بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فقد طلب مني فضيلة الشيخ بسام عامر أن أكتب مختصرًا عن أسباب الوقوع بالكفر بالله تعالى وألفاظه وبما يقع، ثم علاجه، فلم أجد بدًّا من إجابته، فأقول على عجالة وبالله التوفيق:
أولًا: أسباب الوقوع بالكفر:
ابتلينا في هذه الأزمنة التي قل فيها الدين وكثر الفسق والفجور بمن لا يقيم وزنًا لمولاه وخالقه ولا لشرعه ودينه ولا لقرآنه ولا لأنبيائه، فتراه يستهزئ ببارئه ومدبر أموره، فيسبه ويشتمه لأدنى مضايقة أو انزعاج، أو يسب دينه أو رسوله أو كتابه عياذًا بالله تعالى، بل قد يشتمه مازحًا مع بعض أصدقائه فيضحكهم بذلك وما درى هذا المسكين أن كلمته تلك ستهوي به سبعين خريفًا في جهنم إن أصر عليها ولم يتب ويعد لرشده تائبًا منيبًا إلى دائرة الإسلام التي قد حار منها بعد ما كان في كورها.
فأهم أسباب الوقوع في ذلك الأمر الجلل الخطير هو ضعف الإيمان وقلته عند هذا الشخص، فلو أن دينه قوي شديد صلب لما فكر مجرد تفكير في التلفظ بسب خالقه ومولاه، ولكن ما أسباب ضعف الدين ورقته؟ منها ما يلي:
1- البيئة من أهل وأقارب وجيران من أهم العوامل التي تؤثر في الإنسان سلبًا وإيجابًا.
2- أصدقاء السوء فهم عامل مؤثر بشكل فعال في ذلك.
3- كثرة المعاصي والاستمراء عليها فهي بريد الكفر كما قالوا (وهو أهمها).
4- الجهل بشرع الله وأحكامه.
5- البعد عن قراءة القرآن والذكر بشكل عام.
6- الإصغاء لكل ناعق ملحد مستهزئ بدين الله سواء بشكل مكتوب أو مرئي أو مسموع.
7- طول الأمل ونسيان الحساب والعقاب.
ثانيًا أما ما هي الأمور التي توقع بالكفر أو الردة:
فتنقسم إلى ثلاثة أقسام :
أ - ردة في الاعتقاد .
ب - ردة في الأقوال .
ج - ردة في الأفعال .
إلا أن هذه الأقسام تتداخل، فمن اعتقد شيئًا عبر عنه بقول، أو فعل.
أولًا: ما يوجب الردة من الاعتقاد:
اتفق الفقهاء على أن من أشرك بالله، أو جحده، أو نفى صفة ثابتة من صفاته، أو أثبت لله الولد فهو مرتد كافر.
وكذلك من قال بقدم العالم أو بقائه، أو شك في ذلك، ودليلهم قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه}، وقال ابن دقيق العيد: ( لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر، بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفر بسبب مخالفته النقل المتواتر.
ويكفر من جحد القرآن كله أو بعضه، ولو كلمة، وقال البعض : بل يحصل الكفر بجحد حرف واحد، كما يقع الكفر باعتقاد تناقضه واختلافه ، أو الشك بإعجازه ، والقدرة على مثله ، أو إسقاط حرمته، أو الزيادة فيه.
أما تفسير القرآن وتأويله ، فلا يكفر جاحده ، ولا راده ؛ لأنه أمر اجتهادي من فعل البشر .
وقد نص ابن قدامة على أن استحلال دماء المعصومين وأموالهم ، إن جرى بتأويل القرآن - كما فعل الخوارج - لم يكفر صاحبه، ولعل السبب أن الاستحلال جرى باجتهاد خاطئ ، فلا يكفر صاحبه .
وكذلك يعتبر مرتدا من اعتقد كذب النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ما جاء به ، ومن اعتقد حل شيء مجمع على تحريمه ، كالزنا وشرب الخمر ، أو أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.
في الأقوال:
سب الله تعالى :
اتفق الفقهاء على أن من سب الله تعالى كفر ، سواء كان مازحًا أو جادًّا أو مستهزئًا.
وقد قال تعالى : { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}.
سب الرسول صلى الله عليه وسلم :
السب هو الكلام الذي يقصد به الانتقاد والاستخفاف ، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس ، على اختلاف اعتقاداتهم ، كاللعن والتقبيح.
وسابه صلى الله عليه وسلم مرتد بلا خلاف.
ويعتبر سابًّا له صلى الله عليه وسلم كل من ألحق به صلى الله عليه وسلم عيبًا أو نقصًا ، في نفسه ، أو نسبه ، أو دينه ، أو خصلة من خصاله ، أو ازدراه ، أو عرض به ، أو لعنه، أو شتمه ، أو عابه ، أو قذفه ، أو استخف به ، ونحو ذلك.
سب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام :
من الأنبياء من هم محل اتفاق على نبوتهم ، فمن سبهم فكأنما سب نبينا صلى الله عليه وسلم وسابه كافر ، فكذا كل نبي مقطوع بنبوته ، وعلى ذلك اتفق الفقهاء.
وإن كان نبيًّا غير مقطوع بنبوته ، فمن سبه زجر ، وأدب ونكل به ، لكن لا يقتل ، صرح بهذا الحنفية.
سب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم :
اتفق الفقهاء على أن من قذف عائشة رضي الله عنها ، فقد كذب صريح القرآن الذي نزل بحقها ، وهو بذلك كافر قال تعالى في حديث الإفك بعد أن برأها الله منه : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين} .
فمن عاد لذلك فليس بمؤمن.
وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن ؟
قال الحنفية والحنابلة في الصحيح واختاره ابن تيمية : إنهن مثلها في ذلك، واستدل لذلك بقوله تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} .
والطعن بهن يلزم منه الطعن بالرسول صلى الله عليه وسلم والعار عليه ، وذلك ممنوع .
والقول الآخر وهو مذهب للشافعية والرواية الأخرى للحنابلة : إنهن - سوى عائشة - كسائر الصحابة ، وسابهن يجلد ، لأنه قاذف.
أما ساب الخلفاء فهو لا يكفر ، وتوبته مقبولة.
من قال لمسلم يا كافر :
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه. (متفق عليه).
وقال الحنفية بفسق القائل . قال السمرقندي : وأما التعزير فيجب في جناية ليست بموجبة للحد ، بأن قال : يا كافر ، أو يا فاسق ، أو يا فاجر.
وقال الحنابلة من أطلق الشارع كفره ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.(أخرجه أحمد بإسناد قوي).
فهذا كفر لا يخرج عن الإسلام بل هو تشديد .
وقال الشافعية : من كفر مسلمًا ولو لذنبه كفر ؛ لأنه سمى الإسلام كفرًا ، ولخبر مسلم : من دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه، أي رجع عليه هذا إن كفره بلا تأويل للكفر بكفر النعمة أو نحوه وإلا فلا يكفر ، وهذا ما نقله الأصل عن المتولي ، وأقره ، والأوجه ما قاله النووي في شرح مسلم أن الخبر محمول على المستحل فلا يكفر غيره ، وعليه يحمل قوله في أذكاره أن ذلك يحرم تحريمًا مغلظًا.
في الأفعال :
اتفق الفقهاء على أن إلقاء المصحف كله في محل قذر يوجب الردة ؛ لأن فعل ذلك استخفاف بكلام الله تعالى ، فهو أمارة عدم التصديق.
وقال الشافعية والمالكية : وكذا إلقاء بعضه، وكذا كل فعل يدل على الاستخفاف بالقرآن الكريم.
كما اتفقوا على أن من سجد لصنم ، أو للشمس ، أو للقمر فقد كفر.
ومن أتى بفعل صريح في الاستهزاء بالإسلام ، فقد كفر، قال بهذا الحنفية ودليلهم قوله تعالى : { ولئن سألتهم ليقولن إنمكنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} .
هل تارك الصلاة يكفر؟:
لا خلاف في أن من ترك الصلاة جاحدًا لها يكون مرتدًا، وكذا الزكاة والصوم والحج؛ لأنها من المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة.
وأما تارك الصلاة كسلًا ففيه قولان:
الأول: هو فاسق ويقتل حدًّا لا كفرًا ، وهو قول مالك والشافعي ، وهي رواية عن أحمد، وعند الحنفية: يحبس حتى يصلي.
الثاني: يكفر ويُقتل ردة ، وهي رواية عن أحمد، وعبد الملك بن حبيب من المالكية ، وهو أحد الوجهين من مذهب الشافعي.
أما ما يردده بعض السذج اليوم من أن الطواف بالقبور أو طلب المدد من الأشخاص أو الاستغاثة بهم أو السؤال بجاه النبي أو الصالحين أو التوسل أو التبرك بهم وبآثارهم وبقبورهم ونحو هذا كفر فلا يصح هذا الإطلاق بحال، فالأمر على تفصيل بينّاه مرارًا من أنه مادام اعتقاده أن النافع والضار هو الله تعالى وحده فتكون هذه الأمور دائرة بين المستحب والمباح والمكروه والحرام فمبحثها الفقه وليس العقيدة.
ثالثًا وأخيرًا ما هو علاج التلفظ بالكفر؟:
إذا نظرنا في أسباب الوقوع في الكفر التي بيناها آنفًا سهل علينا أن نعرف علاج ذلك وكيفية الابتعاد عنه، فهي أضداد الأسباب، فالعلاج الأهم هو زيادة الرصيد الإيماني في نفس ذلك الشخص ومحاولة قربه من خالقه وبارئه، وعزمه على شدة التمسك بحبله المتين، ويكون ذلك بما يلي:
1- التوبة النصوح بأن يعزم عزمًا أكيدًا على ألا يتلفظ إلا بما يرضي الله تعالى وينبذ كل لفظ وعمل ينافي الشرع الحنيف، قال تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم}
2- يعين نفسه على ذلك بكثرة قراءة كتاب الله تعالى بتبدر وفهم، (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)، وأن يجعل لنفسه أورادًا من ذكر الله تعالى يداوم عليها فإن الذكر جلاء القلب كالاستغفار والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتهليل والتسبيح فيجعل عددًا معينًا يواظب عليه صباح مساء فإن في ذلك سياجًا وحصنا للقلب واللسان عن الوقوع في هذا الأمر المشين. قال تعالى: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون }.
3- استشعار عظمة الله تعالى وعظمته وكبريائه، وأنه لا يطاول ولا يسامى، وأن سبحانه مالكه ومالك كل مخلوق، له الأمر والخلق، إن شاء أفناه ثم بعثه وعذبه، وإن شاء نجاه، فيعلم أنه عبد ذليل حقير عند سيده ومولاه فلا يجرؤ أن يتنفس بأي كلمة تسيء لهذا الخالق العظيم.
4- أن يحاول أن يحضر مجلس علم عند شيخ ثقة ينقذ به نفسه من جهلها الذي كاد أن يودي به إلى الهاوية فيتعلم شيئًا من شرع الله يعينه على ذلك، قال تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)
5- إن كانت بيئته فاسدة فإن كانوا أهل بيته فليتعامل معهم بحقوق الأهل لكن يحاول ألا يمكث معهم طويلًا خاصة في الفترات الأولى من هدايته حتى لا يرجعونه إلى الكفر بدل أن يأخذهم إلى الإيمان والهداية، وإن كانوا جيرانه وأصدقاءه نبذهم جملة، ثم بعد أن يطمئن لقلبه ولسانه أن الله نوّرهما بالإيمان وتمكن الإيمان منه بحيث يقطع بأنه لن يعود لعهد الكفر والعمل به ثانية ، عندها يحاول نصح أهله وجيرانه وأصدقائه وتخويفهم من غضب الله تعالى وعقابه في الدنيا والآخرة قدر الإمكان دون أن يُحدِث فتنة في ذلك.
6- أن يتخذ أصدقاء مختلفين عمن سبق له صحبتهم، أصدقاء يعينونه على السير إلى جادة الحق والصواب ورضى الله تعالى فيتعلق بهم ليسروا بهذا الركب العظيم الذي قائده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7- يكثر من صلة الرحم والصدقات والطاعات وصلوات النوافل والمحافظة على الجمع والجماعات ويملأ وقته بالأعمال الصالحة، فإن شغل نفسه برضى الله تعالى وأوامره، استطاع أن يكبح نفسه عن أن تشغله بما نهى الله عنه، فيجعل همه الآخرة ويعزف عن الدنيا وشهواتها.
8- محاسبة النفس عن كل صغيرة فضلًا عن الكبيرة فيستشعر عظم من عصى فيصعب عندها أن يخرج منه ما هو أكبر منها.
9- الخوف من سوء الخاتمة فيبقى حريصًا على ألا يموت إلى على الإسلام.
10- يكثر من الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى بأن يثبت قلبه على دينه وشرعه، وأن يباعده عن كل وصف يكون سببًا في إبعاده عن نور الله تعالى وهديه وشرعه، وبذلك يكون قد تحول من الظلمات إلى النور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياكم على دينه وأن يصرف عنا وعنكم السوء وأهله إنه جواد كريم وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين.