الإعجاز البياني في السنة النبوية


من أبرز دلائل نبوَّة رسول الله أنه أوتي جوامع الكلم، وهذه خاصية لم يعطها أحدٌ قبله ولا بعده؛ لذلك يقول رسول الله : "أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِيَ الْكَلاَمُ اخْتِصَارًا"[1]. وقال رسول الله في حديث آخر: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ"[2].


جوامع الكلم عند رسول الله:
وجوامع الكلم تعني أن الله جمع له المعاني الكثيرة في ألفاظٍ قليلة؛ فتجد أن الجملة النبوية تتكون من عدد محدود جدًّا من الكلمات، ومع ذلك فهي تحتوي على كمٍّ هائل من الأحكام والمواعظ والعِبَر والتوجيهات، وهذا لا يكون لغير رسول الله ، ولم ينافسه فيه أحد، وهذا ليس في جانب معيَّن من كلامه أو في بعض أحاديثه، إنما هو يشمل كل كلامه وجميع أحاديثه، مما يدخل في باب الإعجاز والتحدي.


وأيضًا فإن اختصار الكلام يؤدي إلى سهولة حفظ الأحاديث النبوية، إضافة إلى تجدُّد استخراج الأحكام منها مع مرور الزمن بما يناسب تغير المكان والزمان، فتصبح الشريعة الإسلامية صالحة في كل الظروف والأحايين.


وهذه الخاصية العجيبة جعلت الكثير من فقهاء الإسلام يختارون من أحاديث رسول الله بعض الأحاديث القليلة التي لو أضيفت بعضها إلى بعض، فإنها تعبر عن الإسلام بكامله! وتلخِّص الشريعة الإسلامية الجامعة تلخيصًا نادرًا.. ومن أمثلة ذلك ما فعله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حين قال: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"[3]. وحديث عائشة –رضي الله عنها: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ"[4]. وحديث النعمان بن بشير : "الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ[5]"[6]. فكل حديث مما سبق يلخص جانبًا كاملاً من الإسلام بشكل عجيب، حتى وكأنك قرأت عن الإسلام كله إذا قرأتهم.


أحاديث من جوامع الكلم
وذِكْر أمثلة من جوامع كلم رسول الله يصعب جدًّا؛ لأن هذا يعني مراجعة كل كلماته وأقواله فكلها من جوامع الكلم، كما أن كلها يحتاج إلى شروح كبيرة جدًّا لاستيفاء جزءٍ من المعاني الهائلة فيها، ومع ذلك فإننا يمكن أن نمرَّ على بعض لأقواله لنفهم المقصود من هذا الوجه العجيب من وجوه الإعجاز..


- يقول رسول الله : "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا"[7]. ففي هذه الكلمات الموجزة جدًّا شرح لنا رسول الله ما يقبله الله ، وما لا يقبله من أعمال أخرى؛ فهو يقبل الأعمال الطيبة وهذه لا حصر لها، فهو يقبل الصدقات والإصلاح والمعروف والصدق والأمانة والنصرة والهداية والمروءة وآلاف وملايين الأعمال الطيبة. كما أنه بالتبعية لا يقبل أي عمل خبيث؛ فلا يقبل السرقة ولا الخيانة ولا الجبن ولا الخداع ولا الغش ولا الفاحشة، ولا غير ذلك من آلاف وملايين الأعمال الخبيثة؛ فصارت الكلمات القليلة التي قالها رسول الله ركنًا عظيمًا من أركان الإسلام.


وعلى نسق هذا المثال تدبر في أقوال رسول الله ، والتي منها ما يلي:


- "مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ"[8].


- "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ"[9].


- "تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ"[10].


- "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"[11].


- "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ"[12].


- "الصَّوْمُ جُنَّةٌ"[13].


- "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"[14].


- "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ"[15].


- "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ"[16].


هذه هي بعض الأمثلة، وهو باب لا نهاية له، وبحر لا ساحل له، وهي إحدى معجزات رسول الله الباهرة، ومن أعظم دلائل نبوَّته.


منقول للافادة


[1] رواه العجلوني في كشف الخفاء 1/263، وذكر أنه حديث مرسل وله شواهد في الصحيح.
[2] البخاري عن أبي هريرة: كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي r: "َنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَة شَهْرٍ". (2815).
[3] البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله r (1)، وأبو داود (2201)، وابن ماجه (4227).
[4] البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2550)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718).
[5] البخاري: كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبَّهات (1946)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599).
[6] ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم والحكم 1/9.
[7] مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (1015)، والترمذي (2799)، وابن ماجه (2613)، وأحمد (8330).
[8] الترمذي (2318)، وأحمد (1737)، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (5911) في صحيح الجامع.
[9] ابن ماجه (4102)، والحاكم في مستدركه (7873)، والطبراني في الكبير (5982)، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (922) في صحيح الجامع.
[10] أحمد (2804)، والحاكم (6303)، والطبراني في الكبير (11585)، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (2961) في صحيح الجامع.
[11] البخاري: كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة (1351)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة (1016).
[12] البخاري: كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة (5675)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (1005).
[13] النسائي (2224)، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (3865) في صحيح الجامع.
[14] مسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (91)، وابن ماجه (59)، وأحمد (3947).
[15] مسلم: كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام (2003)، وابن ماجه (3390)، وأحمد (4830).
[16] الترمذي (3895)، وابن ماجه (1977)، والدارمي (2260)، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (3314) في صحيح الجامع.