إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 12

الموضوع: أثر الحديث الشريف في إختلاف الأئمة الفقهاء رضي الله عنهم

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    أثر الحديث الشريف في إختلاف الأئمة الفقهاء رضي الله عنهم

    بيان منزلة الحديث الشريف في نفوس الائمة
    لا بد من مقدمة مختصرة تلقي ضوءا على منزلة الحديث الشريف في نفوس الائمة رضي الله عنهم لنستدل منها على شدة حرصهم على التمسك به و الرغبة الاكيدة في العمل به .
    قال الامام أبو حنيفة رضى الله عنه : " لم تزل الناس في صلاح مادام فيهم من يطلب الحديث . فاذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا " . (1).
    و قال أيضا : " اياكم و القول في دين الله تعالى بالرأي و عليكم باتباع السنة فمن خرج عنها ضل " (2) .
    و قال الامام الشافعي رضي الله عنه : " أي سماء تظلني و أي أرض تقلني اذا رويت عن النبي صلى الله عليه و سلم حديثا و قلت بغيره " (3) .

    و حدث الشافعي يوما بحديث فقال له الحميدي - شيخ البخاري - : أتأخذ به ؟ فقال الشافعي : " رأيتني خرجت من كنيسة عليّ زنار ؟ حتى اذا سمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لا أقول به ؟! " (4) .
    و ما أبدع تشبيه الامام مالك رضي الله عنه للسنن حيث يقول : " السنن سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق " (5) .
    و قال الامام احمد رضي الله عنه : " من ردّ حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو على شفا هلكة " (6) .
    و قال ايضا : " ما اعلم الناس في زمان احوج منهم الى طلب الحديث من هذا الزمن فقال له أحد أصحابه : و لم ؟؟ قال : ظهرت بدع فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها " (7) .
    هذه كلمات قليلة من مجموعة كثيرة تزخر بها كتب التراجم و السير لهؤلاء الائمة و نلاحظ انها تؤكد معنى واحدا هو : لزوم الاخذ بالسنة النبوية و ان من تعلم السنة و عمل بها كان من الفائزين الناجين و من أعرض عنها كان ذلك علامة خذلانه و انحرافه .
    فاذا تقرر في قلب المسلم و عقله هذا الاتجاه نحو الائمة جميعهم الى جانب اعتقاده بامامتهم في العلم أمكنه حينئذ ان يتفحص اسباب اختلافهم في الاحكام الشرعية مع ان كلا منهم كان يبذل جهده ليقرب من السنة المشرفة .
    اما اذا لم يكن يعتقد بامامتهم بل يقول هم رجال و نحن رجال او لم يكن ممن يعتقد انهم متفانون في البحث عن الدليل لقولهم كبحث الغريق عن اسباب النجاة فلن يجد في نفسه دافعا الى هذا البحث بل يتسرع في التهجم عليهم و التعالم عليهم لعدم اعتقاده فيهم ذلك الاعتقاد .
    بعد هذا أخلص الى الكلام عن أسباب اختلافهم .


    الـــهـــــوامـــش :
    --------------------------------------------------------

    (1) الميزان الكبرى للعلامة الشعراني 1 : 51
    (2) من الميزان 1 : 50
    (3) من مقدمة معنى قول الامام المطلبي : اذا صح الحديث فهو مذهبي للسبكي .
    (4) المصدر السابق
    (5) من خاتمة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي
    (6) من مناقب الامام أحمد لابن الجوزي ص 182
    (7) من المناقب ايضا ص 183

    السبب الأول
    في بيان متى يصلح الحديث الشريف للعمل به

    يتناول الكلام عن السبب االأول أربع نقاط لابد منها ثنتان منها تتعلق بسنده و ثنتان منها تتعلق بمتنه .
    النقاط الاربع :
    1 - الاختلاف في بعض شروط صحة الحديث .
    2 - هل تُشترط صحة الحديث ليُعمل به ؟.
    3 - اثبات لفظه النبوي الشريف .
    4 - اثبات ضبطه من حيث اللغة العربية .
    اما النقطة الاولى : اتفق جمهور العلماء على أن شروط الحديث الشريف الصحيح 5 و هي :
    اتصال السند - ثبوت عدالة الراوي - ثبوت ضبطه - سلامة السند و المتن من الشذوذ - سلامتهما من العلة القادحة .
    1ً - اما الاتصال : فقد وقع الاختلاف بين المحدثين أنفسهم في صورة تحقق شرط الاتصال و ذلك في المسألة المعروفه عندهم بــ " مسألة اللقاء " بين الراوي و شيخه فالامام البخاري و غيره يشترطون ثبوت اللقاء بينهما و لو مرة واحدة و الامام مسلم و غيره - بل ادعى مسلم الاجماع على قوله (1) - يشترطون امكان اللقاء بينهما لا ثبوته .
    و على هذا فما يصححه مسلم و من معه بناء على هذا المفهوم للاتصال لا يعتبره البخاري صحيحا و من يذهب مذهب مسلم في شرط الاتصال من الفقهاء قد يحتج بحديث اتصاله كهذا الاتصال و يقول : قد صح الحديث في هذا الحكم في حين ان غيره من العلماء الذين يذهبون مذهب البخاري يخالفونه و لا يعتبرونه صحيحا و بالتالي لا يعتبرونه حجة يُستنبط منه أحكام فقهية و كل ما بُني عليه من احكام فهو منقوض عندهم .
    و مما يتعلق بأمر الاتصال أيضا - و دائرة الاختلاف تتسع أكثر من المثال السابق - : الحديث المرسل .
    فالمرسل - هو ما اضافه التابعي الى رسول الله صلى الله عليه و سلم - غير متصل . و لكن هل يضره عدم اتصاله و يخرجه عن دائرة الاحتجاج به ؟ .
    ذهب جمهور المحدثين الى ان الحديث المرسل ضعيف غير حجة و ذهب جمهور الفقهاء و منهم ابو حنيفة و مالك و احمد في احدى الروايتين الى ان الارسال لا يضر فالمرسل عندهم حجة يُعمل به .
    و توسط الحكم بين الطرفين الامام الشافعي فاعتبره ضعيفا ضعفا يسيرا فاذا عرض له أحد المؤيدات الاربعة صار عنده حجة (2) .
    و على هذا فالحكم الفقهي الذي يقول به الائمة الثلاثة او احدهم و يحتج له بالحديث ولم يتأيد بواحد من المؤيدات الاربعة يخالفه الشافعي كما يخالفه جمهور المحدثين ايضا . وليست الاحاديث المؤسلة بالعدد اليسير .
    فقد قال العلاء البخاري في شرحه على أصول الزودي 3 : 5 " و فيه - اي المرسل - تعطيل كثير من السنن فان المراسيل جُمعت فبلغت قؤيبا من خمسين جزءا "
    بل قال العلامة الكوثري : " من ضعّف الحديث المرسل نبذ شطر السنة المعمول بها " (3) لكن يقل العدد كثيرا اذا لاحظنا القسم الذي يتقوى بالمقويات المسوغة له عند الامام الشافعي .
    2ً - ثبوت عدالة الراوي : فها هنا مهْيع واسع جدا و مجال رحب للاختلاف فقد اختلفوا في نوعية العدالة المطلوب ثبوتها :
    - هل يُكتفى بكون الراوي مسلما لم يثبت فيه جرح فيُحكم له حينئذ بالعدالة ؟ .
    - او يُشترط ان يُضاف الى ذلك ثبوت عدالته الظاهرة فيُكتفى بذلك ؟ و يُسمى حينئذ مستورا ؟.
    - او لا بد من ثبوت عدالته الظاهرة و الباطنة ؟ .
    كما اختلفوا : هل يُكتفى بتعديل امام واحد ؟ او : لا بد من تعديل امامين لكل راو ؟.
    يُضاف الى الاختلاف في هذه النقاط : الاختلاف في الامر الذي يصلح ان يُعتبر جارحا مسقطا لعدالة المسلم و ها هنا دخائل لا يناسب شرحها او اثارتها فكم اُهدرت عدالة رواة لانهم عراقيون او أجابوا في محنة خلق القرأن ! .. و هذه أمور لا يدركها و يتحرز منها الا من حذق هذا العلم و حذق تاريخ العلم .
    ومن يعدله امام من الائمة المحدثين او الفقهاء قد يجرحه امام اخر و الرجال المتفق على عدالتهم او ضعفهم أقل من الرواة المختلف فيهم بكثير .
    يُضاف الى هذه الوجوه من الاختلاف : ملاحظة تبدي مجال الاختلاف أكبر من هذا الذي سمعناه و هي : ان الراوي الواحد المختلف فيه قد يكون له عشرات الاحاديث فمن مال الى تعديله احتج بمروياته و الاحكام المستفادة منها و من مال الى جرحه : لا يحتج بشيء من ذلك .
    و هنا يحصل الاختلاف و كل من المختلفين يقرر و يذهب الى انه يحتج بالسنة و يطبق ما تقتضيه الاحاديث الشريفة وانه في اجتهاداته الفقهية و الحديثية على منهج المحدثين و قواعدهم و ليس باستطاعة احد منا ان يرد عليه كلامه .

    الـــهــوامــش :
    --------------------------------------------------

    (1) مقدمة صحيح مسلم 1 : 130 بشرح النووي عليه و حكاه العلامة علي القاري في شرحه على مسند الامام ابي حنيفة ص 5 عن الجمهور مراعاة منه لخلاف البخاري و موافقيه و من هو أشد شرطا منهم .
    (2) الرسالة ص 462 و المؤيدات الاربعة هي : ان يروى مسندا او مرسلا من وجه اخر او يفتي به بعض الصحابة او اكثر اهل العلم .
    (3) كتاب تأنيب الخطيب ص 153 و انظر فقه أهل العراق و حديثهم ص 22 او تقدمة نصب الراية ص 27

    3 - و كذلك الاختلاف في تحقق الشروط الاخرى للحديث الصحيح . ولكن يحسن التنبيه الى شرط في ثبوت ضبط الراوي اشترطه الامام أبو حنيفة رحمه الله هو : استمرار حفظ الراوي لحديثه من حين تحمله له الى حين أدائه اياه دون ان يتخلله نسيان له (1) .
    و هذا شرط شديد حمله عليه ما شهده من اضطراب الرواة و تصرفهم و بحكم هذا الشرط سيختلف مع غيره في تضعيف بعض الاحاديث و تصحيح غيره لها .
    و بهذه الاشارات الطفيفة الى رؤوس مسائل معرفة ما يُقبل من الحديث و ما يُرد يمكن للقاريء ان يدرك عدم دقة كلام الاستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه < مصادر التشريع فيما لا نص فيه > ص 15 : " فكل حديث : من الميسور معرفة انه متواتر او غير متواتر و صحيح او حسن او ضعيف " ! .
    و لولا شيوع الكتاب بين القرّاء و تداوله بينهم من جديد لما كان بي حاجة للتنبيه اليه .
    ومن الاخبار المتعلقة باختلاف العلماء في تحقق شروط الصحة و العمل بالحديث ما رواه الصيرمي في أخبار أبي حنيفة و أصحابه ص 141 - 143 و خلاصة ذلك :
    أن عيسى بن هارون جاء الى المأمون العباسي بكتاب جمع فيه جملة من الاحاديث و قال له : هذه الاحاديث سمعتها معك من المشايخ الذين كان الرشيد يختارهم لك و قد صارت غاشية مجلسك الذين يخالفون هذه الاحاديث - يقصد أصحاب ابي حنيفة - فان كان ما هؤلاء عليه من الحق : فقد كان الرشيد فيما كان يختار لك على الخطأ و ان كان الرشيد على صواب : فينبغي لك ان تنفي عنك أصحاب الخطأ .
    فأخذ المأمون الكتاب و قال له : لعل للقوم حجّة و انا سائلهم عن ذلك . فعرض الكتاب على ثلاثة رجال : واحد بعد واحد و لم يأتوه بما يشفي . فبلغ الخبر عيسى بن ابان و لم يكن يدخل على المامون قبل ذلك فوضع كتاب " الحجة الصغير "
    فابتدأ فيه بوجوه الاخبار و كيف تُنقل و ما يجب قبوله منها و ما يجب رده و ما يجب علينا اذا سمعنا المتضاد منها و كشف الاحوال في ذلك ثم وضع لتلك الاحاديث ابوابا و ذكر في كل باب حجة ابي حنيفة و مذهبه و ماله فيه من الاخبار و ما له فيه من القياس و عمل في كتابه حتى وصل الى يد المأمون فلما قرأه المأمون قال : هذا جواب القوم اللازم لهم .
    ثم انشأ يقول :
    حسدوا الفتى اذ لم ينالوا سعيه *** فالناس اعداء له و خصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسدا و بغيا انه لدميم
    و لكن هل تُشترط صحة الحديث ليُعمل به ؟؟؟


    الــهــــوامـــش :
    -----------------------------------------------------

    (1) شرح مستند ابي حنيفة للقاري ص3 نقلا عن الامام الطحاوي بسنده الى ابي حنيفة و انظر المدخل في أصول الحديث للحاكم ص 15 و كلام ابن حجر الاتي فيما بعد .

    النقطة الثانية : هل تُشترط صحة الحديث ليُعمل به ؟
    الجواب على ذلك :
    اتفق العلماء على ان الحديث اذا بلغ مرتبة الصحة او الحسن كان صالحا للعمل و الاحتجاج به في الاحكام الشرعية .
    اما الحديث الضعيف فذهب جمهورهم الى العمل به في الفضائل و المستحبات بشروطه السائغة و هذا معلوم شائع .
    لكن ذهب بعض الائمة الى العمل بالحديث الضعيف في الاحكام الشرعية : الحلال و الحرام حتى انهم قدموه على القياس الذي هو أحد المصادر التشريعية التي اتفق على الاعتماد عليها جماهير العلماء بل كلهم الا من شذّ ممن لا يُعتد بخلافه في هذه المواطن .
    و العمل بالضعيف في هذا المجال : هو مذهب الائمة الثلاثة من المجتهدين : ابي حنيفة و مالك و أحمد (1) و هو مذهب جماعة من أئمة المحدثين ايضا كأبي داود و النسائي و ابن ابي حاتم (2) لكن بشرطين :
    - الا يشتد ضعفه
    - ان لا يوجد في المسألة غيره
    و هذا مذهب ابن حزم ايضا فانه قال في المحلى 4 : 148 : " و هذا الاثر - في دعاء القنوت - و ان لم يكن مما يُحتج بمثله فلم نجد فيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم غيره و قد قال احمد بن حنبل رحمه الله : ضعيف الحديث أحب الينا من الرأي . قال عليّ (أي ابن حزم) و بهذا نقول " .
    و قد قال عبد الله بن الامام احمد : " سألت ابي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيها الا صاحب حديث لا يُعرف صحيحه من سقيمه و أصحاب رأي فتنزل به النازلة من يسأل ؟ فقال ابي : يسأل صاحب الحديث و لا يسأل صاحب الرأي . ضعيف الحديث أقوى من الرأي " . (3) .
    بل الامام الشافعي نفسه يعمل بالمرسل اذا لم يوجد في المسألة غيره في حين يرى ان الحديث المرسل ضعيف نقل ذلك عن الشافعي : السخاوي في فتح المغيث 1 : 80 - 142 - 268 يواسطة الماوردي من أئمة الشافعية .
    و للعمل بالحديث الضعيف مجال اخر و هو : اذا عرض حديث يحتمل لفظه معنيين دون ترجيح وورد حديث اخر ضعيف يرجح احدهما فحينئذ نأخذ بالمعنى الذي يرجح هذا الحديث و ان كان ضعيفا كما نص على ذلك ابن القيم في تحفة المودود ص 29
    و قال النووي في المجموع 1 : 100 : " و الترجيح بالمرسل جائز " مع انه يرى ضعف المرسل كما هو معروف .
    و قال الامام ابن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره التسهيل و هو يذكر الوجوه الاثني عشر للترجيح بين اقوال المفسرين المختلفة : " فاذا ورد عنه عليه الصلاة و السلام تفسير شيء من القرأن عولنا عليه و لا سيما ان ورد في الحديث الصحيح " فلفظ و لا سيما يفيد الاستدراك بمضمونه ان الحديث الضعيف يصح الترجيح به بين قولين فأكثر متعارضين في تفسير أية ما .
    و قال مولانا محمد البنوري في كتابه معارف السنن 1 : 105 و هو يذكر الاجوبة عن بوله قائما صلى الله عليه و سلم لعلة كانت بباطن ركبته كما في رواية البيهقي و سنده و ان كان ضعيفا يكفي لبيان هذه النكتة و الوجه .
    و بهذا يتبين ان للحديث الضعيف قيمة و اعتبارا في نظر ائمتنا السالفين على خلاف ما يشيعه بعض الناس اليوم اذ أهدروه مطلقا و ألحقوه بالحديث الموضوع و نظموها في سلسلة واحدة .


    الــهــــوامـــش :
    -----------------------------------------------------


    (1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري 1 : 19 . وقال ابن الهمام من الحنفية في فتح القدير 1 : 417 : " الاستحباب يثبت بالضعيف غير الموضوع " . و قال النووي من الشافعية في الاذكار : ص 7 - 8 : " قال العلماء من المحدثين و الفقهاء و غيرهم يجوز و يستحب العمل في الفضائل و الترغيب و الترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا و اما الاحكام كالحلال و الحرام و البيع و النكاح و الطلاق و غيرها فلا يُعمل فيها الا بالحديث الصحيح او الحسن الا ان يكون في احتياط في شيء من ذلك كما اذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع او الانكحة فان المستحب ان يتنزه عنه و لكن لا يجب " .
    و قال في نشر البنود على مراقي السعود 2 : 62 عمدة متأخري المالكية في الاصول : " فائدة : عُلم من احتجاج مالك و من وافقه بالمرسل ان كلا من المنقطع و المعضل حجة عندهم لصدق المرسل بالمعنى الاصولي " على كل منهما و اختلف النقل عن الامام احمد و ختم ابن النجار الحنبلي المسألة في شرح الكوكب المنير 2 : 573 بقول الامام : " طريقي لست اخالف ما ضغف من الحديث اذا لم يكن في الباب ما يدفعه " . و هو المشهور عنه و امامك نقل ابن حزم عنه و انظر لزاما : اعلام الموقعين 1 : 31
    (2) فتح المغيث : السخاوي 1 : 80 - 267 و غيره من كتب الحديث و حاشية السندي على سنن النسائي 1 : 6 و الجرح و التعديل لابن ابي حاتم 4/1/347 و نقل كلامه النووي في تهذيب الاسماء و اللغات 3/1/86
    (3) من المحلى لابن حزم 1 : 68 و ذكر السخاوي في فتح المغيث 1 : 80 نحوه و ان اسناده صحيح و انظر اعلام الموقعين 1 : 31

    النقطة الثالثة : هي اثبات لفظه النبوي الشريف . و أقصد هنا ضرورة التأكد من ان النبي صلى الله عليه و سلم قد عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ دون اللفظ الاخر المنقول أيضا و محل هذه الضرورة فيما اذا ورد الحدبث بلفظين يترتب على الاخذ باحدهما احكام غير الاحكام المترتبة على الاخذ باللفظ الاخر .
    و هاهنا متسع كبير للاختلاف لا يعلم حدوده الا من عاناه من الائمة المجتهدين رضي الله عنهم .
    و عنوان هذه المسألة عند الائمة المحدثين و الاصوليين : رواية الحديث بالمعنى .
    و قد ذهب جمهور العلماء الى جوازها و اشترطوا لذلك ان يكون الراوي بالمعنى عالما باللغة العربية بصيرا بمدلولاتها خشية ان يعبر عن كلمة بغيرها و بينهما تفاوت و هو يظن ان الكلمتين سواء في المدلول (1) .
    لكن للامام ابو حنيفة شرط اخر يدرك وجاهته و اهميته من باشر العمل بنفسه و الشرط هو : ان يكون الراوي بالمعنى فقيها (2) . ليدرك الاثار المترتبة على تصرفه بالالفاظ .
    و اضرب لذلك أمثلة :
    المثال الأول :

    روى ابو داود 3 : 182 بشرحه " عون المعبود " من طريق ابن ابي ذئب حدثني صالح مولى التوأمة (3) عن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه "
    هكذا في بعض النسخ و الروايات القديمة و في بعضها الاخر : " فلا شيء له " و قد جاءت كذلك رواية عبد الرزاق في المصنف 3 : 527 من طريق ابن ابي ذئب عن صالح قال : سمعت ابا هريرة .. و لفظه " فلا شيء له " و يؤيدها رواية ابن ابي شيبة في مصنفه 4 : 152 من طريق ابن ابي ذئب ايضا و لفظه : " من صلى على جنازة في المسجد فلا صلاة له. قال : و كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا تضايق بهم المكان رجعوا ولم يصلوا " . و كذلك رواية ابن ماجه 1 : 486 من طريق ابن ابي ذئب و لفظه : " فليس له شيء " .
    و لذا قال الخطيب : " المحفوظ فلا شيء له " كما في نصب الراية 2 : 275 .
    فمن اخذ بالرواية الاولى من الائمة و هي : " فلا شيء عليه " اجاز الصلاة على الجنازة في المسجد من غير كراهة فيها . و هو مذهب الشافعي و غيره .و من اخذ بالرواية الثانية : " فلا شيء له " كره الصلاة في المسجد على الجنازة و هو مذهب ابي حنيفة .(4)
    المثال الثاني :
    حديث تنحنح النبي صلى الله عليه و سلم او تسبيحه لما كان يستأذن عليه علي رضي الله عنه في الصلاة ليعلمه انه في صلاة .
    فقد اختلف الرواة هل لفظه تنحنح او سبح انظر النسائي 3 : 12 و ابن خزيمة 2 : 54
    و على هذا فقد اختلف الحكم الفقهي ففي مذهب الامام احمد : من سبح للاعلام انه في صلاة لا شيء عليه اما من تنحنح فقيل بفساد صلاته و قال متأخروا الحنابلة بكراهتها للاختلاف في فسادها و صحتها . انظر المغني 1 : 706 - 707 و شرح منتهى الارادات 1 : 201 .
    و لا شيء في التسبيح عند الشافعية مطلقا و الصحيح عندهم بطلانها بالتنحنح ان بان منه حرفان كما في المجموع 4 : 21 - 10
    اما الحنفية : فلا شيء في التسبيح عندهم و تبطل الصلاة بالتنحنح ان كان لغير عذر ومن العذر الاعلام انه في صلاة (5) .

