إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: آداب العبودية و الصحبة للإمام الشعراني

  1. #1
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 883
    التقييم: 10

    آداب العبودية و الصحبة للإمام الشعراني

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله .. هذا أول درس أسبوعي إن شاء الله في مؤلفين طُبِعَا في كتاب واحد، وهما:

    1) الأنوار القدسية في بيان آداب العبودية.
    2) الأنوار في آداب الصحبة.

    _ وكلاهما للعارف بالله سيدي عبد الوهاب الشعراني -رحمه الله-.

    * النسخة التي بين يدي من تحقيق الشيخ رشاد الخطيب، الطبعة الأولى / 2008م - دار التقوى في دمشق حررها الله.

    منهج العرض: سأكتفي إن شاء الله بنقل -مع شيء من التصرف- ما أراه مهما في العمل أو أنه محل نظر، معقبا على ذلك بمزيد شرح وتوضيح أو بيسير نقد وتوجيه.

    من ترجمة المؤلف: نشأ بساقية أبي شعرة من قرى المنوفية بمصر وإليها نسبته " الشعراني " ويقال " الشعراوي " وتوفي -رحمه الله- سنة 973هـ.

    من مآثره: كان يفتتح مجلس الذكر عقب العشاء فلا يختمه إلا عند الفجر، وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة، ومسائل تخالف الإجماع، وأقاموا عليه القيامة، وشنعوا وسبوا ورموه بكل عظيمة -فلأجل ذلك وغيره نقدس الأصول ولا نسلم لغير المعصوم كما تعلمنا من مشايخنا، على أن المحققين من العلماء لا يعجزون عن تتبع ما تواتر عنه من مؤلفاته بالاستقراء والبحث والتحري لنفي أو إثبات الدس عليه أو التوقف عنه-.

    أقول: [على السالك أن يجاهد نفسه على الإقلال من النوم بالتدرج ما استطاع، فلا ينام إلا غلابا، ولا يستلذ بالنوم إلا بقدر الحاجة، وأن يملأ وقته بالطاعة تعلما وتعبدا ودعوة وخدمة -هذه الأربعة كما تعلمناها من مشايخنا في الدعوة- مع التوازن بينها دون إفراط ولا تفريط.

    أول السلوك مجاهدة، لكنها مرحلة مؤقتة انتقالية، والهدف الوصول إلى المشاهدة، جاهد تشاهد {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ففي البداية تكون مريدا وفي النهاية تكون مرادا، في الأول تطلب الذكر وفي الأخير هو يطلبك، تصبح المكاره التي حُفت بها الجنة لك شهوات، والشهوات التي حُفت بها النار لك مكاره {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب}].

    ذكر المؤلف في المقدمة اجتماع شيخه بالخضر والمهدي عليهما السلام وأنه أقام عند إمام آخر الزمان بدمشق سبعة أيام وعلمه ورده كل ليلة 500 ركعة وصيام الدهر وأخبره أنه ولد أواخر 200هـ.

    أقول: [الاجتماع بالخضر جائز عقلا وشرعا، ونوقش ذلك في عدة منشورات بالملتقى يرجع إليها لمن رغب، أما الاجتماع بمهدي آخر الزمان فيمكن حمله على روحه، ومعلوم أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد في عالم الذر، لكن ولادة المهدي عند أهل السنة فيما لو اعتمدنا صحة ما ورد عنه لا تكون إلا في آخر الزمان قبيل ظهوره، ولا ندري لعل هذه الرواية من كونه ولد سنة 200هـ قد دسها الشيعة عليه، خصوصا وأنهم يتبنون عقيدة الرجعة، غير أنهم يؤرخون مولد محمد المهدي -شخصية مزعومة- ابن الحسن العسكري -وكان عقيما!- سنة 255ه وفي سامراء، ويسمونه عندهم بصاحب الزمان وله سفراء أربعة في غيبته الصغرى إلى أن ماتوا وابتدأت الغيبة الكبرى إلى هذا الزمان! وعلى كل فأي من ذلك ليس فيه حجة عملية لا على من رآها ولا على من سمعها منه إذ هي من قبيل الكشف والذي لا يورث علما طالما هو من غير المعصوم، وأما إمكان فعل ذلك الورد كل ليلة فهو مستحيل عادة جائز عقلا بالكرامة لكن لا يثبت في ذلك شيء على سبيل اليقين لأنه كما ذكرت من قبيل الكشف، والله أعلم.]
    ((( الباب الأول: في بيان آداب العبودية على الإطلاق )))
    قال المؤلف -رحمه الله ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين-: "فطلب العبد الانتقال من الحالة التي هو فيها، اختيار غير ما اختار الله له، وهو مؤذن بأنه يدّعي أنه أعلم بمصالحه من الله، وكفى به جهلا وكفرا"

    أقول: [يقصد هنا حقيقة اليقين والتوكل والاعتماد على الله والثقة به والتسليم له {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} فالله عليم حكيم خبير، يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، يعلم استعدادك ماضيا وحاضرا ومستقبلا، فلا تعجل بتغير الحال، سواء المعيشي (غنى / فقر) أو الروحاني (معرفة / فتح) ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة، ولا يقصد بذلك الإقلال من العبودية، بل أنت مطالب بالتحقق بها في كل حين {وعجلت إليك رب لترضى} حتى تكون أعبد العابدين وأول المؤمنين وإمام المتقين، هذا من ناحية كسبك واجتهادك، وإنما القصد عدم استعجال ثمرة عبوديتك، وكم من ولي أخرت جائزته فأجزلت مثوبته، وإنما تطلب الثمرة لمزيد شكر وعمل.]

    ثم قال -رحمه الله-: "ومن شأنهم ألا يشهدوا لهم ملكا لشيء لا باطنا ولا ظاهرا، قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: احذر من دعوى الملك لشيء في باطنك وظاهرك؛ لأن كل عبد ادعى ملكا حقيقة فليس بمؤمن؛ لأن الله تعالى قال: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} فالمؤمن من باع نفسه لله تعالى، بمعنى أنه لم تبق عنده منازعة لله فيما هو له تعالى."

    أقول: [المشاهدة هي من مراتب الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه {فانظروا إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها} فكل شيء يذكرك بالله، حتى لا تغفل عن الله وتكون في مداومة لذكره ولا يحجبك عنه شيء، وهنا يتجلى لك اسم الله الظاهر في حال البقاء، فصار هو بصرك الذي تبصر به، ومن هذا حاله لا يبقى في قلبه أي تعظيم للسوى، فلا يقيم لهم اعتبارا لا بملك ولا بقدرة ولا برزق، وهذا ذكر قلبي وحالي لـ "لا حول ولا قوة إلا بالله" وتذوق لمعاني اسم الله النافع الضار، وهو الحال الذي أرشد -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس -رضي الله عنه- له وهو غلام حين قال: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ..."، وهذه المشاهدة تكتمل بالفناء عن النفس فلا يرى فيها إلا مدد الله النور القيوم وتسييره فيها {هو الذي يسيركم في البر والبحر} والفناء والبقاء من أعلى مراتب الولاية، والفقير يستحي من الخوض أكثر من ذلك فيهما إلى أن يصير أهلا لذلك، وليس من سمع كمن شاهد، وبالله التوفيق.]

    ثم قال -رحمه الله-: "ومن شأن العبد أن يرى جميع ما يأتي إليه من الطاعات كله نقص وقلة أدب، فيرى جميع طاعاته ناقصة يستحق عليها العقوبة ولو بلغ أعلى درجات كمل الأولياء، وذلك بالنظر لجلال الله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} وهكذا كان حال النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أنه قام حتى تورمت قدماه وكان لا يضيع له وقت في غير عبادة."

    أقول: [وذلك أدعى في دفع العجب، والتلبس بالعبودية حقيقة، فليس من قبيل التواضع المتصنع، وإنما هو تمثل لـ {وما توفيقي إلا بالله} {وما بكم من نعمة فمن الله} كما قال سيدي ابن عطاء السكندري -رحمه الله- في إحدى حكمه "رب طاعة أورثت صاحبها عزا واستكبارا، ورب معصية أورثت صاحبها ذلا وانكسارا" فأنت حقيقة لم تخلق فعلك للطاعة وإنما وفقك الله لها فجميلتك على حالك -كما يقال- لأن "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" فإياك أن تكون من الذين {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}، ناهيك عن حصول الخلل في أفعالنا بالضرورة من نقصان قوة حضور أو دوامه، فدوام الحال من المحال، والاعتراف بالنقصان غاية الكمال، ورحم الله من عرف قدر نفسه {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} فمن عرف نفسه عرف ربه، فاستغفارنا بحاجة لاستغفار، وشكرنا بحاجة لشكر، والله المستعان وعليه التكلان.]

    ((( تابع الباب الأول: في بيان آداب العبودية على الإطلاق )))

    قال المؤلف -رحمه الله ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين-: "ومن شأنه أن يأخذ بالأحوط لدينه ويخرج من خلاف الأئمة ما استطاع؛ فلا يتهاون في فعل السنن الواجبة في غير مذهبه، ولا يرتكب المكروهات المحرمة عند غيره، فيمسح رأسه جميعا إن كان شافعيا، ويتوضأ من مس الفرج إن كان حنفيا؛ لأن من كانت عبادته صحيحة على جميع المذاهب أولى من كونها باطلة عند بعض المذاهب، هذا مذهب العارفين من أهل الله تعالى."
    أقول: [الفقه قائم على الحد وقوة الدليل، والفتوى قائمة على المصلحة وحال المستفتي، لكن التقوى تقوم على الورع والصدق والمجاهدة، وأهل التقوى هم أهل عزيمة لا أهل رخصة، وهذا حال الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- {أولوا العزم من الرسل} {أولي الأيدي والأبصار} {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} والنفس تميل للراحة، فالكسل شهوة، ويصعب التخلص منها على من اعتاد أن يُخدَم، لذلك كانت الخدمة من أركان أعمال أحبابنا في الدعوة، فتراهم يتسابقون عليها تنافسا واحتسابا وتربية، وكم غيرت من حياتهم مع أنفسهم وأهليهم وذويهم، حتى ذاقوا لذتها بعد أن عانوا كلفتها {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.]

    ثم قال -رحمه الله-: "وقد قال الحسن البصري -رضي الله عنه-: ما رأيت أعبد من السري -رحمه الله-، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت، وكان -رضي الله عنه- يقول لنا: اجتهدوا قبل أن تصيروا عاجزين مثلي، وكنا إذ ذاك لا نقاوم اجتهاده ونحن شباب، فرضي الله عنهم أجمعين."
    أقول: [من شب على شيء شاب عليه، ومن يكن مع الله في الرخاء يكن معه في الشدة، وكما تدين تدان {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام، فتقوم الروح بحمل الجسد، وتسبق النوايا أعمال الجوارح، ويكسر الطموح قيود العوائق، ولزيادة الهمة كن مع أهلها، جالس تجانس، وأكثر من قراءة قصصهم، فعند ذكرهم تتنزل الرحمات، وادع الله أن يعطيك كما أعطاهم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.]

    ((( الباب الثاني: في طلب العلم النافع إن شاء الله تعالى)))

    قال -رحمه الله-: "اعلم أن عمدة الباب الإخلاص فيه لله تعالى، ومن علامات الإخلاص ألا يتكدر ممن ينسبه إلى الجهل وعدم الفهم، ولا ممن قال فيه إن فلانا يتعلم العلم حجة عليه، أو فلانا لا يعمل بعلمه، وغير ذلك، فيتساوى عنده نسبته للجهل ونسبته للعلم على حد سواء".
    أقول: [الإخلاص سر كثيرا ما يخفى حتى على مدعيه، فكانت المواقف والأحوال كاشفة لحقيقته {يوم تبلى السرائر} والصادق هو من يسعى لصفاء إخلاصه بالمحاسبة والاستنصاح لا بالتبرير وإحسان الظن {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} "تعرض الفتن على القلوب عودا عودا" لذلك كان الصدق أساسا في السلوك حتى سمي الواصل صدّيقا. ومن أعلى مراتبه أن يستوي عنده المدح والذم، فلا يعجب بالمدح اغترارا بنفسه؛ لأنه يعلم أن {وما توفيقي إلا بالله} ويعلم عجزه في العبودية {ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} ولا ينزعج بالذم وإلم يكن فيه، ليس لأنه واثق من نفسه ولا يهزه كلام الناس؛ بل لأن ذمهم في محله إذ {وما بكم من نعمة فمن الله} {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن الغفلة ألا تشهد فعل الله فيك {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} {والله خلقكم وما تعملون} وما اكتسابك لفعلك إلا توفيق منه {فسنيسره لليسرى} وليس بفلاحتك ولا شطارتك كفهم قارون {إنما أوتيته على علم عندي} فافهم تغنم]

