قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي مُقَدّمَة الموضوعات.
أعلم أَن الروَاة الَّذِين وَقع فِي حَدِيثهمْ الْمَوْضُوع وَالْكذب والمقلوب خَمْسَة أَقسَام:
(الأول) : قوم غلب عَلَيْهِم الزّهْد والتقشف فغفلوا عَنِ الْحِفْظ والتمييز وَمِنْهُم منْ ضَاعَت كتبه أَوِ احترقت أَو دَفنهَا ثُمّ حدَّث منْ حفظه فغلط فَهَؤُلَاءِ تَارَة يرفعون الْمُرْسل ويسندون الْمَوْقُوف وَتارَة يقلبون الْإِسْنَاد وَتارَة يدْخلُونَ حَدِيثا فِي حَدِيث.
(الثَّانِي) : قوم لم يعاينوا علم النَّقْل فَكثر خطوهم وفحش عَلَى نَحْو مَا جرى فِي الْقسم الأول.
(الثَّالِث) : قوم ثِقَات لَكِن اخْتلطت عُقُولهمْ فِي أَوَاخِر أعمارهم فخلطوا فِي الرِّوَايَة.
(الرَّابِع) : قوم غلبت عَلَيْهِم الْغَفْلَة ثُمّ انقسم هَؤُلَاءِ فَمنهمْ منْ كَانَ يلقن فيتلقن ويُقَالُ قل فَيَقُول وَقَدْ كَانَ بعض هَؤُلَاءِ ذَا وراقة يضع لَهُ الْحَدِيث فيرويه وَلَا يعلم وَمِنْهُم منْ كَانَ يرْوى الْأَحَادِيث وَإِن لَمْ يكن سَمَاعا ظنا مِنْهُ أَن ذَلِكَ جَائِز وَقَدْ قِيلَ لبَعض ضعفائهم هَذِهِ الصَّحِيفَة سماعك فَقَالَ لَا وَلَكِن الَّذِي رَوَاهَا مَاتَ فرويتها مَكَانَهُ.
(الْخَامِس) : قوم تعمدوا الْكَذِب ثُمّ انقسم هَؤُلَاءِ ثَلَاثَة أَقسَام:
(الأول) : قوم رووا الْخَطَأ منْ غَيْر أَن يعلمُوا أَنَّهُ خطأ فَلَمَّا عرفُوا الصَّوَاب وأيقنوا بِهِ أصروا عَلَى الْخَطَأ أَنَفَة أَن ينسبوا إِلَى غلط.
(الثَّانِي) : قوم رووا عَنْ كَذَّابين وضعفاء ويعلمون فدلسوا أَسْمَاءَهُم وَالْكذب منْ أْولَئِك الْمَجْرُوحين وَالْخَطَأ الْقَبِيح منْ هَؤُلَاءِ المدلسين وهم فِي مرتبَة الْكَذَّابين لما قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِي أَنه قَالَ منْ رَوَى عني حَدِيثا يرى أَنَّهُ كذب فَهُوَ أحد الْكَذَّابين وَفِي هَذَا الْقسم قوم رووا عَنْ أَقوام مَا رَأَوْهُمْ مثل إِبْرَاهِيم بْن هدبة عَنْ أَنَسٍ وَكَانَ بِوَاسِطَة شيخ يحدث عَنْ أَنَس وَيحدث مرّة عَنْ شريك فَقِيل لَهُ حِين حدَّث عَنْ أَنَس لَعَلَّك سَمِعْتُهُ منْ شريك فَقَالَ أَقُول لَكُمُ الصدْق سَمِعْتُ هَذَا منْ أَنَس بْن مَالك عَنْ شريك وَقَدْ حدَّث عَبْد اللَّه بْن إِسْحَاق الْكرْمَانِي عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب فَقِيل لَهُ مَاتَ مُحَمَّد قبل أَن تولد بتسع سِنِين، وحدَّث مُحَمَّد بْن حَاتِم الْكشِّي عَنْ عَبْد بْن حُمَيد فَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَاكِم هَذَا الشَّيْخ سَمِع منْ عَبْد بْن حُمَيد بعد مَوته بِثَلَاث عشر سنة.
