إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17

الموضوع: الوجيز في أصول التشريع الإسلامي

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    الوجيز في أصول التشريع الإسلامي


    بسم الله الرحمن الرحيم

    مقدمة الطبعة الثالثة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

    إنني عندما نشرت كتاب الوجيز في طبعته التمهيدية بجامعة الكويت، وطبعته الأولى والثانية في مؤسسة الرسالة ـ لم أذيل المباحث بمراجعتها، لما كنت اعتقده من بداهة الموضوعات بوجازتها التي سقتها فيه لمبتدئ الطلب في هذا الفن .

    إلا إنني رأيت بعد ذلك ـ حرصا على أمانة النقل، وتوثيق النصوص، وربط الطلاب بالمراجع القديمة ـ أن أثبت هذه المراجع في هوامش الكتاب، عسى أن تقع الموقع الذي إليه رميت، وتؤدي الفرض الذي له هدفت .

    مع ما أزيده في هذه التعليقات من بعض الفوائد المهمة، ضمن نطاق المبتدئ في هذا الفن أيضا .

    كما أن طبعة الكتاب الأولى لم تخل من أخطاء لم يتنبه لها الطابع ولا المصحح، مما قد وقفت أثناء مراجعة الكتاب وتدريسه، أملاً أن نتلاشاها في هذه الطبعة.

    على أن الخطأ والسهو من لوازم البشر، فمن وقف على شئ من هذا فإنا نشكره سلفا على إرشادنا إليه، وهذا من قبيل النصح الواجب للمسلم على المسلم .

    وقد تبعت في الحواشي التي ألحقتها ما يلي :

    1. رتّبت الهوامش ترتيباً رقمياً متسلسلاً من أول الكتاب إلى آخره .

    2. إذا ذكرت كلمة ( المستصفى ) فالمراد به طبعة بولاق التي بهامشها فواتح الرحموت، وأما إذا كان النقل عن المستصفى في طبعته المستقلة قلت بجانبها ( المستصفى تجارية ) أي طبع المكتبة التجارية .

    3. إذا نقلت عن نهاية السول التي طبعت مع الإبهاج ذكرتهما معاً بقولي : ( الإبهاج ونهاية السول ) وإذا نقلت عن نهاية السول التي طبعت مع مناهج العقول شرح البدخشي قلت : ( نهاية السول ) فقط .

    4. طبعة الأحكام التي اعتمدت عليها هي طبعة دار الكتب العلمية بلبنان والمصورة عن الطبعة المصرية القديمة، وهي مغايرة في أرقام صفحاتها لطبعة الأحكام التي اعتمدت عليها في سائر كتبي كالتبصرة، والمنخول، والتمهيد، والحديث المرسل .

    5. إذا قلت ( منتهى السول )، فهو كتاب الآمدي المختصر من الأحكام، وأما إذا قلت : ( المنتهى ) فمرادي به منتهى ابن الحاجب، الذي طبع مستقلاً في جزء صغير .

    6. حيثما تقلت عن رفع الحاجب فإنما أنقل عن النسخة الخاصة بمكتبتي والمنقولة عن نسخة الأزهر، والتي أعدّها للنشر قريبا إن شاء الله، والأرقام التي أشير إليها هي أرقام مكتبة الأزهر غالباً .

    7. وحيث أنقل عن القواطع لابن السمعاني، فإني أنقل أيضا عن نسختي الخطية الخاصة المنسوخة عن النسخة المصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، عن النسخة الأصلية في القسطنطينية بتركيا، وقد نشرت منها المقدمة ـ بعد أن حققتها وعلقت عليها ـ بمعهد المخطوطات في جامعة الدول العربية في مجلته العلمية المحكمة العدد الأول من ص 209 إلى ص 288، وأما بقية أجزائه فستصدر تباعا أن شاء الله .

    8. وأما بالنسبة لجمع الجوامع فإني اعتمدت على حاشية البناني ط. عيسى الحلبي، وأما إذا كان النقل عن حاشية العطار قلت بجانبها ( جمع الجوامع عطار ) .

    والله ولي التوفيق ....

    د. محمد حسن هيتو


    مقدمة الكتاب

    الحمد لله الذي جعل العلم دليلا للوصول إليه، وجعل للعلم أصولا يستدل بها عليه، دستوراً قويماً، وسبيلاً مستقيماً فصان بذلك شرعه من أن تمتد إليه يد العبث، وحفظ وحيه من أن يتخذ مطية للشهوات والأهواء .

    ولذلك كان علم أصول الفقه من أشرف علوم الشرع مكاناً، وأكبرها أثراً، وأعمقها غوراً، وأدقها مسلكاً.

    وبقدر تفاوت العلماء في التمرس به وإتقانه تتفاوت بين الناس أقدارهم، وتتباين في الشريعة منازلهم.

    والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد :

    فإني ومنذ بداية طلبي للعلم قد شغفت حبا بفن الأصول، فصرفت إليه همتي، واستغرقت فيه جهدي، فقرأت فيه المختصرات والمطولات، وكنت كلما ازددت فيه تعمقا، أدركت الهوة الواسعة التي تفصل بين المسلمين اليوم وبين حقيقة التشريع والاستنباط والاجتهاد، وعلمت أن معظم التخبط الذي يقع به المسلم المعاصر الذي حيل بينه وبين علومه الشرعية، بالمخططات المدروسة الهدامة ـ إنما هو نتاج جهله بقواعد الاستنباط والاجتهاد، وهي قواعد هذا الفن العظيم .

    ومن ثم بدأت بمحاولة لإحياء هذا العلم الذي أصبح إطلالا دارسة، بعد أن كان علماً شامخاً.

    فنسخت الكثير من كتبه التي لم تنشر بعد وقمت بنشر بعضها، في محاولة لتعريف المسلمين به، ووقوفهم عليه. فنشرت منه بالتحقيق، والشرح والتعليق:

    1. المنخول من تعليقات الأصول، للإمام أبي حامد الغزالي .
    2. التبصرة في أصول الفقه ، للإمام أبي اسحق الشيرازي .
    3. التمهيد في استخراج الفروع على الأصول، للإمام الاسنوي .
    4. القواطع في أصول الفقه، للإمام ابن السمعاني، والذي آمل أن يصدر قريباً .

    كما إنني قمت بنشر كتابين من تأليفي في هذا الفن .

    1. الحديث المرسل حجيته وأثره في الفقه الإسلامي .

    2. الإمام الشيرازي وآراؤه الأصولية .

    ولما كانت كتب المتقدمين في هذا الفن لا تخلو من الصعوبة والتعقيد بالنسبة لأهل العصر ـ الذين حيل بينهم وبين تراثهم كما ذكرت فعزفوا عن علوم الشرع بصورة عامة، وعن هذا العلم بصورة خاصة ـ رأيت أن أتقدم إليهم بهذا المختصر الوجيز، وبأسلوب سهل بسيط، ليكون الخيط الذي يربطهم بكتب هذا الفن وما ألف فيه .

    ولا سيما بعد أن اسند إلي تدريس هذه المادة في كليتي الحقوق والشريعة بجامعة الكويت .

    ولي أمل كبير بالله تعالى أن يمكنني من تتمة المسيرة، لأكتب فيه ما عزمت من موسوعة تشتمل على كل أو معظم ما كتب فيه ودوِّن.

    وأما طريقتي في هذا الكتاب فكانت على النحو التالي:

    1. أذكر أصول المسائل الأصولية، دون الخوض في تفاصيلها الدقيقة، لأني إنما وضعت الكتاب للمبتدئ، والخوض في التفاصيل ربما ابتعد به عن الهدف المنشود.

    2. سرت فيه على رأي الجمهور في الأعم الأغلب، دون التعرض لآراء المخالفين لعدم فائدتها للمبتدئ أيضا، إلا أنني أشير إلى وجود الخلاف بقولي: الأصح، أو الصحيح أو الجمهور على كذا، مما يفهم معه أن ثمة من يخالف، وقد أذكر الخلاف لضرورة الوقوف عليه لما له من الأهمية.

    وربما اخترت في بعض الحالات بعض الأقوال، وأشير إلى ذلك بما يبين أنه من اختياري وترجيحي.

    3. لم أستطرد في سرد الأدلة على المذهب المختار، بل أذكر أهم الأدلة التي يستدل بها على المسألة.

    وربما أهملت الدليل لوضوح المسألة واستغنائها وردها.

    4. حاولت ما أمكنني ـ وبما يتناسب مع غرض الكتاب في الإيجاز وحاجة المبتدئ ـ أن استقصى المسائل الأصولية التي تعرض لها الأصوليون في كتبهم المختلفة، ليكون الكتاب على إيجازه جامعاً لكل مسائل الفن ومباحثه .

    وقد أهملت في نفس الوقت بعض المسائل التي لا تهم المبتدئ مما له علاقة بمباحث الكلام وغيرها مما لا يحتاج إليه في الفروع الفقهية.

    كما أني في مباحث اللغات أخذت منها ما كان له أثر في الفروع الفقهية دون غيره مما لا حاجة للمبتدئ له.

    5. لم أذكر في هوامش الكتاب المراجع الأصولية التي رجعت إليها كما فعلت ذلك في كتبي الأخرى كالتبصرة والمنخول والتمهيد والشيرازي، والحديث المرسل .

    وذلك لأن مباحث هذا الكتاب من المسائل العامة التي لا تخفى في موضوع الفن، مما لا يحتاج معه إلى المراجع، لأنه لا يخلو كتاب من الكتب عنها في الغالب، ولذلك لم أر فائدة من سرد المراجع الأصولية في كل مسألة من المسائل .

    وهذا فيما لا اختيار فيه ولا ترجيح، فإن كان لي في الموضوع اختيار أو ترجيح أو رأي، ذكرت مقالة الأصوليين وأحلت إليها، ليتبين الحال... .

    وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبل منى هذا العمل الذي لا أدَّعي فيه الكمال .. لأن ذلك لا يكون إلا لله ولمن عصمه الله من نبي أو رسول، إلا أنني لم أدَّخر فيما أعلم وسعاً إلا وبذلته من أجل إخراجه على الحالة المرضية , فإن كنت قد أصبت فيما فعلت ـ وهذا ما أرجوه ـ فهو من توفيق الله لي، وإن كان غير ذلك ـ وهو من لوازم البشر ـ فهو تقصيري وجهلي .

    كما أسأل الله تعال أن يوفقني للقيام بما عزمت عليه من مشروعي في هذا الفن الذي آذنت شمسه بالمغيب في هذه الأيام المظلمة من تاريخ البشرية عامة والمسلم خاصة، بعد أن قبض العلم، وفشا الجهل وصار أمر الناس إلى جاهلية علمية ما عرفت على مدى تاريخ هذه الأمة العريق .

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
    الكويت 17 رجب0114 هـ الموافق 21 مايو 1981 م

    الدكتور / محمد حسن هيــتو
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    المقدمة

    مقدمة

    قبل الخوض في تعريف الأصول، والكلام على أبحاثه، يجدر بنا أن نلم إلمامة سريعة بتاريخه، وطريقة الكتابة فيه، وأهم المؤلفات التي ألفت في هذا الفن(1).

    لم يكن الأصول على وضعه الحالي معروفاً في الصدر الأول من الإسلام، إذ لم يكن الصحابة بحاجة إلى القواعد التي ندرسها فيه نحن هذه الأيام، بل كانوا يعرفونها بسليقتهم العربية الأصلية السليمة. فكما كانوا يعرفون أن الفاعل مرفوع بالسليقة، كانوا يعرفون أن ( ما ) تفيد العموم المستغرق لإفراد ما دخلت عليه، وأنها تستعمل في غير العاقل حقيقة، وفي العاقل مجازاً، وأن ( من ) للعموم أيضا وأنها تستعمل في العاقل حقيقة، وفي غيره مجازاً، أن ( عشرة ) من قبيل الخاص، وأنها قطعية الدلالة على مسماها، إلى غير ذلك من المسائل الأصولية التي تتوقف على العربية، وأما ما كان يحتاج إلى البيان أو التفصيل، فكانوا يرجعون فيه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فيسألونه عنه، ولذلك لم يكونوا بحاجة إلى الخوض في تقعيد القواعد، وتأصيل الأصول، وتدوين المسائل .

    ولما اتسعت رقعة الإسلام واختلط فيه العرب بغيرهم من الأمم المختلفة التي دخلت فيه، وضعفت الملكات، وتعددت المسالك، وتفرقت السبل، كان لا بد للعلماء، من تدوين العلوم الدينية فروعاً وأصولا، للحفاظ على الشريعة، والإبقاء على دوامها واستمرارها، فشرعوا في وضع القوانين التي بواسطتها يمكن لهم أن يستنبطوا الأحكام الشرعية، ويدونوا الفروع الفقهية، بقواعد مضبوطة، وأصول معروفة، وسموا هذه القواعد بـ ( أصول الفقه ).

    قال ابن خلدون في ( مقدمته ) :

    ( واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج اليها في استفادة الأحكام خصوصا، فمنهم أخذ معظمها، وأما الأسانيد، فلم يكونوا بحاجة إلى النظر فيها، لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم، فلما انقرض السلف، وذهب العصر الأول، وانقلبت العلوم كلها صناعة، احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد، لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فناً قائماً بذاته سموه ( أصول الفقه ) أ . هـ .

    وكان أول من كتب فيه ودون، وحرر وأصل، إمامنا المطلبي ،محمد بن إدريس الشافعي، وذلك عندما أدرك خطر النزاع الذي نشأ بين أهل الحجاز وأهل العراق، أو بين أهل الحديث وأهل الرأي .

    فلقد كان أهل الرأي على جانب عظيم من قوة البحث والنظرة، وإن كانوا على قلة من رواية الحديث والأثر، لشيوع الوضع في العراق، وانتشار الزندقة فيه، فكانوا يحتاطون في الرواية، ويعتنون باستنباط المعاني من النصوص لبناء الأحكام عليها، فأكثروا من القياس، ومهروا فيه، وقدموه على الحديث الصحيح إذا خالفه من كل وجه، وكذلك ردوا الحديث إذا كان في واقعة مما تعم بها البلوى، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يقرهم عليها علماء الحديث وأهله، ومن ثم أسرفوا في الطعن على أهل الحديث ومنهجهم، وانتقصوا من قدرهم وقيمتهم، وعابوا عليهم الإكثار من الرواية، التي هي مظنة لقلة التدبر والتفهم .

    وكان أهل الحديث على كثرة روايتهم، وحفظهم للحديث ومتنه، ودرايتهم برجاله وسنده، على جانب من الخمول والكسل عاجزين عن الجدال والنظر.

    قال الإمام فخر الدين الرازي في ( مناقب الشافعي ) :

    ( أما أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله ـ  ـ، إلا أنهم كانوا عاجزين عن الجدال والنظر، وكلما أورد عليهم أحد من أصحاب الرأي سؤالاً أو إشكالا، أسقطوا في أيديهم عاجزين متحيرين ) أ . هـ . غير قادرين على الرد على خصومهم والانتصار لطريقتهم .

    وكانوا يعيبون على أهل الرأي طريقتهم، ويرمونهم بأنهم يأخذون بالظن في دينهم، يقدمون القياس الجلي على خبر الواحد، ويردون الحديث إن خالف القياس.

    وظهر المتعصبون من كلا الفريقين، فاشتد الخلاف، واحتدم النزاع، وأخذ كل فريق ينتصر لطريقته، ويدافع عن مذهبه، بكل ما أوتيه من حجة، وأسرفوا في الغلو بعضهم على بعض .

    إلى أن جاء حبر الملة، وعلم الأمة، الإمام القرشي، محمد بن إدريس الشافعي ـ رضي الله عنه ـ وكان قد رزقه الله معرفة بكتابه الكريم، وإحاطة بسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم، مطلعا على مسالك الرأي وطرقه، متمرساً بالبيان وفنونه، مع عقل ثاقب ورأى صائب، وحجة بالغة، ومكانة علية، فنظر إلى هذا الخلاف المحتدم، ورأى عجز أهل الحديث وضعفهم، وغلو أهل الرأي وتعصبهم، فوضع كتابه المسمى بـ ( الرسالة ) جامعاً بين الحديث والرأي، مبينا للناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والعام الذي أريد به الخاص، والظاهر الذي أريد به غير ظاهره، وتكلم فيه على حجية أخبار الآحاد وتقديمها، ومنزلة السنة ومكانتها، وتكلم على القياس، والإجماع والاجتهاد، وشروط المفتي في دين الله، إلى غير ذلك من المباحث الأصولية التي حررها ودونها .

    فكانت هذه الرسالة بمثابة القانون القويم، الذي يعول عليه، ويحتكم إليه، والذي خفف من أثر النزاع بعد أن علم كلا الفريقين القواعد التي يجب عليهم أن يلتزموها، ويسيروا على نهجها، وصاروا على بينة مما يدافعون به عن مذاهبهم وآرائهم .

    وكذلك صنف الشافعي كتبا أخرى، ككتاب ( إبطال الاستحسان ) الذي رد به على من كانوا يقولون بالاستحسان الذي لا يستند إلى دليل وقال كلمته المشهورة: ( من استحسن فقد شرع ) فأبطل التشريع بالتشهي والهوى.

    وكتاب اختلاف الحديث، الذي وفق فيه بين الأحاديث المتعارضة في ظاهرها، وكان أول كتاب يصنف أيضا في بابه.

    وكتاب جماع العلم الذي عقده خصيصاً من أجل بيان حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، والرد على من أنكره.

    ومن أجل ذلك لقب الشافعي بـ ( ناصر الحديث ) لكثرة دفاعه عنه وانتصاره له.

    نقل أبو زرعة الرازي، عن سعيد بن عمر البردعي انه قال : ( وردت الري، فدخلت على أبي زرعة، فقلت : يا أبا زرعة، سمعت حميد بن الربيع يقول : سمعت احمد بن حنبل يقول : ما علمت أحدا أعظم منة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، فقال : أبو زرعة صدق احمد، ولا أحدا أدرأ عن سنن رسول الله ـ  ـ من الشافعي، ولا أحدا أكشف لسؤات القوم مثل ما كشف الشافعي أ . هـ .

    وقال احمد بن حنبل ( لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث ) .

    وقال: كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسول الله.

    وقال أبو حاتم الرازي : ( لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى ).

