·المبحث الأول: تعريف المكس.
المَكْس لغة: النّقص والظُّلم، والمكس الضَّريبة الَّتي يأخذها الماكِسُ؛ وأصله الجباية، مَكَسَه يَمْكِسه مَكْسًا ومكَسْتُه أَمْكِسه مَكْسًا، إذا جبى، والمَكْسُ دراهم كانت تؤخذ من بائع السِّلَع في الأَسواق في الجاهلية؛ والماكِسُ العَشَّار، ويقال للعَشَّار صاحب مَكْسٍ، والمكس: ما يأْخذه العشَّار، يقال: مَكَسَ فهو ماكِسٌ إِذا أَخذ العشور، ثمَّ سُمِّي المأخوذ مكسًا تسمية بالمصدر، وجُمع على مُكُوس، مثل فَلْس وفُلُوس.
وأمَّا اصطلاحًافلا يختلف معناه عن المعنى اللُّغوي، فيطلق على الضَّريبة والجباية والرُّسوم والعشور والخراج والمغارم ونحو ذلك، وقد غلب استعماله فيما يأخذه أعوان السُّلطان ظلمًا عند البيع أو الشِّراء، قال الشاعر:
أفـي كلِّ أسواق العراق إتــاوة *** وفي كلِّ ما باع امرؤٌ مكسَ دِرهَمِ([1]).

·المبحث الثَّاني: حكم المكس

المكس محرَّم بالكتاب والسُّنَّة والأثر والإجماع.
أوَّلاً ـ الأدلَّة من الكتاب :
وردت آيات قرآنيَّة عامَّة، تأمر بالعدل وتنهى عن الظُّلم، وتحرِّم أكل أموال النَّاس بالباطل، ولا شكَّ أنَّ المكس من الظُّلم وأكل أموال النَّاس بالباطل، منها:
قوله تعالى»إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ«[االنحل: 90].
قال ابن تيمية : »هذه الآية جمعت فعل ما أوجبه الله، واجتناب جميع ما حرَّمه الله، فإنَّه لا يستقيم للولاة أمر إلاَّ بالعمل بما دلَّت عليه هذه الآية، ونظيرها قوله : »إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا«[`النساء 58]، فالعدل مطلوب شرعًا، في الأقوال والأعمال والأخلاق.
والإحسان شامل للإحسان للنَّاس في معاملتهم، وفي الولاية عليهم، وترك الظُّلم والتَّعدِّي عليهم، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ ابن جبل، لما أمره بأخذ الصدقة، قال له: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ([2])»([3]).
وقوله تعالى : «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»[البقرة: 188]،
فنهى تعالى عن أكل أموال النَّاس بالباطل، أيّ بغير حقٍّ، وهو عامٌّ في جميع العقود كالبيوع والإجارة و الرُّهون وغيرها، ويدخل في ذلك أكله على وجه الغصب والسَّرقة والخيانة ونحو ذلك، ومنها المكس؛ وقد شدَّد على من يتوصَّل بذلك إلى الحكَّام، ويجعلهم وسيلة لأكل الأموال بالإثم، أي بالظُّلم والتَّعدِّي، وهو يعلم أنَّ ذلك حرام، ولا شكَّ أنَّ المكَّاس يجعل الحكَّام مطية لأكل أموال النَّاس بالباطل.
وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا» [النساء: 29]، فنهى تعالى عباده المؤمنين عن أكل أموال النَّاس بأنواع المكاسب المحرَّمة كالرِّبا والقمار ونحو ذلك، ومنها المكس، قال السّدي: «أمَّا أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، فبالرِّبا والقمار والبخس والظُّلم»([4])؛
ثمَّ أباح لهم أكلها بالتِّجارات والمكاسب الخالية من الموانع، واشترط في ذلك التَّراضي، ولا شكَّ أنَّ المكَّاس يأخذ أموال النَّاس بغير تراضٍ.
وقوله سبحانه: «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» [الشورى: 42]، فأخبر تعالى أنَّ الحرج والعَنَتَ على الَّذين يظلمون النَّاس، وهذا شامل للظُّلم والبغي على النَّاس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، «وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ»،
قال القرطبي في «تفسيره» (16/42) : "أي في النُّفوس والأموال، في قول الأكثرين، ولا شكَّ أنَّ هذا يشمل المكَّاس"،
قال الحافظ الذَّهبي في «الكبائر» (115): "هو داخل ـ أي المكَّاس ـ في قول الله تعالى ـ وذكر الآية ـ، قال: والمكَّاس من أكبر أعوان الظَّلمة، بل هو من الظَّلمة أنفسهم، فإنَّه يأخذ ما لا يستحقُّ، ويعطيه لمن لا يستحقُّ".
وقال ابن حجر الهيثمي في «الزَّواجر»(1/348) بعدما ذكر الآية : "والمكَّاس بسائر أنواعه: من جابي المكس وكاتبه وشاهده ووازنه وكائله وغيرهم من أكبر أعوان الظَّلمة، بل هم من الظَّلمة أنفسهم، فإنَّهم يأخذون ما لا يستحقُّون، ويدفعونه لمن لا يستحقُّه، ولهذا لا يدخل صاحب مكس الجنَّةَ؛ لأنَّ لحمه ينبت من حرام".
وقوله تعالى: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ» [الأعراف: 85]،
قال ابن جرير في تفسيره (12/555) : ولا تظلموا النَّاس حقوقهم، ولا تنقصوهم إيَّاها، ثمَّ روى بإسناده إلى السّدي وإلى قتادة : لا تظلموا النَّاس أشياءهم، وقد استدلَّ الخليفة عمر بن عبد العزيز بهذه الآية على تحريم المكس كما سيأتي.
وقوله عز وجل : «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»[المائدة: 2]، فأمر سبحانه وتعالى بالتَّعاون على كلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، من الأعمال الظَّاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميِّين؛ ونهى عن التَّعاون على المعاصي والتَّعدِّي على حقوق النَّاس في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ولا شكَّ أنَّ المكَّاس معاون على الظُّلم والعدوان.

