سُــبْحان الله و بحمدِهِ سُــبْحانَ اللهِ العظيم .
يُرجى الإِنتباه .. فثَمّةَ إِخلالٌ خطير في صِياغة عبارة السؤال .
لآ يَـتّـَصِفُ بالحُدُوثِ إِلاّ الحادِثُ أي المُحدَثُ ، و تعالى اللهُ رَبُّـنا البارِئُ المَوْلَى الكريمُ عزَّ وَ جلَّ عَنْ مظنّة طُرُوءِ الحُدُوثِ أو مشابَهَةِ أيٍّ من الحادِثات في أيّ وصفٍ من الأوصاف بأيّ وجهٍ من الوجوه على أيّ معنىً من المعاني ... لا شــريكَ لهُ .. سُــبحانَهُ ..
ثُمَّ إِنَّ حُدُوثَ ظُهُورِ أثَرِ الفِعلِ الإِلهِيِّ لا يقتَضِي تغَيُّراً في الذاتِ الأقْدَسِ و لا تَجَدُّدَ صِفَةٍ إِلهِيّةٍ لَمْ تكُن فيما لَمْ يزَلْ ... و لا يخفى على العاقِل أنَّ كُلاًّ من التغَيُّر أو التجَدُّد أو الحُدُوث مُنافٍ للأزَلِيّة ، و حُدوثُ وصفٍ جدِيدٍ هو مِنْ شأن المخلوقات وَ لا يليقُ بالخالِقِ العظيم عزَّ و جلّ بل هو مُتقَدِّسٌ عن ذلك ، و يستحيلُ في حقِّهِ تعالى و يمتنِعُ أبداً سَــرمَداً على الإِطلاق .
تنبِيه لبعض أبناء الجيل الحديث و النَشْء الجديد :
اللهُ تعالى واحِدٌ أحَدُ بِذاتِهِ الأقْدَسِ وَ صِفاتِهِ العُلى ، و ليس مقصود التعبير بالصفات الوصف بالتركُّب من أجزاء أو أعضاء أو أدوات و نحو ذلك ، تعالى اللهُ عن ذلك ...
و ليست الصِفاتُ الإِلهِيّةُ ذواتاً مُستقِلَّةً أوْ أغياراً مُتعدِّدةً أوْ أعياناً مُختلِفة أو مُؤْتَلِفة حالّةً بالله الإِلهِ الحقّ تبارك و تعالى و لا مُتَّحِدةً بِهِ تقَدَّسَ عن ذلك ، (على استحالة الإِتّحاد حتّى بين المخلُوقين) ، و لا يُقال إِنَّها عين الذات و لا أنَّها غير الذات ، و لا تُوصفُ بالإِتّصال و الإِنفصال و الإِجتماع و الإِفتراق ، وَ لا بالحدوث و الزوال و لا بتجَدُّدِ الأحوال ، و لا هي في حقِّ الإِله بمثابة الأعراض لِلأجسام و نحو ذلك ... تقَدَّسَ اللهُ و تعالى عن ذلك كُلِّهِ عُلُوّاً كبيراً ...
{ لهُ الأسْــماءُ الحُســنى } .
أمّا إِثارةُ مســألةِ جواز اشتقاق ما لا نِهايةَ لهُ من الإَسْــماء مِمّا لا نِهايةَ لهُ من الأفعال بناءً على قاعدة أنَّ الأسماء من المصادِر و المصادِر من الأفعال ، لُغةً ، أوْ بِناءً على أنَّ إِطلاقَ الإِسْــمِ المُشْــتَقّ من ظُهُور الفِعل ، يرجِعُ إِلى إِحداثِ ظُهُورِ تَجَلٍّ جدِيدٍ منهُ لنا ، مِنْ حيثُ شُهُودُنا نَحنُ ، مِنْ غيرِ لزوم اقتضاءِ حُدُوثِ الفعلِ حُدُوثَ صِفةٍ جديدة ، فالخوضُ في هذا البحث ، عالٍ جِدّاً وَ دقيقٌ للغاية أوّلاً ، و هو لا يليقُ بحال الإِنترنت عموماً ... كما أنَّهُ لا يتَيَسّــرُ لِمَنْ لَمْ يتضَلَّع جَيِّداً مِنْ عُلُوم العربِيّة و لمْ يتمكَّنْ في أساسِ التوحيد وَ أُصُول الدين ...