    وقال الإمام بدر الدين الزركشي في مقدمة كتابه ( البحر المحيط ) ( وقد أشار المصطفى عليه الصلاة والسلام في جوامع كلمه إليه ـ أي إلى علم الأصول ـ ونبه أرباب اللسان عليه، فصدر في الصدر الأول منه جملة سنية ورموز خفية، حتى جاء الإمام المجتهد الشافعي ـ رضي الله عنه ـ واهتدى بمناره، ومشى إلى ضوء ناره، فشمر عن ساعد الجد والاجتهاد، وجاهد في تحصيل هذا ا لفرض حق الجهاد، وأظهر دفائنه وكنوزه، وأوضح إشاراته ورموزه، وأبرز مخبآته، وكانت مستورة، وأبرزها في أكمل معنى وأجمل صورة، حتى نور بعلم الأصول دجى الآفاق، وأعاد سوقه بعد الكساد إلى نفاق ) أ . هـ .

    فكانت رسالة الشافعي هي أول كتاب صنف في أصول الفقه على وجه الأرض، ومن ثم توالى الأئمة على شرحها، والاستضاءة بنورها، والاقتداء بهديها، وأصبح علم الأصول علماً مستقلاً، رتبت أبوابه، وحررت مسائله، ودققت مباحثه، وصار شرطاً لكل مجتهد أن يتحقق به ويتمرس بقواعده ومسائله .

    فألفت فيه المؤلفات، وحررت المصنفات، وتشعبت طرق الباحثين فيه إلى طريقتين:

    الطريقة الأولى: وهي التي تعرف بطريقة المتكلمين، وهم الشافعية والجمهور.

    الطريقة الثانية: وهي التي تعرف بطريقة الفقهاء، وهم الحنفية.

    1. طريقة المتكلمين:

    وهي التي كان يهتم أصحابها بتحرير المسائل، وتقرير القواعد، وإقامة الأدلة عليها، وكانوا يميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن، مجردين للمسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، غير ملتفتين إليها، لأنها هي التي يجب أن تخضع للقواعد الأصولية، ولا تخرج عنها إلا بدليل منفصل شأنهم في ذلك شأن علماء الكلام، وعلى الجملة فالأصول عندهم فن مستقل يبنى عليه الفقه، فلا حاجة للمزج بين الفنين، والجمع بين العلمين .

    2. طريقة الفقهاء :

    وهي أمس بالفقه، وأليق بالفروع تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من الفروع عن أئمتهم، زاعمة أنها هي القواعد التي لاحظها أولئك الأئمة عندما فرعوا تلك الفروع، حتى إذا ما وجدوا قاعدة تتعارض مع بعض الفروع الفقهية المقررة في المذهب، عمدوا إلى تعديلها بما لا يتعارض مع تلك الفروع، أو استثناء هذه الفروع من تلك القاعدة.

    وإن نظرة سريعة خاطفة على كتب الحنفية في الأصول، كأصول البزدوي، أو السرخسي، أو الجصاص، أو غيرهم من المتقدمين، والمتأخرين، لكفيلة بإثبات ما نقول .

    ولولا خشية الإسهاب فيما لم أعقد له هذا الباب، لأطنبت في نقل الفقرات من أصولهم كشاهد على ما قلناه، على أنه مسلم، لا حاجة فيه للنقاش، والجدال، وهم لا يخاصمون فيه.

    قال ابن خلدون في ( مقدمته ): ( إلا أن كتابة الفقهاء فيه أمس بالفقه، وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها، وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية ).

    وقال : ( فكان لفقهاء الأحناف فيها اليد الطولى من الغوص على النكت الفقهية، والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن ) .

    أهم ما صنفه المتكلمون :

    قد ذكرت قبل قليل أن الشافعي ـ رضي الله عنه ـ هو أول من دون أصول الفقه، وأسس هذا الفن، فصنف كتابه المشهور ( الرسالة ) ومن ثم أخذ العلماء بالتصنيف في هذا الفن، والترتيب لأبوابه، والتهذيب لمسائلة، والتحقيق لمباحثه، حتى وصل إلى قمة مجده في القرن الخامس الهجري، حيث صنفت فيه أهم المصنفات التي أصبحت ولا زالت من أهم المراجع الأصولية على وجه الأرض، منها الاقتباس، وعليها المعول .

    وكان من صنف بعد الإمام الشافعي منهم من يصنف في بحث من بحوث الأصول، ومنهم من يدون الورقات القليلة فيه، حتى وصل إلى ما وصل اليه في القرن الخامس .

    قال الإمام بدر الدين الزركشي :

    ( وجاء من بعدهم ـ أي الشافعي والصدر الأول ـ فبينوا وأوضحوا، وضبطوا وشرحوا، حتى جاء القاضيان، قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتنع الناس بآثارهم، وساروا على أخذ نارهم، فحرروا وقرروا، وصوبوا وصوروا فجزاهم الله خير الجزاء ومنحهم كل مسرة وهناء ) أ. هـ .

    واليك أهم ما صنفه المتكلمون :

    1) أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ( م . 204 هـ ) :

    وقد ألف كتابه المشهور ( الرسالة ) وهي أول ما دون في هذا الفن، وقد شرحها خمسة من كبار أئمة الشافعية. سنذكرهم حسب وفاتهم فيما يأتي:

    ‌أ- الإمام أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبدالله م . 330 هـ .
    ‌ب- وأبو الوليد النيسابوري، حسان بن محمد م . 349 هـ .
    ‌ج- والقفال الشاشي الكبير، محمد بن علي بن إسماعيل م . 365 هـ .
    ‌د- وأبو بكر الجوزقي ، محمد بن عبدالله الشيباني م . 388 هـ .
    ‌ه- وأبو محمد الجويني، والد امام الحرمين، عبدالله بن يوسف م . 438 هـ .

    كما ألف الشافعي كتبا أخرى في هذا الفن.

    ككتاب إبطال الاستحسان.
    وكتاب جماع العلم.
    وكتاب اختلاف الحديث.
    وكتاب القياس.

    2) أحمد بن عمر بن سريج، أبو العباس ( م .630 هـ ) :

    من كبار أئمة الشافعية، وكان يلقب بالباز الأشهب، والأسد الضاري، وله في الأصول مصنفات منها : الرد على ابن داود في إبطال القياس .

    3) محمد بن ابراهيم بن المنذر، أبو بكر ( م . 306 هـ ) :

    صنف في الأصول مصنفات منها : كتاب إثبات القياس.

    4) أبو الحسن الأشعري، علي بن إسماعيل ( م . 324 هـ ) :

    صنف في الأصول كتبا منها :
    ‌أ- إثبات القياس.
    ‌ب- اختلاف الناس في الأسماء والأحكام والخاص والعام.

    5) أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبدالله ( م . 330 هـ ) :

    كان يقال : انه اعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، قال ابن خلكان : أن له في أصول الفقه كتابا لم يسبق إلى مثله، ومن مصنفاته في هذا الفن :

    ‌أ- شرح رسالة الإمام الشافعي في أصول الفقه .
    ‌ب- البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام .
    ‌ج- كتاب الاجماع .

    6) القاضي أبو الفرج المالكي، عمر بن محمد ( م . 331 هـ ) :

    له في الأصول : اللمع .

    7) محمد بن سعيد القاضي الشافعي، أبو احمد الخوارزمي ( م. 343 هـ ) :

    صنف في أصوله الفقه : الهداية : وهو كتاب حسن نافع، كان علماء خوارزم يتداولونه وينتفعون به .

    8) بكر بن محمد بن العلاء القشيري ( م . 344 هـ ) :

    وهو مالكي، له مصنفات في الأصول وهي :

    ‌أ- كتاب القياس.
    ‌ب- كتاب أصول الفقه .
    ‌ج- مأخذ الأصول .

    9) أبو الوليد النيسابوري، حسان بن محمد ( م . 349 هـ ) :

    من مصنفاته : شرح رسالة الإمام الشافعي .

    10) أبو حامد المروروذي، احمد بن بشر بن عامر ( م . 362 هـ ) :

    له في الأصول : الإشراف على الأصول .

    11) أبو بكر القفال الشاشي الكبير، محمد بن علي بن اسماعيل
    ( م . 365 هـ ) :
    وقد ألف في الأصول :

    ‌أ- شرح الرسالة للإمام الشافعي .
    ‌ب- كتاب في الأصول . ( بدون اسم ) .

    12) أبو بكر الأبهري المالكي، محمد بن عبدالله ( 375 هـ ) :

    صنف في الأصول :

    ‌أ- كتاب في الأصول . ( بدون اسم ) .
    ‌ب- إجماع أهل المدينة .

    13) أبو بكر الجوزقي، محمد بن عبدالله الشيباني ( م . 388 هـ ) :

    صنف في أصول الفقه شرح الرسالة للإمام الشافعي .

    14) القاضي أبو بكر الباقلاني، محمد بن الطيب ( م . 403 هـ ) :

    وتعتبر كتبه من أهم ما صنف في أصول الفقه حتى العصر الذي عاش فيه، بل من أهم ما صنف في الأصول مطلقا، ومن كتبه وكتب القاضي عبدالجبار استمد معظم من أتى بعده من الأصوليين، كما قدمناه قبل قليل عن الزركشي، ومن مصنفاته في الأصول :

    ‌أ- التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد: وقد اختصره في كتاب الإرشاد المتوسط، والإرشاد الصغير، قال ابن ألسبكي: وهو أجل كتب الأصول، والذي بين أيدينا منه هو المختصر الصغير ويبلغ أربعة مجلدات، ويحكى أن أصله كان في اثني عشر مجلدا، ولم نطلع عليه، وكذلك اختصره إمام الحرمين ( م. 478 هـ ) وسماه التلخيص .

    ‌ب- أمالي إجماع أهل المدينة .

    ‌ج- التمهيد في أصول الفقه .

    ‌د- المقنع في أصول الفقه .

    15) القاضي عبدالجبار بن أحمد الهمداني، المعتزلي، قاضي القضاة
    ( م . 415 هـ ) :

    وله في أصول الفقه مصنفات جليلة مفيدة، وكبت نفيسة نافعة، وقد أسلفنا أن كتبه وكتب الباقلاني هي العمدة في هذا الفن، ومن مصنفاته .

    ‌أ- العمد، وقد شرحه أبو الحسين البصري في ( المعتمد ) وسيأتي .

    ‌ب- الشرعيات: وهي الجزء السابع عشر من المغنى الكتاب الجامع الكبير المشهور، وقد طبع في القاهرة مع المغنى.

    16) أبو منصور البغدادي، عبدالقادر بن طاهر ( م . 429 هـ ) :

    له في الأصول آراء سديدة، ومصنفات عديدة، منها:

    ‌أ- الفصل في أصول الفقه .
    ‌ب- التحصيل في أصول الفقه .

    17) أبو الحسين البصيري، محمد بن علي الطيب ( م . 436 هـ ) :

    أحد أئمة المعتزلة، له تصانيف كثيرة، وآثاره في الأصول معروفة وكلماته مدونة، من تصانيفه الأصولية :
    ‌أ- المعتمد في أصول الفقه : شرح به العمد للقاضي عبدالجبار الهمذاني، وهو احد أركان الأصول التي اعتمدها الرازي والآمدي .
    ‌ب- مختصر المعتمد.

    18) أبو محمد الجويني، عبدالله بن يوسف ( م . 438 هـ ) :

    وهو والد إمام الحرمين، له في الأصول ( شرح الرسالة ) للإمام الشافعي .

    19) القاضي أبو يعلى الفراء، محمد بن الحسين ( م . 458 هـ ) :

    حنبلي، له في الأصول مصنفات منها :

    ‌أ- العدة.
    ‌ب- مختصر العدة .
    ‌ج- الكفاية.
    ‌د- مختصر الكفاية .

    20) أبو الوليد الباجي، سليمان بن خلف المالكي ( م . 474 هـ ) :

    له في الأصول : أحكام الفصول في أحكام الأصول .

    21) الشيخ الإمام أبو اسحق، ابراهيم بن علي الشيرازي ( م . 476 هـ ) :

    وله في الأصول :

    ‌أ- التبصرة .
    ‌ب- اللمع .
    ‌ج- شرح اللمع .

    22) أبو نصر احمد بن جعفر بن الصباغ ( م. 477 هـ ) :
    وله في الأصول :
    عدة العالم والطريق السالم .
    23) إمام الحرمين الجويني ( م . 478 هـ ) :
    وقد ألف في هذا الفن أهم الكتب وأشهرها وهي:

    ‌أ- البرهان : قال الإمام ابن السبكي : لا أعرف في أصول الفقه أجل ولا أفحل من ( برهان ) إمام الحرمين .

    وله عدة شروح :

    الأول : أبو عبدالله المازري المالكي ( م . 534 ) واسماه ( إيضاح المحصول من برهان الأصول ) .

    الثاني : أبو الحسن بن الابياري المالكي ( م . 614 هـ ) .

    الثالث : الشريف أبو يحيى زكريا بن يحي الحسني المغربي، جمع بين كلامي المازري، والابياري، وزاد عليهما .

    24) الإمام أبو الطيب الطبري، طاهر بن عبدالله ( م . 450 هـ ) .

    وله في الأصول : شرح الكفاية .

    25) أبو المظفر بن السمعاني، منصور بن محمد ( م . 489 هـ )

    وله في الأصول انفع كتاب واجله وهو: ( القواطع في أصول الفقه ).

    26) حجة الإسلام، أبو حامد، محمد بن محمد الغزالي ( م . 505 هـ ) :

    وله عدة كتب في الأصول منها :

    ‌أ- المستصفى من علم الأصول .
    ‌ب- المنخول من تعليقات الأصول .
    ‌ج- شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل.

    27) الإمام بدر الدين الزركشي ( م . 794 ) :
    وله الكتاب المشهور ( البحر المحيط ) والذي يعتبر من نفيس ما صنف في هذا الفن.
    وهناك كتب أخرى كثيرة لا داعي للإطالة بذكرها، وما ذكرناه فيه الكفاية.

    وقد انتهى مجموع هذه الكتب إلى أربعة كتب، عليها المعول واليها المرجع والمآل.
    وكان كل ما بعدها مقتبسا منها، ومعتمداً عليها، وهي:

    1. العمد : للقاضي عبدالجبار ( م . 415 هـ ) .
    2. المعتمد : لأبي الحسين البصري ( م . 436 هـ ) .
    3. البرهان: لإمام الحرمين ( م. 478 هـ ) .
    4. المستصفى : للإمام الغزالي ( م . 505 هـ ) .

    فقد قام بجمعها وتلخيصها الإمام فخر الدين الرازي ( م . 606 هـ ) في كتابه ( المحصول ) .

    والإمام سيف الدين الآمدي ( م . 631 هـ ) في كتابه المسمى بـ ( الإحكام في أصول الأحكام ) .

    ومن ثم توالت الشروح والاختصارات لهذين الكتابين العظيمين .

    أما المحصول فقد شرحه:

    1. شهاب الدين القرافي ( م . 684 هـ ) .
    2. شمس الدين الاصبهاني ( م . 688 هـ ) .

    واختصره كل من :

    1. الإمام سراج الدين الأرموي ( م . 672 هـ ) في كتابه ( التحصيل ) .

    2. الإمام تاج الدين الأرموي ( م . 656 ) في كتابه ( الحاصل ) .

    3. الإمام شهاب الدين القرافي ( م . 684 ) لخص منه كتابا سماه

    ( التنقيحات) .

    وقام القاضي عبدالله بن عمر البيضاوي ( م . 685 هـ ) باختصار المحصول، في كتابه ( المنهاج ).

    وقد توالت الشروح على منهاج البيضاوي فشرحه خلق كثير نذكر منهم:

    1. الإمام جمال الدين الأسنوي ( م . 772 هـ ) في كتاب سماه ( نهاية السول في شرح منهاج الأصول ) .

    2. الإمام تقي الدين السبكي ( م . 756 هـ ) في كتاب سماه ( الإبهاج بشرح المنهاج ) وصل فيه إلى مقدمة الواجب، ومن ثم أتم شرحه ابنه الإمام تاج الدين السبكي ( م . 771 هـ ) .

    3. الإمام محمد بن الحسن البدخشي في كتاب سماه ( منهاج العقول في شرح منهاج الأصول ) .

    ونظمه الشيخ شمس الدين عبدالرحيم بن حسين العراقي ( م . 806 هـ ) .

    وله شروح أخرى لن أطيل بذكرها .

    أما كتاب الآمدي ( الإحكام في أصول الأحكام ) فقد اختصره هو في كتاب سماه ( منتهى السول ) .

    وكذلك اختصره الإمام أبو عمر عثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب ( م . 646 ) في كتاب سماه ( منتهى السول والأمل، في علمي الأصول والجدل ) .

    ثم اختصر ( المنتهى ) في كتاب سماه ( مختصر المنتهى ) وهو الذي أكب عليه طلبة العلم، واعتنوا به درساً وحفظاً وشرحاً، فشرحه خلق كثير، وسأذكر على سبيل المثال:

    شرح العلامة عضد الدين الايجي ( م . 756 ) وعليه حاشية لسعد الدين التفتازاني . وهو شرح مختصر دقيق .

    وشرح الإمام تاج الدين السبكي ( م . 771 ) المسمى ( برفع الحاجب عن ابن الحاجب ) وهو شرح في غاية النفاسة والتحقيق، يقع في مجلدين كبيرين . وقد هداني الله لنسخة أثناء إقامتي في مصر، وأرجو أن يسهل لي سبل تحقيقه ونشره .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #3
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وشرح العلامة قطب الدين، محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، الشافعي المعروف بالعلامة ويقع في مجلدين كثيرين أيضا.
    وشرح العلامة شمس الدين محمود بن عبدالرحمن الاصفهاني ( م . 749 ) ويقع في مجلد واحد .
    وغيرها من الشروح الكثيرة التي لا داعي لذكرها .

    أما أهم الكتب التي صنفت على طريقة الفقهاء فهي:



    1. مآخذ الشرائع للإمام أبي منصور الماتريدي ( م . 330 ) .



    1. كتاب في الأصول للإمام الكرخي ( م . 340 ) .


    1. أصول الجصاص للإمام أبي بكر احمد بن علي الجصاص الرازي (م . 370).


    1. تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي ( م . 430 ) .


    1. تأسيس النظر للدبوسي أيضاً .


    1. كتاب الإمام فخر الإسلام البزدوي ( م . 483 ) وهو كتاب جامع للمسائل الأصولية، وله عناية خاصة بالتطبيق على الفروع الفقهية، وعليه شرح يسمى كشف الأسرار لعبدالعزيز البخاري ( م . 730 ) .



    1. أصول السرخي : للإمام أبي بكر محمد بن احمد السر خسي ( م . 490 ).



    1. ومن المتأخرين الإمام أبو البركات عبدالله بن احمد المعروف بحافظ الدين النسفي ( م . 710 ) صنف كتابه المسمى ( بالمنار ) وعليه عدة شروح .


    وهناك كتب أخرى كثيرة لهم سوى ما ذكرنا.

    وأهم الكتب التي جمعت بين الطريقتين :

    1. بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي الأحكام (( للإمام مظفر الدين الساعاتي " ( م . 694 ) .


    1. التنقيح: لصدر الشريعة ( م. 747 ) وشرحه التوضيح، وقد لخصه من كتاب البزدوي، والمحصول، ومختصر ابن الحاجب .


    1. التحرير: لكمال الدين بن الهمام ( م. 861 ) وهو إلى طريقة المتكلمين أقرب . وقد شرحه تلميذه محمد بن محمد بن أمير الحاج ( م. 879 ) بكتاب سماه " التقرير والتحبير " وشرحه محمد أمين المعروف بأمير بادشاه في كتاب سماه " تيسير التحرير " .


    1. جمع الجوامع : للإمام تاج الدين السبكي ( م . 771 ) قال في مقدمته، انه اختاره من مئة مصنف . وقد شرحه الإمام جلال الدين المحلي ( م. 864 ) وهو من أدق شروحه، وكذلك شرحه الإمام بدر الدين الزركشي ( م . 794 ) بالكتاب المسمى " تشنيف المسامع بشرح جمع الجوامع " وله شروح أخرى كثيرة .


    1. مسلم الثبوت : للعلامة محب الين بن عبدالشكور ( م . 1119 ) وعليه شرح مسمى " بفواتح الرحموت " .

    هذا ولقد انفرد الشاطبي ( م. 790 ) بطريقة في التأليف لم يسبق بها في كتابه " الموافقات "، حيث اهتم بالأصول التي اعتبرها الشارع في التشريع.
    وإن لنا ـ وفي القريب إن شاء الله ـ لعودة إلى تاريخ الأصول، وتدرج الكتابة فيه في بحث مستقل .

    تعريف أصول الفقه


    قبل الخوض في الكلام على مقدمات الأصول ومباحثه، يجب علينا أن نقف على حده وتعريفه، لأنه لا يمكن للإنسان أن يخوض في أي علم من العلوم إلا بعد أن يتصوره تصوراً صحيحاً سليماً.
    والطريق إلى التصور الصحيح، هو التعريف السليم، الذي يوضح المراد من المعرف ويشرحه .
    وكلمة " أصول الفقه " ـ ككل كلمة إصلاحية ـ لها معنيان، معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي.
    ولنبدأ بالمعني اللغوي لأنه هو الأصل. ثم نتبعه بالمعني الاصطلاحي .

    أصول الفقه لغة :

    قبل أن تصبح كلمة " أصول الفقه " لقبا لفن مخصوص كانت مركباً إضافيا مكوناً من كلمتين " أصول " و " فقه " ولكل منهما معنى في اللغة ومعنى في الإصلاح، ولا بدد من الوقوف على معناها، لأن معرفة المركب متوقفة على معرفة مفرداته .

    الأصل لغة :


    والأصول جمع أصل، وله معان متعددة في اللغة أقربها معنيان:

    1. ما يبنى عليه غيره، كما قاله أبو الحسين البصري في ( المعتمد ) .


    1. منشأ الشئ .

    والأول أشهر .

    الأصل اصطلاحاً :

    والأصل في الاصطلاح له معان متعددة أيضا نذكر منها:

    1. الدليل: كقولهم، أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، ومنه أيضا أصول الفقه، أي أدلته.


    1. الرجحان: كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع والمتبادر إلى ذهنه هو الحقيقة لا المجاز.


    1. القاعدة المستمرة: كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، أي على خلاف القاعدة المستمرة.


    1. الصورة التي قيس عليها: وهي أحد أركان القياس، إذ لا بد فيه من أصل يقاس عليه، وفرع يلحقه حكم الأصل.


    وأما الفقه فله أيضا معنيان معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي.
    أما معناه في اللغة: فقد وردت فيه عبارات أصحها: أنه بمعنى الفهم مطلقاً، سواء أكان الأمر دقيقاً، أم بديهياً.
    ومنه قول الله تعالى : ) قالوا يا شُُعيب ما نَفْقَهُ كثيرا ًمما تقول ( وقوله : ) ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ( .
    وأما معناه في الاصطلاح: فهو العلم بالأحكام، الشرعية، والعملية، المكتسب، من أدلتها التفصيلية. (2)
    كما عرفه الإمام فخر الدين الرازي، ومختصرو كلامه كصاحبي الحاصل والتحصيل، والبيضاوي صاحب " المنهاج " وابن السبكي في " جمع الجوامع " وغيرهم .
    شرح التعريف :

    فالعلم: هو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل.
    ولما كان الفقه من قبيل الظنون، وردت عدة اعتراضات على تعريفه بالعلم، وأجيب عنها بأجوبة لا يمكن للمبتدئ الوقف عليها و استيعابها وسأذكر منها ما يناسب المقام.
    قالوا : إن المراد من العلم هو الظن القوي، وعبر عنه العلم مجازاُ، وهو جائز مع وجود القرينة .
    والعلم: جنس تدخل فيه سائر العلوم.
    والأحكام : النسب التامة، قيد خرج به العلم بالذوات، والصفات، والأفعال . والألف واللام فيه للجنس، لأن الحد إنما وضع لحقيقة الفقه، ولا يرد عليه أن أقل جمع الجنس ثلاثة، فيلزم منه أن العامي يسمى فقيها إذا عرف ثلاث مسائل بأدلتها.
    لأن فقيها اسم فاعل من فقه، بضم القاف، والذي صار الفقه سجية له.
    وليس اسم فاعل من فقه ـ بكسر القاف ـ بمعنى فهم، ولا من فقه ـ بفتح القاف ـ بمعنى سبق غيره إلى الفهم، لأن قياس اسم الفاعل منهما فاقه كما هو مقرر في علم العربية.
    ولا يمكن أن تكون الألف واللام للعهد، لأنه لا معهود.
    ولا يمكن أن تكون للاستغراق، لأنه يلزم منه ألا يوجد في الدنيا فقيه، لأنه ما من فقيه إلا وتوقف في بعض المسائل ولم يجب عنها، وقد تكون له، ويكون معنى العلم بالأحكام التهيؤ لها، بحصول الملكة، أو علمها بالقوة لا بالفعل .
    والحكم قد يكون شرعياًََ، وغير شرعي، ولذلك قيده بالشرعية.
    فالشرعية : قيد يخرج به، الأحكام العقلية، كالحكم بأن العالم حادث، وأن الواحد نصف الاثنين، والأحكام الحسية، كالحكم بان الشمس مشرقة، والتجريبية، كالحكم بأن السقمونيا مسهلة، والهندسية كالحكم بأن مجموع زوايا المثلث يساوي 180 درجة والأحكام الوضعية الاصطلاحية كالحكم بان الفاعل مرفوع في النحو، وأن الكلي متوطئ ومشكك في المنطق .

    والشرعي: هو ما تتوقف معرفته على الشرع.
    ولما كان الحكم الشرعي يشمل الأحكام العملية والاعتقادية، والفقه خاص بالأحكام العملية قيد بها .
    فالعملية : قيد أخرج به الأحكام العلمية، الاعتقادية، وهي أصول الدين، وتدرس في علم التوحيد، لا الفقه، كالعلم بأن الله واحد، سميع، بصير .
    ولما كانت الأحكام الشرعية العملية، منها ما هو مكتسب، ومنها ما هو غير مكتسب والفقه خاص بالمكتسب قيد في التعريف به.
    فالمكتسب: قيد خرج به علم الملائكة، وعلم النبي ـ r ـ الحاصل بالوحي، بخلاف علم المجتهد، فإنه حاصل بالاستنباط من الأدلة.
    والتفصيلية: وهي التي ترد حكماً لجزئية معنية أو فعل معين، كقوله تعالى: ) وأقيموا الصلاة ( فإنه دليل جزئي خاص بالصلاة، ولا يتعداها إلى الصيام، أو غيره .
    وخرج بهذا القيد العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية، فإن المقلد اذاعلم أن هذا الحكم أفتى به المفتى، وعلم أن ما أفتى به المفتي هو حكم الله تعالى في حقه، علم بالضرورة أن ذلك حكم الله في حقه، فهذا وأمثاله علم بأحكام شرعية عملية مكتسبة، ولكن لا من دليل تفصيلي، وإنما من دليل إجمالي، فإن المقلد لم يستدل على كل مسألة بدليل مفصل يخصها، بل بدليل واحد إجمالي يعم الجميع .
    و موضوع علم الفقه هو: فعل المكلف من حيث الحل والحرمة. أي من حيث عروض الأحكام الشرعية له.
    واستمداده: من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المعروفة.
    وفائدته : امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، المحصلان للفوائد الدنيوية والأخروية .

    أصول الفقه اصطلاحاُ:

    والآن وبعد معرفة معنى أصول الفقه لغة، بمعرفة أجزائه، على انه مركب إضافي، قبل أن يصبح لقباً على الفن المخصوص، يجدر بنا أن نعرف معناه اللقبي الذي لا ينظر فيه إلى أجزائه التي ركب منها، بل صارت كلمة الأصول فيه كالزاي من زيد، لا تدل على معنى خاص، وإنما مجموع الكلمتين ( أصول الفقه ) يدل على الفن المخصوص، كما أن مجموع حروف زيد يدل على المسمى المخصوص.
    وللأصوليين في معناه اللقبي عدة تعاريف، نختار منها تعريف الإمام البيضاوي في ( المنهاج )(3)..وهو :
    معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد .

    شرح التعريف :


    1. المعرفة: وهي شاملة لأصول الفقه وغيره.

    والفرق بينها وبين العلم من وجهين:

    • العلم يتعلق بالنسب، أي وضع لنسبة شئ لآخر، ولهذا تعدى إلى مفعولين، بخلاف عرف، فإنها وضعت للمفردات، تقول عرفت زيداً .


    • العلم لا يستدعى سبق الجهل، بخلاف المعرفة، ولهذا لا يقال لله تعالى عارف، ويقال له عالم.


    1. دلائل الفقه :


    • الدلائل جمع دليل، وهو في اللغة الموصل إلى الشئ .

    وفي الاصطلاح : ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.

    • والدلائل: جمع مضاف إلى الفقه، فيفيد العموم، فيعم الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها.


    • وهذا قيد خرج به معرفة غير الأدلة، كمعرفة الفقه مثلاً، كما خرج به معرفة أدلة غير الفقه، كأدلة النحو والكلام.


    • والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن الكتاب، والسنة والإجماع والقياس، أدلة يحتج بها، وان الأمر مثلاً للوجوب، وليس المراد به حفظ الأدلة.


    1. إجمالا: أي أن المعتبر في حق الأصولي إنما هو معرفة الأدلة من حيث الإجمال، ككون الإجماع حجة، والأمر للوجوب، والنهي للتحريم.

    وهذا القيد احترز به عن علم الفقه، لأن الفقيه يبحث عن الدلائل من جهة دلالتها على المسألة المعينة، أي في الدلائل التفصيلية، كما مر في تعريف الفقه.

    1. وكيفية الاستفادة منها : أي معرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل الإجمالية، أي كيف يستنبط الأحكام الشرعية منها في حالة تعارضها وتعادلها، كتقديم النص على الظاهر، والمتواتر على الآحاد، وحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، وغير ذلك مما يذكر في أبحاث التعادل والترجيح .

    وإنما كان هذا من أصول الفقه، لأن أدلة الفقه ظنية، يقع فيها التعارض، والذي يريد استنباط الأحكام منها لا بد له من معرفة التعارض، والترجيح ليعرف كيف يستفيد الحكم الشرعي.

    1. وحال المستفيد: أي معرفة حال المستفيد، وهو طالب حكم الله تعالى، فيدخل فيه المجتهد والمقلد.

    ولذلك يذكر الأصوليون في كتبهم شرائط الاجتهاد، والتقليد، ليعرف المجتهد من المقلد .
    والخلاصة أن أصول الفقه يشتمل على ثلاثة أمور.
    الأول: دلائل الفقه الإجمالية.
    والثاني: كيفية الاستفادة منها.
    والثالث: حال المستفيد وصفته.
    ولذلك قال: أصول الفقه، ولم يقل أصل الفقه.
    وأما موضوع علم الأصول فهو: أدلة الفقه من حيث العوارض اللاحقة لها من كونها عامة، وخاصة، وأمرا، ونهياً وغير ذلك.
    وأما غايته فهي: الوصول إلى الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية بواسطته.
    على معنى انه لا بد من العلم به لنستفيد الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، لأن الدليل التفصيلي وحده لا يفيد، فلا بد من الدليل الإجمالي لنصل إلى النتيجة.
    ومثال ذلك أن قوله تعالى ) أقيموا الصلاة ( أمر بإقامتها، إلا أننا لا نعرف ما المراد بالأمر، هل هو الوجوب أو غيره، فإذا عرفنا أن الأمر للوجوب انتظم من هذين الدليلين التفصيلي، والإجمالي، قياس اقتراني نتيجة الحكم الشرعي، فنقول :
    أقيموا الصلاة، أمر، والأمر للوجوب، فتخرج معنا نتيجة هي: الصلاة واجبة.
    فقد تبين لنا من المثال انه لا بد من ا لدليل الإجمالي، وإلا لما وصلنا إلى الحكم الشرعي، لأن المقدمة الواحدة لا توصل إلى النتيجة.
    وقوله تعالى: ) لاَ رَيْبَ فِيْهِ ( نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، إذن فقوله ) لا ريب ( عام لجميع أنواع الريب، فلا يوجد أي نوع منها في القرآن .
    وقوله تعالى: ) اُقتُلوا المشركين ( جمع حُلِيٌ بالألف واللام، والجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم، فالمشركون هنا عام يشمل كل مشرك كتابي أو غيره .
    وبهذا نعلم أنه لولا الأصول لما عرفت الأحكام.
    وللجهل بالأصول ضل كثير من الناس، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، ظناً منهم بأن، معرفة ا لدليل التفصيلي كافية جهلاً وغروراً.
    فلو أنهم عرفوا أصول الفقه لأعرضوا عن كثير مما افتروا به على شرع الله بجهلهم، ولأمسكوا كثيراً من سهامهم التي يفوقونها لأئمة هذا الدين بغرورهم .
    عصمنا الله وجميع المسلمين من الزلل، وأرشدنا إلى سبل الهدى في القول والعمل .
    هذا ما يتعلق بتعريف الأصول، وموضوعه، والغاية منه على سبل الاختصار والإيجاز.
    وأما موضوعاته فسيكون بحثنا فيه على النحو التالي :


    1. الأدلة المتفق عليها.


    1. الأدلة المختلف فيها.


    1. كيفية الاستفادة من الأدلة وهي أبحاث التعادل والترجيح .


    1. صفات المجتهد والمفتي والمستفتي.


    إلا أنه جرت عادة الأصوليين في كثير من مؤلفاتهم على ذكر مقدمات ضرورية يجب الوقوف عليها قبل الخوض في المباحث الأصولية سموها بالمقدمات الأصولية. كالحكم الشرعي وتقسيماته، وما يتعلق به .
    لأنه لما كان المقصود من هذه الأدلة هو استنباط الأحكام بالإثبات تارة، وبالنفي أخرى، كحكمه على الأمر بأنه للوجوب لا للندب، وعلى النهي بأنه للتحريم لا للكراهة، والحكم على الشئ بالنفي والإثبات فرع عن تصوره، لذلك احتاج الأصولي إلى تصور الأحكام الخمسة الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والتحريم، وما يتعلق بالحكم من مباحث كأقسام الحكم، وأركانه وغير ذلك ... .
    ولذلك سنقدم على المباحث الأصولية مقدمة نعرف من خلالها أهم الأمور التي يجب على الأصولي الوقوف عليها قبل الخوض في هذا الفن.


    (2) نهاية السول 1 /19

    (3) نهاية السول : 1/13 .
    التعديل الأخير تم بواسطة فيصل عساف ; 04-08-2018 الساعة 02:12 AM
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #4
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    المقدمات الأصولية في الأحكام الشرعية

    المقدمات الأصولية في الأحكام الشرعية
    إن البحث في الأحكام الشرعية يستدعي منا البحث في متعلقاتها، وهي أفعال المكلفين، لأن خطاب الله تعالى متعلق بفعل المكلف .
    كما يستدعينا للكلام على الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه. ولذلك سنرتب البحث في بابين .
    الباب الأول: في الحكم الشرعي.
    وفيه ثلاثة فصول :

    الفصل الأول: في تعريفه.
    الفصل الثاني: في أقسامه.
    الفصل الثالث: في أحكامه.

    الباب الثاني: في أركان الحكم.

    وفيه ثلاثة فصول أيضا :

    الفصل الأول: في الحاكم.
    الفصل الثاني: في المحكوم عليه.
    الفصل الثالث: في المحكوم به.

    الفصل الأول في تعريفه
    لقد عرف الإمام أبو عمرو بن الحاجب(4) الحكم الشرعي بقوله : ( هو خطاب الله، المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع .
    شرح التعريف :

    1. ( خطاب الله ): هو كلامه النفسي، الأزلي.
    ويدل عليه القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، وغيرها من الأدلة.
    2. ( المتعلق بأفعال المكلفين ) : هذا قيد احترز به عن الخطاب المتعلق بذاته سبحانه وتعالى، كقوله تعالى :  شهد الله انه لا إله إلا هو  وعن الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله تعالى :  ويوم نسير الجبال  فإنه خطاب من الله تعالى، إلا إنه ليس بحكم، لعدم تعلقه بأفعال المكلفين .
    ‌أ- والتعلق: إما معنوي، وهو الصلوحي القديم، قبل وجود المكلف، على معنى أنه إذا وجد، مستجمعاً لشروط التكليف، كان متعلقا به .
    وإما تنجيزي، وهو بعد وجود المكلف، بعد البعثة، إذ لا حكم قبلها، وهو تعلق حادث .
    ‌ب- والمراد بالفعل: ما يصدر من المكلف، وهو عام، يشمل أفعال الجوارح، والعقائد، والأقوال.
    ‌ج- والمكلف: هو البالغ، العاقل، الذي بلغته الدعوى، وتأهل للخطاب. فلا يتعلق الخطاب بالصبي، والمجنون، والساهي والنائم.
    3. ( بالاقتضاء ): والمراد به الطلب، وهو ينقسم إلى طلب فعل، وطلب ترك.
    وطلب الفعل يشمل الإيجاب والندب .
    وطلب الترك يشمل التحريم، والكراهة .
    وسيأتي الكلام على هذه الأقسام، في الفصل الثاني .
    4. ( أو التخيير ): أي التسوية بين جانبي الفعل والترك، وهي الإباحة.
    5. ( أو الوضع ): والمراد به ما ورد سبباً، أو شرطاً، أو مانعاً، أو صحيحاً، أو فاسداً، وهو الحكم الوضعي، وسيأتي.