    ثم قال -رحمه الله-: "واحذر أن تكون ممن يُكثر من جمع العلم بغير عمل، اعتمادا على حديث "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" -قال السيوطي لا أصل له- أو "العلماء ورثة الأنبياء" فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من ازداد علما ولم يزدد هدًى لم يزدد من الله إلا بعدًا"" ثم قال: "وليعلم أنه كلما ازداد علمه كثر حسابه وتوبيخه في الآخرة، مع أن العلم الذي يتكبر به ليس هو علمه".
    أقول: [من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم -المعرفة اللدنية-، فالعلم إن كان هدفا كان حجابا؛ لأنه مقام بقاء وشهود للنفس، بينما العمل مقام فناء وشهود للرب، فكان العلم دون عمل غفلة وبطالة، والعلم نعمة، والعمل شكرها {اعملوا آل داود شكرا} والعلم منازعة لله في صفة من صفاته، فلزم منه زيادة في العبودية والمسؤولية، وصاحب العلم جاهل لولا الله، وهو غني بعلمه فلا يكن فقيرا بعمله، والفقير بجهله يدخل الجنة قبل الغني بعلمه لكثرة حسابه يوم القيامة، لكن الغني الشاكر أحب إلى الله من الفقير الصابر لتعدي نفع الأول -مع خلاف في ذلك- وكلاهما مفتون {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} فعلى قدر ما آتاك يحاسبك، وانظر إلى محاسبة الله لبيت النبوة وعليها قس {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة #يضاعف_لها_العذاب_ضعفين} ثم قال: {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا #نؤتها_أجرها_مرتين} فكن من أهل الدثور لتذهب بكل الأجور.]

    قال المؤلف -رحمه الله-: "من شأن الفقير ألا يدخل في طريق القوم إلا بعد تضلعه من نور الشرع مع نور البصيرة {نور على نور} .. ومن شأنه ألا يطلع في كلام القوم #ما_دام_مقلدا_لهم إلا كلام الكمل من الأولياء .. وأما كلام الأولياء الذين لم يبلغوا مرتبة الكمال من أرباب الأحوال فلا ينبغي النظر فيه؛ لأن كل أحد منهم تكلم عن ذوقه، وعلم الفقير بأن فلانا ذاق كذا وكذا لا يفيد عنده شيئا، بل ربما أورث عنده شهوة إلى ذلك الحال".

    أقول: [يفهم من كلام الإمام أن الأولياء منهم الكمل ومنهم من هم دون ذلك، فما يفيد السالك هو الأخذ عن الكمل منهم فقط لوصولهم إلى درجة التمكين من سطوة الأحوال {وليا #مرشدا} فغير الكمل ممن تعتريهم بعض الجذبات يورثون ذلك لمريديهم فيكثر فيهم الجذب وربما الزندقة بسبب شهوة أو جهل، فعلاج الشهوة تجديد نية إخلاص العبودية، وعلاج الجهل بالتتلمذ على أهل الولاية المرشدين من أهل العلم الرباني الصادقين في تجردهم لأجل الحق، وقلّ أن تجد في هذا الزمان مثل هؤلاء، والسعيد من حظي برفقتهم والسير على خطوهم والنهل من بركتهم، فانتقل لتكون من أهل المقام ولا تقنع بمجرد الحال، كن عبد القابض كما أنك عبد للباسط، ورضي الله عن شيخي د. معاذ حوى إذ علمنا بقوله: (لا تكن عبد الحلاوة) بل تجرد لله وصير تلك الحلاوة مقاما دائما بالصبر والمجاهدة وإخلاص العبودية بلا أجر ولا مقابل].

    ثم قال -رحمه الله-: "ومن شأنه عدم التميز عن غيره بخلق غريب يعرف به، ويرى أنه أحقر خلق الله المؤمنين على الإطلاق، ولا يمكن أحدا من تقبيل يده ولا الإطراق بين يديه ولا يحب ذلك من أحد، فإن كان ولا بد من الترخيص في ذلك فإنه يرى ذلك غاية في التواضع منهم، ولو علم في الخلق أحقر منه لأمرهم بالتواضع معه، إلا أنه يمكن أن يجربهم في غيره ممن هو أحقر في أعينهم منه".
    أقول: [خلق الشهرة مذموم كما الحال مع لباس الشهرة، وهي شهوة خفية توحي بظاهرها خلقا لكن باطنها عجب بالنفس وغمط للناس، ورحم الله من جب #المديحة عن نفسه، استحياء من الله لا من الناس، والسلامة من ذلك ألا يزيدك ترقيك في العبادة إلا ذلا، فكلما ازددت بتوفيقه خشيت من حسابه، والأصل في تقبيل اليد النظر إلى ميزان المصالح والمفاسد في حقه وحق غيره، فلكل مقام مقال، ودوام الحال من المحال].

    ثم قال -رحمه الله-: "قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: حتى إذا ضاق الولي ذرعا من كلام قيل فيه نادته هواتف الحق: (هذا وصفك لولا لطفي بك) فافهم وطب نفسا وقر عينا بجميع ما يقال فيك ... وكان الفضيل بن عياض رضي الله عنه يقول: (من أراد أن ينظر إلى مُراءٍ فلينظر إلي) ... وعلامة ذلك ألا يرى له رفع منزلة على أحد من آحاد الناس المجتمعين عليه، وكيف يليق ذلك وما هو شيخ إلا بهم، ولذلك لو خرج في سوق لا يعرفه فيه أحد ونادى بأعلى صوته: (أنا شيخ من الأولياء) لا يلتفت أحد إليه ويسخرون منه ... ومن تأمل نفع الرغيف إذا كان جائعا ونفع كلامه الذي يلقيه لمن يجلس عنده عرف صدق ما أقول، فأصحاب الحرف على خير كثير، ومن تمام ذلك بهم احتقارهم نفوسهم، واحتمالهم قول الفقيه لهم: (يا جهلة يا حمير)".

    أقول: [من أعلى مراتب الصدق استواء المدح والذم لديك؛ لأن المدح لا يستحقه أحد على الحقيقة غير الله الموفق، وإنما الأصل فينا الذم، ولذلك لم يرد لفظ الإنسان في القرآن إلا ذما، وعلاج عجبك بنفسك أو بصفة منها أو عمل أن تتلبس نقيضها التي سلمك الله منها، فإن كنت ذكيا تذكرت غباءك لولا الله، وإن كنت جميلا تذكرت قبحك لولا الله، وإن كنت مجتهدا تذكرت كسلك لولا الله، وهذه حضرة التسبيح والحوقلة، فبالتسبيح ترى عيوبك وتنزه الله عنها، وبالحوقلة ترى محاسنك وتنسب فضلها لله تعالى، وعند موقف ابتلاء الله لك بأذى الناس تظهر حقيقة نفسك، فإن غضبت لتنقيصهم لا لأجل الله ولا عليهم بل لك ومنهم فأنت صاحب هوى، وإن انشرح صدرك وطرب فؤادك بثنائهم لا ببشرى الله لك بهم بل لمدحهم وإطرائهم فأنت سجين نفسك، والصادق من صارح نفسه بذلك فإذا عرف نفسه عرف ربه، والكاذب من سولت له نفسه {ولو ألقى معاذيره}].

    (((الباب الثالث: في آداب الفقراء والمشايخ من السلف الصالح))) ***

    قال المؤلف -رحمه الله-: "من شأن الفقير ألا يدخل في طريق القوم إلا بعد تضلعه من نور الشرع مع نور البصيرة {نور على نور} .. ومن شأنه ألا يطلع في كلام القوم #ما_دام_مقلدا_لهم إلا كلام الكمل من الأولياء .. وأما كلام الأولياء الذين لم يبلغوا مرتبة الكمال من أرباب الأحوال فلا ينبغي النظر فيه؛ لأن كل أحد منهم تكلم عن ذوقه، وعلم الفقير بأن فلانا ذاق كذا وكذا لا يفيد عنده شيئا، بل ربما أورث عنده شهوة إلى ذلك الحال".

    أقول: [يفهم من كلام الإمام أن الأولياء منهم الكمل ومنهم من هم دون ذلك، فما يفيد السالك هو الأخذ عن الكمل منهم فقط لوصولهم إلى درجة التمكين من سطوة الأحوال {وليا #مرشدا} فغير الكمل ممن تعتريهم بعض الجذبات يورثون ذلك لمريديهم فيكثر فيهم الجذب وربما الزندقة بسبب شهوة أو جهل، فعلاج الشهوة تجديد نية إخلاص العبودية، وعلاج الجهل بالتتلمذ على أهل الولاية المرشدين من أهل العلم الرباني الصادقين في تجردهم لأجل الحق، وقلّ أن تجد في هذا الزمان مثل هؤلاء، والسعيد من حظي برفقتهم والسير على خطوهم والنهل من بركتهم، فانتقل لتكون من أهل المقام ولا تقنع بمجرد الحال، كن عبد القابض كما أنك عبد للباسط، ورضي الله عن شيخي د. معاذ حوى إذ علمنا بقوله: (لا تكن عبد الحلاوة) بل تجرد لله وصير تلك الحلاوة مقاما دائما بالصبر والمجاهدة وإخلاص العبودية بلا أجر ولا مقابل].

    ثم قال -رحمه الله-: "ومن شأنه عدم التميز عن غيره بخلق غريب يعرف به، ويرى أنه أحقر خلق الله المؤمنين على الإطلاق، ولا يمكن أحدا من تقبيل يده ولا الإطراق بين يديه ولا يحب ذلك من أحد، فإن كان ولا بد من الترخيص في ذلك فإنه يرى ذلك غاية في التواضع منهم، ولو علم في الخلق أحقر منه لأمرهم بالتواضع معه، إلا أنه يمكن أن يجربهم في غيره ممن هو أحقر في أعينهم منه".
    أقول: [خلق الشهرة مذموم كما الحال مع لباس الشهرة، وهي شهوة خفية توحي بظاهرها خلقا لكن باطنها عجب بالنفس وغمط للناس، ورحم الله من جب #المديحة عن نفسه، استحياء من الله لا من الناس، والسلامة من ذلك ألا يزيدك ترقيك في العبادة إلا ذلا، فكلما ازددت بتوفيقه خشيت من حسابه، والأصل في تقبيل اليد النظر إلى ميزان المصالح والمفاسد في حقه وحق غيره، فلكل مقام مقال، ودوام الحال من المحال].
    ثم قال -رحمه الله-: "قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: حتى إذا ضاق الولي ذرعا من كلام قيل فيه نادته هواتف الحق: (هذا وصفك لولا لطفي بك) فافهم وطب نفسا وقر عينا بجميع ما يقال فيك ... وكان الفضيل بن عياض رضي الله عنه يقول: (من أراد أن ينظر إلى مُراءٍ فلينظر إلي) ... وعلامة ذلك ألا يرى له رفع منزلة على أحد من آحاد الناس المجتمعين عليه، وكيف يليق ذلك وما هو شيخ إلا بهم، ولذلك لو خرج في سوق لا يعرفه فيه أحد ونادى بأعلى صوته: (أنا شيخ من الأولياء) لا يلتفت أحد إليه ويسخرون منه ... ومن تأمل نفع الرغيف إذا كان جائعا ونفع كلامه الذي يلقيه لمن يجلس عنده عرف صدق ما أقول، فأصحاب الحرف على خير كثير، ومن تمام ذلك بهم احتقارهم نفوسهم، واحتمالهم قول الفقيه لهم: (يا جهلة يا حمير)".