    الــــهــــوامــش :
    -------------------------------------------------

    (1) انظر الكفاية للخطيب البغدادي ص 198 و من قبلها 167 .
    (2) فقه اهل العراق و حديثهم ص 35
    (3) صالح مولى التوأمة : صدوق لكنه اختلط اخيرا و رواية ابن ابي ذئب عنه قبل الاختلاط فروايته صحيحة مقبولة و لذلك ذكرت و كررت هذا الجزء من السند لبيان هذه النكتة و لذا حسن ابن القيم الحديث في زاد المعاد 1 : 501 .
    و قد انتقد هذا المثال بعض من لا يفهم قائلا : كيف امثل بحديث موضوع او شبه موضوع معتمدا على كلام المناوي في فيض القدير 6 : 171 .
    و هو ليس كذلك .
    (4) نبهني الى هذا المثال فضيلة الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي .
    (5) انظر حاشية ابن عابدين 1 : 416 .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    شبهة اذا صح الحديث فهو مذهبي

    المثال الثالث : روى البخاري 2 : 257 و غيره عن ابن ابي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال : " اذا سمعتم الاقامة فامشوا الصلاة و عليكم بالسكينة و الوقار و لا تسرعوا فما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فأتموا " .
    ورواه عبد الرزاق في المصنف 2 : 287 و الامام احمد في المسند 2 : 270 عن طريق عبد الرزاق عن معمر و الحميدي في مسنده 2 : 418 عن ابن عيينة كلاهما عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة ايضا بلفظ : " و ما فاتكم فاقضوا " .
    و في المسند ايضا 3 : 243 - 252 عن انس من طرق عن ابي هريرة مرفوعا " و ليقض ما سبقه " و مثله في ابي عوانة 2 : 109 .
    وهذا الاختلاف اليسير بين الروايتين في كلمة واحدة " فأتموا " و " فاقضوا " ترتب عليه اختلاف ذو اهمية من الناحية الفقهية بيانه :
    ان المصلي المسبوق اذا ادرك صلاة الركعة الرابعة مع الامام فكيف يصلي الركعات الثلاث التي لم يدركها ؟
    فعلى مقتضى الرواية الاولى " فأتموا " : يعتبر المصلي الركعة التي ادركها مع الامام يعتبرها ركعة أولى بالنسبة اليه و ان كانت ركعة رابعة بالنسبة الى امامه فاذا سلم الامام قام و اتى بركعة ثانية لانه قام يتم صلاته فيقرأ فيها الفاتحة و سورة و لا يقرأ دعاء الاستفتاح فيقرأ فيها ما يقرأه في الركعة الثانية لو كان منفردا فأذا صلى الركعة الثانية كذلك قعد للتشهد ثم قام يتم صلاته فيصلي الركعتين الباقيتين و يقرأ فيهما الفاتحة فقط و هذا مذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي .
    و على مقتضى الرواية الثانية " فاقضوا " : يعتبر المصلي الركعة التي ادركها مع الامام يعتبرها ركعة رابعة بالنسبة اليه و الى امامه فاذا سلم الامام قام واتى بركعة يعتبرها الاولى لانه قام يقضي ما فاته فيقرأ فيها الاستفتاح و الفاتحة و سورة كما يقرأ في الركعة الاولى لو كان منفردا و بعدها يقعد للتشهد ثم يقوم فيقرأ الفاتحة و سورة و في الركعة الاخيرة يقرأ الفاتحة فقط و هذا مذهب جماعة من العلماء منهم ابو حنيفة و هذا عمل بمقتضى الروايتين : قضاء من حيث القراءة و اتمام من حيث القعود (1) .
    و ثمة احكام اخرى عديدة تترتب على مثل هذا الاختلاف بين كلمتين لا يلقي الراوي له بالا و لا اهتماما اما لو كان فقيها عارفا بالاحكام المترتبة بين هاتين الكلمتين فانه يتقيد باللفظ و لا يبدله بغيره و هو يزعم انه يروي بالمعنى و ان الرواية بالمعنى جائزة .
    و الامثلة كثيرة و التتبع لها ينفي حصرها في عدد معين و اذكر مثالا تم الوهم فيه على امام جبل من أئمة الحديث حين تصرف بروايته بحجة انه روى بالمعنى .
    و انقل كلام الخطيب البغدادي في الكفاية ص 167 - 168 بشيء من الطول و أصله للقاضي الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 389 - 390 .
    قال الخطيب : و المستحب له " اي للرواي " ان يورد الاحاديث بألفاظها لان ذلك أسلم له .
    فان كان ممن يروي على المعنى دون اعتبار اللفظ فيجب ان يكون توقيه أشد و تحرزه أكثر خوفا من احالة المعنى الذي به يتغير الحكم .
    ثم اسند الى موسى بن سهل بن كثير عن ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن انس بن مالك قال : " نهى النبي صلى الله عليه و سلم ان يتزعفر الرجل " .
    ثم رواه من طريق شعبة عن ابن علية بلفظ : " ان النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن التزعفر " .
    ثم اسند الى ابن علية انه قال : " روى عني شعبة حديثا واحدا فأوهم فيه حدثته عن عبد العزيز بن صهيب عن انس ان النبي صلى الله عليه و سلم نهى ان يتزعفر الرجل فقال شعبة : ان النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن التزعفر " ! .
    قلت - اي الخطيب - : افلا ترى انكار اسماعيل على شعبة روايته هذا الحديث عنه على لفظ العموم في النهي عن التزعفر و انما نُهي عن ذلك الرجال خاصة و كان شعبة قصد المعنى و لم يتفطن لما فطن له اسماعيل فلهذا قلنا : ان رواية الحديث على اللفظ أسلم من روايته بالمعنى .
    قلت : و شعبة شعبة كما قال الرامهرمزي لكن شعبة يعرف لاسماعيل بن علية فضله عليه في الفقه فلذا كان يلقبه : ريحانة الفقهاء و سيد المحدثين .
    و اما شعبة فقال عنه الحافظ بن عبد الهادي في التنقيح كما في نصب الراية 4 : 174 : شعبة لم يكن من الحذاق في الفقه حتى ان ضعْف هذا الجانب الفقهي في شعبة حمله على ان يتكلم في راو ثقة روى حديثا رأى شعبة انه يُعارض حديثا اخر في الباب فتكلم فيه شعبة لذلك و طعن فيه غير شعبة تبعا لشعبة .
    و قد اسند الخطيب عقب ما تقدم الى محمد بن المنكدر قوله : " الفقيه الذي يحدث الناس انما يدخل بين الله و بين عباده فلينظر بما يدخل " .
    و اثار اخرى بهذا المعنى ساقها بأسانيده و منها قول الامام ابراهيم النخعي : " و انك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرف حلاله عن حرامه و حرامه عن حلاله و هو لا يشعر " .
    و لهذا فضل الائمة ما يتداوله الفقهاء على ما يتداوله غيرهم وقد عقد القاضي الرامهرمزي في المحدث الفاصل : ص 238 فصلا طويلا بعنوان " القول في فضل من جمع بين الرواية و الدراية " ذكر أول خبر فيه عن الامام و كيع بن الجراح انه قال يوما لاصحابه : الاعمش احب اليكم عن ابي وائل عن عبد الله بن مسعود او سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله ؟
    فقالوا : الاعمش عن ابي وائل .. فقال وكيع : الاعمش شيخ وابو وائل شيخ و سفيان عن منصور عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه .
    و ذكر الخطيب في اخر الكفاية بعض مرجحات الاخبار و قال ص 436 : و يرجح بأن يكون رواته فقهاء لان عناية الفقيه بما يتعلق من الاحكام أشد من عناية غيره بذلك و ساق قصة وكيع المذكورة و زاد قول و كيع في اخرها : " و حديث تداوله الفقهاء خير " .

    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------

    (1) انظر احكاما اخرى تترتب على هذا الاختلاف في الرواية في البحر الرائق 1 : 400 - 403 حاشية ابن عابدين 1 : 596 .

    النقطة الرابعة : اثبات ضبطه من حيث العربية
    و معنى ذلك ضرورة تحرّي كيف نطق النبي صلى الله عليه و سلم بهذه الكلمة مرفوعة او منصوية او مجرورة او نحو ذلك (1) و معلوم لدينا دقة اللغة العربية و ما يترتب عليها من اثار هامة فيها على اختلاف نحوي يسير .
    و محل هذه الضرورة : ما اذا اختلف نقل الرواة لهذه الكلمة كما تقدم في الحديث عن النقطة الثالثة لاننا اذا اثبتنا احد الوجوه المنقولة للكلمة الواحدة فقد نفينا الخلاف الفقهي و ان اختلفت الروايات حصل الاختلاف الفقهي و لا بد .
    مثاله :
    اذا ذبح الجزار شاة ذبحا شرعيا فخرج من بطنها جنين ميت فهل يحلّ أكله دون تذكية او لا يحلّ الا بتذكية وذبح له ؟ .
    يرد في هذا الصدد قول النبي صلى الله عليه و سلم : " ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمهِ "
    وقد اختلفت الروايات فيه قال ابن الاثير في النهاية 2 : 164 : " يُروى هذا الحديث (2) بالرفع و النصب فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو " ذكاة الجنين " فتكون ذكاة الام هي ذكاة الجنين فلا يحتاج الى ذبح مستأنف و من نصب كان التقدير عنده : ذكاة الجنين كذكاة امه فلما حُذف الجار نُصب المجرور او على تقدير : يُذكى تذكية مثل ذكاة امه فحُذف المصدر و صفته و اقام المضاف اليه مقامه فلا بد من ذبح الجنين اذا خرج حيا
    و منهم من يرويه بنصب الذكاتين اي ذكوا الجنين ذكاة امه " انتهى كلام ابن الاثير .
    فعلى الروايتين الاخريتين لابد من تذكية الجنين ليحل أكله و الرواية الاولى تحتمل معنيين أحدهما اغناء ذكاة الام بطريق التشبيه البليغ .
    و قد اخذ بمقتضى الرواية المشهورة وهي رفع ذكاة في المرة الاولى و الثانية الامام الشافعي و اخذ بمقتضى الرواية الثانية الامام ابو حنيفة و ابن حزم .
    ثم رأيت القاضي عياض رحمه الله قال في كتابه الالماع ص 150 و هو ينبه الى ضرورة الضبط و التقييد و الشكل : و قد وقع الخلاف بين العلماء بسبب اختلافهم في الاعراب .
    كاختلافهم في قوله عليه السلام : " ذكاةُ الجنينِ ذكاة أمهِ " فالحنفية ترجح فتح ذكاة الثانية على مذهبها في انه يُذكى مثل ذكاة امه .
    و غيرهم من المالكية و الشافعية ترجح الرفع لاسقاطهم ذكاته .
    و كذلك قوله عليه الصلاة و السلام : " لا نورثُ ما تركناهُ صدقةٌ " الجماعة ترجح روايتها برفع صدقة على خبر المبتدأ على مذهبها في ان الانبياء لا تورث و الامامية يرجحون الفتح على التمييز اي ما تركه النبي صدقة فهو لا يورث .
    و اجاز النحاس نصبه على الحال (3) .
    كذلك قوله في الحديث : " هو لك عبد بن زمعة " . رواية الجماعة رفع كلمة " عبد " على النداء او اتباع " ابن " له على الوجهين في نعت المنادى المفرد من الضم و الفتح .
    الحنفية ترجح تنوين عبد على الابتداء اي : هو الولد لك عبدٌ .و تنصب ابن زمعة على النداء المضاف .

    انتهينا من بيان السبب الأول في اختلاف الفقهاء و هو متى يصلح الحديث الشريف للعمل به ورأينا انه يدور على اربع نقاط و هي :
    1 - الاختلاف في بعض شروط صحة الحديث
    2 - هل تُشترط صحة الحديث ليُعمل به ؟
    3 - اثبات لفظه النبوي الشريف .
    4 - اثبات ضبطه من حيث العربية .
    و سننتقل ان شاء الله لبيان شبهتين تعيشان في اذهاننا و هما :
    - اذا صح الحديث فهو مذهبي
    - صحة الحديث كافية ليُعمل به .

    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------

    (1) و هذا الضبط انما يؤخذ من حكابة العلماء له و تنبيههم الى اختلاف الرواة له فمرده الى النقل لا الى الضبط المطبعي و هذا واضح لا يحتاج طالب علم الى التنبيه اليه . و ما دعاني للتنبيه حكاية عن شيخنا قال : دخل علينا المسجد قبيل اذان الظهر رجل لا اعرفه ثم سُمي لي و هو رجل من كبراء المشوشين على اتباع المذاهب فجلس ينتظر الاذان فلما قال المؤذن اللهُ أكبرَ بفتح الراء انتفض الرجل و غضب و قال : هذا خطأ هذا بدعة فقال شيخنا ما هو الخطأ و البدعة ؟ فقال : هذا مخالف لما ورد في صحيح مسلم فقال الشيخ : و ما الذي في صحيح مسلم ؟؟ فقال الرجل الذي في صحيح مسلم الله اكبرُ بضم الراء فقال له الشيخ : تلقيتم صحيح مسلم عن شيوخكم عن شيوخهم الى الامام مسلم انه روى بضم الراء او هو ضبط المطبعة ؟؟ قال الشيخ : فسكتَ و سكتُ و صلى و انصرف .
    (2) اي كلمة ذكاة الواردة في جملة " ذكاة امه " .
    (3) و المعتزلي ينصبها تمييزا و يجعل ما تركناه مفعولا ثانيا لـ نورث اي : لا نورث ما تركناه صدقةً بل ملكا .


    شبهة اذا صح الحديث فهو مذهبي
    يسبكون هذه الشبهة كما يلي :
    قال الشافعي : اذا صح الحديث فهو مذهبي
    و ها قد صح الحديث فهو في الصحيحين - مثلا - فاذا عملنا به نكون قد عملنا بسنة ثابتة و عملنا بمذهب امام معتبر من ائمة المسلمين و لا يليق بمنطق العلم ان نقول ان مذهب الشافعي هو الذي دوّن عنه في كتب مذهبه فقط .
    الجواب :
    ان كلمة اذا صح الحديث فهو مذهبي قالها الامام الشافعي و غيره من الائمة بل هي لسان حال كل مسلم عقل معنى قول لا اله الا الله محمد رسول الله
    غير ان مرادهم منها هو : اذا صلح الحديث للعمل به فهو مذهبي و نترك توضيح هذا الى عدد من الائمة في مذاهبهم الثلاثة : الحنفي و الشافعي و المالكي فقد بينوا ان هذا هو المراد كما بينوا من يصلح لذلك .
    اما من الحنفية : فقد قال العلامة ابن الشحنة الحنفي في اوائل شرحه على الهداية ما نصه :
    اذا صح الحديث و كان على خلاف المذهب عُمل بالحديث و يكون ذلك مذهبه و لا يخرج مقلده عن كونه حنفيا بالعمل به فقد صح عن الامام ابي حنيفة انه قال : اذا صح الحديث فهو مذهبي و قد حكى ذلك ابن عبد البر عن ابي حنيفة و غيره من الائمة . انتهى كلام ابن الشحنة .
    و قد نقل كلامه هذا ابن عابدين في اول حاشيته 1 : 68 و علق عليه بقوله : و نقله ايضا الامام الشعراني عن الائمة الاربعة و لا يخفى ان ذلك لمن كان اهلا للنظر في النصوص و معرفة محكمها من منسوخها فاذا نظر اهل المذهب في الدليل و عملوا به صح نسبته الى المذهب لكونه صادرا باذن صاحب المذهب اذ لا شك لو علم بضعف دليله رجع عنه و اتبع الدليل الاقوى .
    و قد تعرض ابن عابدين لهذا القول ايضا في رسالته شرح رسم المفتي ص 24 ضمن مجموعة رسائله و نقل كلام ابن الشحنة و قيده بما قيده به في كلامه السابق نقله عن حاشيته بالحرف الواحد ثم زاد قيدا اخر فقال : و اقول ايضا : ينبغي تقييد ذلك بما اذا وافق قولا في المذهب اذ لم يأذنوا في الاجتهاد فيما خرج عن المذهب مما اتفق عليه ائمتنا لان اجتهادهم اقوى من اجتهاده فالظاهر انهم رأوا دليلا ارجح مما رأه حتى لم يعملوا به . (1)
    و احب ان الفت النظر الى امرين :
    احدهما : ان بعض المغررين نقل كلام ابن الشحنة هذا عن حاشية ابن عابدين و اوهم الناس ان ابن عابدين سكت عنه و افهمهم ان هذا هو رأي علماء المذهب و لا سيما ابن عابدين الذي هو خاتمة المحققين المتأخرين في المذهب .
    كما فعلوا مثل ذلك في نقلهم عبارات كهذه عن الميزان الكبرى للشعراني و تستروا وراء كلامه و قالوا للناس انه عالم معتبر صوفي مقبول كلامه عند اتباع ائمة المذاهب و هو كذلك و لكنه كلام حق اريد به باطل و لبس ثوب باطل .
    ثانيهما : ان قول ابن عابدين في تعليقه على كلام ابن الشحنة و لا يخفى ذلك لمن كان اهلا .. قول له اهميته البالغة اذ ان كلمة و لا يخفى هي بمنزلة قولنا نحن في مخاطباتنا اليوم و بدهي .
    فهو رحمه الله يعتبر هذا التقييد من الامور البدهيات مثلا ان قول القائل الشمس طالعة يفيد ان الوقت نهار لا ليل فكذلك قول الامام : اذا صح الحديث فهو مذهبي يفيد افادة بدهية مسلمة لا توقف فيها : ان ذلك لمن كان اهلا للنظر في النصوص و معرفة ناسخها و منسوخها و غير ذلك فلا يجوز للجهلاء او انصاف المتعلمين المغرورين ان يتجرؤوا على هذا المقام .
    و قد اغفل هؤلاء المغررون المشوشون هذا القيد الذي لا بد منه و انا لله و ان اليه راجعون .
    و قد نقل كلام ابن الشحنة و تقييد ابن عابدين له في الحاشية المفسر العلامة عبد الغفار عيون السود الحمصي الحنفي في رسالته النافعة دفع الاوهام عن مسألة القراءة خلف الامام ص 15 و قال :
    هو تقييد حسن لانا نرى في زماننا كثيرا ممن ينسب الى العلم مغترا في نفسه يظن انه فوق الثريا و هو في الحضيض الاسفل فربما يطالع كتابا من الكتب الستة فيرى فيه حديثا مخالفا لمذهب ابي حنيفة فيقول اضربوا مذهب ابي حنيفة على عرض الحائط وخذوا بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد يكون الحديث منسوخا او معارضا بما هو اقوى منه او نحو ذلك من موجبات عدم العمل به و هو لا يعلم بذلك فلو فُوض لمثل هؤلاء العمل بالحديث مطلقا لضلوا في كثير من المسائل و اضلوا من اتاهم من سائل (2)




    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------
    (1) ثم قال ص 25 : لكن ربما عدلوا عما اتفق عليه ائمتنا لضرورة و نحوها كما مر في نسألة الاستئجار على تعليم القرأن و نحوه من الطاعات .
    (2) و ليعلم وقع هذا الكلام و من المراد به اذكر سبب تأليف الشيخ عيون السود لرسالته المنقول عنها كما حدثني به ابن اخيه العلامة عبد العزيز عيون السود امين الفتوى في حمص قال لي : جاء رجل من طرابلس الشام الى الشيخ و قال له : انه ظهر عندنا رجل يقول : من لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الامام فهو كافر فقيل له في ذلك ؟ فقال : لان من لم يقرأها لم تصح صلاته و من لم تصح صلاته فكأنه لم يصل و من لم يصل فهو كافر !!
    و ألح الطرابلسي في الرجاء ان يكتب له الشيخ عبد الغفار جوابا شافيا فكتب له هذه الرسالة في مجلس واحد خلال ساعتين و سماها دفع الاوهام و اعطاها للرجل ثم عرضها الشيخ على بعض علماء حمص فقرظوها ثم طبعها قلت :
    و كلام هذا المجتهد يذكرنا بقال القائل :
    حججٌ تكاسرُ كالزجاجِ تخالها *** حقا و كل كاسرٍ مكسورُ


    و هنا تثور ثائرة أدعياء الدعوة الى العمل بالسنة فيقولون : هل يجوز لكم ان تحكموا بالضلال على من يعمل بالسنة و يفتي الناس بالحديث !!
    فنقول : نعم اذا لم يكن أهلا لهذا المقام و قد سبقنا الى هذا الحكم امام من أئمة العلم بالحديث و الفقه هو الامام ابو محمد عبد الله بن وهب المصري احد أجلاء تلاميذ الامام مالك في المدينة المنورة و الامام الليث بن سعد في مصر قال رحمه الله : الحديث مضلةٌ الا للعلماء . كما في ترتيب المدارك 1 : 96 للامام القاضي عياض رحمه الله و قال الامام ابن ابي زيد القيرواني في كتابه الجامع ص 118 قال ابن عيينة : الحديث مضلة الا للفقهاء . يريد : ان غيرهم قد يحمل شيئا على ظاهره و له تأويل من حديث غيره او دليل يخفى عليه او متروك اوجب تركه غيرُ شيء مما لا يقوم به الا من استبحر و تفقه .
    و اخذه منه شيخ المالكية للمتأخرين خليل بن اسحق الجندي صاحب المختصر الشهير فقاله في خاتمة كتابه الجامع أيضا و هو مخطوط في دار الكتب التونسية و انظر لتفسير هذا القول نحو ما تقدم لابن حجر المكي في فتاويه الحديثية ص 283 .
    و اما من الشافعية : فقد تعرض لهذا القول باختصار الامام النووي رحمه الله في تهذيب الاسماء و اللغات 1 : 51 فقال : احتاط الشافعي رحمه الله فقال ما هو ثابت عنه من اوجه من وصيته بالعمل بالحديث الصحيح و ترك قوله المخالف للنص الثابت الصريح و قد امتثل اصحابنا رحمهم الله وصيته و عملوا بها في مسائل كثيرة مشهورة كمسألة التثويب في اذان الصبح و اشتراط التحلل في الحج بعذر المرض و نحوه و غير ذلك مما هو معروف .
    و لكن لهذا الشرط قلّ من يتصف به في هذه الازمان (1) و قد اوضحته في مقدمة شرح المهذب .
    و اليك ملخصا مما قاله في مقدمة المجموع شرح المهذب . قال رحمه الله 1 : 104 : هذا الذي قاله الشافعي : ليس معناه ان كل احد رأى حديثا صحيحا قال :
    هذا مذهب الشافعي و عمل بظاهره و انما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب و شرطه : ان يغلب على ظنه ان الشافعي رحمه الله لم يقف على هذا الحديث او لم يعلم صحته و هذا انما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها و نحوه من كتب اصحابه الاخذين عنه و ما اشبهها و هذا شرط صعب قلّ من يتصف به .
    و انما اشترطوا ما ذكرنا : لان الشافعي رحمه الله ترك العمل بظاهر احاديث كثيرة رأها و علمها و لكن قام الدليل عنده على طعنٍ فيها او نسخها (2)او تخصيصها او تأويلها .
    قال الشيخ ابن الصلاح : ليس العمل بظاهر ما قاله الشافعي بالهين فليس كل فقيه يسوغ له ان يستقل بالعمل بما رأه حجة من الحديث و فيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي رحمه الله عمدا مع علمه بصحته لمانع اطلع عليه و خفي على غيره كابي الوليد موسى بن ابي الجارود ممن صحب الشافعي قال : صح حديث افطر الحاجم و المحجوم فأقول : قال الشافعي : أفطر الحاجم و المحجوم فردوا ذلك على ابي الوليد لان الشافعي تركه مع علمه بصحته لكونه منسوخا عنده و بين الشافعي نسخه و استدل عليه (3) انتهى كلام النووي و نقله كلام ابن الصلاح .




    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------
    (1) زمن النووي رحمه الله 631 - 676 لا ازماننا هذه .
    و قد يخطر ببال مغالط : انه قد يوجد في ذلك الزمان اناس يتطاولون الى مقام الاجتهاد فتكون كلمة النووي هذه موجهة الى اولئك لا الى العلماء !
    و اقول : ان سيادة العلم و العلماء في ذلك الزمان - القرن السابع - الذي في اوله الفخر الرازي ثم ابن الصلاح و المنذري و العز بن عبد السلام و القرطبيان المفسر و المحدث و ابن المنير و ابي الحسن بن القطان و المقادسة كالضياء المقدسي و ابن قدامة .. و في اخره ابن دقيق العيد ان تلك السيادةت للعلم و للعلماء تمنع من ظهور مثل هذه الفتن و الالعوبات في الدين .
    (2) قال الحاكم في المستدرك 1 : 226 : لعل متوهما يتوهم ان لا معارض لحديث صحيح الاسناد اخر صحيح و هذا التوهم ينبغي ان يتأمل كتاب الصحيح لمسلم حتى يرى من هذا النوع ما يُملّ منه .
    و قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 1 : 413 : و كم من حديث منسوخ و هو صحيح من حيث الصناعة الحديثية .
    و قوله هذا يفسر قوله في شرح النخبة ص 41 لقط الدرر : العلماء متفقون على وجوب العمل بكل ما صح . فكأنه يقول : العلماء متفقون على وجوب العمل بكل ما صلح للعمل به .
    ثم رأيت البقاعي رحمه الله قال في النكت الوفية ص 12 بعد كلام طويل نقله عن شيخه ابن حجر : فقد تحرر ان مرادهم بالصحيح الذي يجب العمل به بأن خلا عن أي معارض و نحوه .
    (3) انظر اختلاف الحديث للامام الشافعي من كتابه الام 8 : 529 و المجموع 6 : 402 .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #3
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    ان صحة الحديث كافية للعمل به

    و قد حصل لابن حبان رحمه الله تسرّع اكبر مما حصل لابن ابي الجارود فانه قال في صحيحه - الاحسان 3 : 435 :
    كل اصل تكلمنا عليه في كتبنا او فرع استنبطناه من السنن في مصنفاتنا هي كلها قول الشافعي و هو راجع عما في كتبه و ان كان ذلك المشهور من قوله و ذاك اني سمعت ابن خزيمة يقول سمعت المزني : يقول سمعت الشافعي يقول : اذا صح لكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فخذوا به و دعوا قولي .
    و نقول لابن حبان قد صح هذا القول او نحوه عن أئمة اخرين فلم لا تنسب ما أصلته و فرعته لهم ايضا ؟؟
    و للامام السبكي رحمه الله رسالة سماها معنى قول الامام المطلبي : اذا صح الحديث فهو مذهبي . طُبعت ضمن المجلد الثاني من مجموعة الرسائل المنيرية من صفحة 98 - 114 نقل في اولها كلام ابن الصلاح و النووي الذي نقلت بعضه ووافقهما عليه و قال ص 102 : هذا تبيين لصعوبة هذا المقام حتى لا يغتر به كل أحد . (2)
    ثم قال بعد سطرين و أما قصة بن ابي الجارود : فالرد فيها على ابن ابي الجارود لتقصيره في البحث لا على حسن كلام الشافعي في نفسه و امكان اتباعه و ممن وافق ابن ابي الجارود عليه : ابو الوليد النيسابوري حسان بن محمد من ذرية سعيد بن العاص من اكابر ائمة اصحابنا توفي سنة 349 كان يحلف بالله ان مذهب الشاافعي انه افطر الحاجم و المحجوم استنادا الى ذلك و غلطه الاصحاب من ان الشافعي تركه مع علمه بصحته لكونه منسوخا عنده (2) .
    كما غلطوا ابن ابي الجارود و هو كمسألة يغلط فيها و بعض المجتهدين لكن تغليط ذلك صعب لاتسارك المدارك ..
    و قد حُكي عن ابي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي و كان فقيها محدثا انه كان لا يقنت في صلاة الصبح يقول :
    صح عندي ان النبي صلى الله عليه و سلم ترك القنوت في صلاة الصبح .. فتركتُ القنوت - يقولها السبكي - في صلاة الصبح مدة ثم علمت ان الذي صح من قوله صلى الله عليه و سلم القنوت في صلاة الصبح هو الدعاء على رعل و ذكوان و في غير صلاة الصبح اما ترك الدعاء مطلقا بعد القيام في صلاة الصبح : ففيه حديث عيسى بن ماهان و فيه من الكلام ما عُرف فرجعت الى القنوت . وانا الان اقنت و ليس في شيء من ذلك اشكال على كلام الشافعي و انما قصور يعرض لنا في بعض النظر . انتهى كلام السبكي .
    و في هذا النص عبرة لمن يعتبر اذا كان هذا حال ابن ابي الجارود و هو من تلاميذ الشافعي و محله في العلم معروف و مثله و اجل منه ابو الوليد النيسابوري و ليس هو من الرواة فقط بل هو من أهل الرواية و أئمة الدراية و مع ذلك يحلف بالله و ينسب الى الشافعي العمل بحديث ترك الشافعي العمل به عمدا لانه منسوخ عنده . اذا كان حال هؤلاء فما القول بأهل زماننا هل يجوز لهم ان يطبقوا على الشافعي مقتضى قوله و هم لا يفقهون للشافعي قولا !!! .