ثانيًا: الأدلَّة من السُّنَّة.

أمَّا الأدلَّة من السُّنَّة على تحريم المكس فهي نوعان : أدلَّة عامة، وأدلَّة خاصَّة.
فالأدلَّة العامَّة ما ورد من الأحاديث في تحريم أموال المسلمين، وأخذها بغير حقٍّ، منها :
ما رواه أبو بكرة رضي الله عنه قال: «خطبنا النَّبيُّ صلى الله عليه و سلم يوم النَّحر قال: أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا؟! قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتَّى ظنَنَّا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟! قلنا: بلى، قال: أيُّ شَهْرٍ هَذَا؟! قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتَّى ظنَنَّا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، فقال: أَلَيْسَ ذُو الحِجَّةِ؟! قلنا: بلى، قال: أيُّ بَلَدٍ هَذَا؟! قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ الحَرَامِ؟! قلنا: بلى، قال: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ! قَالُوا: نعم، قال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»([5]).

وما رواه أبو هريرة رضي الله عته قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»([6]).

وما رواه أبو حميد الساعدي أنَّ رسول الله خ قال: «لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ خ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ»([7])، فحرَِّم رسول الله صلى الله عليه و سلم مال المسلم إلاَّ ما أعطاه برضاه، ولا شكَّ أنَّ المكَّاس يأخذ مال المسلم من غير طيب نفسه.

أمَّا الأدلَّة الخاصَّة : فقد وردت أحاديث صحيحة صريحة([8]) في تحريم المكس، وتغليظ أمره، منها :

ما رواه عقبة بن عامر، قال : سمعت رسول الله خ قال : «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ»([9]).