    الفصل الثاني في أقسامه

    لقد قسم الأصوليون الحكم الشرعي إلى أقسام متعددة، باعتبارات متعددة .
    فقسموه باعتبار كونه متعلقاً بفعل المكلف، أو بجعل الشئ سبباً وغيره، إلى قسمين : الحكم الشرعي التكليفي، والحكم الشرعي والوضعي .
    وقسموه باعتبار إيقاع العبادة في الوقت المضروب لها أو بعده إلى أداء وقضاء .
    وباعتبار المأمور به إلى معين ومخير .
    وباعتبار وقته إلى مضيق وموسع .
    وباعتبار المأمور إلى واجب على التعيين، وواجب على الكفاية.
    وباعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه إلى رخصة وعزيمة.
    وسنتكلم على هذه التقسيمات باعتباراتها المختلفة، حسبما يقتضيه المقام .

    الحكم التكليفي والوضعي


    هذا التقسيم الأول للحكم، وقد قسمه الأصوليون باعتبار كونه متعلقاً بفعل المكلف، أو بجعل الشئ سبباً أو غيره إلى قسمين :
    ‌أ- الحكم الشرعي التكليفي :
    وهو الذي أشرنا إليه في التعريف بـ ( الاقتضاء أو التخيير ).
    وهو يشمل الأحكام الخمسة :

    1. الإيجاب.
    2. الندب.
    3. الكراهة
    4. التحريم.
    5. الإباحة.

    ‌ب- الحكم الشرعي الوضعي:

    وهو الذي ا شرنا إليه في التعريف بـ ( الوضع ).
    وهو يشمل الأحكام الخمسة أيضا .
    1. السبب.
    2. الشرط.
    3. المانع.
    4. الصحيح.
    5. الفاسد.

    وسنتكلم أولا على الحكم الشرعي التكليفي، ومتعلقاته، وبعد ذلك نتكلم على الحكم الشرعي الوضعي .

    أولا : الحكم الشرعي التكليفي

    هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف على جهة الاقتضاء ، أو التخيير،(5) وهو شامل للأحكام التكليفية الخمسة .
    1- الإيجاب : وهو ما اقتضاه خطاب الله تعالى من المكلف اقتضاء جازما ، ولم يجوز تركه .
    كالأمر بالصلوات المفروضة، والزكاة، والحج، وغير ذلك.
    2- الندب: وهو ما اقتضاه خطاب الله تعالى من المكلف، اقتضاء غير جازم، بأن جوز تركه.
    كالأمر بصلاة الليل، والضحى، وصدقة التطوع، وإفشاء السلام.
    3- الكراهة : وهي ما اقتضى خطاب الله تعالى من المكلف تركه ، اقتضاء غير جازم ، بأن جوز فعله .
    كالنهي عن الشرب قائما ، وعن الجلوس في المسجد قبل صلاة ركعتي التحية ، وعن الصلاة في معاطن الإبل .
    4- التحريم: وهو ما اقتضى خطاب الله تعالى من المكلف تركه اقتضاء جازما، بأن منع من فعله، ولم يجوزه.
    كالنهي عن الزنا ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والغيبة ، والنميمة .
    5- الإباحة: وهي ما كان الخطاب فيها غير مقتض شيئا من الفعل والترك، بل خير المكلف بينهما.
    كالطعام والشراب في غير حالة الضرورة ، في قوله تعالى : كلوا واشربوا .
    ولما كان خطاب الله تعالى متعلقا بفعل المكلف، وصف فعله بمتعلقات هذه الأحكام.
    فالذي تعلق به الإيجاب هو الواجب.
    والذي تعلق به الندب هو المندوب.
    والذي تعلق به الكراهة هو المكروه .
    والذي تعلق به التحريم هو الحرام.
    والذي تعلقت به الإباحة هو المباح.

    فالواجب: هو الفعل الذي يذم شرعاً تاركه قصداً، أو هو الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه قصداً، قيد يخرج به ما يتركه النائم، والساهي، والمكره، فإنه وإن ترك ما يذم بتركه ويعاقب عليه، إلا أنه لم يقصد تركه.
    والمندوب: هو الفعل الذي يحمد فاعله، ولا يذم تاركه. أو هو الذي يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه .
    والحرام: هو الفعل الذي يذم شرعاً فاعله قصداً. أو هو الذي يعاقب فاعله، ويثاب تاركه .
    والمكروه: هو الفعل الذي يمدح تاركه، ولا يذم فاعله. أو هو الذي يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله .
    والمباح: هو الفعل الذي لا يتعلق بفعله، مدح، ولا ذم. أو هو الذي لا يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.
    والفرض والواجب عند الجمهور ـ وهم المتكلمون ـ مترادفان. وفرق الفقهاء ـ وهم الحنفية ـ بينهما، قالوا:
    الفرض: هو ما ثبت بدليل قطعي، كالقرآن، والسنة المتواترة. وذلك كقراءة القرآن في الصلاة، الثابتة بقوله تعالى :  فاقرؤا ما تيسر من القرآن  .
    وسموه بالفرض الاعتقادي، أي الذي يجب على المكلف أن يعتقده . ورتبوا على جحوده الكفر والردة .
    والواجب: هو ما ثبت بدليل ظني، كخبر الواحد، والقياس. وذلك كقراءة سورة الفاتحة بخصوصها في الصلاة، الثابتة بحديث الصحيحين، ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) . وسواء في ذلك ظني الثبوت، وظني الدلالة . ورتبوا على تركه الإثم والفسق، لا الكفر والردة.
    والحرام، والمكروه كراهة تحريم ـ فيما لو استعمل ـ مترادفان عند الجمهور . وفرق الحنفية بينهما، فقالوا :
    الحرام: هو ما ثبت النهي عنه بدليل قطعي من القرآن والسنة المتواترة.
    والمكروه تحريماً: هو ما ثبت النهي عنه بدليل ظني، كخبر الواحد، والقياس.
    ورتبوا عليهما ما رتبوه على الفرض والواجب من الكفر، أو الفسق والمعصية.
    فالأحكام التكليفية عندهم سبعة :

    1. الفرض.
    2. الواجب.
    3. المندوب.
    4. المكروه كراهة تنزيه .
    5. الحرام.
    6. المكروه كراهة تحريم .
    7. المباح.

    وهم رغم هذا التقسيم لا يختلفون مع الجمهور في النتائج، لأن الجمهور أيضا يميزون بين الفرائض، فمنها ما يكفر جاحده، مما ثبت بدليل قطعي، من الكتاب، أو السنة المتواترة، أو كان معلوماً من الدين بالضرورة، أو غير ذلك من الأمور المعروفة في كتب الفقه .
    ومنها ما يترتب عليه الفسق والمعصية لا غير، وهو ما ثبت بدليل ظني، كخبر الواحد، والقياس، وغير ذلك.
    إلا أن الجمهور لم يفرقوا بينهما لمآخذ لغوية.
    فالنتيجة واحدة، والخلاف في الاصطلاح فقط، وهو خلاف لغوي .
    والمندوب، والمستحب، والتطوع، والسنة، والنافلة، مترادفة أيضا.
    وهي : الفعل المطلوب طلباً غير جازم .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #5
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    الحكم الشرعي الوضعي

    ثانيا: الحكم الشرعي الوضعي
    قد ذكرنا أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين :
    ‌أ- الحكم الشرعي التكليفي، وقد تكلمنا عنه وهن متعلقاته .
    ‌ب- الحكم الشرعي الوضعي، وهو الذي سنتكلم عنه الآن.
    تعريفه: هو خطاب الله، المتعلق بجعل الشئ سبباً، أو شرطاً، أو مانعاً، أو صحيحاً، أو فاسداً(6) .
    وأنا لا أريد أن أسهب في شرح هذا التعريف، وبيان أنواع كل قسم من أقسامه، لأن هذا لا يتناسب مع المبتدئين.
    وإنما يكفينا أن نفهم هذه الأقسام، ونتصورها تصوراً سليماً، مع ذكر بعض الأمثلة التي توضحها وتبينها.
    وقد رأينا أن أقسام هذا الحكم خمسة وهي:

    1. السبب.
    2. الشرط.
    3. المانع.
    4. الصحيح.
    5. الفاسد.

    وسأتكلم عن كل واحد من هذه الأقسام على حدة، وعلى سبيل الإجمال الذي يتضح به المقال.
    وسمي هذا الحكم بالوضعي، لأن الله تعالى وضعه علامة على الأحكام التكليفية المتعلقة بفعل المكلف .
    وذلك كجعله زوال الشمس عن كبد السماء علامة على وجوب الظهر على المكلف، وكجعله وجود النجاسة في الثوب علامة على بطلان الصلاة.
    فوجوب الظهر بالزوال، وفساد الصلاة بالنجاسة حكمان شرعيان، والزوال والنجاسة علامتان عليهما .
    1. السبب:

    السبب في اللغة : هو ما يكون موصلا إلى الشئ، كالطريق والحبل وغيرهما .
    السبب في الاصطلاح: هو الوصف، الظاهر، المنضبط، المعّرفُ للحكم.
    أو ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم.
    شرح التعريف :
    1. الظاهر: أي البين الواضح، الذي لإخفاء فيه ولا لبس.
    2. المنضبط: أي المطّرد، الذي لا يختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص، والأزمان.
    3. المعّرف للحكم: أي الدال على الحكم، دون تأثير فيه، عند أهل الحق، وإنما هو مجرد أمارة لا غير.
    فحيثما وجد السبب، وجد المسبب، وحيثما انعدم انعدم، فالسبب هو العلامة التي نعرف من خلالها وجود حكم الله فيما ظهرت فيه، دون أن يكون له تأثير في الحكم، وإنما هو مُعَرّف فقط . كزوال الشمس عن كبد السماء، يدلنا على دخول وقت الظهر، دون أن يكون له فيه تأثير.
    وهل السبب نفس العلة، أو هو شئ يغايرها ويباينها، أو له بها علاقة عموم وخصوص مطلق ؟
    خلافات بين المتكلمين في تعريف السبب والعلة ولا داعي لإثارتها، ويكفي المبتدئ في أصول الفقه، أن يعرف ما ذكرناه عن السبب وأن الجمهور يطلقونه على العلة. وهي ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم.
    ولنا إلى هذا الموضوع عودة عند الكلام على العلة في أبحاث القياس إن شاء الله تعالى .
    والسبب قد يكون مناسبا للحكم، وقد لا يكون مناسبا له.
    فالسبب المناسب للحكم: هو الذي توجد بينه وبين الحكم مناسبة واضحة جلية، تنبسط معها النفس، لظهور الحكمة من تشريع الحكم من خلالها.
    وذلك كجعل القتل العمد العدوان سببا للقصاص، لأن القتل فيه اعتداء على الأنفس، وبث للخوف والرعب والقلق بين الناس، وزعزعة للنظام والاستقرار، ولذلك ناسبه القصاص العادل الذي تستقر معه الحياة، ويطمئن الإنسان، وذلك ظاهر في قوله تعالى :  ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون  .
    وكجعل السفر سبباً للإفطار في رمضان في قوله تعالى:  فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر  .
    لأن السفر مشقة، مهما كانت وسائله مريحة، وهذه المشقة يناسبها التخفيف، وذلك ظاهر في قوله تعالى:  يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر  .
    ومثل الفطر في رمضان، القصر للصلاة الرباعية في السفر، والجمع بين الصلاتين، وزيادة مدة المسح على الخف من يوم وليلة إلى ثلاثة أيام بلياليها، وغير ذلك... .
    والسبب الذي لا يناسب الحكم: هو الذي لا توجد بينه وبين الحكم مناسبة تدعو إليه، وتحث عليه، وإنما هو مجر علامة على الحكم لا غير، دون أية مناسبة بينه وبينه .
    وذلك كجعل الدلوك : وهو ميل الشمس وزوالها عن كبد السماء ـ علامة على دخول وقت الظهر .
    فانه لا توجد أية مناسبة بين زوال الشمس عن وسط السماء، وبين دخول وقت الظهر، وإنما هو علامة محضة تدلنا على دخول الوقت بالزوال .
    كما ينقسم السبب باعتباره فعلاً للمكلف أو ليس فعلاً له إلى قسمين :
    1. سبب ليس فعلاً للمكلف: بل ليس للمكلف أي أثر فيه، وذلك كجعل الزوال سبباً لدخول وقت الظهر، والغروب سبباً لإباحة الفطر.
    2. سبب للمكلف أثر في إيجاده : وذلك كالزنا الذي هو سبب لإقامة الحد، إلا أن المكلف هو الذي يفعله .

    وكالسفر الذي هو سبب للإفطار في نهار رمضان، فان الإنسان هو الذي ينشئه.
    وهناك تقسيمات أخرى للسبب باعتبارات أخرى لا يحتاج إليها المبتدئ .

    2. الشرط:

    الشرط لغة : هو العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي علاماتها .
    وهو أيضا: تعليق أمر بأمر، كل منهما في المستقبل، كتعليق صحة الصلاة على حدوث شروطها، وكلاهما في المستقبل.
    والشرط اصطلاحا : هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، لذاته، ويكون خارجا عن حقيقة المشروط .

    شرح التعريف :


    1. هو ما يلزم من عدمه العدم: أي يلزم من عدم وجود الشرط، عدم وجود المشروط.
    وذلك كالوضوء، الذي هو شرط لصحة الصلاة، يلزم من عدم وجوده، عدم وجود الصلاة.
    وهذا قيد، خرج به المانع، فانه لا يلزم من عدمه شئ، كالكلام الأجنبي في الصلاة، المانع من صحتها، فانه إذا انتفى في الصلاة لا يلزم من عدمه شئ، بخلاف الشرط، فانه إذا عدم عند القدرة عليه يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة
    وسيأتي الكلام على المانع .
    2. ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم: أي لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ولا عدم وجوده.
    وذلك كالوضوء لصحة الصلاة، لا يلزم من وجوده وجود الصلاة، فقد يتوضأ الإنسان ولا يصلي، ولا يلزم من وجوده عدمها .
    وهذا قيد خرج به السبب، فانه يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، كالسرقة، يلزم من وجودها وجود القطع، ومن عدمها عدمه.
    3. لذاته : أي يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته، لا لأمر خارج عنه، كاقتران الشرط بالسبب، فيلزم من وجوده الوجود ولكن لا لذات الشرط، وإنما لمقارنته السبب، أو كاقترانه بالمانع، فانه يلزم من وجوده العدم، لكن لا لذات الشرط، وإنما لمقارنته المانع .
    وذلك كالحول الذي هو شرط وجوب الزكاة، مع النصاب الذي هو سبب للوجوب، فإنه وإن لزم من وجود الحول هنا وجوب الزكاة، لكن ليس لذات الشرط، وإنما هو لمقارنته السبب وهو النصاب.
    وكالحول الذي هو شرط وجوب الزكاة مع الدين المستغرق ـ على القول بأنه مانع من وجوبها ـ المانع من وجوبها، فإنه وإن لزم في هذه الصورة عدم وجوب الزكاة، لكن لا لذات الشرط، وإنما لمقارنته المانع، وهو الدين المستغرق على القول بمنعه لوجوب الزكاة .
    4. ويكون خارجاً عن حقيقة المشروط : أي لا يكون جزءا من حقيقة المشروط، كالوضوء، فإنه ليس جزءاً من حقيقة الصلاة، وإنما هو شئ خارج، وعبادة مستقلة، تتوقف صحة الصلاة عليها .
    وهذا قيد خرج به الركن، فإنه كالشرط، تتوقف صحة الصلاة عليه، إلا أنه جزء من حقيقتها، وذلك كقراءة الفاتحة، فإنها ركن من أركان الصلاة، تتوقف صحة الصلاة عليها، وهي جزء منها.
    فالفرق بين الركن والشرط مع أن كلاً منهما تتوقف عليه صحة العبادة، أن الشرط خارج عن حقيقة المشروط، بينما يكون الركن جزءاً من الحقيقة.

    أقسام الشرط :

    وينقسم الشرط باعتبار مصدره إلى قسمين :
    شرط شرعي: وهو ما كان مصدر اشتراطه الشارع، وذلك كاشتراط الطهارة بالنسبة للصلاة، وحولان الحول بالنسبة للزكاة.
    شرط جعلي: وهو ما كان مصدر اشتراطه المكلف.
    وذلك كاشتراط الزوج على زوجته شرطاً يترتب عليه وقوع الطلاق، كقوله لها : إن خرجت من البيت بغير إذني، فأنت طالق، فخروجها من البيت بغير اذنه شرط لوقوع الطلاق عليها .

    3. المانع

    المانع لغة : هو الحائل بين الشيئين .
    واصطلاحا: هو الوصف الوجودي، الظاهر، المنضبط، المعرف نقيض الحكم.
    أو : ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم .

    شرح التعريف :

    إن معظم فقرات هذا التعريف قد مرت معنا عند الكلام على السبب، ولا مانع من إعادة شرحها.
    1. الوجودي : هو قيد، أخرج به الوصف العدمي، فالمانع لا يكون إلا أمراً وجوديا، بخلاف السبب، فقد يكون أمراً وجوديا، كالزنا علة للرجم، وقد يكون أمراً عدميا، كتعليلنا عدم صحة تصرف المجنون لعدم عقله، ولذلك لم يذكر هذا القيد في تعريف السبب .
    2. الظاهر: أي البين الواضح.
    3. المنضبط: أي المطرد، الذي لا يختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص، والأزمان.
    4. المعرف: أي الدال على الحكم، دون تأثير فيه، عند أهل الحق، وإنما هو مجرد أمارة.
    5. نقيض الحكم: أي أن وجوده علامة وأمارة دالة على وجود نقيض الحكم المترتب على السبب.
    وذلك كالأبوة في القصاص، فإن القتل العمد العدوان سبب يستلزم القصاص من الجاني، إلا أنه إذا كان القاتل أباً للمقتول، كان هذا الوصف، وهو الأبوة، مانعاً من القصاص.
    فلزم من وجود الأبوة عدم الحكم، وهو القصاص، فالأبوة وصف وجودي منع من ترتب الحكم على السبب، ودل على نقيضه.
    والحكمة في ذلك أن الأب كان سبباً في وجود ابنه، فلا يكون الابن سبباً في عدم وجود أبيه.
    وكاختلاف الدين في الإرث، فان النسب، والنكاح من أسباب الإرث عد موت الموروث، إلا أنه إذا كان الوارث والموروث يختلفان في الدين والعقيدة، كمسلم ونصراني، كان هذا الوصف، وهو اختلاف الدين مانعاً من الإرث.
    فلزم من وجود الاختلاف في الدين المنع من ترتب الحكم هو الإرث على السبب وهوالنسب، أو النكاح، ودل على نقيضه وهو عدم التوارث بينهما .
    وكالحيض المانع من صحة الصلاة، وغير ذلك .

    أقسام المانع :

    1. المانع للحكم :
    وهو ما يكون مانعاً من ترتب الحكم على السبب، كما مر معنا في الأمثلة السابقة.
    2. المانع للسبب :
    هو ما يكون مانعاً من السبب نفسه، بأن يجعله كالمعدوم، ويعرفنا انتفاء المسبب.
    وهو ما يستلزم حكمة تخل بحكمة السبب .
    وذلك كالدَيْن في الزكاة، إن قلنا أن الدين مانع من وجوبها. فإن حكمة السبب الموجب للزكاة ـ وهو النصاب ـ استغناء المالك بالمال البالغ نصابا، ومع وجود الدين تنعدم هذه الحكمة، فيكون الدين مانعا من السبب، وهوالنصاب، ومن ثم يعرفنا انتفاء المسبب، وهو الزكاة والله أعلم .

    4. الصحة

    الصحة لغة: ضد المرض.
    واصطلاحا: موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع.

    شرح التعريف :

    1. قولنا موافقة الفعل: يخرج الفساد، وهو مخالفة الفعل كما سيأتي.
    2. المراد بالفعل: العبادة والمعاملة، فهو شامل لهما.
    3. والمراد بذي الوجهين : أي الفعل الذي له وجهان وجه يوافق الشرع، ووجه يخالفه، فتارة يقع موافقاً للشرع، وتارة يقع مخالفاً له .
    والمعنى: أن الفعل الذي له وجهان، إذا وقع موافقاً للشرع، لاستجماعه ما يعتبر فيه شرعا، يكون صحيحا، وإلا فلا.
    فالصحة: موافقة الفعل للشرع، بأن تقع مستوفياً للشروط المطلوبة فيه شرعا.
    وذلك كالصلاة التي استوفت شروطها، وجميع أركانها، فإنها تكون صحيحة، لموافقتها الشرع.
    والبيع الذي استوفى شروطه وأركانه، يكون صحيحاً، لموافقته الشرع.
    وإذا صح العقد، ترتب عليه الأثر المقصود منه، فترتب الأثر متوقف على الصحة، وليس نفس الصحة.
    وترتب الأثر في البيع الانتفاع به، من ملك الثمن للبائع، وحرية التصرف في العين للمشتري بملكها.
    وفي النكاح جواز الاستمتاع .
    فحيثما وجدت الصحة ترتب الأثر عليها، ونشأ عنها .
    وإذا صحت العبادة ترتب عليها أثرها، وهو هنا إجزاؤها، أي كفايتها في سقوط الطلب، وحصول الامتثال.
    والله أعلم.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #6
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    البطلان أو الفساد

    5. البطلان أو الفساد
    الباطل والفاسد مترادفان عندالجمهور وهما :
    مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع.
    وشرح هذا التعريف يعرف من شرح الصحة، كما قدمنا، وهي موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع.
    وسواء في الفعل العبادة والمعاملة .
    فإذا فسد العقد، لم تترتب عليه آثاره، من أخذ الثمن، وتملك المنفعة في البيع.
    ولم يجز للزوج الاستمتاع بزوجه في النكاح .
    وإذا فسدت العبادة، لم تترتب عليها آثارها أيضا، وهي الإجزاء الكافي في سقوط الطلب، بل تبقى الذمة مشغولة، ويبقى العبد مطالباً بالعبادة، والله أعلم.
    إلا أن الحنفية فرقوا بين الباطل والفاسد فقالوا:
    الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا وصفه.
    وذلك كبيع الملاقيح، وهو بيع ما في بطون الأمهات من الأجنة . فإن بيع الحمل وحده غير مشروع ألبتة، وليس امتناع لأمر عارض.
    والفاسد: ما كان أصله مشروعا، ولكن امتنع لوصف عارض. وذلك كبيع درهم بدرهمين، فان الدرهم قابل للبيع في أصله وإنما امتنع لاشتمال أحد الجانبين على الزيادة المنهي عنها .
    فالامتناع ليس لذات الدراهم، وإنما للوصف الذي اشتمل عليه هذا العقد.
    وفائدة هذا التفصيل عندهم إن المشتري يملك المبيع في الشراء الفاسد، ويفيد الملك الخبيث مع الإثم والمعصية . وأما في الشراء الباطل فلا يملكه .
    ومثال الفاسد أيضا : أن الرجل لو نذر صوم يوم النحر صح نذره، مع أنه منهي عن صوم يوم النحر، لأن المعصية في فعله، دون نذره، ويؤمر بفطره وقضائه، ليتخلص عن المعصية ويفي بالنذر، ولو صامه خرج عن عهدة نذره، لأنه أدى الصوم كما التزمه، فقد اعتد بالفاسد مع الإثم والمعصية، والله أعلم .

    2- الأداء والقضاء
    هذا هو التقسيم الثاني للحكم وقد قسمه الأصوليون باعتبار الوقت المضروب للعبادة من حيث فعلها فيه وعدمه إلى أداء وقضاء، وإعادة وحاصل هذا التقسيم(7):
    أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين، أو لا يكون.
    فإن لم يكن لها وقت معين، فلا توصف بأداء ولا قضاء، سواء كان لها سبب كتحية المسجد، وسجود التلاوة، والنهي عن المنكر.
    أو لم يكن لها سبب، كالصلاة المطلقة، والأذكار.
    وان كان للعبادة وقت معين فهي إما أن تقع في وقتها، أو قبله، أو بعده، فان وقعت قبل وقتها، حيث جوزه الشارع، فيسمى تعجيلا، كإخراج الزكاة قبل حولان الحول، وبعد بلوغ المال النصاب، وكإخراج زكاة الفطر في أول رمضان.
    وان وقت في وقتها المعين لها، إلا أنها سبقت بأداء فيه نوع من الخلل، من فوات شرط أو ركن، ففعلها الثاني يسمى إعادة.
    وان وقعت في وقتها المعين لها، ولم تسبق بأداء مختل، فهو الأداء، كالصلوات الخمس، حين تصلى في وقتها.
    وإيقاع بعض العبادة في الوقت المحدد لها، مع وقوع بعضها الآخر خارجه، يسمى أيضا أداء .
    وذلك كمن صلى ركعة من الظهر في الوقت، وثلاث ركعات بعده، فتعتبر صلاته أداء، لما رواه البخاري، مسلم، وغيرهما أن رسول الله ـ  ـ قال : ( من أدرك ركعة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ) .
    ولا يكفي في الصلاة حتى تعتبر أداء أقل من ركعة في وقتها المحدد، وإلا كانت قضاء.
    وإذا وقعت العبادة بعد وقتها المعين لها شرعا، ووجد فيه السبب المقتضى لفعلها ـ سواء أكان الوقت مضيقا أم موسعاـ كانت قضاء. وسواء في ذلك العبادة التي وجد سبب وجوبها، ووجب أداؤها، كالظهر المتروكة عمداً بلا عذر .
    أو لم يجب أداؤها، ولكنه كان ممكنا، كصوم المريض والمسافر اذا أفطرا في رمضان، فإن سبب الوجوب وجد، وهو شهود الشهر، ولكنه لم يجب عليهما الصيام برخصة المرض والسفر، إلا أنه كان من الممكن صيامهما لو أراداه .
    أو لم يكن واجبا، ولا ممكنا، بل ممتنعا عقلا، كصلاة النائم والمغمى عليه في رمضان من أول الوقت إلى آخره، لأن القصد الى العبادة مستحيل عقلا مع الغفلة عنها، لأنه جمع بين النقيضين .
    أو لم يكن واجبا، ولا ممكنا، ولكنه ممتنع شرعا لا عقلا، كصوم الحائض والنفساء .
    فإن فعل جميع هذه العبادات بعد وقتها يعتبر قضاء، لأنها وقعت بعد وقتها المحدد لها شرعا، مع وجود سبب الوجوب.
    وهذا القضاء يستوي فيه النفل والواجب، لأن النوافل تقضى كما يقضى الواجب .
    وما يذكره الأصوليون، من أن الواجب إن فعل في وقته فأداء، وإلا فقضاء، فإنما هو للتمثيل فقط، وليس لحصر الأداء والقضاء فيه، لأن النوافل ذات الوقت المحدد تقضي كما يقضى الواجب، فذكر الواجب للتمثيل لا للحصر .

    3- الواجب المعين والمخير
    هذا هو التقسيم الثالث للحكم، وقد قسمه الأصوليون باعتبار المأمور به إلى واجب معين، وواجب مخير(8) .
    وهذا التقسيم في الحقيقة وارد على الوجوب، إلا انه لما كان الوجوب قسما من أقسام الحكم التكليفي، أطلقوا التقسيم عليه وأرادوا الوجوب، من قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء .
    وحاصل هذه المسألة أن الوجوب قد يتعلق بشئ معين كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدق، والوفاء، وغير ذلك .
    فيجب عل المكلف الإتيان به، وليس له خيار في أن يفعله أو يفعل غيره على البدل، بل الواجب عليه الإتيان بالمأمور بشرطه وتفصيله.
    ويسمى هذا بالواجب المعين، أي الذي لا خيار فيه.
    وقد يتعلق الوجوب بشئ مبهم من أمور معينة، كخصال الكفارة في قوله تعالى :  ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة  .
    فان الله تعالى خَيرّ الحانث في يمينه بين واحد من هذه الامور الثلاثة، وهي الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، فاذا فعل واحداً من هذه الامور الثلاثة، أيَّا كان، برئت ذمته، وخرج من عهدة الكفارة التي لزمته بالحنث .
    ويسمى هذا الواجب بالواجب المخير، أي الذي يخير فيه المكلف بين عدة أمور أيها أتى به أجزأه.
    ثم هذا الواجب ينقسم إلى قسمين :
    القسم الأول: يجوز الجمع فيه بين الأمور التي خيّر المكلف فيها، وذلك كخصال الكفارة، فان الوجوب تعلق بواحد منها، إلا أنه يجوز للحانث أن يخرج جميع الخصال عن الكفارة، ولا يمنع من ذلك، بل يثاب على الجميع.
    والقسم الثاني: لا يجوز الجمع فيه بين أفراده ـ محصورة كانت أفراده أو غير محصورة ـ كما إذا مات الإمام الأعظم ـ وهو الخليفة ـ ووجدنا جماعة قد استعدوا للإمامة، ووجدت بالخيار فيه، إلا أنه لا يجوز نصب زيادة عليه، بأن ينصبوا اثنين أو ثلاثة معا، كما هو الحال في القسم الأول .

    الحرام المخير(9):

    وكما أنه يجوز إيجاب واحد مبهم من أمور معينة، يجوز تحريم واحد لا يعينه من أشياء معينة، نحو لا تتناول السمك، أو اللبن، أو البيض، فانه يقتضي تحريم واحد منها لا بعينه، فتبرأ ذمة من كلف بهذا يترك واحد منها، أيا كان هذا الواحد، لأنه لم يحرم عليه واحدا معينا، ولا الجميع، وفي نفس الوقت لم يبح له الجميع .
    وأما الحرام المعين فواضح، كتحريم السرقة، والزنا، والكذب، وغير ذلك .

    الحكم المرتب(10):
    وقريب من هذه المسألة الحكم الوارد على الترتيب، بأن يتعلق بأمرين على سبيل الترتيب، بأن يتعلق بواحد منهما، وبالآخر، إلا أنه مشروط بفقدان الأول، وذلك ككفارة المجامع في نهار رمضان، فإنه يجب عليه إعتاق رقبة، فإن عجز فصيام شهرين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينا.

    وهذا الحكم ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
    القسم الأول: يحرم الجمع فيه بين أفراده المرتبة، كأكل المذكي والميتة، فانه لا يجوز أكل الميتة إلا بعد فقد المذكي في حالة الضرورة، ولا يجوز الجمع بينهما بحال.
    القسم الثاني: يباح الجمع فيه بين أفراده المرتبة، كالوضوء والتيمم، فإنه لا يجوز العدول إلى التيمم إلا بعد العجز عن الوضوء حسا، أو شرعا.
    إلا أنه قد يباح الجمع بينهما، كأن تيمم لخوف بطء البرء من الوضوء، ثم توضأ متحملا لمشقة بطء البرء، وإن بطل بوضوئه تيممه، لانتفاء فائدته .
    القسم الثالث: يسن الجمع فيه بين أفراده المرتبة، ككفارة المجامع في نهار رمضان فإنه يستحب له الإتيان بالأمور الثلاثة، ويثاب عليها جميعا.

    4 - الواجب المضيق والموسع
    هذا هو التقسيم الرابع للحكم، وقد قسمه الأصوليون باعتبار وقته إلى مضيق وموسع(11) .
    وحاصل هذا التقسيم أن الفعل المتعلق بوقت معين له ثلاث حالات:
    الحالة الأولى: أن يكون الوقت المقدر للفعل مساويا له، لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه.
    وذلك كصوم رمضان، فان الزمن المقدر للصيام مساوٍ له، بحيث لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه، فلا يتمكن الإنسان من إيقاع صيام آخر في يوم الصيام.
    ويسمى هذا بالواجب المضيق .
    الحالة الثانية: أن يكون الوقت ناقصا عن الفعل، فمن جوز التكليف بالمحال جوزه، ومن لم يجوز التكليف بالمحال، لم يجوزه.
    إلا أن يكون الغرض منه القضاء، كوجوب الظهر مثلاً على من زال عذره آخر الوقت، كالجنون، والحيض، والصبا، وقد بقي من الوقت مقدار تكبيرة.
    فانه يجب عليه الظهر، وإن كان الوقت الباقي لا يسع الفعل، على معنى أنه يلزمه القضاء بادراك التكبيرة، لا على معنى أنه يلزمه الفعل في هذا الوقت الذي لا يسعه .
    الحالة الثالثة: أن يكون الوقت المقدر للفعل أوسع منه، وزائداً عليه، بحيث يسعه ويسع غيره، كوقت صلاة الظهر مثلا، فإنه يسعها ويسع غيرها، فيتمكن المكلف من فعلها وفعل غيرها فيه، ويتمكن من إيقاعها في أي جزء من أجزائه، سواء أكان في أوله، أم في وسطه، أم في آخره، ويعتبر الجميع أداء .
    ويسمى هذا الواجب بالواجب الموسع .
    وإذا أراد المكلف تأخير الفعل عن أول الوقت إلى ثانية، أو إلى وسطه، أو إلى آخره، فلا يلزمه العزم على التأخير للوقت الثاني، بل يجوز له أن يؤخر بدون عزم على التأخير(12) .
    وما ورد في كتب الفقهاء من وجوب العزم على التأخير، ليس للأمر المتعلق بوجوب الأداء، بل لكونه من أحكام الإيمان.
    ومقتضاه أن يعزم المؤمن على الإتيان بكل واجب إجمالا، ليتحقق التصديق، الذي هو الإذعان والقبول، وأن يعزم على الإتيان بالواجب المعين إذا تذكره، كالصلاة مثلا، سواء دخل الوقت أم لا (13) .
    أقسام الواجب الموسع:
    ثم أن الواجب الوسع قد يكون له وقت معين، كما مثلنا في صلاة الظهر وغيرها.
    وقد يسعه العمر جميعه، كالحج، وقضاء الفائت، إذا فات بعذر.
    حكم الموسع بالعمر :
    وحكم الموسع بالعمر أنه يجوز للمكلف به التأخير، من غير تأقيت، إلا إذا توقع فوات ذلك الواجب بغلبة الظن، إما لكبر في السن، وإما لمرض شديد في الجسم ـ فإنه يحرم عليه التأخير عند ذلك، على ما ذهب إليه الإمام الشافعي رضي الله عنه.
    ولو ظن المكلف انه لا يعيش إلى آخر الوقت في الواجب الموسع، تضيق عليه كما ذكرنا، ووجب عليه المبادرة بالفعل، وحرم عليه التأخير.
    وذلك كما لو اعتادت المرأة أن ترى دم الحيض بعد مضي أربع ركعات بشرائطها من وقت الظهر مثلا، فان الوقت يتضايق عليها.
    فان عصت، ولم تصل، إلا أن الدم لم يأت في وقته، ثم قامت فصلت قبل نهاية الوقت المحدد للظهر مثلا، لكن بعد الوقت المضيق حسب ظنها، فعبادتها تقع أداء، على ما ذهب إليه الجمهور .
    لأنه وقع في وقته المعين بحسب الشرع، وأما ظنها فقد تبين خطؤه، فلا عبرة به .
    ولو أخر المكلف الواجب الموسع، بأن لم يشتغل به أول الوقت مثلا، مع ظن السلامة من الموت إلى آخر الوقت، إلا أنه مات فيه قبل الفعل لم يعص، لأن التأخير جائز له، والفوات ليس باختياره(14) .
    والله أعلم.