    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------
    (1) اي فالمتجريء على هذا المقام دون أهلية فيه : هو انسان مغرور .
    (2) انظر كلام الذهبي في السير 15 : 493 و تذكرة الحفاظ 3 : 895 .

    و هذا ابو الحسن الكرجي و قد وصفه السبكي كما ترى بالفقيه المحدث و وصفه تلميذه السمعاني بأنه امام ورع عالم فقيه مفتٍ محدث شاعر أديب و مع ذلك ترك القنوت مخالفا لامام مذهبه بحجة صحة الحديث و ان امامه يقول اذا صح الحديث فهو مذهبي و اتركوا قولي و خذوا بالحديث و مع ذلك تعقبه من بعده التاج السبكي رحمه الله لما ترجم له في طبقات الشافعية فانه قال بعد ان ذكر له هذا الرأي 6 : 138 : امامه عقبتان في غاية الصعوبة : صحة الحديث - في النهي عن القنوت - و هيهات ! ان الوصول الى ذلك لشديد عليه عسير و كونه يصير - ترك القنوت - مذهبا شافعيا و هو ايضا صعب .
    و كذلك الامام السبكي كان يقنت في صلاة الفجر بمقتضى مذهبه الشافعي الذي نشأ عليه ثم لما اطلع على قصة الكرجي هذا ترك القنوت ثم تراه عاد اليه و السبكي هو الذي وُصف بحق بالمجتهد المطلق او المجتهد في المذهب و وصفه عصريه الذهبي و بينهما من اختلاف المنزع ما بينهما بأنه شيخ عصره حديثا و فقها فقال له لما تولى السبكي خطابة الاموي بدمشق :
    ليهنِ المنبرَ الامويّ لما *** علاهُ الحاكمُ البحرُ التقيُّ
    شيوخُ العصرِ احفظهم جميعاً *** و أخطبهم و أقضاهم عليّ (1)


    فاذا كان السبكي قد حصل له هذا التردد و هو بهذه المنزلة فهل يجوز لمن هو دونه ان يتمسك بظاهر كلام الشافعي و يسرع الى العمل بما صح من الحديث مشوشا على نفسه و على غيره من الناس متظاهرا انه يعمل بمقتضى قول امام معتبر من ائمة المسلمين معتَمد عندهم فلم ننكر عليه ؟ .


    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------
    (1) علي : هو اسم السبكي و هو علي بن عبد الكافي .

    ثم نقل السبكي في الرسالة المذكورة ص 106 نصا طويلا عن الامام ابي شامة المقدسي فيه كلام يتعلق بما نحن في صدد الحديث عنه و صدّر السبكي هذا النص بقوله : قال ابو شامة تلميذ ابن الصلاح و شيخ النووي و هو من المبالغين في اتباع الحديث ثم نقل كلامه و في اخره :
    يقول ابو شامة : و لا يتأتى النهوض بهذا الا من عالم معلوم الاجتهاد و هو الذي خاطبه الشافعي بقوله :
    اذا وجدتم حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم خلاف قولي فخذوا به و دعوا ما قلت . و ليس هذا لكل أحد .
    و بهذا التبيين الهام جدا من أولئك الائمة المحدثين الفقهاء الاتقياء يتبين لنا من أراده الشافعي في كلامه . و انه رضي الله عنه ما اراد هؤلاء المتطاولين على العلم و العلماء المقعدين في حقيقة أمرهم و واقعهم .
    و ما من علماء المالكيين : فقد نقل السبكي ص 108 عن الامام الحجة الاصولي شهاب الدين القرافي المالكي صاحب كتابي الفروق و الاحكام نقل عنه من كتابه التنقيح و شرحه بيان حال المتأهل لهذا المقام فقال :
    و كثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا و يقولون : مذهب الشافعي كذا لان الحديث صح فيه . و هو غلط لانه لابد من انتفاء المعارض و العلم بعدم المعارض يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة حتى يحسن ان يقال لا معارض للحديث اما استقراء غير المجتهد المطلق فلا عبرة به فهذا القائل من الشافعية ينبغي ان يحصل لنفسه أهلية الاستقراء قبل ان يصرح بهذه الفتيا .
    أي : اذا اردنا ان ننسب الى مذهب الشافعي حكما بناء على صحة حديث فيه فلا يجوز ان ننسب الى مذهب الشافعي حكما بناء على صحة حديث فيه فلا يجوز لنا ان ننسبه اليه الا بعد تبعنا تتبعا كاملا .
    ليحصل لنا علم جازم بعدم وجود دليل اخر يعارضه و لا يحصل العلم بعدم وجود دليل معارض له الا لمن كان له أهلية استقراء الشريعة كاملة لا الاحاديث فقط و هذا لا يكون الا للمجتهد دون سواه .


    وتذكرنا كلمة القرافي المالكي هذه بكلمة لمالكي اخر هو ابو بكر المالكي في رياض النفوس 1 : 181 قالها في ترجمة الامام الكبير أسد بن الفرات تلميذ الامام مالك في المدينة و محمد بن الحسن في بغداد قال : و المشهور عن أسد رحمه الله انه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة و أهل العراق ما وافق الحق عنده و يحق له ذلك لاستبحاره في العلوم و بحثه عنها و كثرة من لقي من العلماء و المحدثين .
    فتأمل الاسباب الثلاثة التي أهلته لذلك : استبحاره في العلوم - بحثه عنها - كثرة شيوخه .
    و لولا ضرورة التأمل و التأني و اشتراط الشروط : لساغ لكل انسان ان ينسب كل مسألة يقتنع بصحة الحديث فيها الى فلان من الائمة و يأتي اخر فينسب القول بالمسألة نفسها الى امام اخر و يأتي ثالث فيقتنع بصحة حديث مخالف في المسألة نفسها فينسب القول به الى الامام الاول و الثاني و هكذا الى مالا نهاية له من الاضطراب في العلم و البلبلة في الدين تحت شعار تطبيق : اذا صح الحديث فهو مذهبي !! .
    و حينئذ يتسع الخرق و تمتد الفوضى الى دعوى الاجماع على كل مسألة حصل لاحدنا الاقتناع بصحة الحديث فيها ! لان هذا المعنى - اذا صح الحديث فهو مذهبي - هو لسان حال كل عالم بل كل مسلم كما اسلفته أول كلامي عن هذه الشبهة .
    فان قيل : فما مراد الائمة من تقرير هذه الكلمة و ما شابهها في نفوس أصحابهم فمن بعدهم ؟؟
    فالجواب ما قاله المحقق الاصولي مولانا حبيب احمد الكيرانوي في المقدمة الثانية لـ اعلاء السنن و التي طُبعت قديما باسم انهاء السكن و اُعيد طباعتها حديثا باسم قواعد في علوم الفقه قال ص 57 من الطبعة الاولى و صفحة 64 من الطبعة الثانية : حقيقة هذه الاقوال : هو اظهار الحقيقة الواقعة بأن الحجة هو قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا قولي فلا تظنوا قولي حجة مستقلة و انا ابرأ الى الله مما قلته خلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذه الحقيقة لا تستلزم ما نسب هذا القائل اليه - أي الى الشافعي - من تجويز نسبة كل قول صح الحديث به عند كل قائل اليه فاعرف ذلك و لا تغتر بأمثال هذه الكلمات .. الى اخر كلامه الدقيق المتين .


    و خلاصة هذا الجواب عن شبهة اذا صح الحديث فهو مذهبي من كلام هؤلاء الائمة : ابن عابدين و ابن الصلاح و ابي شامة و النووي و القرافي و السبكي :
    انه لا يصل الى رتبة ادعاء نسبة حكم ما الى مذهب الشافعي و غيره بناء على قوله اذا صح الحديث فهو مذهبي الا من وصل الى رتبة الاجتهاد او قاربها .
    و بهذا يتبين : انه لا يحق لامثالنا ان يعمل بمجرد وقوفه على حديث ما - ولو كان صحيحا - و يدعي انه مذهب للشافعي و انه اذا عمل به فقد عمل بمذهب فقهي معتبر لامام معتمد .
    و يتبين ايضا ان جماعة من كبار العلماء السابقين عملوا بظاهر هذا القول فغلطهم من بعدهم او اضطرب تطبيقهم فما على العاقل الا الاعتبار !
    و مع هذا فلا ننكر ان كلمة الامام هذه لها حقيقة واقعية كما تقدم من كلام النووي المنقول عن تهذيب الاسماء و اللغات ص 41 و من هذا القبيل ما علق الامام الشاافعي القول به على صحة الحديث و قد ذكر الحافظ في الفتح 4 : 380 اوائل كتاب المحصر في الحج ذكر حديث عائشة : محلي حيث حبستني . و قال هو أحد المواضع التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث و قد جمعتها في كتاب مفرد مع الكلام على تلك الاحاديث .
    و اقول بعد هذا البيان : افلا يحق لنا ان نعتبر مع واقع غيرنا على علمهم و فضلهم (1) فنثبت عند اقوال الامام الذي يسر الله لنا الاقتداء به منذ اول نشأتنا ؟!!
    و قد اثارت هذه الكلمة حفيظة بعض الناس ففهم ان هذا تقليد اعمى و ان المقلد يساوي عند العلماء : الجاهل ثم لا تمر صفحة واحدة الا و يناقض نفسه لان المقام اعوزه الى التناقض فقال عن الذين لم تكتمل الات الاجتهاد فيهم : هم : امثال جماهير علماء اليوم !!
    و هو يعترف بأن جماهير علماء اليوم من المقلدين فهل يصف الجاهل بأنه لم تكتمل الات الاجتهاد فيه . الا جاهل أشد جهلا منه .
    ان هذا التناقض لا يكون الا في منطق من اذا ذكر اصحاب الملايين من الليرات الذهبية قال : لكن فلانا لا يملك هذا المقدار فاذا سئل : فماذا يملك ؟ اجابك : بأنه مدين عاجز عن تأمين قوت يومه لنفسه و عياله . فاذا انكرت عليه هذه الحماقة في المقايسة قال لك : أليس صحيحا انه لا يملك الملايين من لا يملك قوت يومه !
    و هكذا منطق هذا المأفون : يصف المقلد بالجاهل و ان هذه قيمته عند العلماء فاذا جاوز صفحة يقول : انه لم تكتمل فيه الات الاجتهاد !!
    و حقا : ان من قارب اكتمالها لم تكتمل فيه و ان من لا يعرف حرف هجاء من العلوم الشرعية لم تكتمل فيه ايضا ! فأي فرق بين هذين المنطقين !!
    لقد عشي بصره عن القصة التي حكاها ابن تيمية في المسودة ص 516 و تلميذه ابن القيم في اعلام الموقعين 1 : 45 عن الامام احمد ان رجلا سأل الامام : اذا حفظ الرجل مائة الف حديث يكون فقيها ؟ قال : لا . قال : فمائتي الف ؟ قال : لا . قال : فثلائمائة الف ؟ قال : لا . قال : فأربعمائة الف ؟ قال بيده هكذا : وحرك يده . يعني : لعله يكون فقيها يفتي الناس باجتهاده .
    ثم ذكر الشيخان ابن تيمية و تلميذه عن احد ائمة الحنابلة ابن شاقلا انه قال : لما جلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة - حكاية الرجل مع احمد - فقال لي رجل : فأنت هو ذا لا تحفظ هذا المقدار حتى تفتي الناس ! فقلت له : عافاك الله . ان كنت لا احفظ هذا المقدار فانني هو ذا افتيأفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار و اكثر منه . يريد انه يفتي الناس بقول الامام احمد الذي اانتقى مسنده من اكثر من 750 الف حديث !!
    و بعد هاتين القصتين علّف ابن تيمية بقوله : اذا اخبر المفتي بقول امامه فقد اخبر بعلم . و هو في الحقيقة مبلغ لقول امامه فلم يخرج عن العلم .
    فمن الجاهل اذا ؟!!
    ان الجاهل حقا هو الذي يستعمل المصطلح العلمي الاصولي (عامي) بالمعنى المتعارف عليه المتبادر الى الذهن من كلمة (جاهل) .
    و ان الجاهل كل الجهل من يطول قلمه و لسانه بحيث لا يستطيع عاقل ان يجاريه فيه .
    في ختام الحديث عن احتجاجهم بقول الائمة : اذا صح الحديث فهو مذهبي اقول :
    ان البلية في هؤلاء الجهلة انهم ينقلون كلاما للعلماء قد قالوه بلغتهم و مصطلحاتهم و لمن هو في مستواهم فينقله هؤلاء و يطبقونه على انفسهم و ليسوا اهلا له و يلقنونه للمخدوعين بهم ليجابهوا به اهل العلم و يفحموهم .. على زعمهم !!
    و مثلهم في تلقينهم ذلك : مثل شخص يأتي بقطعة سلاح ماض فتاك تفتك بمجرد لمسها فيضعها بين يدي طفل يحبو يريد ان تصل يده الى كل شيء و هو يظن انه قادر على الوصول الى كل شيء ليلهو به .
    او يأتي هذا الانسان بقطعة سم زعاف ملونة مزخرفة مطلية بالحلو فيضعها امام طفل تريفه امه على الفطام يريد ان يصل الى كل براق لماع حلو المنظر و المطعم ليأكله فيكون حتفه في كلتا الحالتين نسأل الله السلامة .




    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------
    (1) اضفت قولي : على علمهم و فضلهم تفسيرا للضمير في قولى غيرنا اي العلماء الذين ارادوا تطبيق كلمة الشافعي فوقعوا فيما انتقدوا فيه .




    الشبهة الثانية : و هي ان صحة الحديث كافية للعمل به .


    فتقريرها على لسان حال قائلها : ان الله تعالى تعبدنا باتباع النبي الكريم عليه افضل الصلاة و اتم التسليم فاذا صح عنه الحديث كان ذلك كافيا للعمل به و اتباعه صلى الله عليه و سلم فيه و لا يجوز لمسلم ان يتوقف عن العمل بحديث صحيح بلغه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يتعبد الله عز و جل احدا من خلقه باتباع احد مهما سما قدره في العلم ما دام غير معصوم .
    الجواب :
    انها شبهة قائمة على جملتين :
    اولاهما : صحة الحديث كافية للعمل به .
    ثانيتهما : اننا مأمورون باتباع النبي صلى الله عليه و سلم لا باتباع فلان و لا فلان من الناس .
    الجواب عن الاولى مستفاد من الجواب على مقولة اذا صح الحديث فهو مذهبي فكذلك نقول هنا : ان معنى صحة الحديث كافية للعمل به معناها :
    صلاحية الحديث للعمل به كافية لذلك و صلاحيته للعمل تكون بعد استكمال سنده و متنه شروطا كثيرة جدا منها :
    الشروط الحديثية و الشروط الاصولية و ليس الامر موقوفا على النظر في رجال اسناده كما يظن الناس ! .
    انما هذه مهمة كبرى من مهمات الائمة المتضلعين من الحديث و علومه و الاصول و فروعه . و بسبب هذا الفهم الخاطيء يكون اهدار السنة التي يريدون نصرتها قبل اهدار الفقه و فيه تضليل للناس !.
    روى ابن ابي خيثمة كما في شرح علل الترمذي 1 : 413 و ابو نعيم في الحلية 4 : 225 كلاهما من طريق عيسى بن يونس عن الاعمش عن ابراهيم النخعي انه قال : اني لاسمع الحديث فانظر الى ما يؤخذ به فآخذ به و أدع سائره .
    و روى الامام الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2 : 130 بسنده الى القاضي المجتهد ابن ابي ليلى قال : لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه و يدع .
    و روى ابو نعيم في الحلية 9 : 3 اول ترجمة الامام عبد الرحمن بن مهدي قال : لا يجوز ان يكون الرجل اماما حتى يعلم ما يصح و ما لا يصح و حتى لا يحتجّ بكل شيء و حتى يعلم بمخارج العلم .
    و روى الامام الحافظ ابن حبان رحمه الله بسنده في مقدمة كتابه المجروحين 1 : 42 الى الامام عبد الله بن وهب انه قال :
    لقيت ثلاثمائة عالم و ستين عالما و لولا مالك و الليث لضللت في العلم .
    ثم روى عنه قوله ايضا : اقتدينا في العلم باربعة : اثنان بمصر و اثنان بالمدينة : الليث بن سعد و عمرو بن الحارث بمصر و مالك و الماجشون بالمدينة و لولا هؤلاء لكنا ضالين .
    و روى عنه نحو هذا ابن ابي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ص 22 و الحافظ ابن عبد البر في الانتقاء ص 27 و علق الكوثري على الانتقاء ما يوضح سبب الضلال لولا انقاذ الله تعالى له فقال : و لفظ ابن عساكر (1) بسنده الى ابن وهب : لولا مالك بن انس و الليث لهلكت كنت اظن ان كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم يُفعل به و في رواية : لضللت .يعني لاختلاف الاحاديث قال الكوثري : كما يقع لكثير من الرواة البعيدين عن الفقه غير المميزين ما قارن العمل عما سواه .
    و لفظ رواية القاضي عياض في ترتيب المدارك 2 : 427 : قال ابن وهب : لولا ان الله انقذني بمالك و الليث لضللت . فقيل له : كيف ذلك ؟ قال : اكثرت من الحديث (2) فحيرني فكنت اعرض ذلك على مالك و الليث فيقولان لي : خذ هذا و دع هذا .
    و من هنا قال سفيان الثوري (3) منبها و متخوفا من هذه الحيرة : تفسير الحديث خير من سماعه كما في جامع بيان العلم 2 : 175 .
    و قال الامام ابو علي النيسابوري : الفهم عندنا أجل من الحفظ . تذكرة الحفاظ ص 776 .
    و في الفقيه و المتفقه 2 : 80 للخطيب البغدادي : ان رجلا سأل ابن عقدة عن حديث فقال له : اقلّوا من هذه الاحاديث فانها لا تصلح الا لمن علم تأويلها فقد روى يحيى بن سليمان عن ابن وهب قال : سمعت مالكا يقول : كثير من هذه الاحاديث ضلالة لقد خرجت مني احاديث لوددت اني ضُربت بكل حديث منها سوطين و اني لم أحدث به .
    و علّق هنا الشيخ اسماعيل الانصاري حفظه الله تعالى بقوله : انما هذا بالنسبة لمن يضعها غير مواضعها .
    و في الجامع لاخلاق الراوي و اداب السامع للخطيب البغدادي 2 : 109 قال الشافعي : قيل لمالك بن انس : ان عند رواية ابن عيينة عن الزهري اشياء ليست عندك فقال مالك : و انا كل ما سمعته من الحديث أحدث به ؟ انا اذا اريد ان أضلهم .
    و لهذا قال ابن وهب كلمته : الحديث مضلة الا للعلماء . يريد : الا للفقهاء كما جاء لفظ ابن عيينة المتقدم .


    الـــهـــوامـــش :
    ----------------------------------
    (1) و هو لفظ البيهقي ايضا و عزاه اليه ابن رجب في شرح العلل 1 : 413
    (2) نقل التاج السبكي في طبقاته 2 : 128 عن الامام احمد بن صالح المصري انه قال : صنف ابن وهب مائة الف و عشرين الف حديث ! .
    (3) راويها عن سفيان : ابو اسامة حماد بن اسامة الكوفي احد الثقات و حصل سقط في الجامع للخطيب 2 : 111 فيصحح .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #4
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    و روى الامام الترمذي في سننه 3 : 372 رقم 990 حديث أم عطية في وصف غسل زينب بنت النبي صلى الله عليه و سلم لما توفيت و علق عليه كلاما طويلا و ختمه بقوله : و كذلك قال الفقهاء و هم أعلم بمعاني الحديث .
    و لهذا أيضا أوصى الامام مالك ابني أخته أبا بكر و اسماعيل ابني ابي اويس فقال لهما : أراكما تحبان هذا الشأن - جمع الاحاديث - و سماعه و تطلبانه !! قالا : نعم . قال : ان احببتما ان تنتفعا به و ينفع الله بكما فأقلا منه و تفقها . رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 242 - 559 و الخطيب في الفقيه و المتفقه 2 : 82 .
    و روى الخطيب ايضا بسنده الى ابي نعيم الفضل بن دكين أحد مشاهير شيوخ البخاري قال ابو نعيم : كنت أمر على زفر بن الهذيل من كبار أصحاب الامام أبي حنيفة و هو محتب بثوب فيقول : يا أحول تعال حتى أغربل لك أحاديثك فأريه ما قد سمعت فيقول :هذا يؤخذ به و هذا لا يؤخذ به و هذا ناسخ و هذا منسوخ .
    و لهذا كان الامام مالك ينتقي من يأخذ عنه الحديث فكان الى جانب كون الرجل ثقة مقبولا كان ينتقيه ليكون من أهل الدراية و الفهم لما يرويه .
    قال القاضي عياض في ترتيب المدارك 1 : 124 :قال ابن وهب : نظر مالك الى العطاف بن خالد و هو من مقبولي الرواية فقال مالك بلغني أنكم تأخذون من هذا !
    فقلت : بلى . فقال : ما كنا نأخذ الا من الفقهاء .
    و قدوته في هذا شيخه الامام ربيعة الرأي فقد أسند الخطيب في الكفاية ص 169 عن مالك ان ربيعة قال لابن شهاب الزهري : .. أنت تحدث عن النبي صلى الله عليه و سلم فتحفّظ في حديثك .
    و شيخه الاخر أمير المؤمنين في الحديث أبو الزناد عبد الله بن ذكوان فقد أسند اليه ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2 : 98 أنه قال :و ايم الله ان كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه و الثقة و نتعلمها شبيها بتعلمنا آي القرأن .و سبقهما الى هذا امام أهل الكوفة ابراهيم النخعي فقد روى عنه الخطيب ان المغيرة الضبي تأخر عن مجلس ابراهيم فقال له ابراهيم : يا مغيرة ما أبطأ بك ؟ قال : قدم علينا شيخ - أي رجل من الرواة - فكتبنا عنه أحاديث .
    فقال ابراهيم : لقد رأيتنا و ما نأخذ الاحاديث الا ممن يعلم حلالها من حرامها و حرامها من حلالها و انك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرف حلاله عن حرامه و حرامه عن حلاله و هو لا يشعر .
    و روى الخطيب في الفقيه و المتفقه 2 : 15 كلاما طويلا للامام المزني وارث علوم الامام الشافعي و في اخره يقول المزني : فانظروا رحمكم الله على ما أحاديثكم التي جمعتموها و اطلبوا العلم عند أهل الفقه تكونوا فقهاء .و قال ابن حجر في لطائف الاشارات 1 : 80 : ويرحم الله امام دار الهجرة مالك بن أنس فقد روي عنه فيما ذكره الهذلي انه سأل نافعا عن البسملة ؟
    فقال : السنة الجهر بها فسلّم اليه مالك و قال : كل علم يسأل عنه أهله .فهذا بعض ما يتعلق بضرورة الرجوع الى الائمة الفقهاء مع النظر في السنة و ليس كما يزعم الزاعمون : ان صحة الحديث كافية لوجوب العمل به .
    و ثمة أمر اخر يتعلق بهذا الزعم يجب بيانه لينكشف بطلان هذا الزعم و تزييفه .
    دلّ واقع سلفنا رضي الله عنهم من الصحابة فمن بعدهم على أنهم لم يكونوا يكتفون برواية الحديث لهم ليأخذوا به و يطبقوه بل كانوا ينظرون هل عُمل به أو لم يُعمل به ؟ و قد سبق قريبا قول العلامة الكوثري : كما يقع لكثير من الرواة البعيدين عن الفقه غير المميزين ما قارن العمل عما سواه .
    و هذه كلمة مطولة أنقلها بتمامها من كتاب الجامع للامام ابن أبي زيد القيرواني المالكي المتوفى 386 ثم أنقل نحوها من ترتيب المدارك للقياضي عياض 1 : 66 فيهما بيان موقف السلف من السنة التي عمل بها بعضهم فيعملون بها أو لم يعمل بها أحد فيتركون العمل بها و ان رُويت عن الثقاتقال ابن ابي زيد القيرواني في كتاب الجامع ص 117 و هو يعدد عقائد أهل السنة و الحق و هديهم : و التسليم للسنن لا تُعارض برأي و لا تُدافع بقياس و ما تأوله السلف الصالح تأولناه و ما عملوا به عملناه و ما تركوه تركناه و يسعنا أن نمسك عما أمسكوا و نتبعهم فيما بينوا و نقتدي بهم فيما استنبطوه و رأوه في الحوادث و لا نخرج فيما اختلفوا فيه أو في تأويله .
    و كل ما قدمناه ذكره فهو قول أهل السنة و أئمة الناس في الفقه و الحديث على ما بيناه و كله قول مالك فمنه منصوص من قوله و منه معلوم من مذهبه .
    قال مالك : و العمل أثبت من الاحاديث .
    قال من أقتدي به : انه يصعب ان يقال في مثل ذلك : حدثني فلان عن فلان و كان رجال من التابعين تبلغهم عن غيرهم الاحاديث فيقولون : ما نجهل هذا و لكن مضى العمل على خلافه .
    و كان محمد بن ابي بكر بن حزم ربما قال له أخوه : لمَ لمْ تقضِ بحديث كذا ؟ فيقول لم أجد الناس عليه .قال النخعي : لو رأيت الصحابة يتوضؤون الى الكوعين أي الى الرسغين لتوضأت كذلك و انا أقرأها الى المرافق و ذلك لانهم لا يُتهمون في ترك السنن و هم أرباب العلم و أحرص خلق الله على اتباع رسول الله عليه السلام فلا يظن ذلك بهم أحد الا ذو ريبة في دينه .
    قال عبد الرحمن بن مهدي : السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث .
    قال ابن عيينة : الحديث مضلة الا للفقهاء يريد : ان غيرهم قد يحمل شيئا على ظاهره و له تأويل من حديث غيره او دليل يخفى عليه او متروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم به الا من استبحر و تفقه .قال ابن وهب : كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال .
    و لولا الله أنقذنا بمالك و الليث لضللنا .ثم قال في ص 146 : قال مالك : لم يكن بالمدينة قط إمام أخبرَ بحديثين مختلفين .
    قال أشهب : يعني : لا يحدث فيها بما ليس عليه العمل .
    قال القاضي عياض : باب ما جاء عن السلف و العلماء في وجوب الرجوع الى عمل أهل المدينة و كونه حجة عندهم و ان خالف الاكثر .
    روي أن عمر بن الخطاب قال على المنبر : أحرّج بالله على رجل روى حديثا العمل على خلافه .
    و قال ابن القاسم و ابن وهب : رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث . قال مالك : و قد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالاحاديث و تبلغهم عن غيرهم فيقولون : ما نجهل هذا و لكن مضى العمل على غيره .
    قال مالك : رأيت محمد بن أبي بكر بن حزم و كان قاضيا و كان أخوه عبد الله كثير الحديث رجل صدق فسمعت عبد الله اذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفا للقضاء يعاتبه و يقول له : ألم يأت في هذا حديث كذا ؟ فيثول : بلى ! فيقول أخوه : فمالك لا تقضي به ؟ فيقول : فأين الناس عنه ؟ (1) .
    يعني : ما أجمع عليه من العلماء بالمدينة . يريد : ان العمل أقوى من الحديث .