و جُمهُورُ المُحَقِّقِين على أنَّ الأسماءَ الإِلهِيةَ العَلِيّة توقِيفِيّةٌ (من الكتاب أو السُنّة أو معنىً أجمعت على إِطلاقِهِ الأُمّة) ... وَ مَن أجاز فيها الإِشــتِقاق فلَهُ قُيُودٌ وَ شُــرُوطٌ صعبة لا تتحقَّقُ غالِباً إِلاّ في النادِرِ من خواصِّ الحُذّاقِ العارِفِين المُتقِنين المُتحقِّقين ، على خُطورة ما قَدْ يَتَجَشَّمون مِنْ تبِعَةِ ذلك ..
وَ بُغيَةَ تيسِــيرِ البِداية في التَهَيُّؤِ لِلتميِيزِ في مســائِلِ هذا المبحثِ الشريف ، يُرجى الإِطّلاع على كتاب التذكِرة البغدادِيّة في أُصُولِ الدين ، لأسـتاذِ أهلِ الأُصول في المنقُولِ و المعقُول الإِمام الكبير القُدوة العلاّمة المُحقِّق الحُجّة حضرة مولانا الشيخ أبي منصور عبد القاهِر بن طاهِر التميمِيّ البغدادِيّ رحمه اللهُ تعالى وَ رضي عنهُ .
و اللهُ وَلِيُّ الهِداية و التوفيق .

اما الكلام الموجود في شرح عقيدة اهل السنة والجماعة لاكمل الدين البابرتي رحمه الله يقول :
"وحاصل هذا الكلام لنفي قول الاشاعرة حيث قالوا: ان صفات الذات قديمة وصفات الفعل كالخلق والايجاد والتكوين محدثة وهو قول عامة المعتزلة والنجارية والكرامية".
وكذلك يقول في 52 ص: "فلو كانت صفات الافعال محدثة - كما زعمت الاشاعرة - يلزم أن تكون صفاته مثل صفات المخلوقات في الحدوث. والمماثلة منتفية بالنص".

نقول : مولانا أكمل الدين البابرتي الحنفِيّ رحمه الله لا يُنكَرُ فضلُهُ بين أهل العلم ، إِلاّ أنَّ كثيراً من الفضلاء المنتسبين إِلى السادة الحنفِيّة في فقه الفروع و الأصول و بالتالي إِلى السادة الماتريدِيّة في طريقة تقرير العقيدة السُنِّيّة ، تراهُم لا يَـسْـلَمُون مِنْ بعض التكلُّف بل أحياناً بعض التعسُّف في التعَصُّب لِترجيح مسلكِهِم على بقِيّة المذاهب المعتبرة ...
و يظهر أنَّ مِنْ جُمْلة هؤلاء الأكابر مولانا البابرتي نفسُهُ كما ترى ذلك ظاهِراً من كُتُبِهِ و عناوينها وَ مواضيعِها عُموماً ، و مِنْ كتابهِ :" النكت الظريفة في ترجيح مذهب الإِمام أبي حنيفة " خُصُوصاً ... غفر اللهُ لنا و لَهُم و للمُؤْمنين .
- فأحياناً يُؤْتى بعضُهُم (في انتقادِهِ لمسلك من يُخالِفُهُ) مِنْ 1- عدم تلَقِّي مذهب المخالف على وجهِهِ ... وَ لعَلَّ هذا ما حصل ههنا أيضاً ، وَ إِنْ كُنْتُ أسـتَبْعِدُ مثل هذا من مِثْلِ الشيخ أكمل الدين عفا اللهُ عنّا و عنْهُ ، فإِنَّهُ رحمه الله ، لَمْ يَكُنْ من أهل البلاد النائِية المعزُولِين غالِباً عن مخالطة أهل بقِيّة المذاهب و المَشــارِب ( كما يحصل لبعض فضلاء فرغانة و سمرقند و تاتارستان و نواحيها) ، بلْ قد قضى أكثر بقِيّة عمره في مصر الحبِيبة وَ أخذَ عن العلاّمة الكبير شيخ العربِيّة مولانا الشيخ أبي حيّان الأندلُسِيّ رحمه الله تفسـيرَهُ " البحر المُحيط " وَ غيرَهُ ، وَ أخذَ عن الشيخ أبي الثناء الأصفهانِيّ و غيرِهِ من كِبارِ فضلاء مِصر رحمهم الله جميعاً .