وما رواه أبو الخير قال : «عرض مسلمة ابن مُخلَّد ـ وكان أميرًا على مصر ـ على رُوَيْفِع ابن ثابت أنْ يوليَه العشور، فقال : إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ فِي النَّارِ»([10]).

وما رواه بريدة ـ قصة الغامدية ـ مرفوعًا: «مَهْلاً يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»([11]).

قال الإمام النَّووي في «شرح مسلم» (11/203): "فيه أنَّ المكس من أقبح المعاصي والذُّنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات النَّاس له وظلاماتهم عنده، وتكرَّر ذلك منه، وانتهاكه للنَّاس وأخذ أموالهم بغير حقِّها، وصرفها في غير وجهها".

وما رواه عثمان بن أبي العاص الثَّقفي عن النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ نِصْف اللَّيْلِ فَيُنَادِي مُنَادٍ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى؟ هَلْ مِنْ مَكْرُوبٍ فَيُفَرَّجَ عَنْهُ؟ فَلاَ يَبْقَى مُسْلِمٌ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللهُ ï»· لَهُ إِلاَّ زَانِيَةٌ تَسْعَى بِفَرْجِهَا أَوْ عَشَّارٌ»([12])؛ وفي لفظ: «إِنَّ اللهَ يَدْنُو مِنْ خَلْقِهِ فَيَغْفِرُ لِمَنْ اسْتَغْفِرُ إِلاَّ لِبَغِيٍّ بِفَرْجِهَا أَوْ عَشَّارٍ».

وما رواه ابن عباس أنَّ النَّبيَّ خ قال في كتابه الَّذي بعثه إلى هرقل عظيم الروم: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ: أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ»([13])،

قال الحافظ ابن حجر : في «فتح الباري» (1/39) في بيان معنى «الأريسيين»، بعدما ذكر المعنى الأوَّل، وهو: الفلاَّحون، قال: وقد ورد تفسير الأريسيين بمعنى آخر، فقال اللَّيث ابن سعد عن يونس فيما رواه الطَّبراني في «الكبير» من طريقه: الأريسيُّون: العشَّارون؛ يعني أهل المكس، والأوَّل أظهر، وهذا ـ إن صحَّ ـ أنَّّه المراد، فالمعنى المبالغة في الإثم، ففي «الصَّحيح» في المرأة الَّتي اعترفت بالزِّنى: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَقُبِلَتْ».

ثالثًا : الدَّليل من الأثر.


أمَّا من الأثر فما رواه عبد الرَّحمن القارئ من بني القارة حليف لبني زهرة: «أنَّ عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عامل المدينة: أن يضع المكس، فإنَّه ليس بالمكس، ولكنَّه البخس، قال الله تعالى:«وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ» [الأعراف: 85]، ومن أتاك بصدقة فاقبلها منه، ومن لم يأتك بها فالله حسيبه، والسَّلام»([14]).

رابعًا : الدَّليل من الإجماع.


أمَّا من حيث الإجماعُ فقد اتَّفق العلماء على تحريم المكس، لما فيه من الظُّلم والإعانة عليه، و حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم، ونصَّ بعضهم على تحريمه، ونصَّ آخرون على أنَّه مكروه، وهذا لا ينافي التَّحريم، فإنَّ إطلاق لفظ الكراهة على ما يقابل المندوب، وهو: «ما تركه أرجح من فعله» اصطلاحٌ حادثٌ، فالمكروه في لسان الشَّرع، وجرى عليه الأئمَّة المتقدِّمون هو الحرام، قال تعالى: «وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ» [الحجرات: 7]،
وقال سبحانه بعدما ذكر جملة من المحرَّمات، «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا» [الإسراء: 38]،
قال الإمام ابن القيِّم : في «إعلام الموقِّعين» (1/39 وما بعدها) : وقد غلط كثير من المتأخِّرين من أتباع الأئمَّة على أئمَّتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمَّة عن إطلاق لفظ التَّحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخِّرون التَّحريم عمَّا أطلق عليه الأئمَّة الكراهة، ثمَّ سهل عليهم لفظ الكراهة، وخفَّت مؤنته عليهم، فحمله بعضهم على التَّنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًّا في تصرُّفاتهم، فحصل بسببه غلط عظيم على الشَّريعة وعلى الأئمَّة، ـ ثمَّ ساق نصوص الأئمَّة الأربعة في إطلاقهم لفظ المكروه وإرادتهم الحرام، وانتهى إلى قوله ـ: فالسَّلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الَّذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، أمَّا المتأخِّرون فقد اصطلحوا على الكراهة تخصيص بما ليس بمحرَّم، وتركه أرجح من فعله، ثمَّ حمل من حمل منهم كلام الأئمَّة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك.

ونحن نذكر نصوص المذاهب في ذلك، وقد تضمَّن بعضها حكاية الإجماع.

1 ـ المذهب الحنفي :


قال السَّرخسي في المبسوط (2/199) : والَّذي رُوي من ذمِّ العشَّار محمول على من يأخذ مال النَّاس ظلمًا كما هو في زماننا دون من يأخذ ما هو حقٌّ، وهو الصَّدقة([15]).

2 ـ المذهب المالكي :


قال ابن القاسم في «المدوَّنة» (2/310) : قلت: ما قول مالك، أين ينصب هؤلاء الَّذين يأخذون العشور من أهل الذِّمَّة والزَّكاة من تجَّار المسلمين؟ فقال: لم أسمع منه فيه شيئًا، ولكنِّي رأيته فيما يتكلَّم به أنَّه لا يعجبه أن ينصب لهذه المكوس أحد.

3 ـ المذهب الشَّافعي :


أمَّا الشَّافعيَّة فهم أكثر تشدُّدًا في تحريم المكس :

فقالوا ببطلان الصَّلاة في مواضع المكس، قال الإمام النَّووي في المجموع (3/162) : الصَّلاة في مأوى الشَّيطان مكروهة بالاتِّفاق، وذلك مثل مواضع الخمر والحانة ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة والكنائس والبيع والحشوش ونحو ذلك.

واعتبروا أخذ المكس من سفر المعصية الَّذي لا يترخّص له،
قال أبو بكر الحصني في «كفاية الأخيار» (1/56) : ويشترط أيضًا أن لا يكون سفره معصية، فإن كان معصية كمن سافر لأخذ المكس أو بعثه ظالم لأخذ الرّشا والبراطيل والمصادرة ونحو ذلك أو كان عليه حقٌّ لآدميٍّ يجب عليه أداؤه إليه فلا يترخّص ثلاثة أيَّام.

وجعلوا أخذ المكس من الفسق الَّذي تباح غيبته،
قال النَّووي في «روضة الطَّالبين» (7/34) : الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته كالخمر ومصادرة النَّاس وجباية المكوس وتولِّي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ولا يجوز بغيره إلاَّ بسبب آخر.

واعتبروا استحلال المكس من أنواع الرِّدَّة، قال في «أسنى المطالب» (4/373) في بيان أنواع الرِّدَّة :
قوله : أو تحريم المجمع عليه... إلخ، قال البلقيني: ينبغي أن يقول بلا تأويل ليخرج البغاة والخوارج الَّذين يستحلُّون دماء أهل العدل وأموالهم، ويعتقدون تحريم دمائهم على أهل العدل، قوله: والزِّنا أي: وأخذ المكوس.

وقال في «كفاية الأخيار» (3/495) : وكذا من استحلَّ المكوس ونحو ذلك ممَّا هو حرام بالإجماع.

وقالوا بتحريم الاستئجار لجبي المكوس، قال في «كفاية الأخيار» (2/160) : لا يجوز استئجار المغاني، ولا استئجار شخص لحمل خمر ونحوه، ولا لجبي المكوس والرّشا وجميع المحرَّمات، عافانا الله تعالى منها.

4 ـ المذهب الحنبلي:


قال في «مطالب أولي النهى» (1/612) : يحرم تعشير أموال المسلمين والكلف الَّتي ضربها الملوك على النَّاس بغير طريق شرعي إجماعًا.

وقال المرداوي في «الإنصاف» (6/122) في تعريف الغصب : ويدخل فيه ما أخذه الملوك والقطَّاع من أموال النَّاس بغير حقٍّ من المكوس وغيرها.

وأمَّا ما روي عن عمر بن الخطاب ا من فرض العشر، فهو غير المكس المذموم، فقد فرض نصف العشر على أهل الذِّمَّة، وفرض العشر على أهل الهدنة، وكان ذلك بمحضر من الصَّحابة، وقد روى مسلم بن سكرة: «أنَّه سأل ابن عمر: أعلمت أنَّ عمر أخذ من المسلمين العشر؟ قال: لا لم أعلمه»([16]).

·المبحث الثَّالث : أنواع المكس
ذكر الفقهاء وأهل اللُّغة صورًا كثيرة للمكس :

منها : ما كان يفعله أهل الجاهليَّة، وهي دراهم كانت تؤخذ من البائع في الأسواق.

ومنها : دراهم كان يأخذها عامل الزَّكاة لنفسه، بعد أن يأخذ الزَّكاة.

ومن ذلك : دراهم كانت تُؤخذ من التُّجَّار إذا مرُّوا، وكانوا يقدِّرونها على الأحمال أو الرُّؤوس أو نحو ذلك.

ومن ذلك : ما يأخذه الولاة باسم العشر، ويتأوَّلون فيه معنى الزَّكاة والصَّدقات.

ومنها : الضَّرائب الَّتي تؤخذ من التُّجَّار أو من عامَّة النَّاس بغير حقٍّ.

ومنها : الرّشوة الَّتي تُؤخذ في الحكم والشَّهادات والشَّفاعات وغيرها باسم الهديَّة.

وهذه الصُّور كلُّها تدخل في المكس المحرَّم لما في ذلك من أكل أموال النَّاس بالباطل([17]).

وأمَّا صورته اليوم المعروفة، وهي ما يفرضه من ينوب عن البلديَّة على التُّجَّار عند دخولهم للأسواق، وما يفرضه على أصحاب المحلاَّت من الأجرة، فلا يدخل في الصُّور المنهيِّ عنها، وإن سمَّاه الناس: «مكَّاس»؛ لأنّ العبرة بحقائق الأشياء ومقاصدها، لا بأسمائها وألفاظها، ولأنَّ الأسواق والمحلاَّت التَّابعة لها هي ملك للبلديَّة، وقد قامت البلديَّة بإجارتها للشَّخص الَّذي يتولَّى جمع ما يسمَّى المكوس، وقد سُئل العلاّمة عبد الحميد ابن باديس :: هل يجوز كراء الأسواق العامَّة، وأخذ ثمن الدُّخول على أرباب المواشي والسِّلع؟ فأجاب: "المعروف أنَّ هذه الأسواق هي ملك للبلديَّة، وإذا قلنا هي ملك البلديَّة، فهي ملك للعامَّة الَّتي تنوب عنها البلديَّة، فللبلديَّة أن تبيع منفعتها بثمن معلوم إلى أجل معلوم، فيجوز اكتراؤها منها كذلك، ويجوز للمكتري أن يكري الانتفاع بها كذلك، فيجوز له أن يأخذ على كلِّ داخل لماشيته أو سلعته أجرًا في مقابلة انتفاع ذلك الدَّاخل بالمكان الَّذي يحلُّ فيه، والَّذي هو مملوك المنفعة لصاحب السُّوق، ونظيره من اكترى اصْطِبْلاً ثمَّ يأخذ على أرباب المواشي أجرة بقاء مواشيهم في اصطبله مدَّة محدودة"([18]).

·المبحث الرَّابع: دفع المكس بنيَّة الزَّكاة.


اختلف العلماء في حكم دفع المكس بنيّة الزكاة، فذهب الجمهور من الحنفيَّة والمالكيَّة والشَّافعيَّة إلى عدم جواز ذلك، ولا يبرأ عن الزكاة، وهو مرويٌّ عن ابن عمر وطاوس ومجاهد والضحَّاك، وهي رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة([19]).
وذهب آخرون إلى جواز دفعها بنيَّة الزَّكاة، وهو مرويٌّ عن أنس بن مالك والحسن وأبي جعفر محمَّد بن علي وعطاء وإبراهيم، وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه([20]).

والصَّحيح الأوَّل لوجوه، منها :


الأول : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه و سلم أمرنا بالصَّبر على أئمَّة الجور، وأن نؤدِّيَ حقَّهم، ونسأل الله تعالى حقَّنا؛ و هم يرون المكوس، من حقّهم علينا؛ لأنّ الإمام إنّما يأخذ ذلك منهم لمصلحة المجتمع، وذلك في مقابلة قيامه بالخدمات العامة، والنفقات الاجتماعية.

الثاني : أنَّه لا يجوز إخراج الزَّكاة لمصلحة الضَّرائب؛ لأنَّها ليست من الأصنافالثَّمانية الَّذين أمرنا الله ï»· بإعطائهم الزَّكاة.

الثالث : أنّ المكس محرّم كما تقدم، والمال المحرم ليس محلاًّ للزكاة، لأنّه ليس مالاً متقوّمًا شرعًا.

الرابع : أنّ المكس ما يأخذه العشار ظلمًا، والأصل في مثل هذا المال أنّه لا يجوز أخذه، بل الواجب ردّه إلى صاحبه، وإذا كان كذلك لا يمكن اعتبار هذا المال زكاة.

الخامس : أنّه يشترط في تداخل عملين في عمل واحد أن يكونا من جنس واحد، ولا يكون أحدهما مقصودا لذاته، كما هو مقرّر في «قاعدة التداخل» في الفقه الإسلامي، قال العلامة السعدي في منظومته في القواعد :
وإن تساوى عملان اجتمعا *** وفعلت إحداهما فاستمعا
ولا يخفى أن المكوس ليست من جنس الزكاة؛ لأنّها مقصودة لذاتها قصدا وضعيا، والزكاة مقصودة لذاتها أيضا قصدا شرعيا، فلا يتداخلان.
السادس : أنّ أحكام الزكاة تختلف عن أحكام الضرائب، فالزكاة تشريع إلاهي، فرضه الله عز وجل، وجعل له شروطا معيّنة ومصارف خاصة؛ أما المكوس والضرائب فهي تشريع وضعي يخضع للتغيّرات من الخفض والرفع والإلغاء، وليست له مصارف خاصة.
هذا، والله أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب، ونسأله جزيل الثَّواب، ونعوذ به من سوء العقاب.

و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.



-------------------------------------------------------------------------

([1]) انظر «معجم مقاييس اللُّغة» (5/276)، «الصِّحاح» (3/979) «لسان العرب»: مادة ـ مكس، «القاموس المحيط» (742)، «المصباح المنير» (2/577).
([2]) هو طرف من حديث ابن عبَّاس، أخرجه البخاري (1425) ومسلم (130).
([3]) «الدُّرر السَّنيَّة في الأجوبة النَّجدية» (12/313).
([4]) أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (8/217).
([5]) رواه البخاري (1654) ومسلم (4477)، وله شاهد عن جمع من الصَّحابة.
([6]) رواه مسلم (6706).
([7]) رواه أحمد (5/425) بإسناد صحيح، انظر «الإرواء» (5/280).
([8]) رويت أحاديث أخرى في ذمِّ المكس؛ لكنَّها لا تصحُّ، منها ما رواه مالك بن عتاهية قال: سمعت رسول الله خ يقول: «إذا لقيتم عاشرًا فاقتلوه» أخرجه أحمد (29/597) والطبراني في «الكبير» (19/301)، وإسناده مسلسل بالضعفاء، فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وعبد الرحمن بن حسان وشيخه مجهولان كما قال الحافظ في «تعجيل المنفعة» (2/247)، وفيه أيضا جهالة رجل من جذام، وقد أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (3/127)، وقال: هذا موضوع، وفيه غير واحد من المجهولين. وقد جمع هذه الأحاديث في جزء مفرد الإمام السُّيوطي، وقد يسَّر الله لي تحقيقها ونشرها.
([9]) رواه أبو داود (2937)، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، وقد عنعنه، لكن يشهد له ما بعده.
([10]) رواه أحمد (28/211 ـ تحقيق الأرناؤوط)، وإسناده صحيح، ابن لهيعة، وإن كان سيّء الحفظ، فحديثه صحيح إذا روى عنه العبادلة الثلاثة: عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ، وينضاف إليهم قتيبة بن سعد ـ وهو الراوي عنه في هذا الحديث ـ فإنّه ـ وإن كان قد سمع منه ـ كا يعتمد على كتاب ابن وهب، فقد قال: كنّا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه، أو كتب ابن وهب، إلا ما كان من حديث الاعرج؛ وقال جعفر الفريابي: سمعت بعض أصحابنا يذكر أنّه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح، فقلت:لأنّا كنّا نكتب من كتاب ابن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة، كما في سير أعلام النبلاء (8/16ـ17)؛ وقد صحّح الحديث الإمام السيوطي في «جزء في ذم المكس» (1ق).
([11]) رواه مسلم (1695).
([12]) رواه الطبراني في «الكبير» (9/54، 59) وفي «الأوسط» (2769)، وصحَّحه الشَّيخ الألباني رحمه الله : في «الصَّحيحة» (1073).
تنبيه: ذكر الشيخ الألباني رحمه الله أنّ الحديث لم يروه الطبراني في «الكبير»، وخطّأ الإمامَ السيوطيَّ في عزوه إليه في «الجامع الصغير» و«الكبير»، وقد علمت موضعه من المعجم الكبير، فسبحان من لا يسهو ولا ينام.
([13]) رواه البخاري (7) ومسلم (1773).
([14]) رواه القاسم بن سلام في «الأموال» (1630) وابن القاسم في «المدوَّنة» (2/279)، وإسناده صحيح على شرط الشَّيخين.
([15]) وانظر «البحر الرَّائق» (5/45) «الدّرّ المختار» (2/310) «حاشية ابن عابدين» (2/310) «الفتاوى الهنديَّة» (2/167) «مجمع الأنهار شرح ملتقى الأبحار» (2/372).
([16]) رواه القاسم بن سلاَّم في «الأموال» (1634)، ومسلم بن شكرة، ويقال: مسلم بن يسار بن شكرة، أورده البخاري في «التَّاريخ الكبير» (7/276)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، فهو مستور، بينما ذكره ابن حبَّان في «الثقات» (5/391).
([17]) انظر «الأموال» لقاسم بن سلاَّم (637) «غريب الحديث» للخطَّابي (1/219) «المفهم» لأبي العبَّاس القرطبي (5/99) «الفائق في غريب الحديث» (1/82) «نيل الأوطار» (13/283 ـ تحقيق حلاَّق) «المعجم الوسيط» (881).
([18]) «آثار عبد الحميد ابن باديس» (4/256).
([19]) انظر «الأموال» لابن زَنْجَويه (3/1216) حاشية ابن عابدين» (2/311) «مواهب الجليل» (3/189) «إعانة الطالبين» (2/164) «الفروع» (2/436) «الإنصاف» (3/312) للمرداوي.
([20]) انظر «الأموال» لابن زنجويه (3/1217)، ومصادر الحنابلة السَّابقة.