى وتلقي الأمة لما في الصحيحين بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف بخلاف غيرهما فلا يقبل حتى ينظر فيه ويوجد فيه شروط الصحيحين ولا يلزم من إجماع أمة على العمل بما فيها اجتماعهم على القطع بأنها من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولكن يلزم وجوب العمل بخبر الآحاد. [انظر المقدمة لابن الصلاح، وشرح صحيح مسلم للنووي]
وعليه فالقول بأن خبر الآحاد يفيد العلم بما يحتف به من القرآن يلزم منه القول أن خبر الآحاد لا يفيد بنفسه العلم. وإن البعض قد ادعى الإجماع على أن خبر الآحاد يفيد اللم. وهذا تعسف ظاهر لا داعي للتدليل على الخطأ فيه. وقد ادعى البعض أن الشافعي في الرسالة يقول بإفادة خبر الآحاد للعلم. وعند التفتيش فيها وجدنا بما لا يقبل النقاش أنه يعتبر خبر الآحاد لا يفيد العلم.
وهنا ثمة مسألة أخرى وهي كيف نأخذ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم غير المتواترة مع أنه ليس مقطوعاً بحصة نسبتها إليه ؟ والجواب أن الشرع لم يشترط القطع في الأحكام الشرعية للعمل بها. ولكنه اشترط غلبة الظن. ولم يشترط القطع إلا فيما لا يقع إلا بالقطع وهو العقائد. ومسألة العمل بخبر الآحاد لا خلاف فيها بين المسلمين. والاستدلال بالظني على الأحكام الشرعية لا خلاف فيه بين المسلمين. وإن وجد من أنكر هذا فلا اعتبار لرأيه شرعاً.
ولكن يشترط للاستدلال بالظني أن يكون مصدره أو أصلة قطعياً، والمصادر القطعية أربعة لا غير : القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس. والقرآن لا يدخل الظن ثبوته أو نسبته إلى الوحي وإنما يدخل إلى دلالة بعض نصوصه. والسنة ثبت قطعاً الاستدلال بها وأنها وحي، والظن يدخل في ثبوت نسبة نصوصها إلى الوحي وفي دلالة النصوص، وإجماع الصحابة ثبت قطعاً نسبته إلى الوحي والظن يدخل في نقله أي في التثبت من حصوله أو عدم حصوله. والقياس ثبت قطعاً نسبته إلى الوحي والظن يدخل في فهم العلة ومسالكها. ولا ننسى أن من النصوص المتواترة كالقرآن وبعض السنة ما هو قطعي الدلالة فلا يدخل الظن أبداً وهذا ما يقال له في الاصطلاح : النص.
ومن المستغرب استدلال بعض المتنطعين على إفادة خبر الآحاد للعمل ببعض الأدلة التي تدل على وجوب أخذ خبر الآحاد في الاستدلال على الأحكام الشرعية. وشتان بين الأمرين. والمقرر في الأصول أن خبر الآحاد يفيد الظن ويوجب العمل .
أما ما يستدل به من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل آحاد الصحابة يبلغون الإسلام إلى الملوك فاستدلال في غير محله. فالذين أرسلهم صلى الله عليه وسلم كان يرسلهم للتبليغ ولإقامة الدليل على أصل العقيدة الإسلامية ومنها وجود اله وهذه لا تعتمد على الإخبار وحده وإنما على البحث العقلي أيضاً. ومنها نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه أيضاً مسألة لا تؤخذ بخبر الواحد ولا بخبر الكثرة، وإلا لكان بإمكان أي كان أن يدعي نبوته أو نبوة مرسلة ولذلك فرسل الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يحملون معهم القرآن الكريم الذي هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه تكمن الدلالة القطعية على النبوة. فإرسال الرسل إلى الملوك لم يعتمد على كونهم آحاداً وإنما على المعجزة ذات الدلالة القاطعة على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ما يستدل به كتحويل الصحابة لقبلتهم أثناء الصلاة. فخبر واحد أخبرهم أن القبلة قد تحولَّت. فهذا الاستدلال ليس في محلهن وعلى المستدِّل به أن يوضح أين يجد في هذه المسألة دلالةً على إفادة خبر الآحاد للعلم ؟ لا يوجد.
وهذه الحادثة تدل على أن خبر الواحد يؤخذ به في الأحكام كما دل عمل الصحابة حين غيروا قبلتهم. والتوجه نحو القبلة هو من الأحكام الشرعية. ولا يشترط فيه العلم وإنما يشترط فيه غلبة الظن وهو الحاصل من قول الصحابي الذي نقل إلى الصحابة خبر تحويل القبلة أثناء صلاتهم. ولو لم تحصل لهم غلبة الظن بصدقه لجاز لهم أن لا يتحولوا عن القبلة التي كانوا عليها.
ألمْ ترَ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه جاءه الخبر منسوباً للرسول صلى الله عليه وسلم، فسأل المُخبر إن كان معه غيره ممن يروي روايته وذلك كي يقوي الظن عنه بصحة الخبر. عن قبيصة بن ذؤيب قال : «جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته عن ميراثها فقال ما لَكِ في كتاب الله شيء وما علمتُ لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فارجعي حتى أسال الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبه : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس. فقال هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر فسألته ميراثها فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما فهو بينكما وإياكما خلت به فهو لها» رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي.
ولو كان خبر الواحد يقيد العلم لما كان لأبي بكر أن يسأل المغيرة إن كان معه غيره.
أوَ لم تَرَ أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رَدّ خبر فاطمة بنت قيس لشكِّه بأنها نسيت والخبر عن فاطمة في صحيح مسلم والخبر عن عمر كذلك. عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثاً قال : «ليس لها سكنى ولا نفقة» رواه أحمد ومسلم.
وعن الشعبي أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة فأخذ الأسود بن يزيد كفاً من حصى فحصبه به وقال ويلك تحدث بمثل هذا قال عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت».
فلو كان خبر الآحاد يفيد العلم لما كان لعمر رضي الله عنه أن يترك قولها ويعلل ذلك بالنسيان بل كان عليه أن يعمد إلى التوفيق بين قولها والنصوص الأخرى.
ألمْ تَرَ أيضاً أن المسائل التي تحتاج إلى العلم أو القطع لم يلتفت فيها الصحابة إلى أخبار الآحاد مع أنها أتت عن طريق كبار الصحابة. فلماذا لم يعتبروا من القرآن قراءة ابن مسعود للآية من سورة النساء : «وإن كان له أخ أو أخت من أم» فاعتبروا كلمة «من أم» زيادة من ابن مسعود خطأً وردوها رداً قاطعاً.
أوَ لمْ تَرَ أيضاً أن الصحابة لم يعتبروا من القرآن ما اعتبره آحاد الصحابة من القرآن وذلك ممن سورة النساء. فقد قرأ ابن عباس رضي الله عنه «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن» فرد الصحابة والمسلمون معهم قوله «إلى أجل مسمى» وأثبتوا النص هكذا : (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) مع أن ابن عباس أقسم أنها هكذا نزلت. أي وفيها «إلى أجل مسمى». فلو كان خبر الآحاد يفيد العلم لما كان لأحد أن يرد هذه الأخبار. ولكنهم ردوها فيما يتعلق بنص القرآن لأنه من العقائد ويحتاج إلى العلم أي اليقين. وأثبتوها في الأحكام لأنها تستفاد بالظن.
إن كون خبر الآحاد لا يفيد العلم هو من بدهيات العقل وهو من بدهيات ما عليه المسلمون. والقول بالعكس يؤدي إلى وجود كثير من حالات التناقض بين القطعيات وهو مستحيل.