    الــــــــــــــــــهـوامـــــش :-------------------------------------------

    (1) انظر في هذا الجواب و تأمله ثم استعذ بالله من تهور المتهورين .

    و أما نعي الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2 : 171 و نقله أبيات المنذر بن سعيد البلوطي التي يتغنى بها الشّذّاذ : فهذا قد جاء منهما - و من غيرهما - بلسان العلماء أهل النظر و التمكن من أدوات الاجتهاد يعارضهم المقلدون و لسان حالهم ناطق بذلك و قد نُبّه الى أن هذا هو مريد المنذر بن سعيد العلامة الاصولي محمد الخضر حسين في محاضرته عن مدارك الشريعة الاسلامية ص 24 .
    و لا يُتصور من مثل الحافظ ابن عبد البر امام الممغرب ان يفتح للجهلاء جهلا مركبا بابَ الاجتهاد بل باب الترجيح بين أئمة الاجتهاد !! .
    في حين ان هؤلاء الادعياء لا يحسنون قراءة سطر واحد من كتب العلم و لم يأتوا بما يقولونه من عندهم و نتيجة تحصيلهم و مزاحمتهم الشيوخ بالركب انما يأتون به من عند من يفتح لهم باب الاجتهاد على مصراعيه ثم يلزمهم بتقليده .
    و ابن عبد البر انما نعى على من يعارض السنة برأيه و ردها .
    لا على من قلد اماما يعتقد فيه أنه ما قال ما قاله الا بناء على سنة أو دليل يصلح للاعتماد عليه عنده .
    و انظر قوله الفصل البيّن بعد صفحة واحدة من أبيات القاضي منذر بن سعيد .
    قال و هو يعنف الفريقين : فريق المغرقين في الرأي المعرضين عن النظر في السنة و فريق المتطاولين المتعالمين و هم جهال :و من أعفى نفسه من النظر و أضرب عما ذكرنا و عارض السنن برأيه و رام ان يردها الى مبلغ نظره : فهو ضال مضل و من جهل ذلك كله - وسائل الاجتهاد - و تقحم في الفتوى فهو أشد عمى و أضل سبيلا .
    و قال 2 : 114 بعد ان ساق كلاما في ذم التقليد : و هذا كله لغير العامة فان العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة لانها لا تتبين موقع الحجة و لا تصل بعدم الفهم الى علم ذلك .
    لان العلم درجات لا سبيل منها الى اعلاها الا بنيل أسفلها و هذا هو الحائل بين العامة و بين طلب الحجة .
    ولم تختلف العلماء ان العامة عليها تقليد علمائها و انهم المرادون بقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .
    واجمعوا على ان الاعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بخبره بالقبلة اذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له و لا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه .
    و كذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل و التحريم و القول في العلم .
    و قال ابن المعذل : سمعت إنسانا سأل ابن الماجشون : لما رويتم الحديث ثم تركتموه ؟ فقال : ليُعلم اننا على علم تركناه . (1)
    و قال ابن مهدي : السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث .
    و قال ايضا : إنه ليكون عندي في الباب الأحاديث الكثيرة فأجد أهل العرصة - أي الحيّ - على خلافه فيضعف عندي .
    و قال ربيعة : ألف عن ألف أحب إلي من واحد عن واحد لان واحدا عن واحد ينتزع السنة من أيديكم .
    قال ابن أبي حازم : كان أبو الدرداء يُسأل فيجيب فيقال : انه بلغنا كذا و كذا - بخلاف ما قال - فيقول : و أنا قد سمعته .
    ولكني أدركت العمل على غير ذلك .قال ابن أبي الزناد : كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء و يسألهم عن السنن و الأقضية التي يُعمل بها فيثبتها و ما كان منه لا يعمل به الناس ألغاه و ان كان مخرجه من ثقة .هذا كلام القاضي عياض .
    و انظر كلام الحافظ البغدادي في كتاب الفقيه و المتفقه 1 : 122 فإنه بوب بابا رئيسيا " باب القول فيما يرد به خبر الواحد " و افتتحه بالاسناد الى محمد بن عيسى الطباع أحد الحفاظ الكبار الموصوفين بالفقه من أصحاب الامام مالك .
    قال :كل حديث جاءك عن النبي صلى الله عليه و سلم لم يبلغك أن أحدا من أصحابه فعله : فدعه .
    و ترجم الحافظ الذهبي في السير 16 : 404 لشيخ الشافعية بالعراق ابي القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي و مما قال في ترجمته :قال ابن خلكان : كان يتهم بالاعتزال و كان ربما يختار في الفتوى فيقال له في ذلك ؟ فيقول : ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا و كذا و الاخذ بالحديث أولى من الاخذ بقول الشافعي و ابي حنيفة .
    و علّق الذهبي على هذا بقوله : قلت هذا جيد لكن بشرط أن يكون قد قال بذلك الحديث امام من نظراء هذين الامامين مثل : مالك او سفيان او الاوزاعي و بأن يكون الحديث سالما من العلل و بأن لا يكون حجة ابي حنيفة و الشافعي حديثا صحيحا معارضا للاخر أما من أخذ بحديث صحيح و قد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد : فلا .
    و أسند الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 318 الى الامام الاوزاعي انه قال : كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزائف فما عرفوا منه أخذنا به و ما أنكروا تركنا .و حلية العالم أن يأخذ بكلا الامرين : الحديث و الفقه فلا يطغى أحدهما على الاخر
    قال القاضي عياض في ترتيب المدارك 2 : 541 :في ترجمة الامام العاقل يحيى بن يحيى الليثي رواية المطأ عن مالك قال : قال يحيى : كنت اتي عبد الرحمن بن القاسم فيقول لي : من أين يا ابا محمد ؟ فأقول من عند عبد الله بن وهب فيقول لي : اتق الله فإن اكثر هذه الاحاديث ليس عليها العمل - يريد عمل أهل المدينة - ثم أتي عبد الله بن وهب فيقول لي :من أين ؟ فأقول : من عند ابن القاسم فيقول لي : اتق الله فإن اكثر هذه المسائل رأي . (2)
    ثم يرجع يحيى الى نفسه فيقول : رحمهما الله فكلاهما قد أصاب . نهاني ابن القاسم عن اتباع ما ليس عليه العمل من الحديث و أصاب و نهاني ابن وهب عن كلفة الرأي و كثرته و أمرني بالاتباع و أصاب .
    ثم قال يحيى : اتباع ابن القاسم في رأيه رشد و اتباع ابن وهب في أثره هدى .
    و أسند أبو نعيم في الحلية 4 : 325 الى الامام ابراهيم النخعي قال : لا يستقيم رأي الا برواية و لا رواية الا برأي .
    و نحوه قول الامام محمد بن الحسن الشيباني الذي حكاه عنه الامام السرخسي في أصوله 2 : 113 : لا يستقيم العمل بالحديث الا بالرأي و لا يستقيم العمل بالرأي الا بالحديث .
    و قال القاضي الرمهرمزي في مقدمة المحدث الفاصل ص 160 ينصح علماء عصره البغداديين حيث استطال على أهل الحديث قال :فألا تأدب بأدب العلم و خفض جناحه لمن تعلق بشيء منه .. و وفى الفقهاء حقوقهم من الفضل و لم يبخس الرواة حظوظهم من النقل و رغب الرواة في التفقه و المتفقهة في الحديث و قال بفضل الفريقين و حض على سلوك الطريقين فانهما يكملان اذا اجتمعا و ينقصان اذا افترقا .و هذا هو و الله الكمال .

    الــــــــــــــــــهـوامـــــش :-------------------------------------------

    (1) قال الرامهرمزي رحمه الله في المحدث الفاصل ص 322 و ليس يلزم المفتي أن يفتي بجميع ما روى و لا يلزمه أن يترك رواية مالا يفتي به . و على هذا مذاهب جميع فقهاء الامصار .
    (2) الى هنا رواه ابن عبد البر بسنده في جامع بيان العلم 2 : 159 .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #5
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    و قال الامام ابو سليمان الخطابي في مقدمة شرحه على سنن أبي داود معالم السنن 1 : 3 : رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين و انقسموا فرقتين :
    أصحاب حديث و أثر و أهل فقه و نظر و كل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة و لا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية و الارادة لأن الحديث
    بمنزلة الاساس الذي هو الاصل و الفقه هو البناء الذي هو كالفرع و كل بناء لم يوضع على قاعدة و أساس فهو منهار و كل أساس خلا عن بناء و عمارة
    فهو قفر و خراب .
    و قال الحافظ السخاوي في فتح المغيث 3 : 50 : ووراء الاحاطة بما تقدم الاشتغال بفقه الحديث و التنقيب عما تضمنه من الاحكام و الاداب المستنبطة منه ..
    و الكلام فيه متعين .. و هذه صفة الائمة الفقهاء و المجتهدين الاعلام كالشافعي و مالك و أحمد و الحمادين و السفيانين و ابن المبارك و ابن راهويه و الاوزاعي
    و خلق من المتقدمين و المتأخرين و في ذلك أيضا تصانيف كثيرة .
    و قد روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمته لابي زرعة الرازي قال : تفكرت ليلة في رجال فأُريت فيما يرى النائم كأن رجلا ينادي : يا أبا زرعة فهم متن الحديث خير من التفكر في الموتى .
    أي : في رجال اسناد الحديث الذين ماتوا .
    و لهذا كان ابو زرعة نفسه يقول : عليكم بالفقه فإنه كالتفاح الجبلي يُطعم من سنته . كما في الصلة لابن بشكوال 2 : 429 .
    و قد أفرد الامام الحاكم نوعا من أنواع علوم الحديث أشار في مقدمته بأهمية التفقه في الحديث .ثم ذكر بعض أئمة فقهاء المحدثين فقال في معرفة علوم الحديث ص 63 : النوع العشرون من هذا
    العلم معرفة فقه الحديث اذ هو ثمرة هذه العلوم و به قوام الشريعة فأما فقهاء الاسلام أصحاب القياس و الرأي و الاستنباط و الجدل و النظر : فمعروفون في كل عصر و أهل كل بلد و نحن ذاكرون
    بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن اهله ليُستدل بذلك على ان اهل هذه الصنعة و من تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث اذ هو نوع من أنواع هذا العلم .
    و لابن حبان كلام طويل ينعى فيه على دهماء رواة الحديث و عوامهم انظره في البحر الذي زخر للحافظ السيوطي 9 : آ
    و للخطيب البغدادي في أول كتابه الكفاية كلام أطول بكثير يرجع محصله الى ما نقلته على الامام النخعي و محمد بن الحسن و من بعدهم من استوفاه كان من الكملة و فقنا الله لمرضاته .
    و قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالته الطيبة النافعة : فضل علم السلف على الخلف ص 9 :
    أما الائمة و فقهاء أهل الحديث فانهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان اذا كان معمولا به عند الصحابة و من بعدهم أو عند طائفة منهم فأما ما تفق على تركه فلا يجوز العمل به لانهم
    ما تركوه الا على علم أنه لا يُعمل به قال عمر بن عبد العزيز : خذوا من الرأي ما كان يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم .
    ثم قال ص 13 : و ليكن الانسان على حذر مما حدث بعدهم - بعد الائمة الشافعي و أحمد و نحوهم - فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة و حدث منِ انتسب الى متابعة السنة و الحديث من
    الظاهرية و نحوهم . و هو أشد مخالفة لها - أي للسنة - لشذوذه عن الائمة و انفراده عنهم بفهمٍ يفهمه أو بأخذ ما لم يأخذ به الائمة من قبله .

    و في اعلام الموقعين 1 : 44 عن الامام أحمد انه قال : اذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه و سلم و اختلاف الصحابة و التابعين فلا يجوز أن يعمل بما شاء
    و يتخير فيقضي به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح .
    فليلاحظ قوله : حتى يسأل أهل العلم ما يأخذ به . ففيه تنبيه الى انه قد يصح الحديث عند الرجل فيفتي به اعتمادا على صحته و ان صحة الحديث كافية للعمل به و لكن الامام أحمد ينبه الى أن هذا التسرع
    و الافتاء الاعتباطي لا يجوز بل لابد من سؤال أهل العلم و هم أهل الفقه و المعرفة و هل يُؤخذ بهذا الحديث أو لا و هم يفتونه .
    و قال سفيان الثوري : قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها . كما نقله عنه الحافظ بن رجب في شرح العلل 1 : 29 و تقدم نقلنا عن ابن ابي ليلى :
    لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه و يدع .
    و قد علّق الذهبي في السير 18 : 191 في ترجمة ابن حزم بعد ان نقل قوله : أنا أتبع الحق و أجتهد و لا أتقيد بمذهب . علّق عليه فقال : قلت : نعم من بلغ رتبة الاجتهاد و شهد له بذلك عدة من الائمة لم يسع له أن يقلد
    كما أن الفقيه المبتدىء العامي الذي يحفظ القرأن أو كثيرا منه لا يسوغ له الاجتهاد أبدا فكيف يجتهد ؟ و ما الذي يقول ؟ و علام يبني ؟ و كيف يطير و لما يريّش ؟
    و القسم الثالث : الفقيه المنتهي اليقظ الفم المحدث الذي قد حفظ مختصرا في الفروع و كتابا في قواعد الأصول و قرأ النحو و شارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله و تشاغله بتفسيره و قوة مناظرته فهذه رتبة من بلغ
    الاجتهاد المقيد . و تأهل للنظر في دلائل الائمة فمتى وضح له الحق في مسألة و ثبت فيها النص و عمل بها أحد الائمة الأعلام كأبي حنيفة مثلا أو كمالك او الثوري : فليتبع فيها الحق و لا يسلك الرخص و ليتورع و لا
    يسعه فيهابعد قيام الحجة عليه تقليد فان من خاف ممن يشغب عليه من الفقهاء فليتكلم بها و لا يتراءى بفعلها فربما أعجبته نفسه و أحب الظهور فيعاقب و يدخل عليه الداخل من نفسه . فكم من رجل نطق بالحق و أمر بالمعروف فيسلط الله
    عليه من يؤذيه لسوء قصده و حبه للرئاسة الدينية فهذا داء خفي في نفوس الفقهاء . انتهى كلام الذهبي
    قلت : قف عند قول الذهبي : متى وضح له الحق في مسألة و ثبت فيها النص و عمل بها أحد الائمة الاعلام . و قوله السابق : من أخذ بحديث صحيح و قد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد : فلا . و قول ابن رجب الحنبلي : حدث من انتسب الى متابعة السنة
    .. و هو أشد مخالفة لها . لشذوذه .. بأخذ ما لم يأخذ به الائمة من قبله .
    و كأني بالذهبي و ابن رجب يعرّضان بكلامهم هذا بدعوى ابن القيم على الامام أحمد اذ يقول في اعلام الموقعين 1 : 30 : و لم يكن الامام أحمد يقدم على الحديث الصحيح عملا و لا رأيا و لا قياسا و لا قول صاحب و لا عدم علمه بالمخالف .
    فكلام الذهبي فيه اشتراط أن يعمل امام مجتهد بهذا الحديث و كلام ابن رجب صريح بذم الظاهرية و نحوهم ممن يشذ فيقول بما لم يقل به أحد بدعوى أخذهم بحديث قد صح .
    و قد اتخذ بعض الناس كلام ابن القيم هذا ذريعة للشذوذ و الخروج على مسألة حكى الاجماع فيها أئمة جهابذة كالبيهقي و ابن حجر و من بعدهم ! نسأل الله الهداية .

    و انما قلت : يعرضان بدعوى ابن القيم على الامام أحمد لأني رأيت ما يعكر على صحة ذلك عن الامام مع جلالة ابن القيم في معرفة أصول مذهبة خاصة و المذاهب الاخرى عامة .
    ففي مجموع الفتاوى لابن تيمية 10 : 320 حكابة قولين للامام أحمد في مسألة أحدهما مشهور عنه و الثاني محتمِل فقال :
    و حمل كلام الامام أحمد على ما يصدق بعضه بعضا أولى من حمله على التناقض لا سيما اذا كان القول الاخر مبتدعا لم يُعرف عن أحد من السلف و أحمد يقول :
    إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام و كان في المحنة يقول : كيف أقول مالم يُقل ؟ .
    و في السير 11 : 296 قال الميموني : قال أحمد يا أبا الحسن إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام .
    فإذا عرفت من هو المخاطب عرفت أهمية الوصية من الامام أحمد .
    فإن قلت : فما جوابك عن قول السبكي فيمن وجد حديثا صحيحا لم يعمل به أحد هل يسوغ له العمل به ؟ قال في معنى قول الامام المطلبي 2 : 102 :
    الأولى عندي اتباع الحديث و ليفرض الانسان نفسه بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم و قد سمع منه ذلك أيسعه التأخر عن العمل ؟ لا و الله
    و كل أحد مكلف بحسب فهمه .
    قلت : أولا : ينبغي أن تلاحظ عبارة السبكي : الأولى عندي اتباع الحديث . لاحظ قوله عندي !! يرشدك الى أنه يشير الى أن المسألة خلافية بين
    العلماء أختار فيها اتباع الحديث مطلقا و شرط غيره : أن يكون قد عمل بها امام كما تقدم في كلام الذهبي و ابن رجب .
    و ليس معنى ذلك : أن عمل الامام حكم على حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فالحديث ليس بحجة الا اذا قُرن بعمل الامام به . فعمل الامام
    هو الذي يجعل الحديث حجة !!! لا معاذ الله اذ كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم نافذ جائز على رقبة كل مسلم .
    انما معنى ذلك : أن عمل الامام به دليل على عدم إجماع السلف على تركه فإن إجماعهم على تركه : دليل على وجود حديث اخر في المسألة مقدم عليه .
    و قد سبق الذهبي و ابن رجب الى هذا الشرط : الامام ابن الصلاح في كلامه (1) السابق الذي علق عليه السبكي بكلمته المذكورة و نصه :
    و إن لم تكمل فيه آلته - أي الة الاجتهاد المطلق أو المقيد - و وجد حزازة في قلبه من مخالفته الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفه عنه جوابا شافيا :
    فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل ؟ فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث و يكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك .
    و في كلام السلف شواهد كثيرة على أن الحديث قد يصح و لا يُعمل به و قد تقدم بعضها مثل قول ابن ابي ليلى : لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه و يدع .
    و في شرح علل الترمذي لابن رجب 1 : 29 عن الامام المجتهد سفيان الثوري : قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها .



    الــهـــوامـــــش :
    ------------------------------------------------

    (1) و كلام الذهبي السابق صريح في اشتراط هذا الشرط في حق المجتهد المقيد أما كلام ابن رجب فعامّ .