(الثَّالِث) قوم تعمدوا الْكَذِب لَا لأَنهم أخطأوا وَلَا لأَنهم رووا عَنْ كَذَّاب فَهَؤُلَاءِ تَارَة يكذبُون فِي الْإِسْنَاد فيروون عَمَّن لَمْ يسمعوا مِنْهُ وَتارَة يسرقون الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا غَيرهم وَتارَة يضعون أَحَادِيث وَهَؤُلَاء الوضاعون انقسموا ثَمَانِيَة أَقسَام الأول الزَّنَادِقَة قصدُوا إِفْسَاد الشَّرِيعَة وإيقاع الشَّك فِيهَا فِي قُلُوب الْعباد والتلاعب بِالدّينِ كَعبد الْكَرِيم بْن أَبِي العوجاء وَبنت حَمَّاد وقَالَ ابْن عَدِيّ لما أَخَذَ ابْن أَبِي العوجاء أَتَى بِهِ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان بْن عَلِيّ فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَقَالَ وَالله لقَدْ وضعت فِيكُم أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث أحرم فِيهَا الْحَلَال وَأحل فِيهَا الْحَرَام وَعَن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان قَالَ سَمِعْتُ الْمهْدي يَقُولُ أقرّ عِنْدِي رَجُل مِنَ الزَّنَادِقَة أَنَّهُ وضع أَرْبَعمِائَة حَدِيث فَهِيَ تجول فِي أَيدي النّاس وَقَدْ كَانَ فِي هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة منْ يغْفل الشَّيْخ فِي كِتَابه مَا لَيْسَ منْ حَدِيثه فيرويه ذَلِكَ الشَّيْخ ظنا مِنْهُ أَنَّهُ منْ حَدِيثه.
وقَالَ حَمَّاد بْن زَيْد وضعت الزَّنَادِقَة على رَسُول الله أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث.
الثَّانِي قوم كَانُوا يقصدون وضع الْحَدِيث نصْرَة لمذاهبهم وَهَذَا مَذْكُور عَنْ قوم مِنَ السالمية عَنْ عَبْد اللَّه بن يزِيد الْمقري قَالَ رَجَعَ رَجُل منْ أَهْل الْبدع عَنْ بدعته فَجعل يَقُولُ انْظُرُوا هَذَا الْحَدِيث عَمَّن تأخذونه فَإنَّا كُنَّا إِذا تراءينا رَأيا جعلنَا لَهُ حَدِيثا.
وَعَن ابْن لَهِيعَة قَالَ سَمِعْتُ شَيخا مِنَ الْخَوَارِج تَابَ وَرجع فَجعل يَقُولُ إِن هَذِهِ الْأَحَادِيث دين فانظروا عَمَّن تأخذون دينكُمْ فَإنَّا كُنَّا إِذا هوينا أمرا صيرناه حَدِيثا وَعَن حَمَّاد بْن سَلَمَة قَالَ حَدَّثَنِي شيخ لَهُم يَعْنِي الرافضية قَالَ كُنَّا إِذا استحسنا شَيْئا جَعَلْنَاهُ حَدِيثا وقَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه كَانَ مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الطائكاني منْ رُؤَسَاء المرجئة يضع الْحَدِيث عَلَى مَذْهَبهم وَعَن أَبِي أَنَس الْحَرَّانِي قَالَ قَالَ الْمُخْتَارِ لرجل منْ أَصْحَاب الْحَدِيث ضع لي حَدِيثا عَنِ النَّبِيّ أَنَّهُ كَائِن بعده خَليفَة مطالبًا لَهُ بترة وَلَده وَهَذِه عشرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة ومركوب وخادم فَقَالَ لَهُ الرجل أما عَنِ النَّبِي فَلَا وَلَكِن اختر منْ شِئْت مِنَ الصَّحَابَة وَحط لي مِنَ الثّمن مَا شِئْت قَالَ عَنِ النَّبِي أوكد وَالْعَذَاب عَلَيْه أَشد الثَّالِث قوم وضعُوا الْأَحَادِيث فِي التَّرْغِيب والترهيب ليحثوا النّاس بزعمهم عَلَى الْخَيْر ويزجروهم عَنِ الشَّرّ وَهَذَا يغلظ عَلَى الشَّرِيعَة ومضمون فعلهم أَن الشَّرِيعَة نَاقِصَة وتحتاج إِلَى تَتِمَّة فقد أتممناها عَنْ أبي عَبْد اللَّه النهاوندي قَالَ قُلْتُ لغلام خَلِيل هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي تُحَدِّث بهَا مِنَ الرَّقَائِق فَقَالَ وضعناها لنرقق بهَا قُلُوب الْعَامَّة.