    أقول: [من أعلى مراتب الصدق استواء المدح والذم لديك؛ لأن المدح لا يستحقه أحد على الحقيقة غير الله الموفق، وإنما الأصل فينا الذم، ولذلك لم يرد لفظ الإنسان في القرآن إلا ذما، وعلاج عجبك بنفسك أو بصفة منها أو عمل أن تتلبس نقيضها التي سلمك الله منها، فإن كنت ذكيا تذكرت غباءك لولا الله، وإن كنت جميلا تذكرت قبحك لولا الله، وإن كنت مجتهدا تذكرت كسلك لولا الله، وهذه حضرة التسبيح والحوقلة، فبالتسبيح ترى عيوبك وتنزه الله عنها، وبالحوقلة ترى محاسنك وتنسب فضلها لله تعالى، وعند موقف ابتلاء الله لك بأذى الناس تظهر حقيقة نفسك، فإن غضبت لتنقيصهم لا لأجل الله ولا عليهم بل لك ومنهم فأنت صاحب هوى، وإن انشرح صدرك وطرب فؤادك بثنائهم لا ببشرى الله لك بهم بل لمدحهم وإطرائهم فأنت سجين نفسك، والصادق من صارح نفسه بذلك فإذا عرف نفسه عرف ربه، والكاذب من سولت له نفسه {ولو ألقى معاذيره}].
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  2. #2
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 883
    التقييم: 10
    (((تابع الباب الثالث: في آداب الفقراء والمشايخ من السلف الصالح))) ***
    .
    قال المؤلف -رحمه الله-: "ومن شأنه ألا يقول في شيء فُعِل لِمَ فُعِل؟ ولا في شيء تُرك لِمَ تُرك؟ أدبا مع الله تعالى لا مع الفاعل، فقائل ذلك جاهل بحكمة الله فيما اعترض فيه، فمن ذاق هذا فليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر ويقيم الحدود لأنه ما يرى شيئا إلا ويرى الله سبحانه معه، وهو أكمل ممن لا يرى شيئا إلا ويرى الله، إذا علمت ذلك وأردت أن تنهى شخصا عن فعله شيء فقل له لا تفعل ولا تقل لِمَ فعلت؟ لأنه لا يفيد لأنه وقع وانقضى فافهم ذلك."
    .
    أقول: [إصلاح النفس يكون بالمحاسبة والرقابة الذاتية، أما إصلاح الآخرين فيكون عن طريق الدعوة أو التربية، فالدعوة متابعة وترغيب لا متابعة وتفتيش، وتكون بالتوجه إلى الله بالدعاء والصيام والصدقة والإكرام على نية تغيير المدعو وإصلاحه، وتكون باللطف والتلميح، أما التربية فتكون مع ذلك بالنصح والتصريح، والتعليم والتغافل .. ويقصد الإمام بعدم الاعتراض على حكمة الله التسليم بقضاء الله الذي فات مع التدارك بالنصح لما هو آت، فإن لو تفتح عمل الشيطان، على أن التسليم لا يعني الرضا عن اكتساب الإثم من العبد، بل يحزن للعبد ويرضا عن الرب، فهو سبحانه لن يطاع إلا بإذنه ولن يعصى إلا بعلمه {قل كل من عند الله} .. وإذا عرف السبب بطل العجب، فالوقاية خير من العلاج، فالتحذير من مظان المنكر وسيلة في النهي عنه، غير أن ذلك يكون بصيغة المستقبل توجيها لا بصيغة الماضي عتابا].
    .
    .
    ثم قال -رحمه الله-: "فليحذر من قوله للتلميذ: (إذا وسوس لك الشيطان وأنت في الذكر في خلوتك فاصرخ باسمي فإنه يهرب) وكان الأولى بالأدب أن يقول له: (إذا جاءك الشيطان فاذكر اسم الله تعالى أو اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- أو اسم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأن الشيطان كان يفر من ظله)".
    .
    أقول: [العبد أديب مع ربه في خلوته وعند الخلق، فهو وإن كان فانيا عن نفسه لا يرى حظا لنفسه فإنه لا يكون مع ذلك حجابا للخلق عن الله؛ لأن فناءهم عنه أكمل من بقائه في أعينهم، فيكون معينا لهم على شهودهم وقربهم لا على غفلتهم وبعدهم، حتى وإن كان بعضهم لا يحجبه شيء عن الله فالأدب مع المراقبة أولى لمن لا يأمن مكر الله ولا يحسن الظن من غدر نفسه.]
    .
    .
    ثم قال -رحمه الله-: "وليحذر أن يعتقد في شيخه أنه أكمل المشايخ الموجودين الآن، فإن في ذلك قلة أدب مع القطب وأرباب النوبة وغيرهم من كمل الأولياء، مع ما قد يكون في ذلك من الكذب أنه حدّث بالظن، وهو أكذب الحديث، فلا يكون التفضيل إلا لمن علم ذلك بإعلام إلهي لا لغيره فافهم .. ومن شأنه ألا يسأل ولا يرد ولا يدخر، هذه طريقة الشاذلية وهي طريقنا الآن فيما نعلم حله".
    .
    أقول: [الجزم في محل الظن ليس من سلوك الصديقين، فالجزم أو الاعتقاد لا يثبت بمجرد غلبة الظن أو الحب، وكفى بذلك كذبا وهوى، والإنصاف عزيز {ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} .. وطريق الإمام ألا يسأل بمعنى أن يعتمد على الله في كل أموره متوكلا متيقنا مستعينا واثقا {وإياك نستعين} "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" .. وألا يرد سائلا حتى لو لم يملك مادة ليعطيه إياها فإنه يجيبه ولو بالدعاء أو بالدلالة على الخير من علم وعمل ونحوه .. وألا يدخر من ماله شيئا {خشية إملاق} بل يكون قوته كفافا له ولمن يعوله وهذا هو حق التوكل والذي يرزق الله فاعله كما يرزق الطير.]

    ثم قال -رحمه الله-: "وماذا يضر العبد أن لو كان الناس كلهم مسلّكين عارفين؟ لأن في ذلك شرف لنبيه -صلى الله عليه وسلم- إذ من خصائص أمته أن يكون فيهم الأقطاب والأبدال والأوتاد وغيرهم، فلزم هذا المسكين الكراهة لأهل التقوى لله تعالى، ولو صدق في محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأحب كثرة المشايخ والمسلّكين؛ لأن ذلك مما يسره -صلى الله عليه وسلم- فافهم ذلك."
    .
    أقول: [سمعت من مشايخنا أن آخر ما ينزع من قلب الولي حب الرياسة، ولا يصير الولي من الكمل حتى يجمع قلبه على قلب سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- والذي هو {رحمة للعالمين} بأبي هو وأمي، وهو سيد الأولياء وسيد الدعاة، فالولي لا يرى لنفسه وجودا أصلا ناهيك عن أن يرى لها فضلا، والداعي يتمنى الخير لجميع من يلقاه وهو في حضرة الدعاء وطلب العون والمدد لكل من يلقاه، فمن كان هذا حاله كان أبعد الناس عن الغيرة والحسد والتكبر والغمط.]
    قال المؤلف -رحمه الله-: "فليحذر الشيخ القاصر من قوله لتلامذته (إن لم يكن التلميذ يحمل جميع أفعال شيخه التي ظاهرها الفساد على موافقة الشرع ويؤولها على أحسن الوجوه لا يجيء منه شيء .. وأين هذا الحال من حال الأولياء العارفين المتهِمين جميع أحوالهم بالنفاق وأفعالهم بالرياء رضي الله عنهم أجمعين)"
    .
    أقول: [المصلح في إصلاحه لغيره وتعرفه على أنواع الأنفس يتعرف على نفسه ويصلحها في نفس الآن، فهو إن وجد في غيره نقصا اتهم نفسه بالنقص؛ فالمؤمن مرآة المؤمن، فإذا وجد في غيره سوء ظن تجاهه اتهم نفسه أنه لم يجبّ سوء الظن عن نفسه، وإن وجد في غيره جفاء عنه حاسب نفسه على تكلفه، وإن وجد في غيره تهيبا منه روض نفسه على العفوية وعدم التصنع، فلا يزيده إصلاح غيره إلا إصلاحا لنفسه، فيحبهم ويخدمهم أن كانوا سببا في ذلك، بل ويرى جميع ما بدر منه -توفيقا- ومنهم -ابتلاءً- على الحقيقة من الله سبحانه، والكيس من دان نفسه، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وكفى بالمرء إثما ألا يرى غير عيوب إخوانه فيستنقصهم ولا يعذرهم، أو يجد عليهم ولا يرحمهم.]
    ثم قال -رحمه الله-: "فقد ينشر الشخص ذكر أخيه ويثني عليه بقصد أن ينشر الآخر ذكره ويثني عليه، وقد يثني عليه حتى يدفع عنه نسبته إلى الغيرة وينسب إلى وسع الخلق .. فينبغي له أن يظهر الضجر وعدم احتمال الأذى في بعض الأوقات سترا لحاله فإنه عورة .. إذا علمت ذلك فيجب أن يؤول أحوال أقرانه الناقصة ما أمكن"
    أقول: [الإخلاص يختلف عن تصحيح النية، فالأول من أجل كمال التوحيد (ونقصه بشرك الرياء)، والثاني من أجل كمال الزهد (ونقصه بعرض الدنيا) فرب قربان لله الآن مآله مكاسب للنفس، سواء كانت مكاسب مادية من هدية ووليمة وغريزة أو معنوية من سمعة وثناء وجاه، فمن عرف من نفسه ضعفا في ذلك رخص له في ستر حاله حتى تذهب بقية النفس التي عنده، فلذلك كانت هذه الرخصة سبيلا لك في إعذار غيرك عند ظهور نقصان حاله من غير معصية، وهذه أمور غاية في الدقة بحاجة للشيخ والمسلك والمرشد والمربي الذي هو أخبر بنفسك من نفسك، إذ الأنفس مشتركة في نفس حقيقة الهوى مع تفاوت في الاكتساب البيئي.]
    ثم قال -رحمه الله-: "فواحد هواه إطراق الرأس والعزلة ويشق عليه تركهما، وواحد هواه تركهما، فهو في حظ نفسه لم يبرح، وواحد هواه حلقة الذكر في زاويته واجتماع الناس عنده والتواضع له واتخاذه صنما يُتمسّح به، وواحد هواه ترك ذلك، وواحد هواه تقواه وورعه وزهده خوفا من ازدراء الناس له إذا فعل ضد ذلك لا حياء من الله تعالى .. الهوى كما يكون في فعل الأشياء المذمومة كذلك يكون في تركها والعكس، لأن النفس من شأنها أن تنفر من الذم، فالاجتناب حينئذ من هواها"
    أقول: [الأولياء فقهاء بصدقهم، دلهم الصدق على فهم دقائق الفروقات ما بين الترك وعدم الفعل وغيرهما، فأفعالهم ميدان تزكية لنفوسهم، واستثناء الترك منها تدسية للنفس، لكن كون الترك فعلا لم يخف عليهم {واتقوا الله ويعلمكم الله} {يزكيهم ويعلمهم} فمن إخلاص العبودية لله أن تكون حيث أقامك الله وأراد لك لا حيث أقمت أنت نفسك وأردت؛ لأن الله إذا أراد بعبده خيرا عرفه على أنواع من الأحوال والمقامات ليزداد بها فهما وقربا، فمن أبى التعرض لذلك ولزم اختياره مع اختيار الله له فما أدى حق التسليم والانقياد واللذان هما من صفات العبد مع سيده، ورب عبد لعبادة! ورب عبد لشيخ! ورب عبد لحال أو مقام! فكن العبد لله -يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب / من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب-.]
    قال المؤلف -رحمه الله-: "ومن شأنه أن يتهم نفسه بالسوء دائما، من خفي الفسق والفجور والرياء وحب الرياسة والمشيخة، فما دام لم يظن ذلك بها إلا بعد تأمل وتفكر فهو محتاج إلى العلاج وفيه بقية المنازعة والانتصار لنفسه في مدة التفكر .. واحذر من تغيرك على الناصح بسبب نصحه، فإن كان فيك ما قال فتغيرك عليه حمق، وإن لم يكن فقد حذرك منه؛ لأنك معرض له ما دمت حيا، كاعتراض من لم يفهم مذاق القوم من العوام فلا يصح للفقير أن يقابله بالغلظة والأنفة .. ومن شأنه أن يحب الذم فيه بنسبة صفات النقص إليه، فهو يحب أن يتميز بالنقص المطلق، وهذا يعز وجوده في الأولياء، وقد اجتمع بعض العارفين -رضي الله عنه- بإبليس فقال إبليس: (إني أحب أن ينسب إلي جميع النقائص ولا أحب أن ينسب منها شيء إلى الحق تعالى) فإذا كان إبليس يحب الذم وقاية عن نسبته إلى الله تعالى فالفقير أولى بذلك فافهم."
    أقول: [لا خير في إحسان الظن بالنفس، بل الخير كله في محاسبتها أشد المحاسبة ومعاتبتها أشد المعاتبة على الصغير والقطمير؛ لأن الكيس من دان نفسه، فموافقة النفس من الهوى، وما عبد شيء من دون الله أكثر من الهوى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم" فمن كان هذا شأنه من نفسه لم يتعكر صفوه من محاسبة غيره ومعاتبته لها، والنفس موصوفة في الأصل بكل نقيصة، فالأصل بقاء ما كان على ما كان ولا يزول اليقين بالشك، وقصة إبليس التي أوردها الإمام فيها تجلي لحضرة ذكر (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فهما على خفتهما ثقيلتان في الميزان وحبيبتان للرحمن، فالتسبيح تنزيه الخالق عن نقائص الخلق، والحمد ثناء على الله بما هو أهله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة عز شأنه وتقدست أسماؤه، هكذا تقبل على نقائصك دون نفور؛ لأنها تذكرك بالله وبحقيقة نفسك، فمن عرف نفسه عرف ربه، والاعتراف أول العلاج {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم}]
    ثم قال -رحمه الله-: "واعلم أن الكشف المحسوس إذا كان لا يجوز الوقوف معه فكيف برؤية المنامات؟! .. وما ثبت في اليقظة أصح مما ثبت في النوم؛ #لعدم_ضبط_النائم .. ما كان يلقي إليك إلا علوما وأخبارا لا أحكاما ولا شرعا، ولا يأمرك أصلا، فاعلم أن الأوامر والنواهي أغلق بابها، فمن ادعاها بعد محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو مدع شريعة أوحي بها إليه سواء وافق شرعنا أو خالف؛ لأن جميع الخلق تابعون ليس لهم شيء إلا من باطن متبوعهم -صلى الله عليه وسلم- وقد وقع هذا الغلط لشخص من إخواننا فجاء لشيخنا -رضي الله عنه- فحكى له ذلك فقال: (يا ولدي هذا حظ نفس وسبب ذلك أنك لما توجه باطنك إلى طلب المشيخة والإذن لك فيها بالرياضة والخلوة والذكر صرت تترقب قوة الخاطر الداعي إلى ذلك، فلما قوي عليك هذا التوجه واستولى على قلبك حكمت عليك نفسك فظننت أنه خاطر من قبل الحق لا تقدر تتخلف عنه وعن امتثاله فما استطعت ردها عن هذا الخاطر لضعفك ولأنك مترقب لقوته سنين فلما لمحت قوته من أول وهلة شددت به يديك) وقد وقع ذلك لسيدي الشيخ يوسف العجمي -رضي الله عنه- ولم يقبله إلا بشاهد منه، وهو أنه خطر له مرة أولى وثانية وثالثة أن ارحل إلى أرض مصر وأرشد الناس، فقال: (اللهم إن كان هذا خاطر حق فاقلب لي هذا النهر لبنا خالصا في هذا الوقت حتى أغرف منه بقصعتي هذه وأشرب) فانقلب النهر لوقته لبنا خالصا وشرب منه ثم إنه شرع في التوجه إلى بلاد مصر، فانظر -عفا الله عنك- إلى تأنيه وعدم مبادرته في مشيخته والتصدر لها، واعترافه بعجزه عن معرفة كون هذا الخاطر حقا أو باطلا، لاتهامه لنفسه في كل ما تطلبه منه -رضي الله عنه-."
    أقول: [الرؤى والكشوفات لا تؤخذ منها أحكام ولا يقين، وإنما يستأنس بها على الظن، وميزان الشرع هو الأصل والحكم، والرؤى والكشوفات يميز الله بها الخبيث من الطيب، فمن فيه هوى لا يثبت عندها بل يكشف عواره ويهتك ستره {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} فالذرة من الهوى في البدايات كالمجرة من الشطح في النهايات "أصدقكم حديثا أصدقكم رؤيا" {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} فصاروا من {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون} والعياذ بالله تعالى، نسأل الله السلامة والعافية والثبات والهداية.]

    (((خاتمة في بيان ما خرج من مقامات السالكين الساقطة بالعبودية))) ***
    قال المؤلف -رحمه الله-: "رؤية كونه زاهدا يحجبه عن سيده؛ لأنه لا يصح أن يزهد فيما قسم له، أما ما لم يقسم له فلا يحتاج في تجنبه إلى الزهد فيه أصلا؛ لأنه ليس له، فالزاهد قسم الله له عدم الميل إلى تحصيل ما لم يطلبه، ولأن جميع ما يرى الزاهد أنه تركه من الدنيا هو حقيقة بتقدير كونه لا يساوي عند الله تعالى بعض جناح بعوضة، فلا يصلح إذن أن يكون تركه كبير قربة".
    أقول: [يؤكد الإمام هنا على {وما بكم من نعمة فمن الله} فليست من نفسك، والزهد نعمة فلا تلتفت إليها إلا شكرا بالامتنان والاشتغال {والعمل الصالح يرفعه} أي يرفعه من قلب صاحبه حتى ينساه، وذلك أدعى للإخلاص والافتقار، فرب طاعة أورثت صاحبها عزا واستكبارا، وكيف يعظم زهده إلا وهو معظم لما زهد فيه؟ فما ينبغي الالتفات إلى زهده لأنه حقيقة ليس بشيء، كمن يتفاخر بإنفاق القمحة! فكل ما في الدنيا من نساء وكنوز وجاه لا يساوي جناح بعوضة.]
    ثم قال -رحمه الله-: "غيرة الكمل إنما تكون على الله أن يذكره غيره، فيشهدون أن الله هو الذاكر نفسه بلسان عبده، فذكروه وهم يعلمون أنهم ما ذكروه {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}".
    أقول: [هذه هي وحدة الشهود، أن ترى ذوات الخلق أفعالا للخالق، فلا شيء يحجبك عن الله، فأنت في مشاهدة دائما "كأنك تراه" هذا هو الإحسان.]
    ثم قال -رحمه الله-: "ومن آدابهم إذا كانوا يقرؤون القرآن الكريم أو الحديث الشريف وأرادوا أن يكلموا إنسانا في حاجة، فلا يكلمونه حتى يستأذنوا الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بقلبهم ولسانهم أن يكلمون ذلك الإنسان، ثم إن غفلوا عن الاستئذان وكلموا أحدا استغفروا الله تعالى حتى يلقي الله تعالى في قلبهم أنه قبل استغفارهم؛ لشهودهم أنهم بين يدي الله تعالى، وبين يدي رسوله -صلى الله عليه وسلم- على الدوام، شعروا بذلك أم لم يشعروا، وإن لم يكن ذلك كشفا كان إيمانا".
    أقول: [إذا وجدت التعظيم حصل التأثير فالتغيير، فعدم الحضور ليس من التعظيم، والتثاقل ليس من المجاهدة، والتساهل ليس من العزيمة، وليت شعري كم طوى الحب طول الطريق وكيف وصل العشاق دون شعور بالمشاق.]
    ثم قال -رحمه الله-: "ومن آدابهم أنهم لا يتداوون من مرض إلا إن اشتد، بحيث يشغلهم بالالتفات إليه عن كمال الحضور مع الله تعالى، وما دام أحدهم يتيسر له الحضور النسبي في عبادته فلا يتداوى".
    أقول: [ليس إهمالا لحق الجسد، وإنما مجاهدة لحظ النفس، ويقاس كذلك على الطعام والملبس والمنام، فيزهدون في كل شيء؛ حفاظا للوقت وادخارا للجهد، وإذا كانت النفوس كبارا، تعبت في مرادها الأجسام، فبذلك يرتقي الجسد في التحمل على ما كان عوده صاحبه، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.]

    (((في ذكر شيء من حقوق الصحبة))) ***
    قال المؤلف -رحمه الله-: "ومن حق الأخ على الأخ أن #يعزم على أنه إن أدخله الله الجنة لا يدخلها إلا إن دخل أخوه وإن طال الزمان في الحساب، وأن يسمح بمقاسمته في حسناته يوم القيامة، ومن حق الأخ على الأخ ألا يأكل ولا يشرب إذا وقع أخوه في معصية أو محنة حتى يتوب الله عليه أو يخلصه من تلك المحنة .. ومن آدابهم تحويط المسلمين في المساء والصباح بما ورد من الآيات والأخبار، وتحويط زرعهم وبحر النيل والفاكهة ...".
    أقول: [العزم من أفعال القلوب والتي يثيب الله عليها صاحبه أو يعاقب وكأنه فعل وإن لم يفعل، وأهل العزائم من أهل الله يتنافسون في هذه النوايا بالفكر والاستعداد بغض النظر عن احتمالية الوقوع والتحقق طالما هو في حيز الإمكان، ومن ذلك نفع الأخوة في الآخرة {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو #إلا_المتقين} فيشفعون لإخوانهم يوم لا تنفع الكفار {شفاعة الشافعين} وصاحب الشفاعة العظمى سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيشفع لأصحابه وآله وإخوانه وأمته وغيرهم .. وحال الأخ الصادق اليوم أنه دائم الهم والفكر بإخوانه لكثرتهم وتعدد مصائبهم، فيجعل استغفاره استغفارا لهم ودعاءه لنفسه دعاء لهم وصلاته على النبي رحمة لهم {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}]
    ثم قال -رحمه الله-: "ومن آدابهم عدم سب الولاة وإن جاروا؛ لأنهم مسلطون غالبا على الرعية بحسب أعمالهم ونياتهم، ومن آدابهم عدم الاستنصار لنفوسهم، فإن الانتصار للنفس من الأمور التي كلها تعب، ومن سلّم الأمر لمولاه نصره من غير عشيرة ولا أهل، ومن كلامهم: إذا انتصر الصوفي لنفسه وأجاب عنها فهو والتراب سواء. ومن آدابهم أنهم لا يدْعون على من ظلمهم، ولا يطلبون النصر عليه؛ لعلمهم بأن الله تعالى يكره منهم ذلك، وأن طلب النصر على الظالم من الشهوة الخفية".
    أقول: [ما أصابك من حسنة أو من سيئة فمن الله {قل كل من عند الله} قال أحد الصالحين: إني لأجد أثر معصيتي في تعثر دابـتـي. هذا على مستوى الفرد وكذا على مستوى الجماعة {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} .. الانتصار للنفس فيه اعتماد على النفس فيكلك الله إليها، والعبد من شأنه التسليم والتفويض لسيده {وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا} وكيف ينتصر لنفسه إلا وهو يرى أن لها وجودا ومكانة وحقا؟ وما أحلى التذلل في مثل هذه المواقف والتي لا {يلقاها إلا ذو حظ عظيم} كحال سيدنا النبي بعد الطائف "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس"].
    ثم قال -رحمه الله-: "من آداب الذكر بعد الفراغ منه: ألا يشرب حتى يمضي عليه درجتان أو ثلاث، وأن يسكت سكتة طويلة ترقبا لوارد الذكر مع استحضاره أنه بين يدي مولاه وأنه مطلع عليه، فيجمع حواسه بحيث لا تتحرك منه شعرة كحال الهرة عند اصطياد الفأر، ونفي الخواطر كلها وإجراء معنى الذكر على القلب".
    أقول: [هذه من المجربات، فالسابقون يطلعوننا على حصيلة خبرة طويلة في طبق من ذهب لعلك تنتفع بذلك جاهزا منطلقا، ومن أدب العبودية الافتقار لكرم الله والشوق لإحسانه وامتنانه، فالذل يبقي الأدب والحب يصنع العجب، فيمتثل الذاكر هذين الخلقين بعد الذكر بما ذكره الإمام ليزداد انتفاعا بذكره].​
    {تلك عشرة كاملة} .. هذا ختام هذه السلسلة .. أسأل الله أن يتقبلها ويبارك فيها .. ويغفر لكاتبها ويهدي قارئها .. ويجعلها في ميزان سيدنا النبي وسيدي الشعراني ومشايخي ومن له حق علي .. اللهم آمين .. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
    لا اله الا الله محمد رسول الله

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 08:14 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft