ثبوت تأويل الإمام مالك لحديث النزول
لقد ثبت عن الامام مالك رضي الله عنه أنه تأول حديث النزول بنزول الرحمة كما ذكر ذلك الامام النووي في شرحه على صحيح مسلم حيث قال : " والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي على أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما: تأويل مالك بن أنس وغيره، معناه تنزل رحمته وأمره وملائكته، كما يقال فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره، والثاني: أنه على الاستعارة ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف." انتهى كلام النووي
وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: "وقد روى محمد بن الجَبُّلي ، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان قال : "حدثنا جامع بن سوادة بمصر ، قال حدثنا مطرف عن مالك بن أنس أنه سئل عن الحديث : عن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا فقال مالك : ينزل أمره ، وقد يحتمل أن يكون كما قال مالكٌ -رحمه الله- على معنى أنه تتنزَّل رحمتُه وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك مِن أمره أي: أكثرُ ما يكون ذلك في ذلك الوقت واللهُ أعلم". انتهى
وهذا الأثر صحيح الاسناد عن الامام مالك، فقد نقله محمد بن علي الجبلي القيرواني عن أبي سليمان جامع بن سوادة المصري عن مطرف بن عبد الله تلميذ مالك.
و ترجمة هؤلاء كالآتي:
- محمد بن علي الجبلي: ثقة. قال ابن عبد البر في التمهيد: "وكان من ثقات المسلمين بالقيروان". انتهى
وهو غير الشاعر محمد بن علي البغدادي، المعروف بالجبلي، الذي ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخه وابن حجر في لسان الميزان، و قالا عنه أنه كان رافضيا.

قال الخطيب البغدادي في تاريخه 4/170 برقم 1362 - طبعة الغرب الإسلامي- ما نصه: "محمد بن على بن محمد بن إبراهيم أبو الخطاب الشاعر المعروف بالجبلي كان من أهل الأدب حسن الشعر فصيح القول مليح النظم سافر في حداثته إلى الشام فسمع بدمشق من أبى الحسين المعروف بأخي تبوك ثم عاد إلى بغداد وقد كفَّ بصره فأقام بها إلى حين وفاته سمعت منه الحديث وعلقت عنه مقطعات من شعره وقيل انه كان رافضياً شديد الرفض".انتهـى
فهذا الشاعر لم يرو الحديث لا في القيروان و لا في مصر و لا ذهب إليها قطّ كما قال الخطيب البغدادي. فعُلم انه غير الفقيه القيرواني. وزيادة على ذلك فقد نقل الخطيب هذه الرواية بأسلوب التمريض: "قيل" كما هو مذكور ، وأكد ذلك الحافظ ابن حجر فقال في لسان الميزان 5/303 حيث قال : "ولفظ الخطيب :" قيل : إنه كان رافضيا شديد الرفض" ، وكان ضريرا مات في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وأربع مائة" . انتهى
فالفقيه محمد بن علي الجبلي القيرواني هو ثقة كما نص على ذلك الحافظ ابن عبد البر الذي هو أعلم بفقهاء المغرب من غيره من المشارقة.
- جامع بن سوادة :هو أبو سليمان جامع بن سوادة الأزدي المصري . ليس بمجهول كما زعم بعض المجسمة. ذكره المزي في ترتيب الكمال و أبو سعيد خلف بن أبي القاسم القيرواني البراذعي في التهذيب في اختصار المدونة عند ترجمتهما لمطرف بن عبد الله و عدّاه من جملة تلاميذه. وذكره أيضا ابن عساكر في تاريخ دمشق عند ترجمة ابراهيم بن بكر أبو الأصبع البجلي
ونص عبارة ابن عساكر كما في تاريخ دمشق :"ابراهيم بن بكر أبو الأصبع البجلي: أَخُو بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ. حَدَّثَ بِمِصْرَ عَنْ : ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، وَأَبِي زُرْعَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ ، وإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الشَّامِيِّ. رَوَى عَنْهُ : أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَرْقِيِّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ جَامِعُ بْنُ سَوَادَةَ الْمِصْرِيَّانِ". انتهى
و أبو سليمان جامع بن سوادة الأزدي هو غير جامع بن سوادة الحمزاوي الذي عدَّه ابن الجوزيِّ مِن جملة المجاهيل و ليس هو الذي نقل ابن حجرٍ تضعيفَ الدارقطنيِّ له، و ليس هو أيضا الذي أورد له الذهبيُّ في الميزان حديثًا موضوعًا في الجمع بين الزوجين، وضعّف بسببه حديث: "آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة.
قال ابن الجوزي في الموضوعات: "أنبأنا محمد بن ناصر أنبأنا أحمد بن الحسين بن قريش أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل الوراق حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد ابن محمد الفقيه حدثني جامع بن سوادة الحمزاوي حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وابن عباس قالا:" آخر خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخطب غيرها حتى خرج من الدنيا فقال: من مشى في تزويج بين اثنين حتى يجمع الله عز وجل أعطاه الله عز وجل بكل خطوة وبكل كلمة تكلم في ذلك عبادة
سنة، " الحديث". انتهى

ثم قال: "هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.وجامع بن سوادة مجهول". انتهى
فأبو سليمان جامع بن سوادة الأزدي، ذكره المزني و أبو سعيد القيرواني و ابن عساكر و سكتوا عنه و لم يتناولوه لا بجرح و لا تعديل. غير أن السيوطي قد أورد في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ، حديثاً من طريقه عن مطرف, تحت كتاب الإيمان برقم 91 . ونص عبارة السيوطي: "وقال الجوزقاني (الحافظ) : أَنْبَأنَا أَبُو يعقوب يوسف بْن أَحْمَد بْن علي التاجر ، أَنْبَأنَا أَبُو القاسم عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَبْد الله بْن منده ، أَنْبَأنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الله بْن الأنصاري ، حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر ، حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سراج ، حَدَّثَنَا جامع بْن سوادة ، حَدَّثَنَا مطرف بْن عَبْد الله ، حَدَّثَنَا نافع بْن أَبِي نُعَيْم ، حدَّثَنِي الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْإيِمَان يزيد وينقص " . قَالَ الجوزقاني : هذا حديث حسن غريب ، تفرد بِهِ عَن الأعرج نافع . وقال ابن معين : هُوَ ثقة ، وتفرد عَن نافع مطرف . وقال أَبُو حاتِم الرازي : هُوَ صدوق". انتهى

فقول الجوزقاني : هذا حديث حسن غريب دليل غلى أن جامع بن سوادة لم يكن وضاعا و لا كذابا و لا مجهولا، و الرواية من طريقه ليست ضعيفة و لا موضوعة.
و مما يؤكد انه غير جامع بن سوادة الحمزاوي أن السيوطي قال في نفس الكتاب، تحت باب النكاح - رقم الحديث 1717 – ما نصه: "أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر ، أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن بْن قريش ، أَنْبَأَنا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر البرمكي ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْوَرَّاق حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الفقيه ، حَدَّثَنِي جامع بْن سوادة الحمزاوي ، حَدَّثَنَا آدم بْن أَبِي إياس ، حَدَّثَنَا ابْن أبي ذئب ، عَنِ الزُّهْرِيّ بْن أَبِي سَلَمَة ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَا : آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْطُبْ غَيْرَهَا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا ، فَقَالَ : " مَنْ مَشَى فِي تَزْوِيجٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ حَتَّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ ، وَبِكُلِّ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ ، عِبَادَةَ سَنَةٍ ، صِيَامَ نَهَارِهَا وَقِيَامَ لَيْلِهَا . وَمَنْ مَشَى فِي تَفْرِيقٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَضْرِبَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَلْفِ صَخْرَةٍ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ " . مَوْضُوع ، جامع مجهول . قلت : قَالَ الحافظ بْن حُجْر فِي اللسان ، وعلي بْن مُحَمَّد الراوي ، عَنْهُ : ما عرفته ، واللَّه أَعْلَم". انتهى .
فحكم على الرواية هنا بالوضع، فعُلم ان جامع بن سوادة الذي يروي عن مطرف هو غير جامع الحمزاوي الذي جرحه علماء الحديث و الحفاظ
- مُطرّف بنِ عبد الله المدنيّ : هو أبو مصعب وقيل:أبو عبدالله مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار الهلالي، مولى ميمونة أم المؤمنين زوج النبي عليه الصلاة و السلام. ابن أخت الإمام مالك. ولد: سنة سبع وثلاثين ومائة، وقيل: سنة تسع وثلاثين. صحب مالكاً سبع عشرة سنة. وثقه ابن معين و الدار قطني. قال أحمد بن حنبل: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك. قال أبو حاتم الرازي: صدوق. توفي سنة 220 هجري
وبهذا يبطل ما قاله ابن تيمية في الفتاوى حيث قال عن رواية تأويل الإمام مالك لحديث النزول: ورُويت من طريق أخرى – يقصد رواية مطرف – ذكرها ابن عبد البر وفي إسنادها من لا نعرفه ".انتهـى.
اما تلك الرواية التي نقلها الذهبي في سير أعلام النبلاء عند ترجمة الامام مالك قال: "وقال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك قال " يتنزل ربنا تبارك وتعالى" : يتنزل ربنا - تبارك و تعالى- أمره، فأما هو فدائم لا يزول.قال صالح: فذكرت ذلك ليحي بن بكير، فقال: حسن و الله، ولم أسمعه من مالك.
قلت - اي الذهبي -: لا أعرف صالحا، و حبيب مشهور، و المحفوظ عن مالك رحمه الله رواية الوليد بن مسلم أنه سأله عن أحاديث الصفات فقال: أمرّها كما جاءت، بلا تفسير. فيكون للإمام في ذلك قولان ان صحت رواية حبيب". انتهى

فلو كانت هذه الرواية من طريق حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك وهو متهم بالوضع، فالذهبي لم ينكر الرواية بل قال: "فيكون للإمام في ذلك قولان ان صحت رواية حبيب".
ثم هذه الرواية دليل على أن من السلف الصالح من استحسن تأويل حديث النزول بنزول الرحمة. فقد ذكر الذهبي أن يحي بن بكير، لما قيل له أن الامام مالك تأول حديث النزول قال: "حسن و الله، ولم أسمعه من مالك.".
و يحيى بن عبد الله بن بكير: هو الإمام المحدث الحافظ الصدوق أبو زكريا ، القرشي المخزومي المصري . ولد سنة أربع وخمسين ومائة ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين .
قال الذهبـي في الكاشف: كان صدوقا واسع العلم مفتيا.
قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري: هو يحيى بن عبد الله بن بكير وقد أكثر البخاري الرواية عنه عن الليث.

كتبه أبو عمر محمود الشيخ