وَعَن أَبِي جَعْفَر التفري قَالَ لما حدَّث غُلَام خَلِيل عَنْ بَكْر بْن عِيسَى عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة قُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْد اللَّه إِن هَذَا الرجل قديم الْوَفَاة وَلَمْ تلْحقهُ وَلَا منْ فِي سنك فَكيف فِي هَذَا وَقلت لَهُ أحسبك سَمِعْتُهُ منْ رَجُل يُقَالُ لَهُ بَكْر بْن عِيسَى غَيْر هَذَا فَسكت وافترقنا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَد قَالَ يَا أَبَا جَعْفَر علمت أَنِّي نظرت البارحة فِيمَن سَمِعْتُ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ بَكْر بْن عِيسَى فوجدتهم سِتِّينَ رَجُلًا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ غُلَام خَلِيل كَانَ يتزهد ويهجر شهوات الدُّنْيَا يتقوت الباقلاء صرفا وغلقت أسواق
بَغْدَاد يوْم مَوته فَحسن لَهُ الشَّيْطَان هَذَا الْفِعْل الْقَبِيح وَعَن مُحَمَّد بْن عِيسَى الطباع قَالَ سَمِعْتُ ابْن مَهْدِيّ يَقُولُ لِميسرَة بْن عَبْد ربه منْ أَيْنَ جِئْت بِهَذِهِ الْأَحَادِيث منْ قَرَأَ كَذَا فَلَه كَذَا قَالَ وَضَعتهَا أَرغب النّاس فِيهَا وَسُئِلَ عَبْد الْجَبَّار بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِي دَاوُد النَّخَعِيّ فَقَالَ كَانَ أطول النّاس قيَاما بلَيْل وَأَكْثَرهم صياما بنهار وَكَانَ يضع الْحَدِيث وضعا وَكَانَ أَبُو بشر أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْفَقِيه المَرْوَزِيّ منْ أَصْلَب أَهْل زَمَانه فِي السّنة وأذبهم عَنْهَا وأخفهم لمن خالفها وَكَانَ مَعَ هَذَا يضع الْحَدِيث ويقلبه.
وقَالَ أَبُو زرْعَة الرَّازيّ كَانَ مَيْسَرَة بْن عَبْد ربه يضع الْحَدِيث وَقَدْ وضع فِي فَضَائِل قزوين نَحوا منْ أَرْبَعِينَ حَدِيثا كَانَ يَقُولُ إِنِّي أحتسب فِي ذَلِكَ وَعَن أَبِي عمار المَرْوَزِيّ قَالَ قِيلَ لأبي عصمَة بْن أَبِي مَرْيَم المَرْوَزِيّ منْ أَيْنَ لَك عَنْ عِكْرِمَة عَنِ ابْن عَبَّاس فِي فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة سُورَة وَلَيْسَ عِنْد أَصْحَاب عِكْرِمَة هَذَا قَالَ إِنِّي رَأَيْت النّاس أَعرضُوا عَنِ الْقُرْآن وَاشْتَغلُوا بِفقه أبي حنيفَة وَمَغَازِي بن إِسْحَاق فَوضعت هَذَا الْحَدِيث حسبَة وقَالَ ابْن عَدِيّ سَمِعْتُ أَبَا بدر أَحْمَد بْن خَالِد يَقُولُ كَانَ وَهْب بن حَفْص مِنَ الصَّالِحين مكث عشْرين سنة لَا يكلم أحدا قَالَ أَبُو عرُوبَة كَانَ يكذب كذبا فَاحِشا.
وَعَن يَحْيَى بْن سَعِيد الْقطَّان مَا رَأَيْت الْكَذِب فِي أحد أَكثر مِنْهُ فِيمَن ينْسب إِلَى الْخَيْر والزهد الرَّابِع قوم استجازوا وضع الْأَسَانِيد لكل كَلَام حسن كَمَا حكى عَنْ مُحَمَّد بْن سَعِيد أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْس إِذا كَانَ كَلَام حسن أَن تضع لَهُ سنادا الْخَامِس قوم كَانَ يعرض لَهُم غَرَض فيضعون الْحَدِيث فَمنهمْ منْ قصد بِذَلِك التَّقَرُّب إِلَى السّلطان بنصرة غَرَض كَانَ.
كغياث بْن إِبْرَاهِيم فَإنَّهُ حِين دخل عَلَى الْمهْدي وَكَانَ الْمهْدي يحب الْحمام فَقِيلَ لَهُ حَدِّثْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ حَدَّثَنَا فُلان عَنْ فُلان أَن النَّبِي قَالَ: لَا سَبْقَ إِلا فِي نصل أَوْ خف أَوْ حافر أَوْ جَنَاحٍ فَأَمَرَ لَهُ الْمَهْدِيُّ ببدرة فَلَمَّا قَامَ أشهد عَلَى فَقَالَ إنَّه قفا كَذَّاب عَلَى رَسُول الله نعم قَالَ الْمهْدي أَنَا حَملته عَلَى ذَلِكَ ثُمّ أَمر بِذبح الْحمام ورفض مَا كَانَ فِيهِ.
وَمِنْهُم منْ كَانَ يضع الْحَدِيث جَوَابا لسائليه كَمَا رَوَى المعيطي عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي يَحْيَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُل أعْطى الْغَزل لحائك فنسج لَهُ وَفضل مِنْهُ خيوط فَقَالَ صَاحب الثَّوْب هِيَ لي وقَالَ النساج هِيَ لي فالخيوط لمن فَقَالَ إِبْرَاهِيم حَدَّثَنِي ابْن جُرَيْج وَعَطَاء قَالَ: إِن كَانَ صَاحب الثَّوْب أعطَاهُ لأردها نسج فالخيوط لَهُ وَإِلَّا فَهِيَ للحائك.
وَمِنْهُم منْ كَانَ يَضَعهُ فِي ذمّ منْ يُرِيد أَن يذمه كَمَا حكى عَنْ سَعْد بْن طريف أَنَّهُ رَأَى ابْنه يبكي فَقَالَ مَا لَك فَقَالَ ضَرَبَنِي الْمعلم فَقَالَ أما واللَّه لأحدثنهم حَدَّثَنِي عِكْرِمَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ معلمو صِبْيَانكُمْ شِرَاركُمْ وَقيل لمأمون بْن أَحْمد أَلا ترى إِلَى الشّافعيّ وَإِلَى منْ تبعه بخراسان فَقَالَ حَدثنَا أَحْمد بن
عَبْد اللَّه بْن مَعْدَان عَنْ أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله: يكون فِي أمتِي رَجُل يُقال لَهُ مُحَمَّد بْن إِدْرِيس أضرّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ.
وَقيل لمُحَمد بْن عكاشة الْكرْمَانِي ان قوما يرفعون أَيْديهم فِي الرُّكُوع وَبعد رفع الرَّأْس مِنَ الرُّكُوع فَقَالَ أَنْبَأَنَا الْمُسَيِّب بْن وَاضح حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه الْمُبَارَك عَنْ يُونُس عَنْ يَزِيد عَنِ الزُّهْرِيّ عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله: مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ فَلَا صرة لَهُ.
السَّادِس قوم وضعُوا الْأَحَادِيث قصدا للأغراب ليطلبوا وَيسمع مِنْهُم قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَاكِم مِنْهُم إِبْرَاهِيم بْن اليسع وَهُوَ ابْن أَبِي حَيَّة كَانَ يحدث عَنْ جَعْفَر الصَّادِق وَهِشَام بْن عُرْوَة فيركب حَدِيث هَذَا عَلَى حَدِيث ذَاكَ تستغرب تِلْكَ الْأَحَادِيث بِتِلْكَ الْأَسَانِيد قَالَ وَمِنْهُم حَمَّاد بْن عَمْرو النصيبي وبهلول بْن عُبَيْد وأصرم بْن حَوْشَب وَمِنْهُم منْ كَانَ يَدعِي سَماع منْ لم يسمع مِنْهُم ليكْثر حَدِيثه قَالَ عَمْرو بْن عَوْف قدِم علينا شيخ مخضوب بِالْحِنَّاءِ فَحدث عَنْ أَنَس وَاجْتمعَ خلق أَكثر منْ عشْرين ألفا حمل حَدِيثه إِلَى هُشَيْم وَيزِيد بْن هَارُون فَقَالَا أَحَادِيث صِحَاح سمعناها منْ حُمَيد والتَّيْميّ فَدخل السُّوق فَاشْترى مغازي بن إِسْحَاق وَقعد يحدث عَنْهُ فَقَالُوا لَهُ أَيْنَ رَأَيْته فَبكى وقَالَ الصدْق يَزِيد كُلّ شَيْء لَمْ أره وَلَكِن أَخْبَرَنِي أَنَس عَنْهُ فمزقوا الْكتب وروى مُسْلِم بْن الْحجَّاج أَن يَحْيَى بْن أَكْثَم دخل مَعَ أَمِير الْمُؤْمِنِين حمص فَرَأى كل من صبا يشبه الشيران فَدخل عَلَى شيخ وعَلى رَأسه دبية وَلَهُ جُبَّة فأدناه وقَالَ شيخ منْ لقِيت قَالَ اسْتَغْنَيْت عَنْ جُمَيْع النّاس بشيخي قَالَ وَمن شيخك قَالَ الْأَوْزَاعِيّ قَالَ والْأَوْزَاعِي عَمَّن قَالَ عَنْ مَكْحُول قَالَ عَمَّن قَالَ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنة قَالَ وسُفْيَان عَمَّن قَالَ عَنْ عَائِشَة فَقَالَ لَهُ يحيى أَرَاك تعلو إِلَى أَسْفَل، السَّابِع قوم شقّ عَلَيْهِم الْحِفْظ فَضربُوا بعد الْوَقْت وَرُبمَا رَأَوْا أَن الْمَحْفُوظ مَعْرُوف فَأتوا بِمَا لَا يعرف مِمَّا يحصل مقصودهم وهَؤُلَاءِ قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا الْقصاص ومعظم الْبلَاء مِنْهُم يجرى لأَنهم يُرِيدُونَ أَحَادِيث تتفق وترفق والصحاح يقل فِيهَا هَذَا ثُمّ إِن الْحِفْظ يشق عَلَيْهِم ويتفق عدم الدّين وهم يحضرهم جهال، حكى فقيهان ثقتان عَنْ بعض قصاص زَمَاننَا وَكَانَ يظْهر النّسك والتخشع أَنَّهُ حكى لَهما قَالَ قُلْتُ يوْم عَاشُورَاء قَالَ رَسُول اللَّهِ منْ فعل الْيَوْم كَذَا فَلَه كَذَا وَمن فعل كَذَا فَلَه كَذَا إِلَى آخر الْمجْلس فَقَالَا وَمن أَيْنَ حفظت هَذِهِ الْأَحَادِيث فَقَالَ واللَّه مَا حَفظتهَا وَلَا أعرفهَا فَقَالَ بل فِي وقتي قلتهَا وَقَدْ صنفت بعض قصاص زَمَاننَا كتابا فَذكر فِيهِ أَن الْحَسَن والْحُسَيْن دخلا عَلَى عُمَر بْن الخَطَّاب وَهُوَ مَشْغُول فَلَمَّا أَفَاق منْ شغله رفع رَأسه فرآهما فَقَامَ فقبلهما ووهب لكل وَاحِد مِنْهُمَا ألفا وقَالَ لَهما اجعلاني فِي حل فَمَا عرفت دخولكما فَرَجَعَا وشكراه بَيْنَ يَدي أَبِيهِمَا فَقَالَ عَليّ سَمِعْتُ رَسُول الله يَقُولُ: عُمَر بْن الخَطَّاب نور
فِي الْإِسْلَام وسراج لأهل الجَنَّة فحدثاه فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم حَدَّثَنِي سيدا شباب أَهْل الجَنَّة عَنْ أَبِيهِمَا المرتضى عَن جدهما الْمُصْطَفى أَنَّهُ قَالَ عُمَر نور الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا وسراج أَهْل الجَنَّة وَأوصى أَن يَجْعَل فِي كَفنه عَلَى صَدره فَوضع فَلَمَّا أَصْبحُوا وجدوه عَلَى قَبره وَفِيه صدق الحَدِيث صدق الْحَسَن والْحُسَيْن وَصدق أَبوهُمَا وَصدق رَسُول الله عُمَر نور الْإِسْلَام وسراج أَهْل الجَنَّة.
وَالْعجب لهَذَا الَّذِي بلغت بِهِ الوقاحة إِلَى أَن يصنف مثل هَذَا ثُمّ مَا كَفاهُ حَتَّى عرضه عَلَى كبار الْعلمَاء فَكَتَبُوا عَلَيْه تصويب ذَلِكَ التصنيف فَلهَذَا عرف أَن هَذَا محَال متوفر علم بِهِ أَنَّهُ منْ أَجْهَل الْجُهَّال الَّذِين مَا شموا ريح النَّقْل وَلَعَلَّه قَدْ سَمعه منْ بعض الطَّرِيقَيْنِ وَقَدْ ذكرت فِي كتاب الْقصاص عَنْهُمْ طرقًا منْ هَذِهِ الْأَشْيَاء وَمَا أَكثر مَا تعرض عَلَى أَحَادِيث فِي مجْلِس الْوَعْظ قَدْ ذكرهَا قصاص الزَّمَان فأردها عَلَيْهِم وَأبين أَنَّهَا محَال فيحقدون عَلَى حِين أبين عُيُوب سلكهم حَتَّى قُلْتُ يَوْمًا قُولُوا لمن تودده هَذِهِ الْأَحَادِيث مَا يتهيأ لَكُمُ مَعَ وجود هَذَا النَّاقِص اتِّفَاق زائف وَذكرت حَدِيثا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو بَكْر الكروحي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم سَمِعْتُ أَبَا بَكْر الجوزقي سَمِعْتُ غَيْر وَاحِد منْ مَشَايِخنَا يذكرُونَ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن خُزَيْمة أَنَّهُ قَالَ مَا دَامَ أَبُو حَامِد بْن الشرفي فِي الْأَحْيَاء لَا يتهيأ لأحد أَن يكذب عَلَى رَسُول الله وَعَن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن خُزَيْمة قَالَ حَيَاة أَبِي حَامِد بْن الشرفي تحجب بَيْنَ النَّاس وبَيْنَ الْكَذِب عَلَى رَسُول اللَّه وَعَن الدارَقُطْنيّ أَنَّهُ قَالَ يَا أَهْل بَغْدَاد لَا تظنوا أَن أحدا يقدر يكذب عَلَى رَسُول الله وَأَنا حَيّ وَقَدْ روينَا عَنِ ابْن الْمُبَارَك أَنَّهُ قِيلَ لَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة فَقَالَ تعيش لَهَا الجهابذة الثَّامِن الشحاذون فَمنهمْ قصاص وَمِنْه غير قصاص وَمِنْهُم هَؤُلَاءِ منْ يضع وأغلبهم يحفظ الْمَوْضُوع.
وروى الدارَقُطْنيّ عَنْ أبي حَاتِم البستي قَالَ: دخلت تاجروان مَدِينَة بَيْنَ الرقة وحران فَحَضَرت الْجَامِع فَلَمَّا فَرغْنَا مِنَ الصَّلَاة قَامَ بَيْنَ أَيْدِينَا شَاب فَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَليفَة حَدَّثَنَا الْوَلِيد حَدَّثَنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله: مَنْ قضى لمُسلم حَاجَة فعل اللَّه بِهِ كَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا فرغ دَعوته فَقلت لَهُ رَأَيْت أَبَا خَليفَة قَالَ لَا فَقلت.
كَيفَ تروى عَنْهُ وَلَمْ تره فَقَالَ إِن المناقشة مَعنا منْ قله الْمُرُوءَة أَنا أحفظ هَذَا الْإِسْنَاد الْوَاحِد وَكلما سَمِعْتُ حَدِيثا ضممته إِلَى هَذَا الْإِسْنَاد.
(فصل)

قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: والوضاعون خلق كثير فَمن كبارهم وهب ابْن وَهْب القَاضِي ومُحَمَّد بْن السّائب الْكَلْبِيّ ومُحَمَّد بْن سَعِيد الشَّامي المصلوب وَأَبُو دَاوُد النَّخعِيّ
وإِسْحَاق بْن نجيح الْمَلْطِي وعباس بْن إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ والمُغِيرَة بْن شُعْبَة الْكُوفِي وَأحمد بْن عَبْد اللَّه الجويباري ومأمون بْن أَبِي أَحْمَد الهَرَويّ ومُحَمَّد بْن عكاشة الْكرْمَانِي ومُحَمَّد بْن الْقَاسِم الطائكاني ومُحَمَّد بْن زِيَاد الْيَشْكُرِي وقَالَ النَّسائيّ الكذابون المعروفون بِوَضْع الْحَدِيث أَرْبَعَة ابْن أَبِي يَحْيَى بِالْمَدِينَةِ والواقدي بِبَغْدَاد وَمُقَاتِل بْن سُلَيْمَان بخراسان ومُحَمَّد بْن سَعِيد المصلوب بِالشَّام وقَالَ الحَافِظ سهل بْن الْبَرَاء ثُمّ وضع أَحْمَد بْن الجويباري ومُحَمَّد بْن عكاشة الْكرْمَانِي ومُحَمَّد بْن تَمِيم الدَّارِيّ الفاريابي على رَسُول الله أَكثر منْ عشرَة آلَاف حَدِيث وَقَدْ قدِم جمَاعَة مِنَ الْكَذَّابين عَلَى كذبهمْ وتنصلوا منْ ذَلِكَ عَنِ ابْن أَبِي شَيْبَة قَالَ كُنْت أَطُوف بِالْبَيْتِ وَرجل ورائي يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَمَا أَرَاك تفعل فَقلت يَا هَذَا قنوطك أَكثر منْ ذَنْبك فَقَالَ دَعْنِي فَقلت لَهُ أَخْبَرَنِي، فَقَالَ إِنِّي كذبت عَلَى رَسُول اللَّهِ خمسين حَدِيثا فطارت فِي النَّاس وَمَا أقدر أَن أرد مِنْهَا شَيْئا.
وقَالَ ابْن لَهِيعَة دخلت عَلَى شيخ وَهُوَ يبكي فَقلت وَمَا يبكيك قَالَ وضعت أَرْبَعمِائَة حَدِيث أدخلتها فِي النّاس فَلَا أَدْرِي كَيفَ أصنع.
وَعَن أَبِي العيناء قَالَ أَنَا والجاحظ وَضعنَا حَدِيثا وَأَدْخَلْنَاهُ عَلَى الشُّيُوخ بِبَغْدَاد فقبلوه ألَّا ابْن أَبِي شَيْبَة العَلَويّ فَإنَّهُ قَالَ لَا يشبه آخر هَذَا الْحَدِيث أَوله وأبى أَن يقبله وَكَانَ أَبُو العيناء يحدث بِهَذَا بَعْدَمَا تَابَ.
(فصل)

قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لما لَمْ يُمكن أحدا أَن يدْخل فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ مِنْهُ أَخَذَ أَقوام يزِيدُونَ فِي حَدِيث رَسُول الله ويضعون عَلَيْه مَا لَمْ يقل فَأَنْشَأَ اللَّه عُلَمَاء يَذبُّونَ عَلَى النَّقْل ويوضحون الصَّحِيح ويفضحون الْقَبِيح وَمَا يخلى اللَّه بهم عصرًا مِنَ الْأَعْصَار غَيْر أَن هَذَا الضَّرْب قَدْ قل فِي هَذَا الزَّمَان فَصَارَ أعز منْ عنقاء مغرب.
(وَقَدْ كَانُوا إِذا عدوا قَلِيلا ... فقد صَارُوا أعز مِنَ الْقَلِيل)
قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِي: الْمَلَائِكَة جُزْء مِنَ السَّمَاء وَأَصْحَاب الْحَدِيث جُزْء مِنَ الأَرْض وقَالَ يَزِيد بْن زُرَيْع: لكل دين فرسَان وفرسان هَذَا الدّين أَصْحَاب الْأَسَانِيد.
(فصل)

قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَالْأَحَادِيث سِتَّة أَقسَام: الأول مَا اتّفق عَلَى صِحَّته الْبُخَارِيّ ومُسْلِم وَذَلِكَ الْغَايَة، الثَّانِي مَا تَفَرّد بِهِ الْبُخَارِيّ ومُسْلِم، الثَّالِث مَا صَحَّ سَنَده وَلَمْ يُخرجهُ وَاحِد مِنْهُمَا، الرَّابِع مَا فِيهِ ضعف قريب مُحْتَمل وَهَذَا هُوَ الْحَدِيث الْحَسَن، الْخَامِس الشَّديد الضعْف الْكثير التزلزل فَهَذَا يتَفَاوَت مراتبه عِنْد الْعلمَاء فبعضهم يُدْنِيه مِنَ الحسان وَيَزْعُم أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوي التزلزل وَبَعْضهمْ يرى شدَّة تزلزله فيلحقه بالموضوعات، وَفِي هَذَا
جمع الْكتاب الْمُسَمّى بالعلل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة السَّادِس الموضوعات الْمَقْطُوع بِأَنَّهَا كذب فَتَارَة تكون مَوْضُوعَة فِي نَفسهَا وَتارَة تُوضَع على النَّبِي وَهِي كَلَام غَيره وَفِي هَذَا الْقسم جَمعنَا كتَابنَا الموضوعات هَذَا كُله كَلَام ابْن الْجَوْزِيّ رحِمَه الله تَعَالَى. تمّ