عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النّبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . [رواه البخاري وكذلك مسلم عن أبي هريرة] .

اللغة:
الروح: ما به الحياة والحركة، والجنود: جمع جند، وهم الأعوان والأنصار. وبعبارة أخرى: الجيش والعسكر، وواحد الجند جندي، وأصله المادة الغلظ والتجمع، يقال للأرض الغليظة ذات الحجارة: جند وتجنيد الجند جمعهم، فمعنى مجندة: مجموعة، والتعارف: معرفة بعضها بعضا، والمعرفة: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، والتناكر: ضده، والائتلاف: الاجتماع مع التئام، وبعبارة أخرى:
الإئتناس والمحبة، وضده الاختلاف.
هذا والحديث قد رواه البخاري في صحيحه معلقا غير متصل عن الليث عن يحيى، عن سعيد، عن عمرة، عن عائشة. ولكن وصله في كتابه (الأدب المفرد) فرواه فيه عن عبد الله بن صالح عن يحيى ... وقد تكلم في عبد الله هذا بعض أئمة الجرح والتعديل.

الشرح:
من الظواهر التي نراها في الاجتماعات العامة ميل كل امرىء إلى من يشاكله ويناسبه روحا وخلقا، أو دينا وأدبا، أو مبدأ ومذهبا، أو حرفة وعملا، فترى المجتمعين بعد مدة وجيزة من بدء الاجتماع قد انقسموا جماعات تتحدث كل جماعة في شؤونها الخاصة، وأمورها المشتركة وتتغير نفوسها إذا رأت دخيلا بين جماعتها، لا تربطه بهم صلة، ولا تجمعهم به جامعة، وتجلس في ركوب عام قطار أو سفينة أو ترام أو سيارة، أو في مجلس من المجالس فترى نفسك منجذبة إلى بعض الحاضرين. نافرة من آخرين. وربما لم يكن قبل هذا اجتماع ولا تعارف، ولا تعاد وتخاصم فما سر هذا التالف والتحابب، وما علة هذا الاختلاف والتنافر؟ ذلك ما بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث فهو يقول: «إن أرواح العباد ونفوسهم جنود مجتمعة وجيوش مجيشة فالتي بينها تعارف وتشاكل، وتوافق وتناسب، يألف بعضها بعضا، ويسر باجتماعه، ويفرح للقائه. لاتفاق في المبدأ، وتقارب في الروح» .
روى أبو يعلى في مسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزاحة، فنزلت على امرأة مثلها في المدينة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: صدق حبي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الأرواح جنود مجندة» ... إلخ.
أما التي بينها تناكر وتباين وتباعد وتغاير فإنها تختلف، وينفر بعضها من بعض، ولا يود لقاءه، فالأخيار الأبرار، الأمجاد الأطهار إذا وجدوا في مجتمع جذبهم أشباههم، أو انجذبوا إليهم، وسرى بينهم تيار من المحبة جمع قلوبهم، ووثق فيها روابط الصلة، وعرى الإخاء والمودة اما من لا يشاكلهم فتنفر منه قلوبهم. وكذلك الأشرار الفجار إذا حلوا بناد بادر إليهم أضرابهم. وجذبهم قرناؤهم، ونفروا ممن لا يتخلق بخلقهم ولا يسير في سبيلهم.
فإذا عرفت رجالا بالبر والإستقامة. ونفرت منهم نفسك ونبا عنهم قلبك.
فاعلم أن فيك عيبا ونقصا، وأنت دونهم في الطهارة فداو نفسك من عيوبها، وطهرها من أوزارها حتى تتقارب الأرواح، وتتشاكل النفوس، فتحل الألفة محل النفرة. وإذا رأيتك ميالا من تعرفهم بالشر والفسق والخلاعة والعهر ، فاعلم أنك من طبقتهم، ونسبك من شجرتهم. فإذا كانت نفسك تحدثك بأنك البرّ الأمين، أو الصوفي العظيم، أو التقي المخلص، أو الإنسان المهذب فكذب نفسك في حديثها.
واعتقد أنك غر مخدوع، وأبله مفتون، ففتش في زوايا قلبك تجد للباطل ركنا،
وللشيطان حظا؛ وللفساد جوا؛ وهذا ما جذب قلبك إلى الأشرار؛ وإذا رأيتك تميل إلى الأخيار؛ وتحب مجالسهم وتنجذب نفسك إليهم؛ مع علمك بسوء سيرتك واعوجاج طريقتك؛ فأدرك أن فيك بقية من الخير؛ ولا يزال فيك أمل. فربّ هذه البقية؛ وقوّ هذا الأمل؛ حتى يرحل عنك الشر؛ وتدخل بجملتك في حزب الخير.
وكذلك إذا كنت طاهرا برا نقيا؛ ورأيت في نفسك بعض الميل للمجرمين، أو الركون إلى الظالمين فاعرف أن الشيطان قد نفث فيك نفثة، وثغر في قلبك ثغرة، فتحضن منه، وقل: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ- الصبح- مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ. وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ- ليل إذا دخل- وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ . فالحديث يبين لنا طبيعة من طبائع النفوس؛ لننتفع بها، فنجنبها الشر، ونغمرها بالخير