1 - إن الشرع نهى عن أن يفرض السلطان ضريبة على المسلمين بناء على أمر صادر منه كما يريد، قال صلى الله عليه و سلم :
«لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» أخرجه أحمد وصححه الزين والحاكم، والمكس هو الضريبة التي تؤخذ من التجار على حدود البلاد، ولكن النهي يشمل كل ضريبة لقول الرسول e في الحديث المتفق عليه من طريق أبي بكرة: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا...»
وهو عام يشمل الخليفة كما يشمل باقي الناس... فلا يجوز إذن للخليفة أن يفرض ضريبة لينفق منها، بل ينفق من بيت المال.

2 - لكن هناك حالات استثناها الشرع من المنع العام عن فرض الضرائب وقد وردت بها نصوص شرعية تبين أن الإنفاق عليها هو على المسلمين وليس فقط على بيت المال، ومن ثم فإذا لم يكف الموجود في بيت المال للإنفاق عليها انتقل الإنفاق من بيت المال إلى المسلمين فيفرض على الأغنياء ضريبة بمقدار النفقة الواجبة لتلك الحالات دون زيادة وتوضع مواضعها التي فرضت لها... ولا تكون الضريبة في تلك الحالات بناء على أمر السلطان بها على هواه وكما يشاء، بل بناء على أمر الله بها، والسلطان إنما ينفذ الأمر الذي أمر به الله سبحانه. وبناء على هذا فإن ما أوجبه الشرع على بيت المال وعلى المسلمين ينفق عليه من بيت المال، فإذا لم يوجد في بيت المال مال، أو نفد ما فيه من مال، أو كان ما فيه لا يكفي لسد النفقات؛ فإن للخليفة أن يفرض ضرائب على الأغنياء بقدر تلك النفقات حسب الأحكام الشرعية... ولا تكون حراماً في هذه الحالة.

3 - مما سبق يتبين أنه لكي يجوز فرض ضريبة للإنفاق على حالة ما يجب أن تتحقق الشروط التالية :

- أن لا يكون في بيت المال مال يكفي للإنفاق على هذه الحالة...

- أن يرد نص شرعي على أن النفقة على هذه الحالة واجبة على بيت المال وعلى المسلمين...

- أن لا تزيد الضريبة المفروضة عن مقدار النفقة الواجبة على تلك الحالة...

- أن لا تفرض إلا على الأغنياء فقط الذين عندهم زيادة عن حاجاتهم الأساسية والكمالية بالمعروف...

4 - وهكذا فلا تفرض ضريبة في الإسلام إلا وفق الشروط أعلاه، أي أن يكون الشرع قد نص على أن الإنفاق على حالة معينة هو ليس فقط على بيت المال، بل كذلك على المسلمين:

- مثلاً النفقة على الفقراء، فإن لم يكف بيت المال لسد حاجات الفقراء فتفرض ضريبة بقدر هذه الحاجة دون زيادة، وتكون على الأغنياء، وذلك لأن النفقة على الفقراء ليست واجبة فقط على بيت المال، بل وعلى المسلمين كذلك: أخرج الحاكم في المستدرك عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
قال صلى الله عليه و سلم قَالَ: «لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ»،
وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
قال صلى الله عليه و سلم :
«مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ»، وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
قال صلى الله عليه و سلم :
«وَأَيُّمَا أَهْلِ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ،».

- ومثلا النفقة على الجهاد، فإن لم يكف بيت المال لسد حاجات الجهاد فتفرض ضريبة بقدر هذه الحاجة دون زيادة، وتكون على الأغنياء، وذلك لأن النفقة على الجهاد ليست واجبة فقط على بيت المال، بل وعلى المسلمين كذلك: قال سبحانه :
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وهناك أدلة أخرى.

- ومثلا النفقة على أرزاق الجند، فإن لم يكف بيت المال لسد حاجات أرزاق الجند فتفرض ضريبة بقدر هذه الحاجة دون زيادة، وتكون على الأغنياء، وذلك لأن النفقة على أرزاق الجند ليست واجبة فقط على بيت المال، بل وعلى المسلمين كذلك: أخرج أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
قال صلى الله عليه و سلم :
«لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي».

- ومثلا النفقة على إنشاء مستشفى في مدينة لا يوجد غيره ويتسبب ضرر للناس إن لم يوجد المستشفى، فإن لم يكف بيت المال لسد حاجة إنشاء المستشفى فتفرض ضريبة بقدر هذه الحاجة دون زيادة، وتكون على الأغنياء، وذلك لأن النفقة على إنشاء مستشفى ضروري يتسبب من عدم وجوده ضرر، يكون هذا الإنشاء ليس واجباً فقط على بيت المال، بل وعلى المسلمين كذلك لأن النهي عن الضرر عام: أخرج الحاكم في المستدرك "وقال هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ"، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
قال صلى الله عليه و سلم قَالَ :
«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ».

- ومثلا النفقة على الحوادث الطارئة على الرعية من مجاعة أو طوفان أو زلزال... فإن لم يكف بيت المال لسد هذه النفقات الطارئة فتفرض ضريبة بقدر هذه النفقات دون زيادة، وتكون على الأغنياء، وذلك لأن النفقة على الحوادث الطارئة ليست واجبة فقط على بيت المال، بل وعلى المسلمين كذلك: أخرج أبو داود في سننه عن ابْنِ حُجَيْرٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ
قال صلى الله عليه و سلم فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ :
«وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ وَتَهْدُوا الضَّالَّ»، وكذلك تنطبق عليها أدلة المجاعة التي ذكرناها آنفاً.

5 - وأما النفقات التي هي واجبة فقط على بيت المال، وليس كذلك على المسلمين، فهذه لا ينفق عليها إلا إذا وجد في بيت المال مال يكفي، وأما إن لم يوجد فلا تفرض لها ضرائب، بل ينتظر حتى يوجد في بيت المال مال، وذلك كالإنفاق على مصلحة من مصالح المسلمين لا ينالهم ضرر من عدم وجودها كفتح طريق ثانية مع وجود غيرها، أو فتح مستشفى ثان مع وجود غيره يمكن الاكتفاء به، ومثل إقامة المشاريع الإنتاجية التي لا يترتب على عدم إقامتها أي ضرر بالأمّة، كإقامة مصنع لاستخراج النيكل، أو الكحل، أو إنشاء حوض لبناء السفن التجارية، ونحو ذلك... فهذه الأمور وأمثالها لا ينفق عليها من بيت المال إلا إذا وجد مال كاف لذلك...

6 - أما كون الضرائب لا تفرض إلا على الأغنياء فقط فلأن الضرائب لا تؤخذ من الفرد إلا مما يفضل عن إشباع حاجاته الأساسية والكمالية بالمعروف، فمن كان عنده من المسلمين فضل عن إشباع حاجاته الأساسية، والكمالية، أخذت منه الضريبة، ومن كان لا يفضُلُ عنده شيء بعد هذا الإشباع لا يُؤخذ منه شيء، وذلك لقول رسول الله
قال صلى الله عليه و سلم :
«خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غنى» رواه البخاري من طريق أبي هريرة.
والغنى ما يستغني عنه الإنسان، مما هو قدر كفايته لإشباع حاجاته. وروى مسلم عن جابر أن رسول الله
قال صلى الله عليه و سلم قال :
«ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فَضَلَ شيءٌ فلأهلك، فإن فَضَلَ عن أهلك شيءٌ فَلِذي قرابتك، فإن فَضَلَ عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا - يقول فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك».
فأخّرَ من تجب عليه نفقته عن نفسه، ومثل ذلك الضريبة؛ لأنّها مثل النفقة، ومثل الصدقة، والله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْو﴾، أي ما ليس في إنفاقه جهد، وهو الزائد عن الحاجة، فتُؤخذ الضريبة من المال الزائد على الحاجة، أي فقط من الأغنياء، فلا تؤخذ من الفقراء ضريبة، والأغنياء معروفون لدائرة الزكاة.

7 - وأما كون الضرائب لا تفرض إلا بقدر الحاجة والكفاية فلأن النصوص الشرعية أجازت أخذ الضريبة لسد حاجات أصناف معينة، هذا هو الذي استثني من منع أخذ مال الفرد دون رضاه، ولذلك يجب أن يوقف عند الحد الذي ورد في النصوص وإلا كان ظلماً، فلا يجوز أخذ مال الشخص إلا عن طيب نفس منه، وتستثنى حالات معينة أجاز النص فرض ضرائب لأجلها بقدر الحاجة والكفاية.

8 - ومما سبق يتبين أن افتراض وجود عجز "دائم أو شبه دائم" في "الميزانية" في دولة الخلافة هو افتراض في غير محله، فالعجز أي كون الواردات لا تفي بالنفقات هو أمر خلاف الأصل إذا أُحسن تطبيق الإسلام... وذلك لأمرين مهمين :

أ - لقد بينت الأحكام الشرعية بالتفصيل كيفية جباية الأموال من قبل الدولة وكيفية إنفاقها، ولم تجعل ذلك لاجتهاد الناس وتقديرهم... وجعلت الإنفاق على بعض الأمور غير متعلق بوجود مال أو عدم وجود مال في بيت المال لأن الإنفاق عليها واجب على بيت المال وعلى المسلمين... وقد بينا أعلاه الأمور التي يجب الإنفاق عليها سواء أوجد مال في بيت المال أم لم يوجد... وهذه تفرض لها ضرائب إن لم يوجد في بيت المال مال.

وأما النفقات الواجبة فقط على بيت المال وليس كذلك على المسلمين فإنها لا تكون إلا إذا وجد في بيت مال المسلمين مال كافٍ للإنفاق ولا تفرض لها ضرائب كما بينا آنفاً...

ب - إن واردات بيت المال الدائمة هي: الفيء، والغنائم، والأنفال، والخراج، والجزية... وكذلك واردات الملكية العامة بأنواعها، وواردات أملاك الدولة، والعشور، وخمس الركاز، والمعدن، وأموال الزكاة... والأصل أن تكون أموال واردات بيت المال الدائمة كافيةً للإنفاق على ما يجب على بيت المال الإنفاق عليه، في حالة وجود المال أو عدم وجوده... وبذلك فإن حصول العجز المالي لتغطية هذه النفقات أمر مستبعد الوقوع...

وهناك تفاصيل أوفى بيناها في كتبنا النظام الاقتصادي والأموال في دولة الخلافة ومقدمة الدستور.