    5-الواجب على التعيين والكفاية

    وهذا هو التقسيم الخامس للحكم باعتبار المأمور، وقد قسموه إلى واجب على التعيين، وواجب على الكفاية(15) .
    أ - فرض العين :

    وهو الواجب الذي يتناول كل واحد من المكلفين، كالصوم والصلاة، وغيرهما من الواجبات.
    وقد يتناول واحدا معينا بخصوصه، كخصائص النبي ـ  ـ من التهجد، والضحى، والأضحية وغير ذلك، بحيث لا يشركه فيه غير من المكلفين .
    وسواء أكان هذا الواجب على الجميع، أم على الواحد المعين، يجب الإتيان به، ولا يجوز لمن خوطب به أن يتركه .
    ب- فرض الكفاية :
    وهو مايقصد حصوله من غير نظر إلى فاعله، فالمهم حصول المطلوب، وإنما ينظر إلى الفاعل تبعا، لأنه لن يحصل المطلوب بدون فاعل .
    وذلك كصلاة الجنازة، والأمر بالمعروف من أمور الدينية، والقيام بالحرف والصنائع من الأمور الدنيوية .
    فالمهم وقوع الصلاة على الجنازة، بغض النظر عن الفاعل، فأيا كان الفاعل، كان الفعل مجزئا، ما دامت الشروط متوفرة في الفاعل .
    ولذلك كان فرض الكفاية يتناول بعضا غير معين من المكلفين، لا جميع المكلفين.
    فإذا فعل بعض المكلفين هذا المطلوب، سقط الطلب عن بقيتهم، لأن المقصود حصول الفعل فقط .
    فإذا صلى على الجنازة عدد من المكلفين، تقوم بهم الصلاة، سقط الإثم عن بقية المكلفين.
    وإذا لم يصل عليها أحد أبدا، أثموا جميعا، لا لأن الفعل مطلوب من الجميع، بل إثمهم بالترك لتفويتهم حصوله من جهتهم في الجملة .
    قال تعالى:  ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر  .
    فأوجب الله الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على البعض، دون الكل، فإذا فعله بعضهم سقط الإثم عن الجميع، وإذا تركه الجميع أثموا، لعدم تحققه .
    وهذا التقسيم كما يرد على الواجب، يرد على السنة، وتنقسم إلى سنة عين، وسنة كفاية.
    فسنة العين، كصلاة الضحى، وسنن الوضوء، وصيام الاثنين والخميس، وغير ذلك.
    وسنة الكفاية، كتشميت العاطس، وابتداء السلام، والأضحية في حق أهل البيت، والأذان، والإقامة للجماعة الواحدة، وغير ذلك.
    والجمهور على أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية، لشدة اعتناء الشارع به بقصد حصوله من كل مكلف.
    وكذلك سنة العين، أفضل من سنة الكفاية عند الجمهور.
    فرض الكفاية بعد الشروع فيه :
    وإذا شرع الإنسان في فرض الكفاية، تعين عليه إتمامه، ولا يجوز له تركه، فيصير كفرض العين، بعد الشروع فيه.
    وما ذكرنا سابقا من أنه يجب على بعض غير معين ولا يجب على واحد معين ولا على الجميع، إنما هو قبل الشروع فيه. فإذا شرع فيه المكلف تعين عليه .
    والله أعلم.
    متى يسقط الطلب في فرض الكفاية عن المكلف :
    التكليف بفرض الكفاية دائر مع الظن .
    فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل سقط الوجوب عن الجميع.
    وإن ظن كل طائفة أن غيره لم يفعل، وجب عليهم الإتيان به ويأثمون بتركه .
    وإن ظنت طائفة قيام غيرها به، وظنت أخرى عكسه، سقط عن الأولى، ووجب على الثانية.

    ---------------------------------------------------
    (7) نهاية السول : 1/64 ، الأحكام : 1/156 ، المحصول : 1 / 148 .
    (8) الإبهاج ونهاية السول : 1/53 ، المحصول : 2/266 ، التبصرة ، : 70 ، البرهان :
    1/268 ، المستصفى : 1 /67 ، المنخول : 119 ، الأحكام : 1 /142 ، المنتهي :
    24 ، جمع الجوامع : 1 /175 .
    (9) جمع الجوامع : 1/ 180 ، الأحكام : 1/161، رفع الحاجب :1/ ق 106 – ب .
    (12) وإلى هذا ذهب الرازي في المحصول :2/292 وأتباعه ، وأبو الحسين البصري في
    المعتمد : 1/141، والغزالي في المنخول : 121 ، وابن السبكي في جمع الجوامع :
    1/187، وابن السمعاني في القواطع : 81 ، من نسختنا الخطية الخاصة ،وابن
    الحاجب في المنتهى : 25 والمختصر .
    (13) المنتهى لابن الحاجب : 25 ، وتقريرات الشربيني على جمع الجوامع : 1/ 188.
    (14) جمع الجوامع : 1/190 ، الاحكام :1/155 ، المنتهى : 25 ، رفع الحاجب :
    1/ ق 101- أ .
    (15) الإبهاج ونهاية السول : 1 /65 ، جمع الجوامع : 1 /182 ، التمهيد : 74 ،
    الأحكام : 1/141 ، المنتهى : 24 ، المعتمد : 1 /149 ، المحصول : 2 /310 .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #7
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    الواجب على التعيين والكفاية

    6- الرخصة والعزيمة
    هذا هو التقسيم الأخير للحكم، وقد قسمه الأصوليون باعتبار كونه على وفق الدليل وخلافه(16).
    فإن كان على وفق الدليل فهو العزيمة، وإن كان على خلافه فهو الرخصة.
    ‌أ- الرخصة:
    هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر .
    أو هي الحكم المتغير إلى السهولة لعذر مع قيام السب للحكم الأصلي .
    وذلك كقصر الصلاة في السفر، فإن الدليل يقتضي وجوب الصلاة تامة، بدخول الوقت، فقصر الصلاة الرباعية في السفر، المبيح للقصر، ثابت على خلاف الدليل الأصلي لعذر، وهو المشقة.
    أي أن الحكم تغير من الصعوبة، وهي الإتمام في الحضر، إلى السهولة وهي القصر في السفر، لعذر المشقة الذي راعاه الشرع، مع قيام السبب للحكم الأصلي، وهو دخول الوقت الذي به يستقر التكليف الأصلي.
    وهذه الرخصة لا بد لها من دليل شرعي، تثبت به وتستقر، وإلا لما جاز الإعراض عن ا لدليل الأصلي.
    وهذا هو المراد بقولنا ( الحكم الثابت ) فإن الحكم الجديد لو لم يكن دليلا شرعياً لما كان ثابتاً.
    والحكم الثابت على خلاف الدليل أعم من أن يكون ثابتاً على خلاف الدليل المقتضى للتحريم، كأكل الميتة للمضطر، أو ثابتاً على خلاف الدليل المقتضى للوجوب، كترك الصيام في السفر، أو ثابتاً على خلاف الدليل المقتضى للندب كترك صلاة الجماعة بعذر المطر والمرض ونحوهما .

    أقسام الرخصة :
    تنقسم الرخصة إلى ثلاثة أقسام(17):
    1. رخصة واجبة.
    2. رخصة مندوبة.
    3. رخصة مباحة.

    1 - الرخصة الواجبة:
    وهي التي يجب على المكلف الأخذ بها عند قيام موجبها، وذلك كأكل الميتة للمضطر في السفر، فإنه يجب عليه أكل ما يسد رمقه، ويبقى على حياته، إذا اضطر إلى ذلك في السفر، فإن مصلحة الإبقاء على الحياة واجبة، فلا يجوز أن يهدرها إذا تمكن من الحفاظ عليها .

    2 - الرخصة المندوبة:
    وهي التي يندب للمكلف الأخذ بها، وذلك كالقصر في السفر، فإن القصر في السفر الطويل مندوب .

    3 - الرخصة المباحة:
    وهي التي يباح للمكلف الأخذ بها، وذلك كالسَلم، وهو بيع موصوف بالذمة، فإنه رخصة واردة على خلاف الدليل، إلا أنه مباح، وليس مندوباً، فيجوز للمكلف العمل به، إلا أنه لا يندب إليه .
    و كبيع العرايا، وهو بيع الرطب على الشجر بالتمر، الوارد على خلاف الأصل الناهي عن ذلك.
    وكالإجارة وغير ذلك من المعاملات .

    ‌ب- العزيمة:
    وهي الحكم الثابت الذي لم يتغير أصلا، أو تغير إلى صعوبة، وذلك كوجوب الصلوات الخمس، فإنه لم يتغير أصلا، بل بقي على ما هو عليه. وكحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، فإن الحكم هنا تغير إلى الصعوبة. وهناك أقسام أخرى للرخصة والعزيمة تطلب من المطولات .

    الفصل الثالث في أحكام الحٌكم
    وفيه مسائل :
    المسألة الأولى
    مقـدمة الواجـب
    وهي الأمر الذي يتوقف وجود الواجب عليه .
    فهل يكون الأمر بالشئ أمراً بما لا يتم ذلك الشئ إلا به، أم لا ؟
    ذهب الجمهور من الأصوليين إلى أن الأمر بالشئ أمرٌ بما لا يتم ذلك الشئ إلا به، فإذا أوجب الشارع على المكلف شيئاً وجبت عليه مقدماته مطلقاً، سواء أكانت سبباً، وهو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، أم شرطاً، وهو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجود ولا عدم .
    وذلك كما لو قال الأب لولده : ائتني بكذا من فوق السطح، فلا يتحقق ذلك إلا بالمشي، ونصب السلم، فالمشي سبب، إذا يلزم من عدم المشي عدم الإمكان، ويلزم من وجوده الوجود، ونصب السلم شرط، إذا يلزم من عدمه عدم تحقق المطلوب، ولا يلزم من وجوده وجود المطلوب ولا عدمه .
    وسواء أكان السبب والشرط شرعيين، أم عاديين، أم عقليين .
    فالسبب الشرعي: هو ما كان مصدره الشرع كالصيغة بالنسبة إلى العتق الواجب، في الكفارة والنذر وغيرهما، فإن العتق متوقف على الصيغة، فيلزم من الأمر به الأمر بها، فإذا ما طولب بالعتق، طولب بالصيغة.
    وكالعتق كل ما يتوقف على الصيغة، من النكاح، والطلاق، والبيع، وغير ذلك.
    والسبب العقلي: هو ما كان مصدره العقل، كالنظر المحصل للعلم الواجب، كالعلم بوجود الله، الذي يؤمر به المكلف، يتوقف على النظر في ملكوت السموات والأرض وما فيهما، فيكون النظر المؤدي إلى العلم بالخالق مأموراً به كالأمر بالعلم .
    والسبب العادي: هو ما كان مصدره العادة، كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل الواجب في القصاص، فإن القطع متوقف على الحز، إلا أنه سبب عادي، أي أن العادة جرت على وجود القطع عند وجودالحز، عند أهل الحق .
    والشرط الشرعي: كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فإذا أمر بها وجب عليه كالوضوء.
    والشرط العقلي: وهو الذي يكون لازماً للمأمور به عقلاً، كترك أضداد المأمور به، فإذا أمر بالقيام، وجب عليه أن يترك القعود.
    والشرط العادي: وهو الذي ينفك عن المشروط عادة، كغسل جزء من الرأس في الوضوء، الذي يتوقف عليه التأكد من غسل الوجه، فإننا لا نتيقن من غسل الوجه إلا إذا غسل جزءاً من الرأس، فيكون غسل جزءٍ من الرأس واجباً،لأنه لا يتم الواجب إلا به.

    شروط وجوب المقدمة:
    يشترط لوجوب مقدمة الواجب شرطان :
    الشرط الأول: أن يكون الوجوب مطلقاً، غير معلق على حصول ما يتوقف عليه.
    فإن كان معلقاً على حصول مايتوقف عليه، كقوله : إن صعدت السطح، ونصبت السلم، فاسقني ماء، فإنه لا يكون مكلفاً بالصعود ولا بالنصب بلا خلاف، فإذا اتفق أن المكلف نصب السلم وصعد السطح صار واجباًً عليه سقى الماء، وإلا فلا .
    الشرط الثاني: أن يكون ما يتوقف عليه الواجب مقدوراً للمكلف، كسقي الماء الذي مثلنا به، وغير ذلك مما يدخل تحت قدرة الإنسان.
    فإن لم يكن مقدوراً له، لم يجب عليه تحصيله إما لاستحالته، كإرادة الله تعالى التي يتوقف عليها وقوع الفعل. لأنه لا قدرة للعبد عليها، ولذلك لا يكلف بتحصيلها، وإما لتعذره مع إمكانه كتحصيل العدد في الجمعة .

    أقسام مقدمة الواجب :
    تنقسم مقدمة الواجب إلى قسمين :
    الأول : هو مايتوقف عليه وجود الواجب، إما من جهة الشرع، كالوضوء للصلاة، فإن الصلاة متوقفة عليه، ولا مدخل للعقل في وجوبه، وإنما هو ثابت من جهة الشرع .
    وإما أن يتوقف وجود الواجب عليه عقلاً، كالسير إلى مكة، لمن أراد الحج، إذ لا يمكن تأتي الحج إلا بالسير إليها عقلاً، ولذلك كان واجباً.
    الثاني : هو ما يتوقف عليه العلم بوجود الواجب، لا نفس وجوده، وذلك كمن ترك الصلاة من الصلوات الخمس، ثم نسى عينها، فلم يدر أهي الظهر أم العصر أم غيرهما، فانه يجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس ليتيقن من قضاء الصلاة التي تركها، لا لإيجادها، لأن وجودها قد يتحقق في أول الصلاة صلاها، إلا أن المكلف لا يعلمه إلا بعد الإتيان بالخمس، فالأربعة مقدمة للواجب، أي مقدم للعلم بوقوعه، لا لإيجاده .
    وكغسل جزء من الرأس في الوضوء للعلم بغسل جميع الوجه، لا لإيجاده، لأن وجوده قد يتحقق بدون غسل جزء من الرأس .
    وكتغطية جزء من الوجه، للمرأة المحرمة في الحج، للعلم بتغطية جميع الرأس .
    وكستر جزء من الركبة للتيقن من ستر الفخذ(18) .

    ------------------------------------------------------------------

    (16)
    الإبهاج ونهاية السول : 1/ 52 ، جمع الجوامع : 1/119 ، التمهيد : 70 .
    (17)
    الإبهاج ونناهية السول : 1/ 52 ، جمع الجوامع : 1 /119 ، التمهيد :71.
    (18) الإبهاج ونهاية السول : 1/69 ، جمع الجوامع : 1/192 ، البرهان : 1 /257 ،
    المنخول :117 ، المستصفى : 1/71 ، الاحكام :1/157 ، المحصول : 1/317، المعتمد:1/102، وانظر المنتهى لابن الحاجب: 26، وقد اختار فيه أن الأمر بالشيء يكون أمرا لا بالسبب ولا بالشرط الذين يتوقف عليهما، إلا أنه اختار في المختصر أنه يجب الشرط إن كان شرعيا، أما إن كان عقليا أو عاديا فلا، وانظر رفع الحاجب: 1/ ق 103 – ب. وانظر القواطع: 92، والتمهيد: 83.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #8
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    مقدمة المحرم :
    وكما يجب فعل مقدمة الواجب، لكونه متوقفاً عليها، كذلك يجب ترك مقدمة المحرم، لتوقف تركه عليها.
    فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره من الجائز، وجب على المكلف ترك الجائز، لتوقف ترك المحرم ـ الذي هو واجب ـ عليه.
    وذلك كماء قليل وقعت فيه نجاسة، فإنه يحرم عليه استعمال الجميع وذلك على القول بأن الماء باق على طهوريته، لأن الأعيان لا تنقلب، وإنما تعذر استعماله، لأنه لا يمكن استعماله إلا باستعمال النجاسة .
    وقريب منه ما لو اشتبهت زوجته بأجنبية، فإنه يحرم عليه وطء الجميع، للاشتباه.
    لأن الأجنبية لا يجوز وطؤها، فهو محرم عليه، ولا يحصل له العلم يترك هذا الحرام إلا بالكف عنها وعن زوجته، ولذلك وجب عليه الكف عنهما.
    ومثله ما لو اشتبهت محرمه بنساء أجنبيات محصورات، فإنه يحرم عليه نكاح أية واحدة منهن لما ذكرنا، والله أعلم .

    المسألة الثانية :
    القدر الزائد على الواجب
    الواجب إما أن يكون معلقاً بمقدار معين، كغسل الوجه واليدين.
    وإما أن لا يكون معلقاً بمقدار معين، بل معلقاً على اسم يتفاوت بالقلة والكثرة.
    وذلك كمسح الرأس في الوضوء، إذ مسح جميع الرأس يسمى مسحاً، ومسح بعض الرأس يسمى مسحاً .
    والواجب في مسح الرأس هو مايقع عليه اسم مسح، ولو شعرة واحدة، أو بعض شعرة .
    فإذا مسح الإنسان زيادة على القدر الواجب ـ وهو أمر لا بد منه ـ فهل يكون هذا الزائد الذي مسحه ولم يجب عليه، هل يكون نفلاً لعدم طلبه في الأصل، أم انه واجب، لأن الفرض سقط بجميع المسح ؟
    الراجح في المسألة أن الواجب ما يقع عليه الاسم من أول المسح، وان البقية نفلٌ يثاب عليه، لأنه لو كان الجميع واجباً لما جاز تركه، وهنا نقطع بأنه لوفعل ما طلب منه لأجزأه، ولو كان الجميع واجباً لطولب به .
    وكالمسح في الوضوء، ما إذا وقف في عرفات زيادة على القدر الواجب، أو زاد في الحلق والتقصير على ثلاث شعرات (19)والله اعلم .

    المسألة الثالثة
    الأمر بالشئ هل هو نهي عن ضده أم لا ؟
    هذه المسألة من المسائل التي وقع فيها خلاف كبير بين العلماء، وتعددت فيه المذاهب(20).
    والكلام في هذه المسألة محصور في المعنى، لا في اللفظ، إذا الجميع متفقون على أن قوله: قم، غير قوله: لا تقعد، فإنهما صورتان مختلفتان، ولذلك وجب رد الكلام في هذه المسألة إلى المعنى.
    فإذا قال القائل: اسكن، فهل هو في المعنى بمثابة قوله: لا تتحرك أم لا ؟
    فقيل : إن الأمر بالشئ نفس النهي عن ضده، كاتصاف الذات الواحدة بالقرب والبعد بالنسبة لشيئين .
    وقيل: أنه ليس نفس النهي عن الضد، وإنما يتضمنه، ويدل عليه بالالتزام، لأن الأمر دال على المنع من الترك، ومن لوازم المنع من ذلك منعه من الأضداد، فيكون الأمر دالاً على المنع من الأضداد بالالتزام.
    وقيل : لا يدل عليه أصلا، لان الآمر قد يكون غافلاً عن الضد حين بوجه الأمر، ويستحيل الحكم على الشئ مع الغفلة عنه .
    والمسألة كما ذكرت فيها كلام كثير لا يتسع له هذا الموجز.

