القاعدة الأولى: «الجرح لا يُقبل إلا مفسراً».‏


وهذه القاعدة ليست صحيحة بإطلاقها هذا، وكثيرا ما يوردها بعض أهل العلم وطلابه، ويحتج بها لرد كثير من أقوال الأئمة الحفاظ. فالإمام أحمد والبخاري ‏ونحوهم قَلَّما يفسرون جرحاً. والبخاري كثير الإجمال. وهذا القاعدة من قال ببطلانها هنا فما أبعد. ولا يمكن تطبيقها إلا على من هو معلوم من الأئمة بتعنته ‏بالرجال. وليس على إطلاقها أيضاً بل في أحوال قليلة فقط. ويمكن تطبيقها بالجملة على بعض أحوال منها:‏

‏* من كثرت مخالفته للحفاظ في جرح الموثقين.‏

‏*من علم بالتتبع أنه ليس له جادة مطروقة في الجرح ولم يعرف تشدده من تساهله، وهم قلة.‏

والصواب أن الجرح غير المفسر مقبول، إلا أن يعارضه توثيق أثبت منه‏. فعندما تجد الحفاظ قد وثقوا رجلاً، ثم ضعّفه واحد منهم، فهنا تطلب البرهان على الضعف.
القاعدة الثانية: «الجرح مقدم على التعديل».‏


هذه قاعدة مما درج عند المتأخرين. بل كثيراً ما ذكرت لأبطال الحق من متعصبة المذاهب كأنها قرآناً منزلاً. وهذه جناية الجهل بعلوم الجرح والتعديل، ومناهج ‏الأئمة الحفاظ. ويكفي لإبطالها والرد على من قال بعمومها أنه لا تخلو في الغالب (في غير بعض الأئمة الكبار) ترجمة إلا من مغمزٍ ومطعن. ولو قلنا بعمومها لما ‏بقي لنا من السنة إلا المتواتر وما قاربه. ولكن الحق في هذه القاعدة، أنها مردودة لا يعمل بها إلا في حالة واحدة فقط وهي:‏

إذا كان الجرح مفسراً، في راوٍ تقابل الأئمة الحفاظ المتقاربون في الأهلية في جرح راو وتعديله، فمنهم من جرحه ومنهم من عدله. ففي هذه الحالة تعمل القاعدة ‏هنا، من ضمن ما يعمل به عند التعارض المتساوي. ولا تعتبر هذه القاعدة مرجِّحةً وحدها في مثل هذه الحالة، وإنما هنا توضع في الحِسبان فقط. وانظر ترجمة أبي ‏حنيفة على سبيل المثال.‏

ويتبع لهذه الحالة صورة وهي: لو كان الخلاف غير متقارب وفيه تفاوت ظاهر، وتمكن المحدث من النظر في مرويات الراوي وسبرها. فإن أيد النظرُ الجرحَ المفسَّرَ ‏اعتضاداً، وإلا فلا. وما عدا ذلك فهي قاعدة مطرحة ليست بمعتبرة.‏



قال المعلمي في التنكيل (1|73): «الجرح إذا كان مفسرًا فالعمل عليه. وهذه القضية يُعرَفُ ما فيها بمعرفة دليلها، وهو ما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص105) قال: "والعلة في ذلك أن الجارح يُخبر عن أمرٍ باطنٍ قد علِمه ويصدّق المعدّل ويقول له: قد علمتُ من حاله الظاهرة ما علمتَها، وتفرّدتُ بعلمٍ لم تعلمه من اختبار أمره. وإخبار المعدل عن العدالة الظاهرة، لا ينفي صدق قول الجارح. ولأن من عَمِلَ بقول الجارح، لم يتّهم المُزكّي ولم يُخرجه بذلك عن كونه عدلاً. ومتى لم نعمل بقول الجارح، كان في ذلك تكذيب له ونقض لعدالته. وقد عُلِمَ أن حاله في الأمانة مخالفة لذلك"». قال المعلمي: «ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبيّن السبب مُقدّمٌ على التعديل. بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة، من قبول الجرح اﻟمُجمل إذا كان الجارح عارفاً بالأسباب واختلاف العلماء أن: الجارح إذا كان كذلك، قُدِّم جرحُه -الذي لم يبيّن سببه- على التعديل». أقول: هذا كله راجع إلى أن يكون الجارح قد اطلع على شيء لم يطلع عليه المعدل. لكن قد يكون العكس صحيحاً، والمعدل عرف عذراً للراوي لم يعرفه الجارح. وقد يتساويان في المعرفة لكن منهم المتشدد ومنهم المتساهل. فالصواب عدم إطلاق قاعدة تقديم الجرح على التعديل في كل الحالات.

القاعدة الثالثة: «المُثبِت مُقَدَّمٌ على النافي».‏


وهذه القاعدة ليست على إطلاقها. وان كان المراد منها أن قول النافي يُرَدُّ مطلقاً، فهي قاعدة باطلة. ولا تعمل هذه القاعدة الا ان تعذر الترجيح بين الروايات ‏بالمرجحات المعروفة عند أهل النقد. وذلك بإعمال القرائن، في معرفة حال النافي والمثبت، وصِلَتْهما بالحال التي وقع فيها الخلاف. أما إطلاق أن المثبِّت مقدم فلا. ‏هذا في حال لا يمكن وقوع النفي والإثبات معا، ولو في وقتين أو مكانين.‏

ويشترط في تقديم قبول المثبت أن لا يكون مع النافي دليل نفيِه. وأكثر النصوص، التي تأتي عن النبي r ليس مع النافي دليل يدل على نفيه. والواجب أن لا يرد ‏قول النافي إلا إن كان النفي والإثبات لا يمكن أن يقعان في الحال التي أشكل فيها. كأن يحكي فلان فيقول: قال الشيخ كذا في مجلس كذا. وقال الآخر بل قال في ‏نفس المجلس. فهنا يرجَّح بالمرجِّحات المعروفة عند أهل النقد، كما هو في زيادة الثقة التي تخالف، مع اعتبار القرائن هنا لأهميتها. ثم إن لم يمكن الترجيح ‏بالمرجحات، يقدم المثبت على النافي لأنه لا يمكن الجمع بينهما. أما لو أمكن فيجب المصير إليه، ولا يُرَد قول النافي أبداً. وإعمال هذه القاعدة هنا خطأ فاحش. ‏وهذا يقع في السنة بكثرة. فتجد ابن عمر ينفي أن النبي r يرفع يديه في الصلاة في غير المواضع الأربع التي نقلها. بينما في سنن النسائي وغيره بسند صحيح عن ‏أبي موسى وغيره انه كان يشير في كل رفع وخفض. والجمع هنا أن غالب أمره عدم الرفع، مع فعله أحيانا الرفع في غير المواضع. ومثل هذا في البول قائماً، ‏وغيره.‏

القاعدة الرابعة: ‏«الدليل إذا تَطرَّق إليه الاحتمال، سقط به الإستدلال».‏


هذه القاعدة ليست على إطلاقها ولا على ظاهرها الصرف. وإنما الدليل إذا تطرق إليه احتمال، بأن المراد به أمران، أو ثلاثة مثلاً، على أوجُهٍ صحيحةٍ غير شاذة ‏‏(وهذا مهم للغاية)، لم يَصحّ أن يُجزَم بأنه لم يُراد به إلا أمر منها على وجه القطع. ولا يصح كذلك أن يُجعل الدليل ذلك نَصاً في أمرٍ منها دون غيرِها.‏

ولو كان هذا المقصود، لسقط الاحتجاج بأدلةٍ كثيرةٍ جداً، ولم يبق من الأدلة السالمة من هذه الاحتمالات، إلا نزرٌ يسير. كما أن عمل علماء المسلمين جميعاً، ‏على خلاف هذا. فكلهم يحتجون بأدلةٍ يعلمون بتَطرُّق الاحتمال أو الاحتمالات إليها. بل يذكرون أحياناً تلك الاحتمالات، ويردونها، ليسلَم لهم الوجه الذي ‏رجَّوحه.‏