- وَ أحياناً ينجُمُ الإِعتراضُ عن 2- التسَــرُّع أو 3- السَــهْوِ و الذُهول و نحْوِ ذلك ...
- وَ أحياناً يُؤْتى بعضُ الباحثين مِنْ 4- بَقِيّةِ العُجْمةِ ...
- وَ أحياناً (كما في مِثْلِ مبحثِنا هنا) يحصل الإعتراض مِنَ 5- الخلط بين المفاهِيم المتعدّدة لاستعمال الإِسْـم في اللغة و المقصود مِنْ إِطلاقِهِ ، كالتعميم فيما يَدُلُّ من الأسماء على الصفة الذاتِيّة الأزَلِيّة الواجِبة لِلهِ تعالى ، من حيثُ أنَّها معنىً قائِمٌ بالذاتِ الأزلِيّ الأقدَسِ (أي صفة ثابِتة لهُ تعالى) ، و الإِسمِ المُشْــتَقّ الدالّ على الأفعال المُمكِنة أو الجائِزة ... مع العلم بأنَّنا لا نختلِفُ معهُم في تعلُّق الفعل بالإِرادة الأزلِيّة و القُدرة الأزلِيّة و الكلام الأزلِيّ مع شمول العلم الأزلِيّ ... قال اللهُ تعالى { لا تدرِي لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بعدَ ذلكَ أمِراً } و قال عزَّ و جلّ { سَــيَجْعَلُ اللهُ بَعدَ عَسْــرٍ يُسْــراً } ...
وَ قال سٌـبحانَهُ { وَ هُوَ الذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ يَـنْشُــرُ رَحمَتَهُ وَ هُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ * وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَـمَواتِ وَ الأَرضِ وَ مَا بَثَّ فِـيْهِمَا مِنْ دابَّةٍ وَ هُوَ عَلَى جَـمْعِهِمْ إِذا يَـشــاءُ قدِيرٌ * وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَـبـِما كَـسَــبَتْ أيْدِيْكُمْ وَ يَعفُـو عَنْ كَـثِـيرٍ } (28 - 30 الشورى) .
وَ قال تبارك و تعالى { اللهُ الذي خلقَكُم ثُمَّ رزَقَكُم ثُمَّ يُميتُكُم ثُمَّ يُحيِيكُم هلْ مِنْ شُــرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَــيْءٍ سُــبْحانهُ وَ تعالَى عَمّا يُـشْـرِكُونَ } (40-الروم) .
وَ قالَ عزَّ وَ جلَّ { ... وَ أَنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَـهَى * وَ أنَّهُ هُوَ أضْحَـكَ وَ أَبْكَـى * وَ أنه هُوَ أمات وَ أحيا * وَ أنَّهُ خلقَ الَزْوجَـيْنِ الذكَـرَ وَ الأُنْثى * مِنْ نُطْفَـةٍ إذا تُـمْنى * وَ أَنَّ عَلَيْهِ النشْــأةَ الأُخرى * وأنه هُوَ أغنى وَ أقنى * وَ أنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِــعْرَى * وَ أنَّهُ أهْلَكَ عاداً الأُولَى * وَ ثمُودَ فما أبقى * وَ قومَ نوحٍ مِنْ قبْلُ إنَّهُمْ كانُوا هُمْ أظْلَمَ وَ أَطْغى * والمُؤْتـفِـكَـة أهْوَى * فغـشّــاها ما غَـشّــى * فبأيِّ آلآءِ ربِّكَ تَـتمارى} ( 42-55 النَجْم ) ، و الآياتُ في هذا كثيرة ، فطُوبى لِمَنْ وُفِّقَ لِتَدَبُّرِها وَ رُزِقَ نُورَ الفهْمِ الصحِيح وَ الثباتَ على الصِراطِ المُستقِيم حتّى يأْتِيَ اللهَ بِقَلْبٍ سَــليم ...
وَ يكفِي المُنْصِفَ تَدَبُّرُ قَولِ مولانا البارِي الكريم جلَّ جلالُهُ { يَسْــألُهُ مَنْ في السـَمواتِ و الأرضِ * كُلَّ يَومٍ هُوَ في شَـــأنٍ } من غير توهُّمِ حُصولِ انفعالٍ أو تغَيُّرٍ أوْ تَجَدُّدٍ لِلذاتِ العلِيّ الأقدس أو حُدوثِ صِفَةٍ لَمْ تكُنْ لهُ ، تعالى اللهُ عن ذلك كُلِّهِ عُلُوّاً كبِيراً ، و مع ردِّنا بالبُرهانِ الجلِيّ لإِدّعاءِ مَن ادّعى بِضيقِ فَهْمِهِ وَ قُصُورِ وَهْمِهِ بأنَّ قولَنا بِحُدُوثِ ظُهُورِ أثَرِ الفعلِ يَقتَضِي القول بِحُدوثِ صِفةٍ ...
- وَ معاذ الله أنْ يُنْسَـــبَ إِلى الكمالِ الأزَلِيِّ المُطْلَقِ أدنى شــائِبةٍ مِنْ سِــماتِ الحُدُوث .. هذا لا يخفى على صغار الطلَبة إِنْ شــاء الله .
هذا كُلُّهُ مع عِلْمِنا وَ إِذعانِنا و تسْــلِيمِنا بأنَّهُ لا يحصل مِنْ قَضايا الأمور المُعَلَّقة (في صُحُفِ المَحْوِ و الإِثْبات) إِلاّ ما سَــبَقَ بِهِ القَضاءُ المُبْرَمُ المُظْهَرُ إِثْباتُهُ في أُمِّ الكِتاب وَفْقَ ما سَــبقَ بِهِ اختيارُ التخصِيص بالمَشِــيْئَةِ الأزَلِيّة ...
فسَــامحَ اللهُ الشيخَ البابرتِيَّ على تَجَوُّزِهِ بهذا التعبِير حتّى قَرَنَنا في هذا البابِ الخطير مع مُعَطِّلة المعتزِلة و مُشَـبِّهة النجّارِيّة و مُجَسِّــمةِ الكَرّامِيّة وَ من شابهَهُم في هذا الباب ...
فاللهُ المُستعان ، وَ لا حوْلَ وَ لا قُوّةَ إِلاّ بالله .
" ... ليس بَعْدَ الخَلْقِ استفادَ اسمَ الخالِقِ وَ لا بِإِحداثِهِ البَرِيَّة اسْــتفادَ اسمَ البارِئِ .. لهُ معنى الربُوبِيّة وَ لا مَربُوبَ وَ معنى الخالِقِ وَ لا مَخْلُوقَ .. وَ كما أنَّهُ مُحْيِي المَوْتى بعدما أحيا استَحِقّ هذا الإِسْــمَ قَبْلَ إِحياءِهِم ، كذلِكَ اسْــتَحَقَّ اسْــمَ الخالِقِ قَبْلَ إِنْشــاءِهِم ..." إهــ .
وَ في الحقيقة : أهلُ الحقِّ لا يختلِفُونَ في أنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَزَلْ هُوَ الصمَدُ الذي لا يتغَيَّرُ وَ لا تحدُثُ لهُ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ وَ لا مَزِيدَ على عظَمَتِهِ ... لَهُ الغِنى وَ الغَناءُ على الإِطلاق .
فالخِلافُ في مسْــألَةِ جواز إِطلاق عِبارة :" لَمْ يَزَلْ خالِقاً لِلخلقِ ..." و نحوِها ، عندنا لَفْظِيٌّ بِحسب النظَر إِلى غالِبِ المُتبادِرِ مِمّا يُشِــيرُ إِلَيْهِ ظاهِرُ العبارات ( وَ هُوَ ليْسَ محصُوراً بين الماتُرِيدِيّة و الأشاعِرة) ..
فَمَنْ منعَ مِنْ إِطلاقِ التعبِير بهذه الصِيغة :"أَنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَزَلْ خالِقاً لِلْخَلْقِ فيما لَمْ يَزَلْ " و نحوِها ، إِنَّما منعَ منهُ [أي من الإِطلاق بِهذا التعبِير] لِإِيهامِهِ السامِعَ بأنَّ المخلُوقِينَ لَمْ يَزالُوا معَ الله تعالى كائِنِينَ في القِدَم ...
وَ اعتقادُ أزَلِيّة غيرِ الله اعتقادٌ باطِلٌ وَ إِشراكٌ كبيرٌ وَ إِلْحادٌ ســافِرٌ ، (مع ما في القَولِ بأزَلِيّة المخلُوقِ مِنْ تناقُضٍ ظاهِرٍ) ، سُـبْحانَهُ لآ أزَلِيَّ إِلاّ هُو .. هُوَ وَحدَهُ الأَوَّلُ بلا بِدايةٍ ، القدِيمُ الذي كانَ قبْلَ كُلِّ شَيءٍ وَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ ..
فهذا وَجْهُ ميلِ بعضِ قُدَماءِ الأشاعِرَةِ وَ أكثَرِ مُتأخِّرِيهِم إِلى هذا الإِحتياط ، مع جزْمِ الجميع بأنَّهُ تعالى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفاً بِالقُدرَةِ على الخلْقِ و التكوينِ و التصوِير قبلَ خلْقِ الخلْق ، وَ أنَّ صفاتِ البارئ تعالى قديمة وَ أنَّهُ متقَدِّسٌ عن أنْ تحدُثَ لهُ صِفةٌ ، وَ مع تمييزِهِم بين الفعل الإِلهِيّ الصادِرِ عن القُدرةِ الأزَلِيّة و أثَرِ الفعلِ الذي هو المفعُول الحادِث .
وَ مَنْ لَمْ يَجِدْ حرَجاً في أنْ يَقُولَ :
" إِنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَزَلْ خالِقاً بارِئاً مُصَوِّراً ... و كذلك جميع صفاتِهِ التي وصَفَ بِها نَفْسَــهُ .. يُوصَفُ بِها كُلّها في الأزَل ، فَكما يُوصَفُ بِالعِلْمِ وَ القُدرَةِ وَ السمعِ و البصرِ و القُوّةِ و العِزَّةِ وَ الكِبْرِياءِ كذلك يُوصَفُ بالتخليقِ والتكوِينِ و التصوِيرِ ..." ، آثَرَ جانِبَ إِظْهارِ صُلُوحِ القُدرةِ الأزَلِيَّةِ لِلخلْقِ ، أبَداً سَــرْمَداً ، وَ قَصَدَ أيضاً إِلى الإِحتياطِ مِنْ إِيهامِ مَنْعِ الإِطلاق لِتعطيلِ ظاهِرِ النُصوصِ وَ لِئَلاّ يُتَوَهَّمَ مِنَ التفرِيقِ لُزُومُ القَولِ بِالتَغَيُّرِ لِلذّاتِ الأقَدَس ، أي الزَوال عنْ حالٍ إِلى حالٍ ، أي توهُّم أنْ يكونَ - على ذلك -غيرَ خالِقٍ ثُمَّ يَكون خالِقاً وَ غيرَ مريد ثُمَّ يكون مريداً وَ هكذا ... و كذلك إِيهام الحاجة إِلى غيرِهِ بحُصُولِ استكمالِ وَصْفٍ حادِثٍ بِخَلْقِهِ لِما يَخلُقُ ، تعالى اللهُ عن ذلك كُلِّهِ عُلُوّاً كبيراً.
و كما هو معلُومٌ ، لا يختلِفُ أصحابُ المسـلَكَيْنِ في تَقَدُّسِ اللهِ عزَّ وَ جلَّ عن النقصِ و الزيادةِ وَ عن إِمكانِهِما في حقِّهِ ، وَ لا يختلِفُون في تنزيهِ الله تعالى عن التغيُّرِ و الحُدُوثِ و الحاجة ... كما أنَّهُم لا يختلِفُون في أنَّ اللهَ تعالى لَمْ يزَلْ قادِراً على الخَلْقِ وَ لَو (معَ افتراضِ أنَّهُ) لَمْ يُرِدْ أنْ يَخلُقَ شَـيْئاً ... وَ أنَّ جميع المُحدَثاتِ التي سَــتَدخُلُ في الوُجُودِ إِلى الأَبَد لا تكونُ إِلاّ وفْقَ الإِرادةِ الأزَلِيّة ، أي حُدُوثُها مَشْــرُوطٌ بِموافقة ما سَــبقَ وَ تقَدَّمَ بِهِ التقدير بحسَـبِ المشِــيْئَةِ الإِلهِيّة .
فبِما أنَّهُم مُتَّفِقُونَ على الأصلِ وَ مُسَلِّمُونَ بالنُصُوصِ الشَــرْعِيّة ، فلا داعِيَ للتشنيع ، لأنَّهُ لا يلزَمُ مِنْ أيِّ القَولَيْنِ شُــذُوذٌ ضلالَةٍ وَ لا تبدِيع .
وَ بيانُ المسألَةِ يحتمِلُ بسْــطاً أَكْثَرَ مِنْ هذا، و لكِنْ لا يَصعُبُ على مَنْ حصَّلَ الأساسِيّات التفَطُّنُ - إِنْ شـاءَ اللهُ - إِلى وجهَتَي الخِلاف وَ وَجه التفريق وَموضع الإِجتماع .. وَ لا بُدَّ مِنْ بعضِ التنبِيهات وَ التفصِيلات في بعضِ المواضِع .
و الحمدُ لِله على سـابِغِ نِعمَةِ الإِسْــلام وَ التشَرُّفِ باتّباعِ سُــنَّةِ خيرِ الأنام ســيّدنا و مولانا مُحمّدٍ خاتَمِ الرسلِ الكِرام عليه أفضلُ الصلاةِ وَ أزكى التحِيّة و السلام .

رد اخر لاحد الاخوة :
لا يُقالُ أنَّ لِله صفات حادِثة .. تعالى اللهُ عن ذلك ، وَ لا يَقُول بذلك أحَدٌ من أهل الحقّ . وَ أقبَحُ منهُ التعبِير بِمُحدَثة وَ إِنْ كان المُؤَدّى واحِداً .
الحادِثُ هو ما لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كان ..
لَمْ يَكُنْ موجُوداً أوّلاً ، بل حدَثَ وُجُودُهُ بعدَ عدَمِهِ ...
و حدوثُ صفةٍ جدِيدة يعنِي الإِنتقال من حالٍ سابِقٍ إِلى حالٍ طارِئٍ لاحِق ، سـواء كانت الحالة الجديدة أعلى مِن سابِقَتِها أوْ أدنى ، وَ هذا يعنِي التغَيُّر ، و التغَيُّرُ مُنافٍ للأزَلِيّة ، بلْ قابِلِيَّةُ التغَيُّرِ هي من صفة المخلوق ، أيْ المُحْدَث ، مهْما تقادَمَ عَهْدُ بِدايةِ حُدُوثِهِ ، و تعالى اللهُ مولانا الأحَدُ الصَمَدُ عن كُلِّ ذلك عُلُواً كبيراً ...
التوحيدُ إِفرادُ القديمِ تعالى عن الحدث ، أي وَ تنزيهُهُ سبحانَهُ عن سِـماتِ المُحدَثات .
القَولُ بِصِفة التكوِين عند السادةِ الماتريدِيّة (على المعنى الذي شـرحُوهُ) سَــليمٌ لا غُبارَ عليه .
أمّا تجاوُزُ بعض الناس بالتعبِير بما مُؤَدّاهُ :" ... لَمْ يَزَلْ مُكَوِّناً لِلمُكَوَّناتِ في الأزَلِ مُحدِثاً لجميعِ ما سـيَكُونُ مِنْ المُحدَثاتِ فيما لَمْ يَزَلْ " ، و نحو ذلك من العبارات ، فَلا يَسْـلَمُ من إيهام تناقُضٍ و محذوراتٍ عِدّة ، لِذا فَالإِعتراضُ عليهِ مِنْ قِبَلِ جمهور المتأخِّرِين مِنْ مُحَقِّقِي السادة الأشاعِرة ، لهُ وَجهٌ وجيهٌ قَوِيٌّ كما بَيّنّا ، وَ إِنْ كان يفهَمُ أصحابُ تلك العباراتِ منها و مِنْ نحوِها سَـــبْقَ المشِيئَةِ الإِلهِيّة الآزلِيّة بجميع ما سـيكون من المُحدثاتِ ، و صُدُورَ جميع المخلُوقاتِ كُلُّهاعن قُدرَةِ الله الأزَلِيّة و كلامِهِ الأزلِيّ سُــبْحانَهُ و تعالى وفق مشِـيئَتِهِ العلِيّةِ التي لا تتغَيَّر و لا تتبدّل ، مع صلوح القُدرة الأزلِيّة أبَداً لِخلْقِ جميع المُمكِنات ، ما شـاء اللهُ منها أنْ يكُون و ما شـاءَ أنْ لا يكون .
فالخِلافُ - بين المنع و الجواز - فقط في إِطلاق بعض العبارات نحو التي أشرنا إِليها ، أو في التسْــمِيَة أَي إِطلاق أسماء تدلّ عليها الأفعال بحسـب ما يظهر لنا ، لا في حقيقة الصِفة ... و لا في تجويز حدوثِ صِفة .. هذا لا خِلاف في امتناعِهِ وَ منعِ القول بِهِ ...
أصحابُ كِلا المَسْلَكَيْنِ مُجمِعُونَ على أنَّ الله تعالى :
" ليس بَعْدَ الخَلْقِ اسـتفادَ اسْــمَ الخالِقِ وَ لا بِإِحداثِهِ البَرِيَّة اسْــتفادَ اسمَ البارِئِ .. لهُ معنى الربُوبِيّة وَ لا مَربُوبَ وَ معنى الخالِقِ وَ لا مَخْلُوقَ .. وَ كما أنَّهُ مُحْيِي المَوْتى بعدما أحيا اسـتَحِقّ هذا الإِسْــمَ قَبْلَ إِحياءِهِم ، كذلِكَ اسْــتَحَقَّ اسْــمَ الخالِقِ قَبْلَ إِنْشــاءِهِم ..."
الذي قال :" صفات الأفعال حادِثة " خرج عن الطريقتين وَ أســاءَ التعبيرَ بالمرّة ، وَ إِطلاقُ هذِهِ العبارةِ أشَــدُّ مِنْ إِطلاق عِبارة :" القُرآن مخلُوق " حتّى إِنْ لَمْ يقصد بِها نَفْيَ صِفةِ الكلامِ الذاتِيّ الذي هو صفةٌ أزَلِيّةٌ لِلهِ تعالى مُنزّهةٌ عنْ سِـمات الحُدُوث بأيّ وجهٍ من الوُجوه .. يبقى إِطلاقُ هذه العِبارةِ هكَذا مَمْنُوعاً مُحَرّماً ، أيْ وَ إِنْ قصدَ بالمخلُوق : المُعايَنَ المَخْطوطَ بَيْن الدفَّتين المُتَصَوَّرَ المَحفُوظَ في الذِهْنِ و القَلْبِ بينَ الجَـنْبَـيْنِ ، المقرُوءَ بالفؤادِ والعينين ، المَتْلُوَّ بالفَمِ وَ اللسان و الشــفتَيْن المسْـمُوعَ بالأذُنَين .
فَفي مقام التعليم ، عند الضرورة لِكشْفِ تمويهات المُشَبِّهة الحُلُولِيّة - الذين يَتوهَّمُون حُلُولَ عين الصفة الأزَلِيّة في الحادِث أوْ تلَبُّثَ الحادِث بالأزَلِيّ - و نحوِهِم ، يُفَصَّلُ البيان من غير إِجازة إِطلاق عبارة " القرآن مخلُوق " ، بل يُمنع مِنْ إِطلاقِها هكذا في كُلّ حالٍ على أيّ قصْدٍ كان ، لأنَّهُ خلافُ الأدَب وَ لأنَّها تُوهِمُ سـامِعيها معانِيَ مَحذُورَةً ...
فإِنَّ من قال :" القُرآنُ مخلُوق " معتقِداً حُدُوثَ صِفةٍ لله تعالى أوْ نافِياً أنْ يَكُونَ لِلهِ تعالى كلامٌ ذاتِيٌّ أزَلِيٌّ فهذا مُجمَعٌ على الحُكْمِ بِضلالِهِ ، لا خِلافَ في إِكفارِهِ عند أهل الحقّ .
اللهُمَّ إِنّا نعوذُ بِكَ من الفتن ما ظهَرَ منها و ما بَطَن.

منقول منتدى الازهريين