    ثانيا : في كلمة الإمام السبكي دقيقة يحتاج المستدل بها الى تفهيم لها و كشف عنها .
    يقول رحمه الله : و ليفرض الانسان نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد سمع منه ذلك أيسعه التأخر عن العمل به ؟ لا و الله .
    أقول : ان هذا مقام خطير و كيف يتأخر و هو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنكر على أبي سعيد بن المعلى حين دعاه و هو في الصلاة فلم يجبه و قال :
    يا رسول الله إني كنت أصلي فقال له صلى الله عليه و سلم : ألم يقل الله : استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم . " الحديث في أن الفاتحة هي السبع المثاني و القرآن العظيم و هو أول كتاب التفسير من صحيح البخاري "
    فأنكر صلى الله عليه و سلم تأخره عن تلبية ندائه و هو في الصلاة فكيف يتأخر مسلم عن العمل بحديث سمعه منه أو وجه الخطاب به إليه ؟!!
    و لكن هذا فيمن سمع حديثا واحدا في مسألة ما من رسول الله صلى الله عليه و سلم مباشرة أما ما نحن فيه : فمفروض فيمن تأخر زمانه من أهل القرن الأول الى زماننا هذا الى يوم الدين و وقف على حديثين في مسألة واحدة و ذلك كحديث :
    توضأوا مما مسّت النار رواه مسلم 4 : 43
    و حديث أن النبي صلى الله عليه و سلم أكل عرقا من شاة و في رواية كتفا و صلى و لم يمسّ ماء رواه البخاري 1 : 310
    و رواه كذلك مسلم و زاد في رواية عن أبي رافع و في إحدى رواياته عن ابن عباس أنه شهد النبي صلى الله عليه و سلم فأتي بهدية خبز و لحم فأكل ثلاث لقم ثم صلى و ما مسّ ماء .
    فزيد و أبو هريرة صرحا بالسماع من النبي صلى الله عليه و سلم يقول : الوضوء مما مسّت النار
    و ابن عباس و عمرو الضمري و ميمونة و ابو رافع شهدوا جميعا أكل النبي صلى الله عليه و سلم للحم مسته النار و قام و صلى دون إحداث وضوء جديد .
    فكل واحد من هؤلاء لا يصح له التأخر عن العمل بما شهده من حضرة النبي صلى الله عليه و سلم كما قال السبكي و كما هو واقع هؤلاء الصحابة الأجلة رضوان الله عليهم .
    لكن ماذا يعمل من علم بالحديثين معا من بعدهم ؟ لا شك أنه سينظر في مرجحات و قرائن خارجية كحديث جابر عند أبي داود 1 : 133 و النسائي 1 : 108 :
    كان من آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه و سلم ترك الوضوء مما مسّت النار .
    و مع ذلك فقد كان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء ناسخ لأحاديث الإباحة كما في الفتح ثم نقل عن النووي :
    استقرّ الإجماع على أنه لا وضوء مما مسّت النار الا ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل .
    و البحث طويل انما الشاهد من هذا أن حال المتأخر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من التابعين فمن بعدهم يختلف عن حال من يفرض نفسه بين يديّ
    رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد سمع منه ذلك فالأول - المتأخر - سيعمل بأحد الحديثين مع علمه بكليهما
    أما الثاني - المشاهد السامع - فسيعمل بأحدهما أيضا لكن مع عدم علمه بالثاني أو مع علمه به كأن يرويه صحابي آخر له لكن مع عدم شهوده له فيقدم ما شهده
    على ما سمعه الا اذا افترضنا أن الصحابي الذي يرويه له أفاده بأن الأمر الأول قد كان ثم نسخ .
    فابن عباس شهد النبي صلى الله عليه و سلم أكل ثلاث لقم من لحم ثم صلى و لم يمسّ ماء ولما روى له أبو هريرة حديث : توضأوا مما مسّت النار لم يعمل به
    عملا منه بما شاهده و تقديما له على ما سمعه بواسطة و لا يقال لابن عباس : افرض نفسك بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا يقال له : أيسعك التأخر
    عن العمل بما بلغك عنه عليه الصلاة و السلام .
    و هذا يذكرنا بموقف آخر لابن عباس و فيه عبرة كبرى .
    ان عروة بن الزبير قال لابن عباس : أضللت الناس يا ابن عباس ! قال : و ما ذاك يا عريّة ؟ قال : تفتي الناس أنهم إذا طافوا بالبيت فقد حلّوا . و كان أبو بكر و عمر يجيئان ملبيين بالحج
    فلا يزالان محرمين الى يوم النحر . قال ابن عباس : بهذا ضللتم أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و تحدثوني عن أبي بكر و عمر !! فقال عروة : إن أبا بكر و عمر كانا أعلم
    برسول الله منك .
    فابن عباس لما شهد أمرا من رسول صلى الله عليه و سلم أمكنه أن يجعل سبب ضلال الامة تأخرها عنه و عملها بقول آخر إذ لا علم لابن عباس بغيره لكن عروة يقول نعم نحن لا نعرض
    عن هديّ رسول الله صلى الله عليه و سلم حينما نأخذ برأي أبي بكر و عمر إنما ننحن أمام أمرين :
    أمر شهده ابن عباس و أمر شهده أبو بكر و عمر فنرجح قولهما على قوله لأعلميتهما بحال رسول الله صلى الله عليه و سلم .
    و هذا هو جوابنا لمن يدعونا الى نبذ فقه أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد و الى الأخذ بما يسمونه فقه السنّة أو فقه السّنة و الكتاب و ما الى ذلك من ألقاب و شعارات ! نقول لهم :
    لا نرضى بكم بديلا عن أولئك فإنهم أعلم منكم برسول الله صلى الله عليه و سلم بل إن (أعلم) هنا ليست على بابها في التفضيل إذ لا مناسبة بينكم و بينهم في العلم :
    و إن حرصنا على التمسك بهدي النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي يدفعنا الى الاخذ بما فقهوه من السنة المطهرة .
    و أما الجواب عن الجملة الثانية : و هي أن المسلم مأمور باتباع النبي صلى الله عليه و سلم دون غيره فنقول لهذا القائل :
    مقتضى كلامك : أن أئمة الاسلام الذين تقدمت شذرة من كلامهم في الحضّ على إلتزام السنّة و أن تركها علما أو عملا انحراف و خذلان و ضلال ..
    مقتضى كلامك هذا أنهم ما كانوا على هدى و اتباع للنبي صلى الله عليه و سلم لذلك فأنت تريد اتباع النبي صلى الله عليه و سلم عن غير طريقهم فكأنك تتصورهم أحبارا
    و رهبانا يحللون للناس و يحرمون من غير دليل من كتاب الله و سنة نبيه الكريم عليه الصلاة و السلام من أن هؤلاء كانوا ألزم للسنة مما يتصوره عقل المحب لهم .
    و ما كانوا إلا مبلغين الناس من ورائهم أمر النبي صلى الله عليه و سلم و نهيه كما يبلغ المؤذن تكبيرات الإمام للصفوف المتأخرة عنه .
    فأن قلت : أنا أحب أن أفهم أحكام ديني عن دليل و هذا الحكم لم أستطع فهمه كما يقوله أبو حنيفة بل فهمته على وفق المذهب الشافعي فهل من حرج في ذلك ؟
    فالجواب : أن هذا التنقل من مذهب الى مذهب :
    - إما أن يكون عن تقليد لأمر عرض للمقلد فهذا لا بأس به و التقليد سائغ و شهرته أوفى من أن أتحدث فيه .
    - و إما أن يكون عن تتبع للرخص في مذاهب الائمة فهذا لا يجوز .
    - و إما أن يكون عن بحث و اجتهاد في هذه المسألة الواحدة فينظر :
    - إن كان الباحث أهلا لهذا المقام - مقام ترجيح بين أدلة الائمة المجتهدين - متحليا بالإنصاف : فلا بأس و قد حصل هذا لكثير
    من أئمتنا المتأخرين كالنووي و ابن الصلاح و العز بن عبد السلام و السبكي و ابن الهمام .

    حتى إن الكوثري المتصف بالتعصب الشديد لمذهبه الحنفي تجده في كتاب المقالات ص 200 يترك قول الامام أبي حنيفة في عدم لزوم الوقف المحبس إلا بحكم الحاكم
    و يختار ما عليه جماهير الأمة و ما ثبت بالأحاديث الصحيحة و من فعل الصحابة رضي الله عنهم و يكرر القول بأن لأبي حنيفة مسائل تابع فيها أمثال شريح و النخعي
    من غير أن يبذا المجهود في معرفة دليل قول منها ؛ لكن إذا وضح الحق و ظهرت الحجة في خلاف ذلك القول فليس يصح أن يُعزى إلى اجتهاده ما تابع فيه سواه بدون دليل
    ثم ظهر خطأ متبوعه كوضح الصبح لأن الاجتهاد إنما يكون فيما لا نص فيه .
    و كلامه هذا على المسائل التي قال عنها في مقدمة كتابه النكت الطريفة ص 5 : و الخُمُسُ الرابع هو الذي تبين خطأه فيه على أكبر تنزل و عدد مسائل هذا الخُمُسُ حسب كلامه هناك
    يزيد على عشر مسائل .
    و هكذا شأن شيخ شيوخنا الآخر ظفر أحمد العثماني فإنه ترك القول المقرر في مذهبه الحنفي إلى غيره في عدة مواضع من كتابه الموسوعي إعلاء السنن مع حرصه و تمسكه الظاهر
    بمذهبه من خلال كتابه المذكور .
    - و إن كان غير أهل و لا منحلّ بالانصاف في بحثه كما هو حال هؤلاء المتطاولين المتعالمين لحرمات السلف بزعم الأنتساب إليهم و إنما هو الشرود و المروق و الجدال و المراء
    فهذا الذي ننكره و لا نقرّ عليه أحدا مهما تستر بألقاب و أنساب !!
    و نقول لهؤلاء المغرّر بهم :
    إن هذا التنقل من المذهب الحنفي إلى الشافعي في هذه المسألة يجرّ إلى التنقل في غيرها إلى المذهب المالكي مثلا و إلى التنقل إلى المذهب الحبلي في مسألة أخرى و هكذا تعود السلسلة
    إلى أولها في مسألة رابعة أو إلى مذاهب أخرى مندرسة غير المذاهب الأربعة ..
    و هذا التنقل الذي عناه الخليفة عمر بن عبد العزيز بقوله الذي رواه الدارمي في سننه 1 : 91 : و من جعل دينه غرضا للخصومة ( هدفا للجدل ) كثر تنقله . ثم يؤول هذا الأمر بهذا المرجح بين مذاهب الأئمة يؤول به إلى أن يجتهد
    لنفسه الخروج عن المذاهب الأربعة .. و عن الأربعين .
    و لكلمة عمر بن عبد العزيز هذه مناسبة حدثت للإمام مالك فاستشهد بها و هي تناسب المقام فأذكرها نقلا عن الأنتقاء ص 33 للحافظ ابن عبد البر بسنده إلى معن بن عيسى أحد أصحاب مالك .
    قال معن بن عيسى : انصرف مالك يوما من المسجد و هو متكىء على يدي قال : فلحقه رجل يقال له أبو الجويرية - كان متهما بالإرجاء - فقال : يا أبا عبد الله اسمع مني شيئا أكلمك به و أحاجك و أخبرك برأي .
    قال مالك : فإن غلبتني ؟
    قال : اتبعتني .
    قال مالك : فإن غلبتك ؟
    قال : اتبعتك .
    قال مالك : فإن جاءنا رجل فكلمناه فغلبنا ؟
    قال : اتبعناه .
    قال أبو عبد الله : بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم بدين واحد و أراك تتنقل !
    قال عمر ببن عبد العزيز : من جعل دينه عرضة للخصومات ( هدفا للجدل ) أكثر التنقل .
    و هذا الذي يزعم اتباع الدليل عن غير طريق اتباع الائمة : يقع بالقول فيما لم يقل به أحد
    و هو لا يشعر بل يدعي إنه ناصر للسنة داعية إليها !!
    فهذا الخاطر تسويل و دهليز لما بعده و قد نبه الإمام مالك إلى هذا أحسن تنبيه فقال : سلّموا للأئمة
    و لا تجادلوهم فلو كنا كلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه : لخفنا أن نقع في ردّ ما جاء به جبريل عليه السلام .الميزان الكبرى 1 : 51 .
    على إن دعوى عدم فهمك دليل الحكم في قول أبي حنيفة و فهمك له كما هو عند الشافعي دعواك هذه تشبه صنيع العلماء الذين تقدم ذكرهم
    في دعواهم صحة الحديث في هذه المسألة على خلاف ما عليه الشافعي .
    فتركوا المنصوص عليه في مذهبه و عملوا بما صح عندهم من الحديث فصنيعك هذا يشبه صنيعهم ذاك . بل هو هو و قد رأيت عاقبة ذلك
    و رضي الله عن سفيان بن عيينة القائل : التسليم للفقهاء سلامة في الدين . الجواهر المضية للقرشي 1 : 166 .
    لاحظ إن كلمة الائمة الثلاثة مالك و ابن عيينة و ابن وهب فيما سبق على ضرورة الرجوع إلى الأئمة الفقهاء و إلا كان الإنسان على
    خطر في دينه .

    لهذا كان أئمة الحديث يفقهون قدر الفقه و الفقهاء فيوجهون أصحابهم و يحضزنهم عليه و على مجالسة أهله .
    أسند ابن عبد البر في الإنتقاء ص 134 إلى علي بن الجعد المحدث قال : كنا عند زهير بن معاوية فجاءه رجل فقال زهير له : من أين جئت ؟ قال : من عند أبي حنيفة ؛ فقال زهير : إن ذهابك إلى أبي حنيفة يوماً واحداً أنفع لك من مجيئك إليّ شهرا ً .
    و زهير هذا هو الذي وصفه الذهبي في التذكرة 1 : 233 بالحافظ الحجة و نقل فيه قول شعيب بن حرب : إن زهيرً أحفظ عندي من عشرين مثل شعبة . " شعبة بن الحجاج الحافظ الإمام العلم "
    و في تهذيب تاريخ ابن عساكر 2 : 38 قال عبد الله بن الإمام أحمد : حضر قوم من أصحاب الحديث في مجلس أبي عاصم النبيل الضحّاك بن مخلد فقال لهم : ألا تتفقهون ؟
    أوليس فيكم فقيه ! فجعل يذمّهم فقالوا : فينا رجل ! فقال من هو ؟ فقالوا / الساعة يجيء . فلما جاء أبي قالوا : قد جاء . فنظر إليه أبو عاصم فقال له : تقدّم ؛ فقال : أكره أن أتخطى الناس . فقال أبو عاصم : هذا من فقهه ؛ ثم قال : وسعوا له ؛ فوسعوا له فأجلسوه بين يديه .
    و ألقى عليه مسألة فأجاب و ألقى و ألقى ثانية و ثالثة فأجاب و مسائل فأجاب فأعجب به أبو عاصم .
    فانظر إلى توجيه أبي عاصم جلساءه إلى التفقه بالسنّة و إلى إكرامه من اعتنى بهذا الجانب .
    و أبو عاصم هذا هو القائل : الرئاسة في الحديث بلا دراية - أي بلا تفقه - رئاسة نذْلة . كما في المحدث الفاصل ص 253 .
    و في الحاوي 2 : 398 للإمام السيوطي : قالت الأقدمون : المحدث بلا فقه : كعطّار غير طبيب فالأدوية حاصلة في دكانه و لا يدري لماذا تصلح و الفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطار؛ يعرف ما تصلح له الأدوية الإ أنها ليست عنده .
    و بعد فهذا ما يتعلق بالسبب الأول من أسباب اختلاف الفقهاء حديثيا .
    و ننتقل إلى السبب الثاني .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #6
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    الأختلاف في فهم الحديث

    السبب الأول من أسباب اختلاف الفقهاء حديثيا كان :
    متى يصلح الحديث الشريف للعمل به .
    و السبب الثاني هو :
    الأختلاف في فهم الحديث

    ان اختلاف الائمةفي فهمهم للحدبث الشريف ينشأ من أحد أمرين :
    1 - اختلاف الناظرين في مداركهم و مواهبهم العقلية
    2 - كونِ لفظ الحديث يحتمل أكثر من معنى واحد .
    أما الأمر الأول فهذا مما لا يشكّ فيه عاقل اذ ان الناس متفاوتون في قواهم العقلية و سعة مداركهم و قوة ملاحظاتهم و هذا التفاوت قد يكون خِلقة و فطرة و قد يكون
    كسبا و استفادة نتيجة تلون الثقافة و تنوعها أو الرحلات و مجالسة الناس و مخاطبة عقولهم أو عمل المرء : كالقضاء الذي يتعرف به ممارسه على دخائل الناس و حيلهم أو تعاطي بعض الأمور الدنيوية كالتجارة مثلا .
    و قد يهيىء الله عزّ وجلّ بفضله لبعض الناس أسباب ذلك كله فيجعلهم بفطرتهم كما قال أوس بن حجر : الألمعي الذي يظن لك الظنن كأن قد رأى و قد سمعا .
    و قال ابن الرومي :
    ألمعيّ يرى بــــأول رأيّ *** آخرَ الأمرِ منْ وراءِ المغيبِ
    ثم يهيىء الله لهم الأسباب الكسبية فيزيدهم قوة على قوة . و هذا كلّه مشاهد في الناس قديما و حديثا .
    و قد يسّر الله تعالى ذلك لأئمة الاسلام و علمائه قاطبة دون استثناء .
    و الحمد لله ربّ العالمين و لكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا كلهم سواء لذلك نشأ عن تفاوتهم في هذا الجانب بعض الاختلاف .
    و أنوّر المقام ببعض الأمثلة و الشواهد :
    كان الامام أبو حنيفة عند الأعمش التابعي الشهير في القراءات و رواية الحديث - إذ سُئل الإمام عن مسألة و قيل له : ما تقول في كذا و كذا ؟
    قال الإمام : أقول فيها كذا و كذا . فقال الأعمش : من أين لك هذا ؟؟ فقال له الإمام : أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة و عن أبي وائل
    عن عبد الله بن مسعود و عن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من دلّ على خير كان له مثلُ أجر عمله .
    و حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه و سلم قال له رجل :
    يا رسول الله كنت أصلّي في داري فدخل عليّ رجل فأعجبني ذلك فقال صلى الله عليه و سلم : لك أجران أجر السرّ وأجر العلانية .
    و حدثتنا عن الحكم عن أبي الحكم عن حذيفة عنه صلى الله عليه و سلم ....
    و حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا ......
    و حدثتنا عن يزيد الرّقاشي عن أنس مرفوعا ....
    فقال الأعمش حسبك : ما حدثته في مائة يوم حدثتني في ساعة . ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء و نحن الصيادلة و أنت أيها الرجل أخذت بكلا الطرفين (1).

    الــــهـــوامـــش :
    --------------------------------------

    (1) من مناقب الإمام أبي حنيفة للعلامة علي القاري - الجواهر المضية 2 : 484 .
    و جرى نحو هذا مع لأعمش مع القاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة جامع بيان العلم 2 : 131 .

    قال الإمام أحمد للشافعي : ما تقول في مسألة كذا كذا ؟ فأجابه فيها ؛ فقال أحمد : من أين قلت ؟ هل فيه حديث أو
    كتاب ؟ قال - أحمد - : فنزع - الشافعي - في ذلك حديثا للنبي صلى الله عليه و سلم و هو حديث نصّ . (1)
    و في ترجمة الإمام أبي حنيفة من تاريخ بغداد 13 : 338 بسنده إلى الإمام عبد الله بن المبارك قال : قدمت الشام على الأوزاعي
    فرأيته ببيروت فقال لي : يا خرساني من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة ؟ فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة
    فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل و بقيت في ذلك ثلاثة أيام فجئت يوم الثالث و هو - أي الأوزاعي - مؤذن مسجدهم و امامهم و الكتاب
    في يدي فقال : أي شيء هذا الكتاب ؟ فناولته ؛ فنظر في مسألة منها وقعتُ عليها : قال النعمان . فما زال قائما بعدما أذّن حتى قرأ صدرا من الكتاب ثم وضع الكتاب
    في كمه ثم أقام و صلى ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها فقال لي : يا خراساني من النعمان بن ثابت هذا ؟ قلت : شيخ لقيته بالعراق فقال :
    هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه . قلت : هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه ! .
    و ذكر الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي هذه القصة في كتابه أوجز المسالك 1 : 88 بنحوه و زاد في آخرها : لما اجتمع الأوزاعي بأبي حنيفة بمكة جاراه في تلك
    المسائل فكشفها له أبو حنيفة بأكثر ما كتبها ابن المبارك عنه ؛ فلما افترقا قال الأوزاعي لابن المبارك : غبطت الرجل بكثرة علمه و وفور عقله و استغفر الله لقد
    كنت في غلط ظاهر إلزم الرجل فإنه بخلاف ما بلغني عنه .
    و روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 11 : 158 : في ترجمة عيسى بن أبان أحد رجال الفقه و الحديث و الفقه الحنفي عن محمد بن سماعة أنه قال : كان عيسى بن أبان يصلي معنا
    أي في المسجد الذب يصلي فيه الإمام محمد بن الحسن الشيباني و يقعد فيه لمجلس الفقه و كنت أدعوه أن يأتي محمد ابن الحسن فيقول عيسى ابن أبان : هؤلاء قوم يخالفون الحديث
    و كان عيسى حسن الحفظ للحديث فصلى معنا يوما الصبح و كان يوم مجلس محمد فلم أفارقه حتى جلس فلما فرغ محمد أدنيته منه و قلت هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب و معه ذكاء و معرفة
    بالحديث و أنا أدعوه إليك فيأبى و يقول إنا نخالف الحديث !
    فأقبل عليه محمد و قال : يا بني ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث ؟ لا تشهد علينا حتى تسسمع منا . فسأله يومئذ عن خمسة و عشرين بابا من الحديث فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها و يخبره بما
    فيها من المنسوخ و يأتي يالشواهد و الدلائل .
    فالتفت عيسى بن أبان إلي بعد أن خرجنا فقال : كان بيني و بين النور ستر فارتفع عني ! ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس .
    و لزم محمد بن الحسن لزوما شديدا حتى تفقه به .
    ما هو محل الشاهد من هذه الأخبار التي ذكرناها ؟؟
    في الدرس القادم إن شاء الله تعالى .

    الـــهـــوامـــش :
    ------------------------------------

    (1) من " معنى قول الإمام المطلبي " للسبكي في أوله ص99 و معنى قوله " نص " هنا : أنه لفظ صريح في المقصود لا يحتمل لفظه
    معنى آخر من شدة وضوحه في المطلوب .

    و محل الشاهد من هذه الأخبار واضح جدا و إن كان في هذه القصة الأخيرة شاهد للسبب الأخير الآتي و هو :
    اختلافهم في سعة الاطلاع على علم الحديث .
    - أما الأمر الثاني الذي ينشأ عنه اختلاف الأئمة بسبب الفهم : فهو كون الحديث تحتمل ألفاظه أكثر من معنى واحد .
    و هذا أمر مشهود أيضا و يُشترط لصحة هذه المفاهيم المختلفة حينئذ :
    - أن تكون مقبولة سائغة من حيث العربية و لا تتنافى معها أو لا يكون فيها تعسف و تكلف .
    - و أن لا تتنافى مع أحكام أخرى ثابتة في نصوص أخرى .
    و أنا أذكر هذين الشرطين زيادة في التوضيح و إلا فأئمة الفقه الذين نحن بصدد الحديث عن أسباب
    اختلافهم أجلّ من أن يغفلوا عن هذه الملاحظات .
    و من شأن الإمام إزاء احتمال النص أكثر من معنى : أن يبحث جهده عن قرائن ترجح أحد المعنيين المختلفين .
    و لا بأس بذكر مثال موضح لهذه الحال :
    - جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم قوله : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا . فأختلف العلماء في معنى التفرق هنا :
    هل المراد التفرق بأبدانهما ؟ أي : أن كلا من البائع و المشتري بالخيار في إبرام العقد أو نقضه ما داما في المجلس أو في مكان العقد ؛ فإذا ذهب
    أحدهما و ابتعد عن الآخر قليلا و فارق المجلس : لزمهما العقد و لا يحقّ لاحدهما نقضه إلا بموافقة الآخر .
    و إلى هذا ذهب الإمام الشافعي و غيره .
    أو : هل المراد بالتفرق بأقوالهما ؟ أي أن كلا من المتعاقدين بالخيار في إبرام العقد أو نقضه ما داما في الحديث عن المعقود عليه و عما يتعلق به فإذا تعاقدا ثم انتقلا إلى
    حديث آخر : فقد لزمهما العقد ؟ و لا يحق لأحدهما نقضه إلا بموافقة الآخر . و هذا مذهب الإمام أبي حنيفة .
    و لكل من الطرفين أدلته و حججه و إنما أعرض لبعضها باختصار لتبيين سبب الإختلاف لا استيفاء أدلة الفريقين و الترجيح بين المذهبين فهذا ليس من شأننا .
    - احتج الشافعي و من معه بالأثر و بالنظر :
    أما الأثر فبفعل راوي الحديث عبد الله بن عمر فإنه كان إذا اشترى من أحد شيئا ابتعد عنه خطوات ثم رجع إليه إن كان إليه حاجة و فهم الصحابي لما يرويه أقرب من فهم غيره .
    و أما النظر : فإن الحديث يقول : المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا و الأصل في المتعاقدين أن يكونا مفترقين فالبائع في حانوته و المشتري في بيته ؛ فيأتي المشتري إلى البائع فيجتمعان
    في مكان العقد فيتعاقدان ثم يرجعان إلى ماكانا عليه و هو الافتراق عن بعضهما فيكون النبي صلى الله عليه و سلم عنى بقوله : مالم يتفرقا عودهما إلى حالتهما الأصلية .
    و احتج أبو حنيفة و من معه : بالأثر و النظر أيضا .
    أما الأثر : فقوله عزّ و جلّ : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم . فأفادت الأية أن التراضي هو الأصل في إلتزام العقد و عنوان هذا التراضي :
    الإيجاب و القبول و قد تمّ بينهما .و أما لفظ مالم يتفرقا فيوجه الى معنى آخر حتى لا يتعارض مع الآية و توجيهه أن يقال : مالم يتفرقا بأقوالهما . و قد ورد هذا في كثير من النصوص الشرعية
    التفرق بمعنى التفرق في الأقوال فقط دون احتمال التفرق بلأبدان . و ذلك في قوله تعالى : و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا . و قوله تعالى : و ما تفرق الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة .
    و أما النظر : ففي القصة التي رواها ابن عبد البر في الانتقاء ص 149 : عن سفيان بن عيينة قال : كان أبو حنيفة يضربُ لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الأمثال ؛ فيرده بعلمه (1) ؛ حدثته مرّة
    عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فقال أبو حنيفة : أرأيتم إن كانا في سفينة كيف يفترقون ؟ قال سفيان : فهل سمعتم بِشرّ من هذا ؟ .
    و هذا الجواب من الإمام في غاية الدقة و التعبير عن المراد بإيجاز .
    يريد أن يقول : إذا كان التفرق هو تفرق الابدان فهناك حالات يتعذر معها التفرق بالابدان . منها ما إذا كانا في زورق صغير في البحر فلا مجال لابتعاد أحدهما عن الآخر .
    و يؤدي ذلك إلى نتيجة حرجة هي أن مجلس العقد قائم بينهما
    لا ينفصم مدة بقائهما كذلك . ولو طال أياما بل أكثر و أكثر .
    فلما جاء المثال مخالفا لفهم سفيان بن عيينة ظن أن الامام أبا حنيفة يعارض الحديث الشريف بعقله و ليس الأمر كذلك .

    الـــــهـــــــوامـــش :
    ----------------------------------

    (1) لعل كان هذا في أول أمر سفيان بن عيينة ثم حسن ظنه و رأيه في الامام يدل على ذلك ما في الجواهر المضية 1 : 166 عن بشر بن الوليد الكندي أحد تلاميذ أبي يوسف قال :
    كنا نكون عند سفيان بن عيينة فإذا وردت مسألة مشكلة يقول : ها هنا أحد من أصحاب أبي حنيفة ؟ فيقال : بشر . فيقول : أجب فيها ؛ فيقول : التسليم للفقهاء سلامة في الدين .

    تنبيه : أن هذه الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب و السنّة هي من الدين منسوبة إلى الكتاب و السنّة و ليست أجنبية عنهما و كما أن الكتاب
    و السنّة هما المصدران الأساسيان للإسلام ففقههما المستنبط منهما تابع لهما في المكانة لا يجوز فصله عنهما .
    بل لقد عمم الحكم في هذا شيخ فقهاء عصره العلامة محمد بخيت المطيعي في رسالته : أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنّة و البدعة من الأحكام ص 6 فقال :
    كل حكم من تلك الأحكام كان مأخوذا من الأدلة الأربعة - يريد الكتاب و السنّة و الإجماع و القياس - صريحا أو اجتهادا على وجه صحيح : فهو حكم الله
    و شرعه و هدي محمد صلى الله عليه و سلم الذي أمرنا الله باتباعه لأن رأي كل مجتهد - حيث كان مأخذه من أحد الأدلة الأربعة المذكورة - شرعُ الله
    في حقه و حق كل من قلده .
    و يدل على ذلك بعد تأمل يسير قول سيدنا عليّ كرم الله وجهه الذي رواه البخاري في مواضع من صحيحه أولها في كتاب العلم باب في كتابة العلم و أسند إلى أبي جحيفة
    أنه قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا . إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة .. .
    قال ابن المُنيّر في التراتيب الإدارية 2 : 258 : يعني بالفهم : التفقه و الاستنباط و التأويل و قال الحافظ في الفتح : المراد بذكر الفهم إثبات إمكان الزيادة على ما في الكتاب
    و لم يرد بالفهم شيئا مكتوبا .
    و رضي الله عن ريحانة السلف عبد الله بن المبارك الذي نبّه الى هذا بقوله :
    لا تقولوا : رأي أبي حنيفة رحمه الله و لكن قولوا : إنه تفسير الحديث . (1)
    و قال ابن حزم كما ذكر الشعراني في الميزان الكبرى 1 : 16 : جميع ما استنبطه المجتهدون معدود من الشريعة و إن
    خفي دليله على العوام و من أنكر ذلك فقد نسب الأئمة إلى الخطأ و أنهم يشرعون ما لم يأذن به الله و ذلك ضلال من قائله عن الطريق .
    و علّق الشيخ التهانوي في أبو حنيفة و أصحابه المحدثون ص 61 على قول ابن حزم المذكور : هذا قول ظاهريّ لا يرى القياس فانظر أدبه مع
    الأئمة المجتهدين أمناء الله على شرعه ! .
    و من الضروري التنبه لكلمة ابن حزم " و ان خفي الدليل على العوام " فإن كلمة العوام جاءت منه على مصطلح علماء الاصول الذين يطلقون وصف العامي على كل من لم يكن مجتهدا مهما
    بلغ من الاطلاع و المعرفة . و ليس المراد منه ما نريده نحن : كل من لم يكن طالب علم .
    فيكون مراد ابن حزم : أن فقه الأئمة معدود من الشريعة و لا يشترط علمنا بدليلهم و وقوفنا عليه
    فإنه قد يخفى علينا لدقته أو لعدم وصولنا إليه أو لعدم اطلاعنا عليه . و الله أعلم .

    الــــــــهـوامـــــــــش :
    ----------------------------------

    (1) ذيل الجواهر المضية لعلي القاري 2 : 460 .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #7
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    اختلاف مسالكهم أمام المتعارض من السنّة ظاهرا

    ففقه الفقهاء في عشرات آلاف المسائل الفقهية إنما هو تفسير لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم و ليس هو بدخيل على الإسلام و لا برأي لهم نابع من مخترعات عقولهم غير معتمد على مصدر تشريعي أصيل .
    و حينما نقول : فقه أبي حنيفة و فقه الشافعي و ... يكون معنى قولنا هذا : فهم أبي حنيفة و الشافعي و .. و هذا الفهم لأي شيء ؟ إن هو إلا فهمهم لكتاب الله و سنّة النبي صلى الله عليه و سلم . ذلك لأن الفقه
    في لغة العرب هو الفهم كما هو معلوم .
    و من هنا ندرك خطأً فاحشاً شائعاً بين الناس من غير أن يُلقى له بال فينبه إليه ذلك هو تسمية بعضهم ( فقهه ) و ما يقدمه إلى الناس من علم بــ فقه السنّة أو فقه السنّة و الكتاب .
    ففقه السنّة و الكتاب هو : فهمهما و هذا الذي يقدمه : فهم من ؟ هو فهم زيد و عمرو من نكرات الناس لكنهم رفعوه و أضافوه إلى السنّة و الكتاب
    ليوهموا الناس أنهم يقدمون إليهم الينبوع الأصلي للدين .
    و حينئذ يتم لهم أن يبعدوا الناس عن فقه أبي حنيفة و الشافعي و مالك و أحمد رضي الله عنهم و يتمكنوا من القول للناس : يا أيها الناس تريدون فقه محمد صلى الله عليه و سلم
    أو فقه أبي حنيفة و الشافعي ؟
    و ما تسنى لهم هذا القول إلا بعد أن نسبوا فقههم إلى الكتاب و السنّة و فقه أبي حنيفة إلى أبي حنيفة لا إلى الكتاب و السنّة و كذلك فقه الشافعي
    فبتروا ذلك الفكر الإسلامي العظيم الذي هو بحق و صدق شرح صادق للكتاب و السنّة بتروه عن الكتاب و السنّة و جاءوا الناس بفهم : صحيحه
    من فتات موائد أولئك و خطّوه من عند أنفسهم و نسبوه إلى الكتاب و السنّة .
    و اغترار بقولهم إنما كان لفراغه من معرفة فقه الأئمة المشهود لهم بالإمامة في الدين و التقوى و الورع و العلم و الفهم و قوة الاستنباط مع شيوع
    السنّة في عصرهم معرفة و رواية و تحملا و تلقيا و شرحا و تعريفا و ضبطا .
    فالبيئة العلمية النابضة التي كانت تحفّ بهم من كل جانب من جوانب العلوم الإسلامية فُقدت اليوم في حال خلفنا الحاضر حتى إنك لترى من يدعي الاجتهاد
    لا يُقيم العربية فيما يكتبه للناس في كلامه المنسق المنمق و لا يدري غلطه الفاحش في جنب ذات الله تعالى فيقول على سبيل التظاهر بالعلم و التسليم للشرع ( و العصمة لله )
    فمن الذي يعصم الله عز و جل ؟ و مم يعصم ؟ و هل ورد بهذا نص ؟ فإن كان لا يدري معناه : فتلك مصيبة و إن كان يدري معناه و يقوله فما أحقه بالحكم عليه
    بتجديد دخوله في الدين قبل أن يدعي التجديد في الدين !!
    نختم هذه الفقرة بتنبيه : قلنا إن الفقه من الكتاب و السنّة بل ومن الاجماع و القياس الصحيح هو من الدين و لا يجوز فصله عن مصادره المستنبط منها .
    و لكن لا بدّ من استثناء ما سمّاه الإمام الأوزاعي بنوادر العلماء .
    و سنشرحها في الدرس المقبل إن شاء الله تعالى .

    لقد أسند البيهقي للأوزاعي في سننه الكبرى 10 :211 أنه قال : من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام . و ذكره الذهبي في السير 7 : 125 و التذكرة 1 : 180 .
    - و أسند ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2 : 90 إلى سليمان التيمي أنه قال : لو أخذت برخصة كل عالم اجنمع فيك الشّر كله . و هي أيضا في السير 6 : 198 و التذكرة 1 : 151 .
    و علق ابن عبد البر بقوله : هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا .
    - و نقل الكوثري في تعليقاته على ذيول تذكرة الحفاظ ص 187 عن ابراهيم بن أبي عبلة أحد شيوخ الإمام مالك أنه قال : من تبع شواذّ العلماء ضل .
    - روى البيهقي في سننه 10 : 211 عن إمام الشافعية في العراق العباس بن سريج عن إمام المالكية في العراق القاضي إسماعيل بن إسحق أنه قال : دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا فنظرت فيه و كان قد جمع له الرخص من زلل العلماء و ما احتج به كل منهم لنفسه فقلت له : يا أمير مصنف هذا الكتاب زنديق !
    فقال المعتضد : لم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت : الأحاديث على ما رُويت و لكن من أباح المسكر - يريد النبيذ - لم يبح المتعة و من أباح المتعة لم يبح الغناء و المسكر . و ما من عالم إلا و له زلة و من جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه ! فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب .
    - و حكى الإمام أحمد في كتابه العلل 1 : 219 عن محمد ابن الإمام يحيى القطان أنه قال : لو أن إنسان اتبع كل ما في الحديث من رخصة لكان به فاسقا .
    - و في المسودة ص 518 من كلام الشيخ ابن تيمية : روى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال : سمعت يحيى القطان يقول : لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل المدينة في السماع و بقول أهل الكوفة في النبيذ و بقول أهل مكة في المتعة لكان فاسقا .
    فيحرر القول لمن ؟؟ ليحيى القطان أو لابنه محمد ؟ و أستظهر أنه ليحيى .
    - و قال الحافظ في التلخيص و التحبير 3 : 187 روى عبد الرزاق عن معمر قال : لو أن رجلا أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء و إتيان النساء في أدبارهن و بقول أهل مكة في المتعة و الصرف و بقول أهل الكوفة في المسكر : كان شرّ عباد الله .
    - و روى الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث ص 65 و من طريقه تلميذه البيهقي في السنن 10 : 211 عن الإمام الأوزاعي قال : يُجتنب - أو يُترك - من قول أهل العراق خمس و من قول أهل الحجاز خمس .. . و ذكرها
    و نقله عنه الذهبي في السير 7 : 131 و الحافظ في التلخيص و بين ألفاظهم شيء من الاختلاف بعضه هامّ .
    - و قال أبو بكر الآجري في تحريم النرد و الشطرنج و الملاهي ص 170 : فإن احتج محتج في الرخصة في اللعب بالشطرنج فقال : قد لعب بها قوم ممن يُشار إليهم بالعلم ؟ قيل له : هذا - أي الاحتجاج - قول من يتبع هواه و يترك العلم فليس ينبغي إذا زلّ بعض من يُشار إليهم زلة أن يُتبع على زللـه . هذا قد نُهينا عنه و قد خيف علينا من زلل العلماء .
    ثم أسند إلى عمر بن الخطاب من قوله : ثلاث مضلات : أئمة مضلون و جدال منافق بالقرآن و زلة عالم .
    قال ابن عبد البر في الجامع 2 : 111 شبّهَ الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة لأنها اذا غرقت غرق معها خلق كثير .
    و قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم و الحكم ص 70 في شرح حديث الدين النصيحة : و من أنواع النصح لله تعالى و كتابه و رسوله - و هو مما يختص بالعلماء به - ردّ الأهواء المضلة بالكتاب و السنة على موردها و بيان دلالتهما على ما يخالف الاهواء كلها . و كذلك ردّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء و بيان دلالة الكتاب و السنة على ردّها .
    فإن قلت : فما علامة كون هذا القول زلة أو هفوة ؟
    قلت : روى البيهقي 10 : 210 خبرا عن معاذ بن جبل قال يزيد بن عميرة أحد سادات التابعين و من خاصة أصحاب معاذ : كان معاذ يقول كلما جلس مجلس ذكر : الله حكم عدل فقال يوما في مجلس جلسه : وراءكم فتن يكثر فيها المال و يُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن و المنافق و الحرّ و العبد و الرجل و المرأة و الكبير و الصغير فيوشك قائل أن يقول : فما للناس لا يتبعوني و قد قرأت القرآن ؟ و الله ما هم بمتبعيّ حتى أبتدع لهم غيره ! .
    فإياكم و ما اُبتدع فإن ما ابتدع ضلالة و احذروا زيفة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة ضلالة على فم الحكيم و قد يقول المنافق كلمة الحق . قال يزيد بن عميرة : قلت له : و ما يدريني يرحمك الله أن الحكيم يقول كلمة الضلالة و أن المنافق يقول كلمة الحق ؟ قال معاذ : اجتنب من كلام الكيم المشتبهات التي تقول : ما هذه ؟ و لا يُنئينك ذلك منه فإنه لعله أن يراجع و يلقى الحق إذا سمعه فإن على الحق نورا .
    قال البيهقي : فأخبر معاذ أن زيفة الحكيم لا تُوجب الإعراض عنه و لكن يُترك من قوله ما ليس عليه نور فإن على الحق نورا يعني دلالة من كتاب أو سنّة أو إجماع أو قياس و الله أعلم .
    فنبه رضي الله عنه إلى طائفة مارقة من الاسلام تبتدع مباديء خارجة عنه بالكلية و نبه إلى طائفة صالحة فيها إيمان و حكمة و تصدر عنها الزلة و الهفوة فلا يجوز للمتنطع أن يُلحق هذه بتلك بل يلزم هذه الطائفة فيما هي عليه من هدي و خير و يتجنب منها من شذوذ و غفوة .
    و دلنا على علامة هفوتها : أنها كدرة عكرة ليس عليها صفاء الحق و نصاعته و سمّاها مشتبهات تستنكر بفطرتك أن تكون من الحق الخالص فتقول : ما هذه ؟ !!
    أما الحق الخالص فإن عليه نورا و دليلا يؤيده .و الله أعلم .
    - و للإمام ابن القيم كلام نفيس في إعلام الموقعين 3 : 294 تكلم فيه عن لزوم تجنب زلات العلماء فقال : لا بدّ من أمرين أحدهما أعظم من الآخر و هو النصيحة لله و لرسوله صلى الله عليه و سلم و كتابه و دينه و تنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى و البينات ..
    و الثاني : معرفة فضل أئمة الإسلام و مقاديرهم و حقوقهم و مراتبهم و أن فضلهم و علمهم و نصحهم لله و رسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه و ما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم فقالوا بمبلغ علمهم و الحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة و تنقصهم و الوقيعة فيهم فهذان طرفان جائران عن القصد و قصد السبيل بينهما فلا نؤثم و لا نعصم بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة .. و لا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام و إنما يتنافيان عند أحد رجلين :
    جاهل بنقدار الأئمة و فضلهم
    أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله و من له علم بالشرع و الواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح و آثار حسنة و هو من الإسلام وأهله بمكان : قد تكون منه الهفوة و الزلة هو فيها معذور بل و مأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يُتبع فيها و لا يجوز أن تُهدر مكانته و إمامته من قلوب المسلمين .
    و أطلت في بيان هذه الملاحظة لكشف عوار من يرقع واقعة أو واقع الناس و سلوكهم من آراء شاذة أو أقوال ضعيفة أو آراء فردية لأصحابها خالفوا فيها جماهير أئمة العلماء من عصر الصحابة فمن بعدهم على توالي القرون .
    فخشية أن يحتج هؤلاء الشذّاذ المرقعون للدنيا بالدين : بأن أراء علمائنا مستمدة من الكتاب و السنّة و لها مكانتها و اعتبارها .أطلت في بيان أن للعلماء نوادر لا يجوز تلمسها و الأخذ بها و الله الهادي إلى سواء السبيل .

    السبب الثالث في بيان اختلاف مسالكهم أمام المتعارض من السنّة ظاهرا

    يُعتبر هذا السبب من أهم أسباب اختلاف الأئمة الفقهاء و فيه مجال للاستفادة من علمين عظيمين هما : علم الحديث و علم أصول الفقه .
    أما علم الحديث : فللاطلاع على أحاديث المسألة الواحدة و ما فيها من آثار تمتُّ إلى المسألة بصلة قريبة أو بعيدة .
    و أما علم أصول الفقه : فللاستفادة من قواعده و أحكامه المقررة على ضوء نصوص أخرى من الكتاب و السنّة .
    كما يدخل في هذا السبب الفهم الدقيق و النظر الحكيم و التوفيق بين النصوص المتعارضة . كما نرى هذا فيما يلي .
    لا يخفى على المبتدىء بالعلم الشريف أنه كثيرا ما ترد في المسألة الواحدة أحاديث مختلفة في مدلولها على الحكم و قد يكون اختلافها على أكثر من معنيين .
    و للعلماء تجاه هذا الاختلاف :
    1 - مسلك الجمع بين المتعارضين و تأويلهما و التوفيق بين معانيهما .
    2 - فإن لم يمكن الجمع : سلكوا مسلك دعوى النسخ أي نسخ أحدهما للآخر .
    3 - فإن لم يكن ذلك و لم تساعد القرائن عليه : سلكوا مسلك الترجيح بينهما فرجحوا حديثا على آخر .
    و من العلماء م نقدم المسلك الثالث على الثاني : فجمع فترجيح فنسخ .
    و للحديث عن هذه المسالك يطول جدا أجتزىء الحديث عنها كما يلي :
    1 - أما الجمع بين المتعارضين : فللفهم حظّه الأوفر في ذلك فقد يدعي بعض العلماء تعذّر الجمع بين هذين الحديثين لانغلاق فهمهما عليه .
    فيفتح الله عزّ و جلّ وجها للجمع بينهما على غيره من أهل العلم و لذلك أكد العلماء ضرورة التثبيت و التأني في دعوى تعذر الجمع بين نصين متعارضين في الظاهر .
    2 - فإن لم يتيسر الجمع بينهما : انتقل الإمام إلى النظر فيها لدعوى النسخ بينهما و لا يكون ذلك إلا بمساعدة القرائن على ذلك (1) .
    و هذه القرائن هي ما يمكن أن يسمى بـ معرفات النسخ و هي أربعة :
    أولها : ما يُعرف بتصريح رسول الله صلى الله عليه و سلم به كحديث مسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها .
    ثانيها : ما يُعرف بقول الصحابي كحديث النسائي عن جابر بن عبد الله : كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه و سلم
    ترك الوضوء مما مسّت النار .
    ثالثها : ما يُعرف نسخه بالتاريخ كحديث شداد بن أوس : أفطر الحاجم و المحجوم و في بعض رواياته كان سنة ثمان من الهجرة .
    نسخه حديث ابن عباس : احتجم النبي صلى الله عليه و سلم و هو محرم صائم . و في بعض رواياته أن ذلك كان في حجة الوداع سنة عشر .
    و قد يُعرف النسخ من القرائن المشيرة إليه كأن يكون صحابي هذا الحديث متأخر في الإسلام و صرح بسماعه للحديث فيكون ناسخا لحديث رواه
    صحابي آخر متقدم الإسلام على ذاك و قد سمعه من النبي صلى الله عليه و سلم حين إسلامه .
    و غير ذلك من ملابسات دقيقة لا بدّ من اعتبارها و النظر فيها و دراستها دراسة فاحصة .
    رابعها : ما يُعرف نسخه بانعقاد الإجماع على خلافه .
    و ها هنا متعبة شديدة في تحقيق انعقاد الإجماع و أن لا مخالف له - بشرطه - .
    3 - ما لم تمكن دعوى النسخ : انتقل الإمام إلى النظر في الترجيح بين الحديثين .
    و موضوع الترجيح بين حديثين : شاقّ و مجهد للغاية إذ إن المرحلة الأولى - و هي الجمع بينهما - تتطلب فهما و دراية و المرحلة الثانية - دعوى النسخ - تتطلب اطلاعا و رواية .
    أما الترجيح : فيتطلب دراية و رواية
    الدراية تحتاج إلى فهم ألمعي و نظر ثاقب
    و الرواية تحتاج إلى اطلاع على كلّ كليّة و جزئية تتصل بأحاديث المسألة الواحدة : أسانيدها و ما أكثر متاعب الأسانيد ! و رواتها من الصحابة : تاريخهم و أوصافهم و ألفاظها .و ... ما شاكل ذلك .
    من المعلوم أن الجمهور من الأئمة على العمل بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات .
    و ذهب الحنفية إلى القول بالاكتفاء بغسله ثلاث مرات كما أفتى بذلك أبو هريرة و عمل به لنفسه جريا على قاعدتهم في إعلال العمل بالحديث
    إذا عمل به راوية من الصحابة بخلافه .

    الــهـــــــــوامــــش :
    ------------------------------------------------

    (1) و لذلك نبه العلامة البنوري في معارف السنن 1 : 103 إلى ملاحظة هامة في هذا الصدد فقال : المراد بالنسخ : الاجتهادي . أما المعلوم زمانه فهو المقدم عند الكل .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #8
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    و قال العلامة الكوثري في النكت الطريفةص 119 : إن التسبيع أي غسل الاناء سبع مرات هو المنسوخ دون التثليث لتدرجه صلى الله عليه وسلم في أمر الكلاب من التشديد إلى التخفيف دون العكس فأمر بقتلها مطلقا لقلع عادة الناس في الإلف بها
    ثم بقتل الأسود البهيم خاصة ثم بالترخيص في كلب الصيد و الماشية و الزرع و نحوها فالتسبيع لأيام التشديد و التثليث هو الموافق لأيام التخفيف و هو آخر الأمرين .
    فأنت ترى أن المسألة ليست قاصرة على التسبيع و رواية عفرّوه الثامنة بالتراب و لا على فتوى أبي هريرة و عمله فقط بل تتعدى ذلك إلى كل ما يتصل بهذا الحيوان من أحكام لينظر إلى فحوى مقصود الشارع من خلالها .
    هذا و قد تعب العلماء في تحقيق وجوه الترجيح بين المتعارضين و قد تعرض الحازمي لهذا في مقدمة كتابه الاعتبار في الناسخ و المنسوخ من الآثار فذكر خمسين وجها من وجوه الترجيح من ص 9 إلى 23 مع ذكره أمثلة على أكثرها و قال في ختام كلامه :
    و ثم وجوه كثيرة أضربنا عن ذكرها كيلا يطول بها هذا المختصر .
    فجاء الحافظ العراقي و نقل كلمته هذه في حاشيته على ابن الصلاح و قال : وجوه الترجيحات تزيد عن المائة و قد رأيت عدّها مختصرا فأبأ بالخمسين التي عّدها الحازمي ثم أسرد بقيتها على الولاء . و سرد مائة وجه و عشرة وجوه . و قال في آخر كلامه ص 250 :
    و ثم وجوه أخر للترجيح في بعضها نظر . أي : وبعضها الآخر مقبول !
    و قد صنف الشوكاني في إرشاد الفحول ص 276 - 284 المرجحات إلى اثني عشر صنفا رئيسيا فجاء عددها جملة 160 وجه و ذكر في ختام كلامه على كل صنف أن هناك وجوها كثيرة غير التي ذكرها .
    و من هنا ندرك جهل بعض الناس أو تجاهلهم حينما يُذكر لهم حديثان متعارضان في الظاهر يبادرون إلى ترجيح الحديث المروي في الصحيحين على الآخر غير المروي فيهما دون أي اعتبار منهم لأي وجه أخر من وجوه الترجيح الكثيرة في حين أن الحافظ العراقي لما
    ذكر هذه الوجوه مرتبة متتالية ذكر أن الوجه الثاني بعد المائة كون الحديث المروي في الصحيحين راجحا على أي حديث آخر غير مروي فيهما !!!
    فيكون هؤلاء قد أهدروا مائة وجه و وجها من وجوه الترجيح غافلين أو متغافلين و أحلاهما مرّ .
    و لما ذكر الشوكاني المرجحات التي ترجع إلى الإسناد عدّها اثنين و أربعين وجها و عد الوجه الحادي و الأربعين منها تقديم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما .
    و ثمة تنبيه آخر أنقله من كلام العلامة البنوري في معارف السنن 6 : 613 :
    و قد قلت قديما و أقول : هؤلاء الأئمة الكبار أرباب الصحاح من البخاري و مسلم و غيرهما قد انحازوا إلى جهة : تفقها و اجتهادا أو اتباعا لأئمتهم في دقائق الفقه و الاجتهاد و غوامض المسائل و اختاروا جانبا في الخلافيات
    ثم لما ألفوا أخرجوا في تآليفهم ما يوافق مذاهبهم الفقهية و سرى فقههم إلى الحديث (1) . و تركوا ما عداها حيث لم يذهبوا إليها إلا من التزم إخراج أحاديث الفريقين كالإمام الترمذي غالبا و كابن أبي شيبة و عبد الرزاق في مصنفيهما و أحمد في مسنده .. .
    و محل الشاهد منه : أن ترجيح حكم دليله حديث رواه البخاري على حكم آخر دليله حديث رواه أبو داود : هذا الترجيح غير صحيح لأنه في الحقيقة ترجيح لمذهب البخاري الذي اختار حديثا من أحاديث المسألة فرواه ؛ على المذهب الآخر الذي اختار حديثا آخر ورد في المسألة
    نفسها !
    و غير هذا ما يريده المشوشون .
    و هكذا يكون الفرق بين زعماء العلم و زاعمي العلم نسأل الله الهداية و السلامة .
    و في هذا المرتع الخصب لوقوع اختلاف الأئمة في فقههم يمكننا أن ندرك صعوبة الاجتهاد في حكم فقهي واحد و يمكننا أن ندرك أيضا إلى أي مستوى علمي رفيع وصل إليه أئمتنا مع تذكيري أن هذا الذي أذكره إنما هو بمثابة خطوط عريضة و مبادىء أولية للزاوية التي أتحدث عنها ؛ فضلا عن
    زوايا العلوم الأخرى للمجتهد و ما أكثرها ! .

    الــهـــــــــوامــــــــــش :
    --------------------------------------------

    (1) هذه الجملة من الكلمات الذهبية المأثورة التي قالها إمام العصر محمد أنور الكشميري . انظر التعليق على نصب الراية 2 : 17 .

    و في ختام الحديث عن هذا السبب الثالث أنقل نصّا في أمر يسير لم يشتهر فيه الخلاف و لم تتناوله أقلام العلماء بكتابة رسائل مفردة فيه كما تناولت غيره من مسائل العلم ككون البسملة آية من أول كلّ سورة
    قرآنية سوى براءة و قراءة المقتدي خلف إمامه و رفع الأيدي عند الركوع و الرفع منه .
    إنما وقع اختياري له لأنه جامع للمسالك الثلاثة التي سبق الحديث عنها في مسألة واحدة .
    قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم 14 : 80 تحت باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو بحمرة و تحريمه بالسواد قال : و مذهبنا - الشافعية - استحباب خضاب الشيب للرجل و المرأة بصفرة أو حمرة
    و يحرم بالسواد على الأصح و قيل : يُكره كراهة تنزيه و المختار التحريم لقوله صلى الله عليه و سلم في الحديث المشروح فيه : و اجتنبوا السواد .
    هذا مذهبنا .
    و قال القاضي عياض : اختلف السلف من الصحابة و التابعين في الخضاب و في جنسه فقال بعضهم : ترك الخضاب أفضل و رووا حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم في النهي عن تغيير الشيب لأنه صلى الله عليه و سلم
    لم يغير شيبه . روى هذا عن عمر و علي و أبيّ و آخرين .
    و قال أخرون : الخضاب أفضل و خضب جماعة من الصحابة و التابعين و من بعدهم للأحاديث التي ذكرها مسلم و غيره .
    ثم اختلف هؤلاء : فكان أكثرهم يخضب بالصفرة منهم ابن عمر و أبو هريرة و آخرون و روي ذلك عن عليّ - أيضا - .
    و خضب جماعة منهم بالسواد روي ذلك عن عثمان و الحسن و الحسين ابني علي و عقبة بن عامر و ابن سيرين و آخرين .
    قال القاضي عياض : قال الطبراني (1) : الصواب أن الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه و سلم بتغيير الشيب و بالنهي عنه : كلها صحيحة
    و ليس فيها تناقض بل الامر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة - و كان أبيض جدا لا جمال فيه - و النهي لمن له شمط فقط - أي شيب قليل - .
    قال الطبراني : و اختلاف السلف في فعل الأمرين : بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع إن الأمر و النهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع و لهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك .
    قال : و لا يجوز أن يُقال : فيها ناسخ و منسوخ (2) .
    قال القاضي : و قال غيره : هو على حالين فمن كان في موضعٍ عادةُ أهله الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة و مكروه و الثاني : أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب فمن كانت شيبته
    تكون نقية أحسن منها مصبوغة : فالترك أولى و من كانت شيبته تُستبشع فالصبغ أولى .
    هذا ما نقله القاضي (3) و الأصح الأوفق للسنّة ما قدمناه عن مذهبنا و الله أعلم . انتهى كلام النووي .
    و قد جعل الحاكم النوع التاسع و العشرين من علوم الحديث ص 122 معرفة سنن لرسول الله صلى الله عليه و سلم يعارضها مثلها فيحتج أصحاب المذاهب بأحدهما . و هو النوع الذي
    عُرف بعد باسم مختلف الحديث و ذكر الحاكم فيه أمثلة ختمها بهذا المثال الظريف .
    أسند الحاكم ص 128 إلى عبد الوارث بن سعيد التنوري قوله : قدمت مكة فوجدت أبا حنيفة و ابن أبي ليلى و ابن شبرمة فسألت أبا حنيفة فقلت : ما تقول في رجل باع بيعا و شرط شرطا ؟
    فقال : البيع باطل و الشرط باطل .ثم أتيتُ ابن أبي ليلى فسألته ؟ فقال : البيع جائز و الشرط باطل . ثم أتيت ابن شبرمة فسألته ؟ فقال : البيع جائز و الشرط جائز .
    فقلت : يا سبحان الله ! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم عليّ في مسألة واحدة !
    فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال : ما أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن بيع و شرط .
    البيع باطل و الشرط باطل .
    ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال : لا أدري ماقالا حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : أمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم
    أن أشتري بريرة فأعتقَها .
    البيع جائز و الشرط باطل .
    ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال : ما أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال : بعتُ من النبي صلى الله عليه و سلم
    ناقة و شرط لي حملانها إلى المدينة .
    البيع جائز و الشرط جائز .


    الــــــهـــــــــــوامـــــــــــــــــش :
    ---------------------------------------------

    (1) لعل صوابه الطبري .
    (2) يبدو كأن قائلا ذهب إلى هذا فأراد التعقب عليه ! لذلك قلت عن هذا النص : جامع للمسالك الثلاثة .
    (3) انظر حوارا علميا بين القاضي عياض و أبي جعفر أحمد بن عبد الرحمن البطروجي القرطبي بشأن الخطاب في
    معجم أصحاب أبي علي الصدفي لابن الأبار ص 24 .


    و قد يظن بعض الناس أن الأمر أيسر من لعقة عسل و لو سُئل أحدهم عن حجة النبي صلى الله عليه و سلم هل كان مفردا أو متمتعا أو قارنا فيها ؟ و هي حجة واحدة لم تتعدد
    لسمعت منه الجواب قبل أن تتم نصّ سؤالك لحديث وقف عليه أو حديثين أو عشرة .
    و كلّ هذا لا يكفي و قد يتجوّه عليك - إذا خالفته - بأن الإمام فلانا قال هكذا ! فتراه مقلدا متدرئا بالتقليد بعد أن كان يتكبش بالاجتهاد !
    و اسمع ما نقله الإمام النووي في شرح صحيح مسلم 8 : 136 عن القاضي عياض .
    قال رحمه الله : قال القاضي عياض : قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجيد منصف و من مقصر متكلف و من مُطيل مكثر
    و من مقتصر مختصر قال : و أوسعهم في ذلك نفسا أبو جعفر الطحاوي الحنفي فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة !
    و تكلم معه في ذلك أبو جعفر الطبري ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة ثم المهلب و القاضي أبو عبد الله بن المرابط و القاضي أبو الحسن
    بن القصار البغدادي و الحافظ أبو عمر بن عبد البر و غيرهم ..
    فهل يليق بطالب علم عاقل أن يقدم بعد ذلك بمجرد صفحات قرأها - و الله أعلم كيف دراها و فهمها - على ضرب كلام الأئمة بعرض الحائط !!
    و هذا الطحاوي الذي ألّف كتابا في تحقيق هذه الجزئية يقرب حجمه من حجم صحيح البخاري نراه مع هذا محافظا على انتسابه إلى مذهب معين
    و إن خالفه في بعض المسائل لكنه لم ينبذ الانتساب إليه مطلقا . و لم يتهجم عليه و لا على مقلديه بكلمة ! .
    و للأئمة السابقين عناية كبرى بجمع الأحاديث المختلفة ظاهرا على صعيد واحد ثم النظر فيها و بيان ما ينتج عن نظرهم ذاك فألّف الإمام الشافعي
    كتاب اختلاف الحديث و لابن قتيبة تأويل مختلف الحديث و عليه مآخذ و هما مطبوعان و لزكريا الساجي كتاب فيه ذكره له صاحب كشف الظنون
    تحت عنوان اختلاف الحديث .
    و للإمام ابن جرير الطبري كتاب في ذلك سماه تهذيب الآثار قال عنه صاحب الكشف أيضا : تفرد به في بابه بلا مشارك و قد طُبع قطعة منه في أربعة أجزاء .
    و للإمام ابي جعفر الطحاوي كتابا عظيمان في هذا الصدد أحدهما : شرح معاني الآثار المختلفة المروية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأحكام و قد طُبع
    مرارا و هو على كونه يشهد بإمامته و اجتهاده أول مؤلفاته كما أفاده الحافظ القرشي في كتابه الجواهر المضية 1 : 104 .
    ثانيهما : مشكل الآثار و هو آخر مؤلفاته كما قال القرشي أيضا و قد طُبع وصُور في أربع مجلدات لكن هذا المطبوع غير تام ربما لا يكون نصف الكتاب كما يقول
    الكوثري في الحاوي ص 34 .
    و قال عنه أيضا في تعليقاته على ذيول تذكرة الحفاظ ص 195 : هو كتاب لم يؤلف مثله في هذا الباب قديما و لا حديثا .
    و غير ذلك من مؤلفات خاصة و أبحاث و أقوال متفرقة في الكتب .
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #9
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم

    تفاوتهم في سعة الاطلاع على السنّة

    السبب الرابع في بيان اختلافهم لتفاوتهم في سعة الاطلاع على السنّة :

    أستهل الحديث بكلمة للإمام الشافعي في كتابه الرسالة ص 42 : لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء فإذا جُمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن و إذا فرّق علم كل واحد منهم : ذهب عليه الشيء منها ثم كان ما ذهب عليه منها موجودا عند غيره . و هم في العلم طبقات منهم الجامع لأكثره و إن ذهب عليه بعضه و منهم الجامع لأقل مما جمع غيره . انتهى
    و قال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر في الاستذكار 1 : 36 : لا أعلم أحدا من الصحابة إلا و قد شذّ عنه بين علم الخاصة واردة بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره و ذلك على من بعدهم أجوز و الإحاطة ممتنعة على كلّ أحد . انتهى
    و قال الإمام ابن تيمية في رفع الملام ص 17 : من اعتقد أن كلّ حديث صحيح قد بلغ كلّ واحد من الأئمة أو إماما معينا فهو مخطىء خطأ فاحشا قبيحا . انتهى
    و نقل الامام البقاعي في النكت الوفية ورقة 26 / ب عن شيخه الحافظ ابن حجر قوله : غير لائق أن يوصف أحد من الأئمة بأنه جمع الحديث جميعه حفظا و إتقانا حتى ذُكر عن الشافعي أنه قال : من ادعى أن السنّة اجتمعت كلها عند رجل واحد : فسق و من قال : إن شيئا منها فات الأمة : فسق . انتهى
    فلا يمكن لأحد أن يدعي لنفسه أو أن يدعي له غيره : جمع السنّة النبوية كاملة فيه بإقرار إمام من أئمة الإجتهاد العظام هو الإمام الشافعي رضي الله عنه و بموافقة غيره له من أهل التتبع و الاستقراء .
    و ليس معنى تفاوت الأئمة في حفظ السنّة و الاطلاع عليها أن يكون الأكثر اطلاعا هو المقدم على الجميع في حقيّة تقليده مثلا فقد يكون لهذا من الترجيح على غيره كثرة اطلاعه لكن يكون لغيره من الترجيح عليه علو كعبه في الفقاهة و الاستنباط .
    و الشرط - بالنسبة للاطلاع على الحديث - ليبلغ الرجل درجة الاجتهاد و تُسلم له : هو ما عبّر عنه ابن تيمية في رفع الملام ص 19 بقوله :
    و لا يقولن قائل : من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا ! لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي صلى الله عليه و سلم و فعله
    فيما يتعلق بالأحكام : فليس في الأمة على هذا مجتهد و إنما غاية العالم : أن يعلم جمهور ذلك و معظمه بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل (1) . و هذا قد اتفق لجميع الأئمة .
    فالإمام أحمد مثلا مشهور في تجليته في هذا الميدان و كذلك الإمام مالك و الشافعي و أبو حنيفة
    و إن كان لبعض الناس وقفة في حق الإمام أبي حنيفة و لذلك سأتحدث عنه خاصة بكلمة موجزة جدا دون الأئمة
    الآخرين .
    إن الحديث الشريف تحمل و سماع من جهة و رواية و أداء من جهة ثانية .
    فالمحدث يتلقى الحديث من شيوخه أولا و هذا ما يسمونه بالتحمل ثم يرويه على الناس ثانيا و هذا هو الأداء .
    فإذا توفر على الرواية ظهرت للناس مرويات له تكون عنوانا على كثرة تحمله أو قلّة تحمله ؛ و إذا شُغل بغير الرواية لم يكن ما يرويه في المناسبات
    دليلا على نسبة تحمله : قليلا أو كثيرا .
    فأبو بكر الصديق رضي الله عنه أول الرجال إسلاما و ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم صحبة و أعلم الصحابة كما شهدوا له بذلك و مع هذا لم ينتقل
    إلينا من مروياته إلا القليل جدا الذي لا يعطي دليلا على أنه أعلم الصحابة و لذلك أسباب للحديث عنها مناسبة أخرى .
    و يقرب من هذا حال سيدنا عمر و عثمان و علي (2) و نحوهم من الصحابة و كذلك عدد من التابعين و أتباعهم .
    بل قل مثل ذلك في الإمام مالك نفسه و شهرته في الحديث كما عبّر عنها تلميذه الشافعي : إذا جاء الأثر فمالك النجم ؛ و هو الذي قال : كتبت بيدي مائة ألف حديث كما في ترتيب المدارك 1 : 121 بل حكى
    العلامة الزرقاني في مقدمة شرحه على الموطأ 1 : 7 عن ابن الهياب أن الإمام مالك روى مائة ألف حديث (3) .
    و كذلك الإمام الشافعي أيضا فليس في كتبهما من وفرة الحديث ما يتلاقى مع إمامتهما في الحديث الشريف و شهرتهما فيه و هي - و لا شك - شهرة بحقّ و صدق .
    و قول ابن خزيمة : إنه لا يعلم سنّة صحيحة إلا و قد أثبتها الشافعي في كتبه : فمراده السنّة الصحيحة من أحاديث الأحكام لا الأحاديث الشريفة مطلقا .
    قال الإمام السبكي في معنى قول الإمام المطلبي 2 : 102 : رُوينا عن ابن خزيمة الإمام الورع في الحديث و الفقه أنه قيل له هل تعرف سنّة لرسول الله صلى الله عليه و سلم في الحلال و الحرام لم يودعها الشافعي كتابه ؟ قال : لا .
    و عذرهما - مالك و الشافعي - في ذلك انهما تفرغا للفقه و التفقيه و الاجتهاد و الاستنباط و تأصيل أصول الفقه و الاجتهاد ؛ أكثر مما تفرغوا للرواية لا أنهما قليلا المعرفة
    و الاطلاع على الحديث بل إنهما كثيرا التحمل قليلا الأداء .
    و هكذا كان حال الإمام أبي حنيفة كان كثير التحمل قليل الأداء :
    1 - كما شهد له بذلك من المتأخرين الحافظ ابن حجر في جواب استفتاء رُفع إليه و لفظه من الجواهر و الدرر للسخاوي ورقة 227 / ب : و سُئل ابن حجر عما ذكره
    النسائي في الضعفاء و المتروكين عن أبي حنيفة أنه ليس بالقوي في الحديث و هو كثير الغلط و الخطأ على قلّة روايته هل هو صحيح ؟ و هل وافقه على هذا أحد من أئمة
    المحدثين أم لا ؟



    الـــــهــــــــوامـــــــــــش :
    ---------------------------------------------------

    (1) فإن قيل قد ذكروا عدد أحاديث الأحكام نحو الألف حديث أو تزيد قليلا فكيف يتلاءم هذا التقدير مع هذا الكلام ؟ ! و الجواب : أن المراد من قدر هذا العدد أصول الأبواب و الأحاديث الصريحة في الأحكام و لا ينكرون أن كلّ ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم تشريع يُستفاد منه أحكام كثيرة
    تتعلق بالحلال و الحرام و منه ما يتعلق بالآداب و الأخلاق .
    و قد استنبط بعضهم من حديث : يا أبا عمير ما فعل النغير 400 فائدة و لا ريب أن كثيرا منها يتعلق بالأحكام و أكثر منه ما يتعلق بالآداب . انظر فتح الباري 10 : 584 ثم التراتيب الإدارية للكتاني 2 : 150 .
    (2) انظر ما تقدم بيانه في عقود الجمان للمحدث محمد بن يوسف الصالحي الشامي الشافعي ص 320 .
    (3) و الرواية غير التحمل و لم يكن الواحد منهم يروي إلا دون ما يعلمه بكثير ؛ جاء في ترجمة الإمام الليث بن سعد من تهذيب التهذيب 8 : 463 : قال شعيب بن الليث :
    قيل لليث : إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك ؟ فقال : أو كل ما في صدري في كتبي ؟ لو كتبت ما في صدري ما وسعه هذا المركب .
    و في تذكرة الحفاظ 1 : 544 ترجمة الإمام أحمد بن الفرات الرازي المتوفي سنة 258 أنه قال : كتبت ألف ألف حديث و خمسمائة ألف ؛ فعملت من ذلك في تواليفي
    خمسمائة ألف حديث . أي صنف ثلث ما كتب .

    فأجاب ابن حجر :
    النسائي من أئمة الحديث و الذي قاله إنما هو بحسب ما ظهر له و أداه إليه اجتهاده و ليس كل أحد يؤخذ بجميع قوله و قد وافق النسائي على مطلق القول في جماعة من المحدثين و استوعب الخطيب في ترجمته من تاريخه أقاويلهم و فيها ما يُقبل و ما يُردّ
    و قد اعتُذر عن الإمام بأنه كان يرى أنه لا يحدث إلا بما حفظه منذ سمعه إلى أن أراه ؛ فلهذا قلّت الرواية عنه و صارت روايته قليلة بالنسبة لذلك و إلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية .
    و في الجملة فترك الخوض في مثل هذه أولى فإن الإمام و أمثاله ممن قفزا القنطرة فما صار يؤثر في أحد منهم قول أحد .
    بل هم في الدرجة التي رفعهم الله تعالى إليها من كونهم متبوعين يُقتدى بهم فليعتمد هذا . و الله ولي التوفيق .
    و لذلك أعرض ابن حجر نفسه في التهذيب ترجمة أبي حنيفة عن ذكر أي قول مخالف لهذا القول في حق الإمام و كذلك فعل من قبله المزي في تهذيب الكمال و الذهبي في السير و التذكرة .
    يدل على ذلك صراحة عدة أخبار منها :
    - قال الزبيدي في عقود الجواهر المنيفة 1 : 31 روى يحيى بن نصر قال : دخلت على أبي حنيفة في بيت مملوء كتبا فقلت : ما هذه ؟
    قال : هذه أحاديث كلها و ما حدثت به إلا اليسير الذي يُنتفع به .
    و نقل العلامة علي القاري في مناقبه 2 : 474 الملحقة بالجواهر المضية عن محمد بن سماعة أن أبا حنيفة : ذكر في تصانيفه نيفا و سبعين ألف حديث و انتخب الآثار من أربعين ألف حديث .
    و من طرائف ما يُذكر في هذا الصدد في استحضار الإمام أبي حنيفة للحديث : ما ذكره عدد من أئمة المالكية في ترجمة أحد أئمتهم و هو الإمام عبد الله بن فروخ الفارسي من أصحاب الإمام مالك
    و ممن تأثر في فقهه بطريقة العراقيين و كتب عن الإمام أبي حنيفة أيضا مسائل كثيرة نحو العشرة آلاف مسألة .
    ذكروا في ترجمته أنه قال : كنت يوما عند أبي حنيفة فسقطت آجرة من أعلى داره على رأسي فدَمِيَ فقال : اختر إن شئت أرش الجرح - أي ديّته - و إن شئت ثلاثمائة حديث فقلت : الحديث خير لي
    فحدثني ثلاثمائة حديث .
    روى هذه القصة أبو بكر المالكي في رياض النفوس 1 : 116 و القاضي عياض في ترتيب المدارك 1 : 344 و ابو زيد الدباغ في معالم الإيمان 1 : 240 .
    و سيأتي بيان عن الإمام أحمد أن من حفظ اربعمائة ألف حديث قد يصلح للإجتهاد و الفتوى و قد اعترف الأئمة المعاصرون و من بعدهم لأبي حنيفة بالفقه و الاجتهاد
    بل إن الناس كلهم عيال في الفقه على مائدته و معنى هذا أنه قد جمع هذا العدد من الحديث و أكثر منه بكثير ! .
    كما قال ابن خلدون في آخر كلامه على علم الحديث من مقدمته : و يدل على أنه - أي أبا حنيفة - من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم - أي بين معاصريه من الأئمة -
    و التعويل عليه و اعتباره ردّا و قبولا .
    و الإمام أحمد الذي يرى هذا الرأي و يشترط هذا العدد الضخم فيمن يصلح للإجتهاد : هو واحد من بين الأئمة العظام الذين أثنوا على الإمام أبي حنيفة كما جاء في كلام الإمام العيني
    في البناية و نقله العلامة المحقق الشيخ المظفر أحمد التهانوي في كتابه قواعد في علم الحديث ص 328 .
    و قال الطوفي الحنبلي في شرحه على مختصره لروضة الناظر آخر بحثه في الرد على نفاة القياس : ...و آخر ما صح عن الإمام أحمد إحسان القول فيه و الثناء عليه . ذكره أبو الورد من أصحابنا في كتاب أصول الدين .
    - و نقل العلامة الصالحي الشافعي في عقود الجمان ص 63 و ابن حجؤ المكي الهيتمي الشافعي في الخيرات الحسان ص 23 عن الزرنجري قال : أمر الإمام أبو حفص الكبير بعدّ مشايخ الإمام أبي حنيفة فبلغوا أربعة آلاف
    من التابعين ثم سرد الصالحي أسماء بعض شيوخه مرتبا لهم على أحرف الهجاء في ثلاث و عشرين صفحة من ص 64 - 87 و هذا عدد كبير لا يكاد يّذكر لغيره من الأئمة المتفرغين للحديث .
    - و في الخيرات الحسان ص 25 قال أبو يوسف : ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة و كان أبصر بالحديث الصحيح مني .
    و الإمام أبو يوسف هو الذي قال فيه إمام علم الجرح و التعديل و ملك الحفاظ يحيى بن معين : ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث و لا أحفظ و لا أصح رواية من أبي يوسف . كما حكاه الذهبي في مناقبه ص 40 \
    و ابن معين لم يدرك أبا حنيفة فلذا خصّ أبا يوسف بالذكر .
    - و فيه أيضا ص 61 عن أبي يوسف قوله : كان أبو حنيفة إذا صمم على قول دُرتُ على مشايخ الكوفة هل أجد في تقوية قوله حديثا أو أثرا ؟
    فربما وجدت الحديثين و الثلاثة فأتيته بها فمنها ما يقول فيه : هذا غير صحيح أو غير معروف فأقول له : و ما علمك بذلك مع أنه يوافق قولك ؟ فيقول أنا عالم بعلم أهل الكوفة .
    و الكوفة نزل فيها من الصحابة ألف و خمسمائة صحابي فملأوها علما بل ملها ابن مسعود وحده علما بشهادة علي بن أبي طالب له بذلك (1) .
    و في المسند 1 : 405 عن ابن مسعود أنه جمع أصحابه و قال لهم : و الله إني لأرجو أن يكون قد أصبح اليوم فيكم من أفضل ما أصبح في أجناد المسلمين من الدين و الفقه و العلم و القران .
    و روى أبو نعيم في الحلية 5 : 47 في ترجمة الأعمش و هو كوفي قال : قال لي حبيب بن أبي ثابت و هو كوفي أيضا : أهل الحجاز و أهل مكة أعلم بالمناسك قال الأعمش فقلت له : أفأنت عنهم - أي في مناظرة تكون نائبا عنهم - و أنا عن أصحابي - أي أهل الكوفة - لا تأتيني بحرف
    إلا جئتك فيه بحديث .
    و قد عقد الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث ص 240 نوعا خاصا و هو النوع التاسع و الأربعون قال في أوله : هذا النوع من العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين و أتباعهم ممن يُجمع حديثهم للحفظ و المذاكرة و التبرك بهم و بذكرهم من الشرق و الغرب فذكر من أهل المدينة المنورة
    40 راويا و من أهل مكة 21 راويا و ذكر من أهل الكوفة 201 راويا و عدّ الإمام أبا حنيفة من بينهم .
    و روى في المستدرك 2 : 171 حديث لا نكاح إلا بولي و قال عقبة : وصل هذا الحديث عن أبي اسحق جماعة من أئمة المسلمين غير من ذكرناهم منهم : أبو حنيفة النعمان بن ثابت .. .
    و قد جمع أبو حنيفة علم أهل الكوفة بشهادة نفسه بذلك و بشهادة غيره له . فقال يحيى بن آدم أحد شيوخ البخاري في صحيحه : جمع أبو حنيفة حديث بلده كله . و نظر فيه إلى آخر ما قُبض عليه النبي صلى الله عليه و سلم (2) .
    و يحيى بن آدم هذا وصفه يعقوب بن شيبة بأنه كان فقيه البدن و في السير 11 : 189 عن الخلال أنه كان واحد أهل زمانه في الفقه . فمثله لا يرفع رأسا لأي أحد كان في الفقه و الحديث .
    و روى الصيرمي بسنده في أخبار أبي حنيفة و أصحابه ص 11 عن الحسن بن صالح أنه قال : كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث و المنسوخ فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه و سلم و عن أصحابه و كان عارفا بحديث أهل الكوفة و فقه أهل الكوفة
    شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده و قال : كان يقول : إن لكتاب الله ناسخا و منسوخا و إن للحديث ناسخا و منسوخا . و كان حافظا لفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم الأخير الذي قُبض عليه مما وصل إلى أهل بلده .
    و لتعلم أهمية العلم بالأحكام التي قُبض عليها النبي صلى الله عليه و سلم و استقر عليها التشريع : انظر إلى قول الإمام الزهري في صحيح مسلم 2 : 785 باب جواز الصوم و الفطر في شهر رمضان .. قال : كانوا - أي الصحابة - يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره صلى الله عليه و سلم
    و يرون الناسخ المحكم .
    و إلى قول يحيى بن آدم نفسه الذي أسنده إليه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص 84 و الخطيب في الفقه و المتفقه 1 : 222 : قال يحيى بن آدم :
    لا يُحتاج مع قول النبي صلى الله عليه و سلم إلى قول أحد و إنما كان يُقال : سنّة النبي صلى الله عليه و سلم و أبي بكر و عمر ليُعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم مات و هو عليها (3) .
    و لم يقتصر علم الإمام أبي حنيفة على حديث بلده بل كان له اطلاع تام على حديث الحجازيين و ذلك في أيام مقامه بمكة المكرمة حين غادر الكوفة إليها نتيجة إلحاح يزيد بن عمر بن هبيرة
    عليه أن يلي القضاء و هو يأبى و كان ذلك سنة ثلاثين و ماية و لم يرجع إلى الكوفة حتى تولى السلطة أبو جعفر المنصور سنة ست و ثلاثين و ماية (4) و هذه الفترة ليست بالقصيرة في حياة إمام
    مجتهد و في محيط علمي زاخر بمثل مكة المكرمة موئل العالم الاسلامي بعلمائه و محدثيه حجاج بيت الله الحرام كل عام .
    يُضاف إلى ذلك ما ذكروه في مناقبه أنه حج خمسا و خمسين حجة (5) .
    و هو في كلّ مرة يلتقي بعلماء مكة و المدينة و سائر الامصار و لذلك تجسد في شيوخه الذين ذكرهم الحافظ الصالحي في عقود الجمان من ص 64 - 87 تجد فيهم كثرة من المكيين و المدنيين و بلاد أخرى كثيرة .
    و قد كان الإمام أبو حنيفة لا يرى جواز الرواية بالإجازة كما نُقبل مثله عن شعبة بن الحجاج إمام زمانه في علم الجرح و التعديل و يقول شعبة في ذلك : لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة (6) .
    فكيف يقتصر أبو حنيفة على الأخذ عن شيوخ بلده فقط و الرحلة في طلب الحديث متعينة ؟ !! .
    و هذا باب طويل لا أرى الاطالة فيه أكثر من ذلك في مثل هذه المناسبة و قد أفاض في بيان هذا الجانب من جوانب الإمام أبي حنيفة : العلامة ظفر أحمد التهانوي في كتابه إنجاء الوطن عن الإزدراء بإمام الزمن
    ففيه من النقول ما لا يوجد في غيره .
    أفبعد هذا يتطاول بعض المقعدين إلى النيل من هذا الإمام ؟ !
    و مع ذلك فكلنا يُقرّ بأن أبا حنيفة بانفراده لم يجمع السنّة كلها و أن الشافعي بانفراده لم يجمع السنّة كلها و هكذا القول في مالك و أحمد و الثوري و الليث و الأوزاعي كل بانفراده .
    و لا بأس أن أذكر أمثلة على فوت بعض يسير من السنّة لبعض الأئمة .
    - يرى أبو حنيفة أن الرجل إذا وقف وقفا لا يلزمه إنفاذه بل يجوز له الرجوع عنه إلا إذا جرى منه مجرى الوصية أو حكم به القاضي و لم يثبت عند الإمام أبي حنيفة شيء في ذلك في لزوم الوقف .
    و خالفه في ذلك عامة أصحابه و الأئمة الآخرون فرأوا لزوم الوقف و الفتوى في المذهب الحنفي على مذهب الصاحبين : أن الوقف لازم .
    قال عيسى بن أبان : لما قدم أبو يوسف بغداد كان على قول أبي حنيفة في جواز بيع الأوقاف حتى حدثه إسماعيل بن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر في صدقة عمر لسهامه من خيبر فقال أبو يوسف
    : هذا مما لا يسع خلافه و لو تناهى هذا إلى أبي حنيفة لقال به و لما خالفه (7) .
    - و في مقدمة الجرح و التعديل ص 31 لابن أبي حاتم الرازي روى بسنده إلى الإمام عبد الله بن وهب من أجلّ أصحاب الإمام مالك قال ابن وهب :
    سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ؟ فقال : ليس ذلك على الناس . قال ابن وهب : فتركته حتى خفّ الناس فقلت له : عندنا في ذلك سنّة . فقال : و ما هي ؟
    قلت : حدثنا الليث بن سعد و ابن لهيعة و عمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله
    عليه و سلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه .
    فقال : إن هذا الحديث حسن و ما سمعت به قط إلا الساعة . ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع . و زاد ابن عبد البر في الاستذكار 1 : 18 أن مالكا صار يتعهد ذلك في وضوئه .
    - و في العلل للإمام أحمد 1 : 155 و مناقب الشافعي للبيهقي 1 : 528 أن الإمام أحمد قال : قال لنا الشافعي : أنتم أعلم بالحديث و الرجال مني ؛ فإذا كان الحديث فأعلموني إن شاء يكون كوفيا أو بصريا أو شاميا
    حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا .
    و جاء في كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ص 121 للإمام أبي بكر الخلال أحد أئمة الحنابلة ما يلي و نقله الإمام ابن القيم في كتاب الروح ص 13 و نسبه للخلال في كتابه الجامع فلعل النص مذكور في الكتابين ؟ أو إن الأمر بالمعروف فصل من فصول الجامع
    قال الخلال : باب القراءة على القبور . أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا يحيى بن معين حدثنا مبشر الحلبي حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال : قال أبي : إذا أنا متّ فضعني في اللحد و قل : بسم الله و على سنة رسول الله و سنّ على التراب سنّا
    و اقرأ عند رأسي بفاتحة الكتاب و أول البقرة و خاتمتها فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك .
    قال عباس الدوري : سألت أحمد قلت : تحفظ في القراءة على القبور شيئا ؟ فقال : لا و سألت يحيى بن معين فحدثني بهذا الحديث .
    ثم قال الخلال : و أخبرني الحسن بن أحمد الوراق قال حدثني علي بن موسى الحداد و كان صدوقا و كان ابن حماد المقرىء يرشد إليه قال : كنت مع أحمد بن حنبل و محمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دُفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد : يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة ! .
    فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد : يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي ؟ قال ثقة . قال : كتبت عنه شيئا ؟ قلت : نعم . قالت : فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دُفن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة و خاتمتها و قال : سمعت ابن عمر يوصي بذلك .
    فقال له أحمد : ارجع و قل للرجل يقرأ (8) .
    الـهـــــــوامـــــــــــــش :
    ------------------------------------------

    (1) انظر لذلك لزاما فقه أهل العراق و حديثهم للعلامة الكوثري ص 40 و ما بعدها و معارف السنن 1 : 252 للبنوري .
    (2) إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن ص 10 للعلامة التهانوي ص 12 الطبعة الجديدة : أبي حنيفة و أصحابه المحدثون .
    (3) و في الاستذكار 1 : 221 - 222 كلام نفيس في هذا المعنى .
    (4) عقود الجمان ص 312 للصالحي .
    (5) عقود الجمان ص 220 .
    (6) التدريب للسيوطي ص 256 .
    (7) النكت الطريفة للكوثري ص 40 .
    (8) انظر العلل المتناهية 1 : 428 - 443 و تهذيب التهذيب 6 : 320 .
    التعديل الأخير تم بواسطة فيصل عساف ; 11-13-2017 الساعة 03:54 AM
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #10
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    هذه أمثلة على فوات حديث لإمام من الأئمة استدركها عليهم بعض أصحابهم حال حياتهم أو بعد وفاتهم و لا غضاضة عليهم في ذلك مع ملاحظة ندرتها فلا يحيط بالسنّة النبوية أحد و الكمال لله عزّ و جلّ .و يوجه إلى هذا السبب من أسباب اختلاف الأئمة شبهات تعترضه سوف أعرض لها إن شاء الله تعالى لكني قبل أن أنتقل لها أجيب عن سؤال قد يخطر ببال بعض الناس .و السؤال هو : لم جعلت هذا السبب آخر الأسباب ؟و جوابه : أنني جعلته آخر الأسباب عن تعمد و تقصد مع علمي أن كثيرا من الناس يرددون على ألسنتهم و في كتاباتهم هذا السبب و يجعلونه أول الأسباب و يقولون فورا إذا اعترضهم حديث ترك إمام من الأئمة العمل به : إنه لم يطلع عليه و لو اطلع عليه لقال به و إن السنّة النبوية لا يحيط بها أحد على انفراده .و أما أنا فلا ينقضي عجبي من هؤلاء لأمرين اثنين :أولهما : انهم لم يتتبعوا كتب هذا الإمام باستقصاء و استيفاء ليحصل عندهم شيء يسير من الدليل على أنه ما اطلع عليه فقال بخلافه . و قد سمعت عن بعض أهل العلم يقول : إن أبا حنيفة ما اطلع على حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب مع أنه رضي الله عنه رواه في مسنده المشهور المطبوع ! .و قال شيخ من شيوخنا محمد بخيت المطيعي في سلم الوصول لشرح نهاية السول للإسنوي 2 : 480 و هو يتحدث عن حديث الولد للفراش : قال الغزالي :إن هذا الحديث لم يبلغ أبا حنيفة و لو بلغه لما أخرج الأمة الموطوءة . و بذلك صرح إمام الحرمين ثم قال بعد أسطر : قال الكمال بن الهمام : كل ذلك لعدم اطلاعهم على مذهب أبي حنيفةو القول بأن هذا الحديث لم يبلغه غير صحيح فإنه مذكور في مسنده .قلت : و هو كذلك فهو آخر حديث في كتاب النكاح من ترتيب المحدث الشيخ محمد عابد السندي لمسند الإمام و الذي شرحه الشيخ محمد السنبهلي في تنسيق النظام ص 137 .رواه أبو حنيفة عن شيخه حماد بن أبي سليمان عن ابراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عمر بن الخطاب و هذا إسناد مسلسل بأئمة فقهاء الكوفة إلى عمر .و في معجم شيوخ الإمام أبي بكر الإسماعيلي : عن عبد الله بن مسعود في الذي يدركه الصبح و هو جنب : أنه كان يرى له أن يصوم . قال سفيان الثوري : و كان ابراهيم النخعي يقول : يقضي . ثم جعل سفيان يعجب من قول إبراهيم . فقال له حفص بن غياث : لعل إبراهيم لم يسمع حديث النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يدركه الصبح و هو جنب . يعني : ثم يصوم ؟ قال سفيان : بلى حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة . ( انظر الترجمة التاسعة من المعجم المذكور ) .فتأمل كيف احتمل عدم علم النخعي بالحديث فغلط . و اعتبر .و لو زعم زاعم أنه تتبع كل التتبع جميع كتب الإمام فلم يجد فيها هذا الحديث بعينه : لما ساغ له أن ينفي عنه علمه به ألا ترى أنك لو فتشت عن حديث صحيح في كتابيّ البخاري و مسلم فلم تجده فيهما لا يجوز لك أن تنفي عنهما علمهما به و تقول : هذا حديث صحيحلم يعرفه الإمامان العظيمان البخاري و مسلم ؟؟ فما أعظم علمك إذا ؟! و أيّ إمام أنت !! .ثانيهما : أن النافي عن إمام اطلاعه على هذا الحديث إنما يرجم بالغيب و يتقول على إمام من أئمة المسلمين بغير علم و لا حجة و لا برهان فهل قال له الإمام : إني لم اطلع على هذا الحديث ؟!و لذلك كان تأخير هذا السبب أمرا طبعيا يقتضيه منطق العلم و أدب الإسلام مع أئمته .و الأولى بالمسلم العاقل أن يهتم بنفسه و لا يتطاول على الأئمة فيتهمهم بعدم الاطلاع على ما اطلع عليه مثله !و ما أجمل ما حكاه الإمام السبكي في معنى قول الإمام المطلبي ص 99 عن الإمام أحمد ! . قال السبكي : قال أبو أيوب حميد بن أحمد البصري كنت عند أحمد نتذاكر في مسألة فقال رجل لأحمد : يا أبا عبد الله لا يصحّ فيه حديث .فقال أحمد : إن لم يصحّ فيه حديث ففيه قول الشافعي و حجته أثبت شيء فيه .ثم تابع الإمام أحمد كلامه للرجل فذكر له قصة جرت له مع الشافعي فيها شاهد على أن الشافعي إذا قال قولا فلا بدّ أن يكون له دليل من السنّة و لكن قد يخفى الدليل و على من يخفى ؟ على مثل الإمام أحمد !!!فقال : قلت للشافعي : ما تقول في مسألة كذا ؟ قال : فأجاب فيها فقلت : من أين قلت ؟ هل فيه حديث أو كتاب ؟ قال أحمد : فنزع في ذلك حديثا للنبي صلى الله عليه و سلم و هو حديث نص . أي صريح جدا في المراد بحيث أن لفظه لا يحتمل معنى آخر .و هذا أدب رفيع من الإمام أحمد فيجدر بكل مسلم أن يتحلى به .و انظر موقفا آخر للإمام أحمد فيه تأديب غيره مع الأئمة جاء في تهذيب التهذيب 1 : 226 في ترجمة اسحق بن إسماعيل الطالقاني أحد الثقات و ممن أثنى عليه الإمام أحمد إلا أنه أخذ عليه تناوله الإمام عبد الرحمن بن مهدي و نحوه فقال الإمام أحمد : بلغني أنه يذكر عبد الرحمن بن مهدي و ما أعجب هذا ! ثم قال - الإمام أحمد - و هو مغتاظ : مالك أنت ويلك و لذكر الأئمة !! .و أرى من المناسب ختم المقام بكلام بعض الأئمة في هذا الصدد .قال الإمام أبو الحسن القابسي المالكي في مقدمة كتابه الملخص ص 47 الذي رتب فيه الموطأ رواية ابن القاسم : لا ينبغي لمن وقف على صحة نقل الحديث و على صحة ألفاظه أن يتعاطى تأويله و لا يستعمل منصوصه في إباحة و لا حظر إلا بعلمهو غير علم الرواية و ذلك يوجد في مساءلة أهل الفقه و المعرفة بالسنّة و العلم التام بسيرة الأئمة فإن في الحديث ناسخا و منسوخاو المنسوخ لا يجوز استعماله إذ هو قد نُسخ . و للحديث معانٍ يعرفها العلماء لاستيعاب بيانها موضع غير هذا و يكفي من البيان لما وصفت لكم قول النبي صلى الله عليه و سلم في خطبته في حجة الوداع من الأثر الثابت : ليبلغ الشاهد الغائبفإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه .و للإمام التقي السبكي الذي تقدم بعض وصفه كلام طويل في رسالته الدرة المضية ص 20 أنقل منه مقتطفات يسيرة لا تُبعد بالقارىء عما نحن بصدده .قال السبكي : إن الناس على قسمين : عالم مجتهد متمكن من استخراج الأحكام من الكتاب و السنّة أو عامي مقلد لأهل العلم و وظيفة المجتهد إذا وقعت واقعة أن يستخرج الحكم فيها من الأدلة الشرعية و وظيفة العامي أن يرجع إلى قول العلماء و ليس لغير المجتهد إذا سمع آية أو حديثا أن يترك به قول العلماء فإنه إذا رآهم قد خالفواذلك مع علمهم به علم أنهم إنما خالفوه لدليل دلّهم على ذلك و قد قال الله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .و القصد أن غير العالم المجتهد إذا سمعوا آية فيها عموم أو إطلاق لم يكن لهم أن يأخذوا بذلك العموم أو الإطلاقات إلا بقول العلماء و لا يعمل بالعمومات و الإطلاقات إلا من عرف الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص و المطلق و المقيدو المجمل و المبين و الحقيقة و المجاز .و ذكر أمثلة على ذلك من الكتاب الكريم و السنة الشريفة في نحو صفحتين ثم قال : و هذا يوضح أن العمل بمجرده من غير في نظر في أدلة التخصيص و التقييد خطأ من العامل به .. فإذا اعترف أنه لا ينبغي له أن يعمل بالعموم حتى يعرف هل له من مخصص و يعرفما يعارض من الأدلة فوّضَ الأمر إلى أهله و علم أنه فوق كلّ ذي علم عليم و كذلك لا ينبغي أن يأخذ بأدلة الكتاب حتى يعلم ما في السنّةمما يبينه أو يخصصه أو يقيده قال تعالى : و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم .ثم قال : فمن لم يعرف الكتاب و السنّة و أقوال الأئمة لم يكن له أن يقف عند دليل يسمعه من غير إمام يرشده .و أقوال العلماء في هذا الصدد كثيرة و أن كل من ليس مجتهدا فهو عاميّ مقلد تجدها في أواخر كتب الأصولو تجدها منثورة في ثنايا كلامهم في كتبهم الأخرى .أمــا الشبهات التي يُعترض بها على هذا السبب فهي :1 - قد يقول قائل : إذا كنتَ قد أقمت الدليل على أن الأئمة قد فاتهم بعض الشيء فهذا يجعلهم عرضة لأن يُقال : قد فاتهم شيء غيرهفي هذه المسألة و شيء آخر في المسألة الثالثة و الرابعة .. و هكذا إذا فلننظر الدليل نحن لأنفسنا حتى نكون على طمأنينة في أمرنا .الـجــــواب :إذا كان قد فات الإمام منهم النزر اليسير جدا فقد استدركه أصحابه و استقر مذهبه على التمام من قبل مجموعة كبيرة من أصحابهكأبي يوسف و محمد من أصحاب أبي حنيفة و المزني و البويطي من أصحاب الشافعي و أشهب و ابن القاسم من أصحاب مالك و نحوهم من أصحاب أحمد . و إذا كان قد فاته هذا الشيء الذي لا يُذكر فلأن يفوت المقتدي المتأخر في آخر الصفوف أشياء و أشياءمن الأمهات من باب أولى به و ألزم عليه .و إذا كان قد فات الإمام جزء يسير تتعذر الأمثلة عليه لندرته فليس من منطق العقل و العلم أن نسحب حكم النادر على الكل بل المنطقيقضي بسحب الكل على النادر .أي : لا نقول لم يطلع الإمام على هذا الحديث فحكم بكذا و كذا فمن المحتمل أنه لم يطلع على الحديث أيضا لذلط حكم بهذا الحكم في مسألة كذا و هكذا ينسحب هذا الاحتمال في أحكان الإمام كلهالذلك نبني لأنفسنا فقها جديدا مستقلا عن الأئمة جميعهم إذ لا فارق بين إمام و آخر أمام هذا الاحتمال .بل نقول : لقد اطلع الإمام على دليل مسألة كذا فحكم بمقتضاه و اطلع على دليل المسألة الثانية فقال بهو هكذا آلاف المسائل أما هذه المسألة بعينها و هي مسألة واحدة من آلاف المسائل فلم يطلع الإمام على دليلهافيقف حكمنا عندها و لا يتجاوزها لجزمنا باطلاعه على أدلة غيرها و هو كثير جدا لا يُحصى .2 - يقول بعض الناس : إن كتب السنّة اليوم كثيرة و توافرها للباحثين المعاصرين ميسور أكثر من توافرهاللسابقين و قد تيسرت الاستفادة منها بالطباعة و الفهارس المختلفة أكثر من تيسر استفادة المتقدمين منها فمن السهلالاعتماد عليها و أخذ الثابت منها و ترك غيره و تثبيت الأحكام الفقهية التي دلّ الدليل عليها و تنقيح الفقه مما لا دليل عليه .الــجــــواب :- إن هذا الكلام من الغباء بمكان فقديما قالوا :و كم للشيخِ من كتبٍ كبارٍ *** و لكن ليسَ يدري ما دحاهاو قالوا :ليسَ بعلمٍ ما حوى القمطرُ *** ما العلمُ إلا ما وعاهُ الصدرُو كأن حال علمائنا قاطبة ما عبّر عنه ابن حزم :فإن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي *** تضمنهُ القرطاسُ بل هو في صدرييسيرُ معي حيثُ استقلت ركائبي *** و ينزلُ إن أنزل و يُدفنُ في قبريو في الفقيه و المتفقه للخطيب 2 : 158 : قيل لبعض الحكماء إن فلانا جمع كتبا كثيرة ! فقال : هل فهمه على قدر كتبه ؟قيل : لا قال : فما صنع شيئا ما تصنع البهيمة بالعلم .و قال رجل لرجل كتب و لا يعلم شيئا مما كتب : مالك من كتبك إلا فضل تعبك و طول أرقك و تسويد ورقك .و قال ابن تيمية في رفع الملام ص 18 : لو فُرض انحصار حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها - أي في الدواوين - فليسكلّ ما في الكتب يعلمه العالم و لا يكاد ذلك يحصل لأحد بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة و هو لا يحيط بما فيها بل الذين كانوا قبل جمع هذهالدواوين كانوا أعلم بالسنّة من المتأخرين بكثير .. فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين و هذا أمر لا يشك فيه من علم القضية .- إن أئمتنا على كثرة ما دونوه و وفرة ما وصل إلينا من تراثهم لم يكونوا يدونون إلا القليل من محفوظاتهم كما تراه قبل سطرين من كلام ابن تيمية و كما تقدم من كلام الليث و أحمدبن الفرات و هذا نزر يسير من كلام الأئمة و أخبارهم لا مجال لاستقصائه .و كن على ذكر من كلمة الإمام الباغندي : أجبت عن ثلاثمائة ألف مسألة في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم !!- إن أوسع كتب السنّة اليوم هو كنز العمال للمتقي الهندي و فيه أكثر من ستة و أربعين ألف حديث إلا أن الاستفادة منه على النحوالذي يريده القائل غير متيسرة إذ إن كثيرا من مصادره غير متيسر الرجوع إليه و تحقيق أسانيده و حينئذ سيبقى الأمر متعلقا على البت في أسانيده .- إن عدد أحاديث الكنز يقل كثيرا عما يُنقل عن الأئمة المجتهدين من الأحاديث التي تحملوها و سمعوها على كثرة ما فيه من مكررات و قد تقدم أن عدد الأحاديث التي ذكرها الإمام أبو حنيفة في تصانيفه نيف و سبعون ألف حديث فضلا عما لم يذكره و تقدم أنه انتخب كتابه الآثار فقط منأربعين ألف حديث .و تقدم عن ابن الهياب أن مالكا روى مائة ألف حديث فضلا عما تحمله و لم يروه و مشهور أن الإمام أحمد انتقى مسنده من نحو حمسين ألفا و سبعمائة ألف حديث !! . و في إعلام الموقعين 1 : 45 أن رجلا سأل الإمام أحمد : إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها ؟ قال الإمام : لا ؛ قال : فمائتي ألف ؟ قال : لا ؛قال : فثلاثمائة ألف ؟ قال : لا ؛ قال : فأربعمائة ألف ؟ قال الإمام بيده هكذا و حركها . أي لعله يصلح أن يكون فقيها مجتهدا يفتي الناس .و أسند الخطيب في الجامع 2 : 174 إلى يحيى بن معين و قد قيل له : أيفني الرجل من مائة ألف حديث ؟ قال : لا ؛ قلت : و من مائتي ألف ؟قال : لا ؛ قلت : ثلاثمائة ألف ؟ قال : لا ؛ قلت : خمسمائة ألف ؟ قال : أرجو .و علق عليه الخطيب بقوله : و ليس يكفيه إذا نصب نفسه للفتيا أن يجمع في الكتب ما ذكره ابن معين دون معرفتهبه و النظر فيه و إتقانه له فإن العلم هو الفهم و الدراية و ليس بالإكثار و التوسع في الرواية .بل نقل ابن تيمية هذا العدد عن الإمام أحمد نفسه في المسودة ص 514 .و لا ننكر أنه يدخل في هذه الأعداد الكبيرة الأحاديث الموقوفة و المقطوعة و المتعددة الأسانيد و لكن يبقى الفارق كبيرا على أن الموقوفات و الروايات المتكررة الأسانيدو هي لا تخلوا غالبا من مغايرة في لفظ الحديث لها أثرها في فهم الحديث و الاستفادة منه .- و لو فرضنا أن تلك المجموعة الكبيرة من الأحاديث قد توافرت فإن الاختلاف بين الأئمة قائم لا يزول ما دامت الأسباب الأخرى للاختلاف موجودة قائمة و هي ذات أثر في الاختلاف أكبربكثير من هذا السبب الرابع الذي نتحدث عنه .
    التعديل الأخير تم بواسطة فيصل عساف ; 11-14-2017 الساعة 09:49 PM
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 07:14 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft