علامات النفاق
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . [رواه الشيخان وأصحاب السنن الثلاثة أبو داود والترمذي والنسائي] .

اللغة:
النفاق في اللغة: مخالفة الباطن للظاهر، وأصله من نافقاء اليربوع وهي إحدى حجراته يكتمها ويظهر غيرها، والنفاق إن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ووعد يستعمل في الخير والشر إذا ذكر الفعل، يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا، فإذا أسقط قالوا في الخير: وعدته وفي الشر أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في نوادره أو عدته خيرا،
فالمراد بالوعد في الحديث: الوعد بالخير، وأما الشر: فيستحب إخلافه وقد يحب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. والغدر: ترك الوفاء بما عاهد عليه، والمخاصمة: المنازعة أصلها من خصم الشيء أي جانبه وناحيته فكل من المتخاصمين في جهة، والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده وأصله من الفجر وهو شق الشيء شقا واسعا والفجور فتق في الدين.

الشرح:
يبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن من وجدت فيه أربع خصال كان منافقا خالصا ومن وجد فيه بعضها كان لديه من النفاق بقدر ما وجد فيه، وتلك الخصال هي خيانة الأمانة، والكذب في الحديث، والغدر في المعاهدة، والفجور في المخاصمة وحقا إنها لكبائر موبقة وجرائم مردية، لا تصدر عن مؤمن ملأ الإيمان قلبه.
فخيانة الأمانة ظلم لصاحبها ونزع للثقة من نفوس الناس بخائنها، وهي نوع من السرقة، وقد فسروا الخيانة: بأنها التصرف في الأمانة بغير وجه شرعي كبيعها أو جحدها أو انتقاصها أو التهاون في حفظها.
والأمانة تشمل كل ما ائتمن عليه الإنسان من مال أو عرض أو حق بل تشمل الشرائع التي جعلها الله في يدنا أمانات نعلمها للناس، ونقوم على حفظها بالعمل، ولذلك سمى الله تعالى مخالفة كتابه وسنة رسوله خيانة في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .
أما الكذب في الحديث فإنه أس النفاق والقاضي على الأخلاق، وهو داع لاحتقار صاحبه، وعدم الثقة في شأن من الشئون، وصاحبه لبّاس على الناس عاش لهم، والكذاب في الحقيقة ميت بين الأحياء.
وخلف الوعود أو نقض العهود والغدر بها باب من أبواب الكذب، وقد رتب الله عليه نفاق القلوب في قوله: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ وخلف الوعد تضييع للثقة، وسرقة من وقت الموعود، وإخلال بنظام حياته وأعماله، وكل هذه يفقد بها الإنسان من مكاسب الحياة ربحا عظيما، وكذلك نقض العهد، وخلف الوعد يكون جريمة كبرى إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد فإذا كان عازما على الوفاء ساعة وعد ولكن عرض له ما حال دون الوفاء، لم يكن من أهل النفاق، فإن كان الوفاء في إمكانه وتركه فعليه إثم الإخلاف وإن كان قبل عازما على الوفاء.
وأما الفجور في المخاصمة وعدم الوقوف عند الحق: فذلك وزر كبير يجر إلى أوزار كثيرة، ومفاسد عظيمة.
فالفاجر في الخصومة ينكر حق صاحبه ويستحل ماله وعرضه، ولا يترك بابا من أبواب الإضرار به إلا اقتحمه، ولو أضاع في سبيل ذلك المال الكثير، بل ولو شغله ذلك عن القيام بواجباته وأنت جد عليم بما يكون بين أرباب القضايا وبين الحزبين من بلد واحد، وبين الأحزاب السياسية وغيرها، فالفجور في الخصومة داء وبيل، يقطع الأواصر «2» وينشر الجرائم، ويفتك بالأخلاق، فلا جرم إن كان آية الآيات في النفاق.
هذا وقد ذكر النووي أن جماعة من العلماء عدّوا هذا الحديث مشكلا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، وقد أجيب عن ذلك بأن المتصف بهذه الخصال كالمنافق في التخلق بأخلاقه لا أنه منافق حقيقة، وهذا الجواب مبني على أن المراد بالنفاق في الحديث النفاق في الإيمان، وهذا الجواب مردود بقوله في الحديث: «كان منافقا خالصا» ، وأجيب أيضا بأن الظاهر غير مراد وإنما الغرض من ذلك المبالغة في التحذير، والتنفير من هذه الخصال بأبشع الطرق.
وارتضى القرطبي أن المراد بالنفاق هنا نفاق العمل، ويرى آخرون أنه نفاق في الإيمان، والمراد بمن وجدت فيه هذه الخصال: من تعودها وصارت له ديدنا وخلقا،

ويدل عليه التعبير بإذا فإنها تدل على تكرر الفعل، فالمتخلق بها منافق حقيقة يستحق الدرك الأسفل من النار، فتلك أربعة أجوبة تخير منها ما شئت.
والحديث دعامة كبيرة من دعائم الأخلاق التي ترتكز عليها عزة الأمم وسعادتها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال: «آية المنافق ثلاث:
إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . [رواه مسلم والترمذي والنسائي] «1» .
الآية: العلامة الظاهرة التي تدل على أمر خفي وراءها، وإخلاف الوعد ترك الوفاء مأخوذة من أخلف الشجر إذا اخضر بعد سقوط ورقه، وليس الغرض من ذكر هذه الثلاثة حصر آيات النفاق فيها فإنها كثيرة كالفجور في المخاصمة وإنما الغرض التنبيه إلى أصولها إذ التدين ينحصر أصله في ثلاثة القول والعمل والنية فنبّه إلى فساد القول بالكذب، وإلى فساد الفعل بالخيانة، وإلى فساد النية بالإخلاف لأن الإخلاف القادح «2» ما كان العزم عليه مقارنا للوعد، وباقي الشرح للحديث في شرح ما قبله.