    المسألة الرابعة
    هل يبقى الجواز بعد نسخ الوجوب ؟
    إذا أوجب الشارع شيئاً، ثم نسخ وجوبه، فيجوز الإقدام عليه، عملاً بالبراءة الأصلية، والأصل في المنافع الإباحة، قال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً .
    ولكن الدليل الدال على الإيجاب، قد كان أيضا دالا على الجواز دلالة تضمن، على معنى أن الشارع إذا أمر بفعل، كان هذا الأمر متضمناً للإذن في الفعل ودالاً عليه.
    فإذا نسخ الشارع الوجوب، هل تبقى الدلالة على الجواز، أم تزول بزواله (21)
    ذهب الجمهور الأعظم من الأصوليين إلى أنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز الذي كان في ضمنه.
    والمراد بالجواز هنا عدم الحرج في الفعل والترك، من الإباحة، أو الندب، أو الكراهة، إذ لا دليل على تعيين احدها .
    وصورة المسألة أن يقول الشارع، نسخت الوجوب، أو نسخت تحريم الترك، أو رفعت ذلك.
    فأما إذا نسخ الوجوب بالتحريم، أو قال: رفعت جميع ما دل عليه الأمر السابق، من جواز الفعل، وامتناع الترك، فيثبت التحريم قطعاً، وهذا لا ينافي القاعدة، لأنها واردة في الأمر مع ناسخه فقط، وهنا وجد دليل خارجي عارض الجواز.
    وذلك كما في نسخ التوجه إلى بيت المقدس، باستقبال، البيت، فإن الجواز لم يبق هنا، ولكن لا لمجرد النسخ، بل للدليل الدال على تحريم التوجه لاستقبال بيت المقدس، والموجب لاستقبال الكعبة.
    ومن فروع هذه المسألة الحجامة والفصد للصائم .
    فقد أخرج البخاري وغيره أن النبي قال : افطر الحاجم والمحجوم وهذا يدل على تحريم الحجامة بلا شك ويمنع منا .
    ثم ثبت أن النبي احتجم وهو صائم، فانتفى التحريم المفهوم من الحديث السابق، وبقى الجواز، وهو شامل للندب، والإباحة، والكراهة، كما ذكرنا .
    ولذلك نص الشافعي في (البويطي) عليه فقال: وللصائم أن يحتجم، وتركه أحب إليّ.
    ونص النووي في ( الروضة ) على الكراهة، تبعاً للرافعي في ( الشرح الكبير ) .

    المسألة الخامسة
    جائز الترك ليس بواجب
    قد ذكرنا في تعريف الوجوب : أنه اقتضاء الفعل مع المنع من الترك، فالواجب لا يجوز تركه، وما جاز تركه ليس بواجب، إذ يستحيل كون الشئ واجباً جائز الترك(22) .
    وقال أكثر الفقهاء: يجب الصوم على الحائض، والمريض، والمسافر، لقوله تعالى:  فمن شهد منكم الشهر فليصمه  وهؤلاء شهدوا الشهر، فوجب عليهم صيامه، وإنما جاز لهم الفطر بالعذر، من الحيض، والمرض، والسفر.
    وأيضاً: يجب عليهم القضاء بقدر ما أفطروا من الشهر، ولو لم يكن واجباُ عليهم صيامه لما وجب عليهم قضاؤه.
    وأجاب الأصوليون، بأن شهود الشهر موجب للصيام عند انتفاء العذر، والعذر هنا قائم، فلذلك امتنع القول بالوجوب .
    وأجابوا عن القضاء، بأن وجوبه إنما يتوقف على سبب الوجوب، وهو هنا شهود الشهر، وقد تحقق، لا على وجوب الأداء، وإلا لما وجب قضاء الظهر مثلاً على من نام جميع وقتها، لعدم تحقق وجوب الأداء في حقه، لأنه غير مكلف بالظهر في حال نومه، لامتناع تكليف الغافل .
    ولأن الواجب لا يجوز تركه، كما قدمنا، فما جاز تركه ليس بواجب، ووجوب القضاء لوجود السبب.

    المسألة السادسة الندب ليس تكليفاً
    ولمعرفة هذه المسألة لا بد من معرفة التكليف .
    فالتكليف: هو إلزام ما فيه كلفة، من فعل، أو ترك، فيدخل فيه الإيجاب، والتحريم.
    وليس التكليف طلب ما فيه كلفة.
    وبناء على ذلك، لا يكون المندوب ـ وهو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه تكليفاً. لأن التكليف إلزام، وهذا لا إلزام فيه(23) .
    وكالمندوب المكروه والمباح، لأنهما لا إلزام فيهما، فالمكروه ما يثاب على تركه، ولا يعاقب عل فعله، والمباح يستوي طرفا الفعل والترك فيه.
    والمباح كما أنه ليس بتكليف، ليس بجنس للواجب، وان اشتركا في الإذن في فعلهما واختص الواجب بالمنع من الترك، لأن المباح أيضا اختص بالإذن في الترك.
    فالمباح ليس بجنس للواجب، بل هما نوعان لفعل المكلف المأذون فيه . وأيضاً المباح ليس مأموراً به من حيث هو، فليس بواجب، ولا مندوب .
    والإباحة حكم شرعي، إذ هي التخيير بين الفعل والترك، المتوقف وجوده كغيره من أقسام الحكم على الشرع، خلافاً لمن زعم من المعتزلة أنها انتفاء الحرج عن الفعل والترك، وهو ثابت قبل ورود الشرع، مستمر بعده(24).

    الباب الثاني في أركان الحــكم
    ويشتمل على ثلاثة فصول
    الفصل الأول في: الحاكم.
    والفصل الثاني في : المحكوم عليه .
    والفصل الثالث في : المحكوم به

    الفصل الأول في الحـــاكــم
    قد ذكرنا في تعريف الحكم أنه خطاب الله تعالى، وبناء على ذلك فالحاكم هو الله، ولا حكم لغيره.
    ومصدر التحسين والتقبيح هو الشرع عند الأشاعرة ـ أهل السنة ـ خلافاً للمعتزلة الذين حكموا العقل .
    فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع .
    وخلاصة القول في هذه المسألة .
    أن الحسن والقبح إذا كانا بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، كحسن العدل، والإحسان، وإنقاذ الغرقى، وقبح الظلم، والشح، والغضب .
    أو بمعنى صفة الكمال والنقص، كحسن العلم، وقبح الجهل ـ فلا نزاع في أنهما عقليان، وهذا لا خلاف فيه.
    وأما إذا كان بمعنى ترتب المدح والذم عاجلاً في الدنيا، وبمعنى ترتب الثواب والعقاب آجلاً في الآخرة، كحسن الطاعة، وقبح المعصية، فهما شرعيان عندنا، أي لا يحكم بذلك إلا الشرع الذي جاءت به الرسل.
    وذهب المعتزلة إلى أنهما عقليان، بمعنى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما، وأنه لا يفتقر الوقوف على حكم الله إلى ورود الشرائع، لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد.
    وإنما الشرائع مؤكدة لحكم العقل، فيما يعلمه العقل بالضرورة، كالعلم بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، أو بالنظر، كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق الضار.
    وأما ما لا يدركه العقل لا بالضرورة ولا بالنظر، كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم أول يوم من شوال، فإن الشرع يكون مظهراً لحكمه، لمعنى خفي علينا.
    والخلاصة: أن الحاكم حقيقة هو الشرع بالإجماع، وإنما الخلاف في أن العقل هل هو كاف في معرفة الحكم أم لا.
    فعندنا العقل لا يكفي، ولا يدرك، ولا حكم إلا للشرع، وعندهم العقل يدرك الحكم من خلال المصالح والمفاسد(25).
    شكر المنعم
    وبناء على قاعدتنا في أنه لا حكم قبل الشرع، فإنه لا يجب عندنا شكر المنعم عقلاً، ولا عقاب على الجحود، لقوله تعالى:  ومَنا كُنا مُعَذبين حتى نَبْعَثَ رَسوُلا  . والمنعم هو الله تعالى.
    والمراد بشكر المنعم، الثناء على الله تعالى، لإنعامه بالخلق والرزق، والصحة، وغير ذلك.
    سواء أكان ذلك بالقلب، بأن يعتقد ذلك، أم باللسان، بأن يتحدث به، أم بغير ذلك، كأن نخضع له تعالى باجتناب المستخبثات العقلية، والإتيان المستحسنات.
    والخلاصة: أن شكر المنعم عندنا واجب بالشرع لا بالعقل، وأنه لا تكليف قبل البعثة.
    فمن لم تبلغه دعوة نبي، لا يأثم بترك الشكر، ولا يعاقب، لنفي التعذيب قبل البعثة، الذي يلزم منه عدم الأحكام (26).

    الأفعال قبل البعثة

    بناء على ما ذكرناه من القاعدة السابقة، من أنه لا حكم إلا للشرع وأن العقل لا حكم له،وأن شكر المنعم ليس بواجب ـ فما هو حكم الأفعال قبل البعثة ؟
    والخلاصة فيها :
    أن الفعل إما أن يكون اضطرارياً، تدعو الحاج إليه بسبب الجبلة والطبيعة، كالتنفس في الهواء وغيره، وهذا غير ممنوع منه قطعاً.
    وإما أن يكون اختيارياً كأكل الفاكهة وغير ذلك من الأمور، والحكم في هذا موقوف إلى ورود الشرع، على معنى أنا لا نعلم حكم الأفعال قبل ورود الشرع، إذ لا مدخل للعقل فيه.
    وهذا لا يتعارض مع ما سيأتي من أن أصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم، لأن الكلام هنا على ما قبل البعثة، وما سيأتي فيما بعد الشرع.
    والله أعلم(27)
    --------------------------------------------------------------------------------
    (19) الإبهاج ونهاية السول : 1/76 ، التبصرة : 87 ، المستصفى : 1 / 73 ، المحصول : 2/ 330، التمهيد: 90، القواطع: 93.
    (20) انظر الخلاف في هذه المسألة في شرحنا على التبصرة : 89 ، واللمع : 10 ، والاحكام : 2/ 251 ، ومنتهى السول : 2 /10 ، والمحصول : 2 / 334 ، والإبهاج ونهاية اليول : 1 /76 ، والمنتهى لابن الحاجب 69 ، المنخول : 114 ،
    والمستصفى : 1/ 81 ، وشرح التنقيح : 135 ، والبرهان : 1/ 250 ، ورفع الحاجب : 1/ ق 321 - ب ، وتيسير التحرير : 1 / 362 ، ومختصر ابن اللحام : 101 .
    (21) جمع الجوامع :1/173 ، البدخشي :1 /109 ، نهاية السول: 1/109 ، التبصرة : 96 ، المنخول : 118 ، المستصفى : 1/73 ،اللمع : 8 ، المحصول 2 /342.
    (22) جمع الجوامع :167 ، الإبهاج ونهاية السول : 1/84 ، البدقشي : 1 / 112 ، المحصول: 348.
    (23) جمع الجوامع : 1/171 ، الأحكام : 1/173 .
    (24) جمع الجوامع : 1/171 ، الاحكام : 1/ 181 ، المحصول : 2 / 357.
    (25) جمع الجوامع : 1/ 57 ، البرهان : 1 / 87 ، المنخول : 18 ، المستصفى : 1 / 55 ،
    الاحكام : 1/ 113 ، المحصول : 1/ 159 ، رفع الحاجب : 1/ ق 72 – ب .
    (26) جمع الجوامع : 1/87 ، البرهان : 1/94 ، المنخول : 14 ، المستصفى : 1/61 ، الاحكام : 1/124 ، المحصول : 1/193 ، رفع الحاجب : 1/ ق - 82 – ب . سلم الوصول لشرح نهاية السول للشيه بخيت : 1/ 263 ، وانظر التعليق القادم . وهاتان المسألتان، مسألة شكر المنعم، والأفعال الاختيارية قبل البعثة، يذكرهما الأصوليون كفرعين على التنزيل ، على معنى أننا لا نسلم الحسن والقبح العقليين ، ومن ثم فلا يجب شكر المنعم عقلا، ولا أحكام للأفعال قبل البعثة، إلا أننا إن سلمنا جدلا من الحسن والقبح العقليين يستلزمان الحكم من الله تعالى، لكن لا نسلم أن العقل يدرك الحسن والقبح في هاتين المسألتين .
    (27) جمع الجوامع : 1/62 ، البرهان 1/99 ، المنخول : 19 ، المستصفى : 1/63 ، الأحكام:1/130، العضد على ابن الحاجب:1/118، رفع الحاجب:1/ق 84 – أ، المحصول: 1/ 209، سلم الوصول: 1/275.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #9
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    المحكوم عليه

    الفصل الثاني في المحكوم عليه

    وفيه مسائل : المسألة الأولى في تكليف المعدوم
    قد مر معنا في تعريف الحكم أنه خطاب الله تعالى، وخطابه : كلامه الأزلي، القائم بذاته .
    فالأمر، والنهي، وهما من أقسام الحكم الشرعي التكليفي، ثابتان في الأزل، علماً بأنه لم يكن هناك مأمور ولا منهي .
    وبناء على هذا ذهب الاشاعرة إلى أنه يجوز تكليف المعدوم، ويتعلق به الأمر والنهي تعلقاً معنوياً .
    وليس معنى تعلق الأمر به أن يكون مأموراً حال عدمه، فإن الصبيان والمجانين غير مأمورين ولا مكلفين، لفقدان شرط التكليف، من البلوغ والعقل، فكيف يجوز تكليف المعدوم وهو أسوأ حالاً منهما، وهو غير موجود.
    وإنما معناه أنه إذا وجد، مستكملاً لشروط التكليف، تعلق به الأمر القديم، وصار مأموراً به.
    وأمر المعدوم وتكليفه، كأمرنا بحكم الرسول قبل وجودنا، فلو لم يجز الحكم المعدوم، لما أمرنا بحكم الرسول ، إلا أن الإجماع قائم على أنا مأمورون بحكم الرسول عليه السلام، رغم أنا ما كنا موجودين وقت الأمر.
    فدل هذا على جواز أمر المعدوم وتكليفه، على المعنى الذي ذكرناه، وهو أنه إذا وجد مستكملاً للشرائط توجه التكليف إليه، وتعلق به(28) .

    المسألة الثانية في تكليف الغافل
    الغافل: هو الذي لا يدري ما يقال له، ولا يفهم الخطاب، كالساهي، والنائم، والمجنون، والسكران(29).
    وهو في هذه الحالة لا يفهم الخطاب، ولذلك لا يجوز تكليفه.
    لأن مقتضى التكليف بالشئ، الإتيان به امتثالاً لأمر الله تعالى وطاعته .
    ولا يكفي مجرد الفعل، بدون القصد والنية، لقوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) .
    والامتثال المطلوب يتوقف على العمل بالتكليف به، والغافل لا يعلم ذلك، فيمتنع تكليفه.
    الإ أنه إذا أتلف شيئا حال غفلته، وجب عليه ضمانه بعد يقظته، وهذا ليس من قبيل الحكم التكليفي، وإنما هو من قبيل ربط الأسباب بمسبباتها .
    فقد جعل الله تعالى الإتلاف سبباً لوجوب الضمان، فإذا وجد الإتلاف وجب الضمان، ولا يشترط فيه التكليف، كما مر معنا في الحكم الوضعي.

    المسألة الثالثة في تكليف الملجأ والمكره

    هذه المسألة كالتي قبلها، إلا أن مرتبة الإلجاء دون مرتبة الغافل، ومرتبة المكره دون مرتبة الملجأ(30).
    فالمراتب ثلاثة:
    المرتبة الأولى، وهي أبعدها، مرتبة تكليف الغافل، لأنه لا يدري، ما يقال له أو يكلف به أصلا.
    والمرتبة الثانية، هي مرتبة تكليف الملجأ، وهو يدري، ولكن لا مندوحة له عن الفعل أصلا، لأن الإلجاء يسقط الرضا والاختيار معاً.
    والمرتبة الثالثة، هي مرتبة تكليف المكره، وهو يدري، وله مندوحة عن الفعل بالصبر على ما أكره به، لأن الإكراه يسقط الرضا فقط، دون الاختيار.
    فكل مرتبة من هذه المراتب أبعد مما تليها.
    أما الغافل فقد مر معنا في المسألة السابقة عدم جواز تكليفه.
    وأما الملجأ، وهو الذي يدري الخطاب، ويفهمه، إلا أنه لا تبقى له قدرة ولا اختيار، لا على الفعل، ولا على عدمه، كمن ألقى من شاهق على شخص، يقتله بسقوط عليه، فإنه لا بد له من السقوط عليه، القاتل له.
    وهذا يمنع تكليفه بالملجأ إليه، أو بنقيضه، لعدم قدرته على ذلك، لأن الملجأ إليه واجب الوقوع، وهو السقوط على الشخص القاتل له، ونقيضه ممتنع الوقوع، وهو عدم السقوط على الشخص، ولا قدرة للملجأ على واحد منهما لا الواجب، ولا الممتنع، ولذلك استحال تكليفه .
    وأما المكره، وهو الذي يدري الخطاب ويفهمه، ويستطيع عدم الفعل ما أكره عليه، بالصبر على ما أكره به، إلا أنه لا رضا له.
    فالإكراه يسقط الرضا، ولكنه لا يسقط الاختيار.
    وهذا أيضا يمتنع تكليفه بالمكره عليه أو بنقيضه، لعدم قدرته على امتثال ذلك.
    ووجه عدم قدرته عليه أن امتثال التكليف بالمكره عليه هو أن يتأتي بالفعل الواقع للإكراه اختياراً، وطاعة للأمر، وهو محال، لأنه مكره غير راض، فالفعل للإكراه لا يحصل به الامتثال. فتكليفه حينئذ معناه أن يطلب منه أن يحصل الفعل الذي هو واقع للإكراه على وجه الامتثال وهو ممتنع عقلاً، لأنه تكليف بجمع النقيضين.
    ولا يمكنه في نقس الوقت الإتيان مع الإكراه بنقيض ما أكره عليه، وهو تركه، لأن الإكراه على الفعل إكراه على ترك الترك للفعل.
    إلا أن المكره لو أكره على القتل فقتل، يأثم بالإجماع، وإثمه هذا، ليس لأنه مكلف عدم الفعل الذي أكره عليه، فقد رأينا أنه يمتنع تكليفه به .
    وإنما إثمه هنا لأنه آثر نفسه بالبقاء، على الشخص الذي أكره على قتله، وهو كفء له .
    فهو عندما خير بين أن يقتل الشخص المكافئ له وبين أن يقتل هو، بقول المكره : أقتل هذا وإلا قتلتك، كان بإمكانه أن يصبر، وأن يقتل، ولا يقتل أحداً، إلا أنه آثر نفسه بالبقاء على مكافئه، فقتله ليبقى هو، وينجو من القتل، ولذلك أثم بالقتل، لا من جهة التكليف، وإنما من جهة إيثاره نفسه بالبقاء .

    الفصل الثالث في المحكــــوم به
    وفيه مسألتان :
    المسألة الأولى في تكليف الكـــافر بالفـروع
    قبل الكلام على هذه المسألة لا بد من بيان الأمور الآتية :
    1. لا خلاف بين العلماء أن الكفار مخاطبون بالإيمان، لأن النبي بعث إلى الناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان، بل هم الذين أرسل إليهم الأنبياء أصلا.
    2. ولا خلاف بين العلماء في أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولهذا تقام على أهل الذمة الحدود عند قيام أسبابها، بالشرائط المعروفة عند الفقهاء.
    3. ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضا، لأن المطلوب بها معنى دنيوي، وذلك أليق بهم، لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة .
    4. ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة، لأن موجب الأمر اعتقاد اللزوم والأداء، وهم ينكرون اللزوم اعتقاداً، وذلك كفر منهم، بمنزلة إنكار التوحيد .
    إذا علمت هذا فالخلاف في هذه المسألة إنما هو في التكليف بالفروع الشرعية، على معنى أنهم يضاعف لهم العذاب بها يوم القيامة، وهذا معنى قولنا أنهم مأمورون بها، وليس معناه أنهم مأمورون بأدائها في الدنيا، حال كفرهم، لأنها لا تصح منهم، إذ شرطها الإيمان، وهو منفى عنهم بكفرهم .
    والصحيح أنهم مكلفون بفروع الشريعة على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين.
    والدليل على تكليفهم بالفروع قول الله تعالى : ما سَلَكَكُم في سقر قالوا : لم نكُ من المصلينَ، ولم نكُ نطعمُ المسكينَ، وكنا نخوضُ معَ الخائضين وهذا يدل على أنهم مخاطبون بالصلاة، والزكاة، إذ لو لم يكونوا مخاطبين بها، لما استحقوا العقاب عليها، وهذا زيادة على عقابهم بالكفر الثابت في قوله تعالى : وكنا نكذب بيوم الدين .
    وقوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة .
    ولهذه المسألة فروع كثيرة في الفقه، نذكر منها :
    1. ما لو تعاطى الكافر شيئاً يوجب الكفارة على المسلم، وجبت عليه، كما إذا حلف بن يدي القاضي مثلاً على حق، ثم قامت فيه عليه البينة، فإنه يلزمه الكفارة.
    2. إذا قتل الكافر صيداً في الحرم، فالمعروف وجوب الكفارة عليه(31).
    المسألة الثانية امتثال الأمر يوجب الإجزاء
    والمراد بهذه المسألة أن المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجهه المطلوب شرعاً، هل يوجب الإجزاء، أم لا ؟ .
    والمراد بالإجزاء هنا إسقاط القضاء، على معنى أن ذمة المأمور قد برأت بمجرد الإتيان بالمأمور به وامتثاله .
    فالجمهور يقولون أن الإتيان بالفعل على وجهه المطلوب شرعاً يوجب الإجزاء، ويسقط القضاء .
    والأمر كما دل على شغل الذمة، دل أيضا على البراءة بتقدير الإتيان بالفعل على وجهه، والله اعلم(32)
    الكتاب ونعني بالكتاب القرآن الكريم .

    وهو المصدر الأول من مصادر التشريع المتفق عليها بين الأمة، بل إن جميع المصادر التشريعية الأخرى تعتمد في حجيتها عليه، وترجع إليه.
    ولما كان الاستدلال بالقرآن الكريم متوقفاً على معرفة اللغة العربية التي نزل بها، كان لا بد من الاستطراد في ذكر مباحثها وأقسامها.
    كما أنه لما كان مشتملاً على الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وغير ذلك من المباحث، كان لا بد من بيانها وتفصيلها.
    وهي وإن ذكرت في مباحث الكتاب، إلا أنها ليست خاصة به، وإنما هي من ضروريات السنة أيضا، لتوقف السنة عليها.
    وإنما جرت عادة المؤلفين على ذكرها ضمن مباحث الكتاب، لأنه أول المصادر ذكرا، وتتوقف معرفته على معرفتها، ولذلك قدم وقدمت معه.
    وبناء على ذلك سيكون بحثنا فيه على النحو التالي:
    الباب الأول: في تعريف الكتاب وما يتعلق به.
    الباب الثاني: في مباحث الألفاظ واللغات.
    الباب الثالث : في الأوامر والنواهي .
    الباب الرابع: في العموم والخصوص.
    الباب الخامس: في المطلق والمقيد.
    الباب السادس: في المجمل والمبين.
    الباب السابع: الظاهر والمؤول.
    الباب الثامن: في الناسخ والمنسوخ.


    الباب الأول في تعريف الكتــاب وما يتعلق به
    ويشمل على الفصول التالية :
    الفصل الأول: في تعريف القرآن الكريم.
    الفصل الثاني: في القراءات.
    الفصل الثالث: في اشتمال القرآن على غير العربية.

    الفصل الأول في تعريف القــرآن الكريم
    القرآن لغة: مصدر، نحو كفران، ورجحان، قال تعالى: إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه .
    إلا أن هذا المصدر قد اختص بالكتاب المنزل على نبينا محمد فصار علماً له، واشتهر به.
    القرآن شرعا: ( هو اللفظ، العربي، المنزل على محمد المنقول إلينا بالتواتر، المتحدى بأقصر سورة من سوره المعجزة ) .
    شرح التعريف :

    1. فما لم يكن لفظا، مما أوحاه الله إلى نبيه معنى، لا يسمى قرآنا، وانما هو الحديث النبوي الشريف، المعنى موحى به من قبل الله واللفظ من قبل النبي عليه السلام، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .
    2. العربي : قيد يخرج غير العربي، فما كان لفظاً غير عربي لا يسمى قرآناً، ولو كان منزلاً من الله تعالى .
    كما أن ما يترجم من معاني القرآن إلى غير العربية، لا يسمى قرآنا، وأما ترجمة نص القرآن إلى غير العربية، فهي غير جائزة إجماعا، وعلى فرض وقوعها ممن لا خلاق له، فإننا لا نسميها قرآنا، لأن القرآن ما كان عربيا .
    3. المنزل على نبينا محمد : قيد خرج به ما كان لفظاً عربياً منزلاً على غير نبينا عليه السلام، على فرض وجوده، فانه لا يسمى قرآناً، لاختصاص القرآن بما انزل عليه.
    4. المنقول إلينا بالتواتر: قيد خرج به ما نقل إلينا عن طريق الآحاد، فانه ليس بقرآن، ولا يعطى أحكام القرآن، من عدم جواز قراءته للجنب، ولمسه للمحدث، وغير ذلك.
    والتواتر: هو ما يرويه جماعة عن جماعة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
    ويشترط هذا في كل طبقة من طبقاته.
    5. المتحدي بأقصر سورة من سوره: قيد خرج به الحديث القدسي، فهو لفظ، عربي، منزل على نبينا عليه السلام، وقد يكون متواترا، إلا أنه لا يراد به التحدي والإعجاز، ولا يعطى أحكام القرآن.
    والتحدي : طلب الإتيان بسورة تضاهي أقصر سورة من سور القرآن، وهي إنا أعطيناك الكوثر .
    إلا أن أحداً لم يستطع هذا، لإعجاز القرآن، المظهر صدق النبي .
    والدليل على عدم وقوع التحدي، أنه لو وقع، لنقل إلينا، بل لتهافت الناس على إشاعته وإظهاره، لإبطال المعجزة والنبوة، فكونه لم ينقل إلينا عن أحد أنه تحدى القرآن، مع توفر الدواعي على نقله، دليل قطعي على عدم وقوعه.

    -----------------------------------------------------------------------

    (28) جمع الجوامع : 1/ 77 ، البرهان : 1/ 270 ، المنخول : 124 ، المستصفى : 1/270 ، الاحكام : 1/ 219 ، المحصول : 2/429 ، رفع الحاجب : 1/ ق 133 - أ ، فواتح الرحموت : 1 / 146 ، تيسير التحرير : 2/ 238 .
    (29) جمع الجوامع : 1/68 ، الإبهاج ونهاية السول :1 /99 ، الأحكام : 1 / 215 ، المحصول :2 /437 ، رفع الحاجب : 1 / ق 132- ب .
    (30) انظر تكليف المكره في البرهان: 1/ 106، المنخول: 32، المحصول: 2/449، الأحكام:1/ 220، وقد فصلوا فيه بين الإكراه الملجئ، فلم يجوزوا التكليف، وهو اتفاق، والإكراه الذي لا إلجاء فيه ، فجوزوا تكليفه .
    وما اخترته هنا هو اختيار ابن السبكي في جمع الجوامع : 1/ 72 ، وهو اختيار الحنفية كما في مسلم الثبوت : 1/ 166. وقد فصل الغزالي في المستصفى بين ما إذا أتى بالمكره لداعي الشرع أو لداعي الإكراه ، وانظر المستصفى : 1/ 58ط. بالسعادة .
    (31) البرهان : 1/107 ، المستصفى : 1 / 91 ، الأحكام : 1/ 206 ، المحصول : 2/ 399 ، المنخول : 31 ، التبصرة : 80 ، اللمع :12 ، المنتهى لابن الحاجب : 30، رفع الحاجب: 1 /ق 226 – أ، الإبهاج: 1/111، جمع الجوامع:1/ 233 عطار ، تيسير التحرير : 1 /114 ،مسلم الثبوت : 1/128 ، أصول السرخسي : 1/73.
    (32) التبصرة : 85 ، الأحكام :2 /256، المنتهى : 71 ، رفع الحاجب : 1/ق 332 – أ ، الإبهاج ونهاية السول :1 /117 .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #10
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    تعريف القــرآن الكريم - القراءات

    الباب الأول في تعريف الكتــاب وما يتعلق به

    ويشمل على الفصول التالية :

    الفصل الأول: في تعريف القرآن الكريم.
    الفصل الثاني: في القراءات.
    الفصل الثالث: في اشتمال القرآن على غير العربية.

    الفصل الأول
    في تعريف القــرآن الكريم


    القرآن لغة: مصدر، نحو كفران، ورجحان، قال تعالى: إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه .
    إلا أن هذا المصدر قد اختص بالكتاب المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فصار علماً له، واشتهر به.
    القرآن شرعا: ( هو اللفظ، العربي، المنزل على محمد
    صلى الله عليه و سلم المنقول إلينا بالتواتر، المتحدى بأقصر سورة من سوره المعجزة ) .

    شرح التعريف :

    1. فما لم يكن لفظا، مما أوحاه الله إلى نبيه معنى، لا يسمى قرآنا، وانما هو الحديث النبوي الشريف، المعنى موحى به من قبل الله واللفظ من قبل النبي عليه السلام، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .
    2. العربي : قيد يخرج غير العربي، فما كان لفظاً غير عربي لا يسمى قرآناً، ولو كان منزلاً من الله تعالى .
    كما أن ما يترجم من معاني القرآن إلى غير العربية، لا يسمى قرآنا، وأما ترجمة نص القرآن إلى غير العربية، فهي غير جائزة إجماعا، وعلى فرض وقوعها ممن لا خلاق له، فإننا لا نسميها قرآنا، لأن القرآن ما كان عربيا .
    3. المنزل على نبينا محمد
    صلى الله عليه و سلم : قيد خرج به ما كان لفظاً عربياً منزلاً على غير نبينا عليه السلام، على فرض وجوده، فانه لا يسمى قرآناً، لاختصاص القرآن بما انزل عليه صلى الله عليه و سلم .
    4. المنقول إلينا بالتواتر: قيد خرج به ما نقل إلينا عن طريق الآحاد، فانه ليس بقرآن، ولا يعطى أحكام القرآن، من عدم جواز قراءته للجنب، ولمسه للمحدث، وغير ذلك.
    والتواتر: هو ما يرويه جماعة عن جماعة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
    ويشترط هذا في كل طبقة من طبقاته.

    5. المتحدي بأقصر سورة من سوره: قيد خرج به الحديث القدسي، فهو لفظ، عربي، منزل على نبينا عليه السلام، وقد يكون متواترا، إلا أنه لا يراد به التحدي والإعجاز، ولا يعطى أحكام القرآن.
    والتحدي : طلب الإتيان بسورة تضاهي أقصر سورة من سور القرآن، وهي إنا أعطيناك الكوثر .
    إلا أن أحداً لم يستطع هذا، لإعجاز القرآن، المظهر صدق النبي
    صلى الله عليه و سلم .
    والدليل على عدم وقوع التحدي، أنه لو وقع، لنقل إلينا، بل لتهافت الناس على إشاعته وإظهاره، لإبطال المعجزة والنبوة، فكونه لم ينقل إلينا عن أحد أنه تحدى القرآن، مع توفر الدواعي على نقله، دليل قطعي على عدم وقوعه.


    الفصل الثاني في القراءات

    تنقسم القراءات في القرآن الكريم إلى قسمين متواترة آحادية.
    1. القراءات المتواترة في القرآن سبع، استمر عليها أمر الناس، وتواتر نقلها عن أئمة القراء، وهم :

    1. نافع بن رويم، في المدينة ( م 167 هـ ) .
    2. عبدالله بن كثير، في مكة ( م 120 هـ ) .
    3. أبو عمر بن العلاء، في البصرة ( م 155 هـ ) .
    4. عاصم بن أبي النجود، في الكوفة ( م 128 هـ ) .
    5. حمزة بن حبيب الزيات، في الكوفة ( م 156 هـ ) .
    6. علي الكسائي، في الكوفة ( م 189 هـ ) .
    7. عبدالله بن عامر، في الشام ( م 118 هـ )(33) .

    والتواتر في هذه القراءات فيما ليس من قبيل الأداء، فما هو من قبيل الأداء، بأن كان هيئة للفظ، يتحقق بدونها، فليس بمتواتر، وذلك كالمد، والإمالة، وغير ذلك (34) .
    والتحقيق في هذا الموضوع واستيعابه يحتاج لبحث طويل مستقل .
    وأما التواتر : فهو ما يرويه جماعة عن جماعة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وسيأتى شرحه وبيانه في مباحث الأخبار .
    2. القراءات الشاذة:
    ونعنى بالقراءات ما كان وراء السبعة المتواترة التي ذكرناها، سواء في ذلك، ما اختلف في تواتره، فعده بعضهم من الآحاد وبعضهم من المتواتر، وما اتفق على أنه من قبيل الآحاد.
    وهذه القراءات لا تعطي حكم القرآن، لا في الصلاة، ولا في خارجها، وتبطل الصلاة بها، فيما لو قرأها المصلي عالماً عامدا(35).
    إلا أن هذه القراءات تجري مجرى أخبار الآحاد، في الاحتجاج بها على الصحيح المعتمد، إن أضافها القارئ إلى التنزيل، أو إلى سماع من النبي صلى الله عليه و سلم
    لأنها منقولة عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيتها انتفاء عموم خبريتها(36) .
    وبناء على ذلك احتج كثير من الفقهاء على قطع يمين السارق بقراءة : والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما والله أعلم .


    الفصل الثالث في اشتمال القــرآن على غير العربية(37)

    قد مر معنا في تعريف القرآن أنه اللفظ العربي، كما أن الله تعالى وصف كتابه بأنه عربي في العديد من الآيات القرآنية.
    وقد اتفق العلماء على أنه لا يوجد في القرآن تركيب غير عربي، وهذا مصداق وصفه بالعربي، إذا لو كان فيه تركيب غير عربي لما صح وصفه بأنه عربي .
    كما أن العلماء اتفقوا على أنه يوجد في القرآن أعلام أعجمية، غير عربية، كجبريل، وميكائيل، وإسرائيل، وعمران، ونوح، وآزر، وغير ذلك(38) .
    واختلفوا بعد هذا في تضمن القرآن لألفاظ غير عربية .
    فزعم بعضهم ،أنه يوجد في القرآن غير العربية من الألفاظ المفردة، كالمشكاة، والقسطاس، والسجيل، والإستبرق، وغير ذلك .
    والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه ليس في القرآن شيء غير العربية(39).
    قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في ( الرسالة ) فقرة 127 وما بعدها: ( ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب ...
    وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه، لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله ) أهـ.
    والدليل على انه لا يوجد فيه غير العربي قوله تعالى : إنا أنزلناه قرآنا عربيا وقوله : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي .
    وما ذكروه من الكلمات كالقسطاس، والسجيل، وغير ذلك، إنما هي لغات عربية وافق فيها غير العرب في لغتهم لغة العرب . والله أعلم .

    ----------------------------------------------------------
    (33) شرح الشاطبية للضباع :11.
    (34) جمع الجوامع : 1 / 229 ، المنتهى لابن الحاجب ، رفع الحاجب : 1 / ق 144 – ب .
    (35) جمع الجوامع : 1 / 231 .
    (36) جمع الجوامع: 1 /231، رفع الحاجب: 1/ ق 144 – ب، التمهيد: 142.
    (37) نهاية السول والإبهاج : 1/ 179 ، الأحكام : 1/ 69 ، منتهى السول :1/ 42 .
    (38) جمع الجوامع : 1/326 ، رفع الحاجب : 1/ق 61 – أ .
    (39) جمع الجوامع :1/326 ، الإبهاج ونهاية السول :1/179 التبصرة : 180 ، تفسير الطبري المقدمة : 1/11 تفسير القرطبي : 1/68 المحصول :1/419 رفع الحاجب :1 /ق 61 - أ .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 12:59 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft