بيان المسلم والمهاجر
عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» . [رواه البخاري وأبو داود والنسائي] .
شرحت لك في الحديث الماضي كلمة الإسلام، وبينت المراد بالهجرة في الحديث الأول.
وهنا يبين الرسول صلى الله عليه وآله الجدير بلقب الإسلام والجدير بلقب المهاجرة، فالأول:
من سلم الناس من شره مسلمين أو غير مسلمين ممن لهم ذمة أو عهد وإن كانت حرمة المسلمين فوق حرمة غيرهم ومنع الأذى عنهم في المقدمة- وهذه حكمة تخصيصهم بالذكر- أما المحاربون المعتدون على ديننا أو بلادنا فنحاربهم بكل ما استطعنا، وخص اللسان واليد بالسلامة من شرهما دون باقي الأعضاء لأن أكثر الإيذاء بهما وإن كان بغيرهما أيضا محرما: فالمسلم ليس بسبّاب ولا شتام، ولا مغتاب ولا نمام، لا يأمر بمنكر ولا ينهي عن معروف، ولا يكذب على الناس، ولا يغرر بهم، ولا يقول بغير علم، ولا يحرك لسانه سخرية بأحد، بل لسانه حلو، لا يصدر منه للناس إلا الخير وكذلك المسلم لا يؤذي الناس بيده، فلا يقلع زرعهم أو يسم حيوانهم أو يهدم بنيانهم أو يغير حدودهم، أو يضربهم، أو يقتلهم، أو يستلب أموالهم، أو يكتب بيده في ثلم أعراضهم، والحط من كرامتهم، والتضليل لهم، أو يعين عليهم عدوهم، أو يحرش الظلمة بهم، بل يده شريفة نزيهة، لا تعمل إلا الخير، ولا تخط إلا الحق، ومن الخير والحق إيذاء الولد تربية له وتأديبا، وإقامة الحدود من جلد أو قطع، أو قتل على من سعى في الأرض فسادا، وهدّد الناس في أموالهم ودمائهم وأعراضهم وكذلك لا يؤذي الناس ببصره أو سمعه، أو صوته أو رجله أو غيرها من أعضائه بل كله للناس سلم، وهو لهم خير.
أما المهاجر بحق: فهو الذي لم يقف عند الهجرة الظاهرة من ترك دار الحرب إلى دار الأمن، بل هجر كل ما نهى الله عنه، فلا يقتل ولا يسرق ولا يزني ولا يفسق، ولا يشهد الزور، ولا يشرب الخمور، ولا يبخل أو يسرف أو يداهن أو ينافق- إلى غير ذلك من الأمور المحرمة- بل ضرب بينه وبين المعاصي حجابا وسورا، فكل عمله في دائرة الخير والواجب. والحديث يبين في جلاء أن الظواهر لا يعبأ الله بها إذا لم يؤيدها الأعمال الدالة على صدقها.