إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حقيقة انتشار الإسلام بالسيف

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    حقيقة انتشار الإسلام بالسيف

    لقد انتشرت في غابر الأزمان هذه الكلمة الصلعاء، وحاول الشانئون وصم الإسلام بهذه المذمة، على طريقة "لا تعدم الحسناء ذامًا". وقد انبرى علماء الإسلام، وأرباب الكلم للمنافحة عن الإسلام؛ حفاظًا على صورته البيضاء والرد على هذه الشبهة التي ما زال يلوكُها الأصاغر وأتباع كل ناعق. ومن هؤلاء الأماجد العامري "أبو الحسن محمد بن أبي ذر يوسف النيسابوري (ت 381هـ). وهو أحد أعلام مدرسة الكندي الفلسفية" يُقَسِّم العامري الحروب -بصفة عامة- إلى ثلاثة أنواع:

    • الجهاد: وهو الحرب التي يضطر إلى خَوْضها المرء؛ دفاعًا عن العقيدة والمقدسات.
    • الفتنة: وهي الحرب الناتجة عن التعصب الجنسي أو الوطني.
    • التصعلك: وهي حَرْبٌ لانتهاب الأموال واغتصاب الأملاك.

    والنوع الأول من الحرب يتّسِم بالعدل؛ أما النوعان الآخران فيتسمان بالهمجية والتصعلك وعدم العدل، وهو ما تتسم به الحروب الاستعمارية اليوم.

    ثم يذكر العامري أن حروب الرسول صلى الله عليه وسلم كانت من النوع الأول؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام أزهد الناس في المال والمتاع، وأبعدهم عن العنف وسفك الدماء، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لذا فقد لَجَأ إلى الحرب مُضّطرًا، حين لم يصلح مع الأعداء إلا الحرب، و"أيس من ارعوائهم، وأيقن أنّ الوعظ لا ينجع فيهم". فكان فعله صلى الله عليه وسلم كطبيب اضّطر لقطع عضو من أعضاء المريض؛ خشية توغُّل الداء العُضَال فيه "فأوقع في مغازيه بعدد من القتلى، تَدرُّجًا إلى استنفاد الجمهور من الهلاك والردى" (انظر: الإعلام بمناقب الإسلام. ص: [156-157]. تحقيق د. أحمد عبد الحميد غراب. ط 1387هـ / 1967م. دار الكتاب العربي - القاهرة).

    وقد أشار العامري إلى نقطة مهمة؛ وهي الوظيفة السياسية للجهاد، فالعُدْوان لا يُرَدّ بالسلام والمودة، وإنما يُرَدُّ بقوة السِّلاح؛ لذا كان لابُدّ من الاستعداد المُسلّح للدفاع عن العقائد والحرمات ضد أي اعتداء "فأساس العالم إذن لا يحتمل تركه" (انظر: الإعلام بمناقب الإسلام. ص: [147]).

    وشبهة انتشار الإسلام بالسيف وإراقة الدماء التي دَأَبَ على ذِكْرها البعض من الجُهّال بحسن نية، وربما ذكرها الكثير بسوء نية وطويّة لا قيمة لها، وقد انتشرت على الألسنة بصورة فَجَّة.

    وردُّ هذه الشبهة من ثلاثة مُنْطلقات:

    1- من أخلاق الإسلام.
    2- الإسلام في ساحة الحرب.
    3- الإسلام بعد الانتصار.

    من أخلاق الإسلام:

    لقد قرَّر الإسلام ابتداءً قواعد أساسية بنى عليها أركانه وقواعده، ومن هذه الأركان الأساسية فيه، ما يلي:

    أ - الإسلام والسلام: اعتبر الإسلام السلام مبدأً رئيسًيا من مبادئه، بل هو جزء من كيان المسلمين، وعقيدة من عقائدهم؛ فلفظ الإسلام مشتق من السلام. وقد وصف القرآن نبي الإسلام عليه السلام: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. وقد أكَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية إفشاء السلام فقال: «لا تدخلون الجنَّةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنُوا حتى تَحَابُّوا، أّوَ لا أَدُلُّكُم على شىءٍ إِذَا فَعَلْتُموهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنُكُمْ» (رواه مسلم: صحيحه. كتاب الإيمان. باب: بيان أنَّه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأنَّ محبة المؤمنين من الإيمان، وأنَّ إفشاء السّلام سبب لحُصُولها، ص: [53]. رقم: [54]. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

    "وهذا الحديث فيه الحضّ على إفشاء السلام على مَنْ عَرَفَ، و مَنْ لم يعرف، والسلام أول درجات البرّ، وأول خِصَال التآلف، ومفتاح استجلاب المودَّة. وفي إفشائه أُلفة بين المسلمين، وإلقاء الأمن والطمأنينة بينهم" (القاضي عياض: إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم. ج 1، ص: [304-305]).

    "ولا شكَّ أنّ إفشاء السلام يعمل عمل السحر في النفوس، وعمل الطب في الأجسام، ويرفع الوَحْشَة بين المتباعدين المتنافرين" (د. موسى شاهين لاشين: فتح المنعم "شرح صحيح مسلم". ج 1، ص: [201]. ط 1. 1423هـ / 2002م. دار الشروق القاهرة).

    ب- الإسلام والرحمة: بني الإسلام على التراحم، والأمثلة على ذلك كثيرة من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإِذَا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَليُحِدَّ أَحَدكُم شَفْرَتَهُ؛ فَليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (مسلم: صحيحه. كتاب الصيد والذبائح. باب: الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة. ص: [809-810]. رقم: [1955]). ودين هذا حاله مع الحيوان، هل يكون قاسيًا مع الإنسان؟!

    ج- الإسلام وحرية الاعتقاد: لم يُكرَه الإسلام أحدًا على اعتناقه، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي} [البقرة من الآية:256].

    الإسلام في ساحة الحرب:

    أمر الله تعالى بالجهاد بالأنفس والأموال، وأوجب على عباده أن ينفروا إليه، وحرَّم عليهم التثاقل عنه؛ قال تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة:38].

    وقد رغَّبَ الإسلام في الجهاد؛ ويتضح هذا من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (البخاري: الجامع الصحيح. كتاب الجهاد والسير. باب: الغدوة والرَّوْحة في سبيل الله. ص: [540]. رقم: [2792]. وأيضًا: مسلم: صحيحه. كتاب الإمارة. باب: فضل الغدوة والرَّوْحة في سبيل الله، ص: [784]. رقم: [1880]. من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه).

    وهو فرض كفاية لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} [التوبة من الآية:122]. أما إذا استنفر الإمام المسلمين للجهاد، أو دَاهَمَ العدوُّ بلاد المسلمين، فيصبح الجهاد فرض عين؛ لقوله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:39]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وِنِيَّةٌ، وإذا اسْتُنفِرْتُم فانْفِروا» (البخاري: الجامع الصحيح. كتاب الجهاد والسير. باب: فضل الجهاد والسير. ص: [538]. رقم: [2783]. وأيضًا: مسلم: صحيحه. كتاب الحج. باب: تحريم مكة وصيدها، ص: [535]. رقم: [1353]. من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه، واللفظ للبخاري).

    والباحث يجد أن الحرب في الإسلام شُرِعت في حالتين:


    حالة الدفاع عن النفس والعرض والمال، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]. وفي الحديث: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أو دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (رواه أبو داود في سننه. كتاب: السنة. باب: في قتال اللصوص. ص: [865]. رقم: [4772]. وأيضًا: الترمذي في سننه. كتاب الدِّيات عن رسول الله صلى الله عليه السلام. باب: ما جاء فيمن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد. ص: [335]. رقم: [1421]. وهو صحيح من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه، مع تغيُّر في الألفاظ والترتيب عند الترمذي). وهذا نسميه جهاد الدفع، وهي أن يُدَاهِمَ العدو أرضنا فلا نتركه.

    فتح أبواب الدعوة إلى الله، فيقاتل المسلم مَنْ يَصدّ الناس عن معرفة الإسلام ويعذبهم، وهذا يُسمَّى جهاد الطلب، ودليل هذا الجهاد قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:8-9]. وسبب القتال واضح جَلِيٌّ وهو القتال في الدين، والإخراج من الديار، والمعاونة على الإخراج.

    وقد تضمنت الآيات الكريمة السابقة ما يلي:


    الأمر بقتال الذين يبادرون بالعدوان -حتى في الأشهر الحرم- بكفِّ عدوانهم، وتربية لمن يفتن المسلمين، والدفاع عن النفس، لا لحظوظ النفس وشهواتها، وحب سفكّ الدماء (أ. أحمد مصطفى المراغي: تفسيره. ج2. ص: [88]. ط 1. 1365هـ / 1946م. مكتبة البابي الحلبي - القاهرة).

    "أما الذين لا يبادرون بالاعتداء، فلا يجوز قتالهم ابتداءً؛ لأن الله تعالى نهى عن الاعتداء. الحرب لها غاية تنتهي إليها، وهي منع فتنة المؤمنين وترك إيذائهم" (أ. أحمد مصطفى المراغي: تفسيره. ج28. ص: [69-70]).

    "جواز صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم" (القرطبي: الجامع لأحام القرآن؛ المجلد التاسع. ج18. ص: [40]).

    "تبادل البرّ والصلات مع المشركين إذا لم يكن ذلك ناتجًا عن مَيْل قلبي له، مع ضمان حرية الدعوة للإسلام، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله" (د. عبد العزيز الربيعة: صور من سماحة الإسلام. ص: [86]).

    وتتضح سماحة الإسلام مع أعدائه من قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:61-62].

    وقد تضمنت الآيتان السابقتان ما يلي:


    الإجابة إلى الصلح مع المشركين إن طلبوا ذلك؛ شريطة أن يكون فيه مصلحة للمسلمين (محمد بن عبد الله -ابن العربي المالكي-؛ ت543هـ): أحكام القرآن. ج2. ص: [426-427]. تحقيق الشيخ محمد عبد القادر عطا. ط3، 1424هـ / 2003م. دار الكتب العلمية - بيروت).

    "الميل إلى الصلح والمسالمة، حتى لو أظهروا إرادة الصلح، وأبطنوا الخيانة، فإن الله تعالى يتولى الحماية والحفظ" (القرطبي: الجامع لأحكام القرآن. المجلد الرابع. ج8. ص: [28]).

    "وهذا يؤكد أنّ الجهاد بالقتال لم يهدف قطعًا ويقينًا إلى إكراه أحد على الإسلام؛ وإنما كان مَعْنِيًّا بإزالة حكم الطواغيت والظلمة في الأرض، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جَوْر الحكام إلى عدل الإسلام، ولتأمين الحرية الدينية للناس، ولرفع العقبات أمام الدعوة والدعاة لتنفيذ حرية العقيدة والتدين، وإزالة الظلم والطغيان؛ حتى يتمكن الناس من التفكير في العقيدة، واختيار الدين الحق، والإيمان الصحيح، أو البقاء على دينهم مع الالتزام بدفع ضريبة الجزية في الدنيا، وتحمّل المسئولية الدينية أمام الله تعالى في الآخرة" (د. محمد الزحيلي: الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية "أبعادها وضوابطها". ص: [20]. الدورة التاسعة عشرة لعام 1428هـ / 2008م. مجمع الفقه الإسلامي - الشارقة).
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الإسلام بعد الانتصار:
    إن موقف الإسلام بعد الانتصار موقف عظيم سامق -أيضََا- نوجزه في النقاط التالية:
    أ- تحريم قتل النساء والشيوخ والأطفال وكل من لا يحارب، والنهى عن التمثيل بالقتلى، فقد قال صلّى الله عليه وسلم: «اغْزُوا باسمِ اللّهِ، وَفِي سَبيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تَغُلّوا، وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» (رواه ابن ماجة في سننه؛ كتاب الجهاد، باب: "وصية الإمام"، ص: [485]، رقم: [2858]. وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب: "في دعاء المشركين"، ص: [459]، رقم: [2613]. وهو صحيح من حديث بُرَيْدة).

    ب- مَنْعُ التَّعَدِّي على المدنيين الذين لا يشتركون في الحرب، من شيوخ ونساء وعَجَزَة، وعُبَّاد منقطعين للعبادة، وعلماء منقطعين للعلم، إلا إذا قاتلوا، أو كان لهم في تدبير الحرب رأي ومكيدة، ويُسمِّيهم ابن تيمية أهل الممانعة؛ لأن القتال لمَنْ يُقاتِلُ المسلمين (رواه ابن حزم في المُحَلَّي؛ ج7، ص: [296]. تحقيق الشيخ عبد الرحمن الجزيري. ط 1، 1349هـ. المطبعة المنيرية – القاهرة. وأيضًا: ابن تيمية السياسة الشرعية؛ ص: [87]).

    جـ - إحسان معاملة الأسرى، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِي -الأسير-» (رواه البخاري في الجامع الصحيح؛ كتاب المرضى، باب: "وجوب عيادة المريض"، ص: [1110]، رقم: [5649]).

    وفي قصة إسلام ثُمامة بن أُثَال الحنفي، نجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد أحسن معاملته، ولم يُجبِره على الإسلام، وأطلقه بدون مقابل أو فداء، قائلاً: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» (رواه البخاري في الجامع الصحيح؛ كتاب الصلاة، باب: "الاغتسال إذا أسلم"، ص: [110]. رقم: [462]).

    وقد أراد الفقهاء أن يضعوا دستورًا للعهود التي يعقدها الحكام المسلمون مع أهل الذمة لا يتعداه المتعاهدون.
    وسأكتفي بمثالٍ نتبين منه تسامح أئمة المسلمين مع الذميين، من ذلك العهد الذي وضعه الإمام الشافعي، يقول:
    "وَأَعْقِدَ لَك وَلَهُمْ ما يُعْقَدُ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ على ما أَعْطَيْتنِي وَشَرَطْتُ لَك وَلَهُمْ وَعَلَيْك وَعَلَيْهِمْ فَأَجَبْتُك إلَى أَنْ عَقَدْت لَك وَلَهُمْ عَلَيَّ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الْأَمَانُ ما اسْتَقَمْتَ وَاسْتَقَامُوا بِجَمِيعِ ما أَخَذْنَا عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْكُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ لَا حُكْمُ خِلَافِهِ بِحَالٍ يُلْزِمُكُمُوهُ وَلَا يَكُونُ لَكُمْ أَنْ تَمْتَنِعُوا منه في شَيْءٍ رَأَيْنَاهُ نُلْزِمُكُمْ بِهِ... وَلَكُمْ أَنْ نَمْنَعَكُمْ وما يَحِلُّ مِلْكُهُ عِنْدَنَا لَكُمْ مِمَّنْ أَرَادَكُمْ من مُسْلِمٍ أو غَيْرِهِ بِظُلْمٍ بِمَا نَمْنَعُ بِهِ أَنْفُسَنَا وَأَمْوَالَنَا وَنَحْكُمُ لَكُمْ فيه على من جَرَى حُكْمُنَا عليه بِمَا نَحْكُمُ بِهِ فِي أَمْوَالِنَا وما يَلْزَمُ الْمَحْكُومَ فِي أَنْفُسِكُمْ. فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَ لَكُمْ شيئًا مَلَكْتُمُوهُ مُحَرَّمًا من دَمٍ وَلَا مَيْتَةٍ وَلَا خَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ، كما نَمْنَعُ ما يَحِلُّ مِلْكُهُ وَلَا نَعْرِضُ لَكُمْ فيه إلَّا أَنَّا لَا نَدَعَكُمْ تُظْهِرُونَهُ في أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، فما نَالَهُ منه مُسْلِمٌ أو غَيْرُهُ لم نُغَرِّمْهُ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَلَا ثَمَنَ لِمُحَرَّمٍ، وَنَزْجُرُهُ عن الْعَرْضِ لَكُمْ فيه فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ بِغَيْرِ غَرَامَةٍ فِى شَيْءٍ منه. وَعَلَيْكُمْ الْوَفَاءُ بِجَمِيعِ ما أَخَذْنَا عَلَيْكُمْ وَأَلَا تَغشوا مُسْلِمًا وَلَا تُظَاهِرُوا عَدُوَّهُمْ عليهم بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَأَعْظَمُ ما أَخَذَ اللَّهُ على أَحَدٍ من خَلْقِهِ من الْوَفَاءِ بِالْمِيثَاقِ، وَلَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّةُ فُلَانٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْوَفَاءِ لَكُمْ. وَعَلَى من بَلَغَ من أَبْنَائِكُمْ ما عَلَيْكُمْ بِمَا أَعْطَيْنَاكُمْ ما وَفَّيْتُمْ بِجَمِيعِ ما شَرَطْنَا عَلَيْكُمْ فَإِنْ غَيَّرْتُمْ أو بَدَّلْتُمْ فَذِمَّةُ اللَّهِ، ثُمَّ ذِمَّةُ فُلَانٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ بَرِيئَةٌ مِنْكُمْ، وَمَنْ غَابَ عن كِتَابِنَا مِمَّنْ أَعْطَيْنَاهُ ما فيه فَرَضِيَهُ إذَا بَلَغَهُ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ لَازِمَةٌ لَهُ وَلَنَا فيه وَمَنْ لم يَرْضَ نَبَذْنَا إلَيْهِ" (أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ): كتاب الأم؛ ج4، ص: [197-198]، ط2، 1393 هـ. دار المعرفة – بيروت).
    والوثائق التاريخية كثيرة في وصية الخلفاء لقادة الجيوش، وفي المعاهدات التي أُبرِمَت في التاريخ الإسلامي، وعند الفتوحات لبلاد غير المسلمين، ويأتي في مقدمتها الوثيقة العمرية مع أهل بيت المقدس لإعطائهم الأمان على حياتهم وكنائسهم، وعدم إلحاق الضرر بهم، أو إكراههم على تغيير دينهم. وقد جاء في الوثيقة العمرية: "هَذَا مَا أَعْطَى عُمرُ بن الخطَابِ أهلَ إيلياء من الأمانِ: أعطاهم أمَانًا لأنفسهم وكنائسهم وصلبانهم، لا ُتسكنُ كنائِسُهم، ولا تُهدَمُ... لا يُكْرَهون على دينهم، ولا يُضارّ أَحَدٌ منهم" (د. محمد الزحيلي: الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية "أبعادها وضوابطها"؛ ص: [17]).
    ومن أقوى أدلة سماحة الإسلام مع خصومه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لمَّا دخل المدينة سَالَمَ الطوائف المختلفة في المدينة، ولم يُحارِب إلا مَنْ غَدَرَ ولم يَفِ بعهده. ووضع وثيقة يمكن تسميتها -بلغةِ العصر- دستور المدينة، وكان من بنود هذه الوثيقة: «إنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلمومين، ولا متناصر عليهم» والمتأمِّل لهذه الوثيقة -التي لا ترقى بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة- يجدها تناولت حقوقًا لليهود تجاوزت عشرة، مما يدل على سماحة الإسلام (د. أكرم ضياء العُمري؛ المجتمع المدني في عهد النبوة، ص: [120-121]).
    ومن خلال المُنْطلقات السابقة يتبين لنا أن رسالة الإسلام جاءت للإنقاذ من الظلم وللابتعاد عن القسوة، وفي ذات الوقت لتحقيق العدل والرحمة ونشر الطمأنينة والسعادة. وقد فَطِن لسخف ادِّعاء انتشار الإسلام بالسيف كاتب غربي هو توماس كارليل (الملقب بنبي الكتاب)، حيث نفى انتشار الإسلام بالسيف، مُبينًا أنّه لا يجوز في الفَهْم مثل هذا التصور، وأن هذا القول بلغ الغاية في الغثاثة (العقاد؛ ما يُقال عن الإسلام، ص: [168]، د. ت. مكتبة دار العروبة – القاهرة).
    وليس أدلّ على سَخَافَةِ قول انتشار الإسلام بالسيف ممّا رواه ابن عبد الحكم، قائلاً: "وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يُقال له أبو ميامين -وكان هاربًا في الصحراء بسبب الاضطهاد المذهبي الذي تعرَّض له الأقباط على يد الرومان النصارى-، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى مصر؛ كتب إلى القبط يُعلِمَهم أنه لا تكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو. فيقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما -وهي مدينة بلوزيوم القديمة Pleusuim بالقرب من مدينة بورسعيد حاليًا- كانوا يومئذٍ لعمرو أعوانًا" (أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم (ت 257 هـ)؛ فتوح مصر وأخبارها؛ ص: [67]، ط 1920م. تحقيق: أ. محمد الحجيري، ط 1. 1416هـ/1996م. دار الفكر – بيروت).
    وقد شَهِدَ البطريق عيشويابه بأنَّ "العرب الذين مكّنهم الربّ من السيطرة على العالم يُعامِلوننا كما تعرفون. إنهم ليسوا أعداء للنصرانية، بل يمتدحون مِلتنا، ويُوقِّرون قديسنا وقسيسنا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وديننا" (د. أحمد الحوفي؛ سماحة الإسلام، ص: [210]. ط 1422هـ/2001م. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – القاهرة).
    والمستشرقون الذين يزعمون أن الإسلام انتشر بحدِّ السيف وحزّ الرأس أقول لهم:
    إن قولكم بأن النصرانية تدعو إلى السلام، وتُنْكِر القتال على الإطلاق، يحتاج إلى مراجعة؛ لأنه ورد منسوبًا إلى المسيح: "لا تظنّوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا، بل سيفًا. فإني جئتُ لأُفرّق الإنسان ضدّ أبيهِ، والابنة ضد أمِّها، والكنَّة ضدَّ حماتها" (متَّى 10: 34-35).
    ومما يجدر ذكره هو أنّ القاضي عبد الجبار المعتزلي استخدم ما يُسمّى في علم النفس الحديث بالإسقاط[1] Projection -وهو أسلوب من أساليب الدفاع عن النفس، وتبرير تصرّفاتها- في ردّه على دعوى النّصارى أنّ الإسلام انتشر بالسيف، فقد أثبت القاضي أنّ هذه الدعوى باطلة مردودة، وأنّ ملوك النصارى هم الذين حملوا السيف، وأدخلوا النّاس في النّصرانية بالقهر والغَلَبَة، لكنهم أسقطوا ذلك على الإسلام، وبعد أن أَمَاطَ هذه الشبهة عن الإسلام، وبيّن صِدق التصاقها بالنصرانية نجده يقول: "... وما ها هنا سيف حُمِلَ بباطل إلا سيف النصرانية من أوّل أمرها إلى هذه الغاية" (انظر: تثبيت دلائل النبوة؛ ج1، ص: [185-186]).
    ومما يؤكد كلام القاضي، و يدل على العنف في النصرانية؛ ما ذكره لنا المطران "برتولومي دي لاس كازاس" من اجتياح النصارى الإسبان للقارة الأمريكية، وإبادة عشرات الملايين من البشر، بوحشيةٍ لا مثيل لها؛ جعلت المطران يشكُّ في آدمية هؤلاء الإسبان (انظر له: المسيحية والسيف؛ ص: [21-30]، ترجمة: أ. سميرة عزمي الزين. د. ت. منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية).
    ومن أفظع قصص الوحشية في تاريخ النصرانية ما فعلته محكمة التفتيش في إسبانيا من إحراق أكثر من 31000 نسمة. وكذلك المذابح التي أقامها الكاثوليك ضد البروتستانت في باريس سنة 1572م (انظر: بين الإسلام والنصرانية لمجموعة من العلماء والمفكرين؛ ص: [359]. ط2. 1413هـ/1992م. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض).
    والمُلاحظ أن الأنبياء السابقين -أيضًا- قتلوا الكفار وسبَوا نسائهم وذراريهم. ولا تختص هذه الأمور بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم. كما لا يخفى على من طالع كتب العهدين. انظر: (الخروج 23: 23، 24. 34: 12، 13؛ العدد: 33: 51-56. ورسالة يوحنَّا الأولى 3: 15... إلخ).
    وخلاصة الردّ أن السيف فُرِض عليه، ولو قَدَرَ النبي صلى الله عليه وسلم على استصلاح عباد الله من غير حاجة إلى سفك دماء بعضهم لكان ذلك هو الآثر عنده؛ إذ "متى تتبّعنا حال محمد صلى الله عليه وسلم في حروبه ووقائعه وجدناه جاعلاً لقُصَارى غرضه من الثبات القويِّ في مصَافِّ القتال كلمة يبذلها خَصْمهُ قريبةً من الإقرار بوحدانية من له الخلق والأمر، والتصديق بما أرسل إليه من عنده جلَ جلاله حتى إذا وجدها منه أغمد عنه سيفه، وأوجب على نفسه حمايته ..." (العامري؛ الإعلام بمناقب الإسلام، ص: [156]).
    كما يلفتنا العامري إلى أمر بالغ الأهمية، وهو أنّهُ ليس لأحدٍ أن يَقْدح في الإسلام ورسوله؛ لأنّ أعداءه قد ينالون منه أحيانًا، وذلك لأنّ الأنبياء عليهم السلام قد يُنْكَبُون -أحيانًا- في محارباتهم مع أعدائهم، لكن العبرة بخواتيم الأمور "وكل مَنْ سَعِدَ بصلاح العواقب فقد اغْتُفِرَ له سَوَالفُ المكاره". وقد كفل الله تعالى لأنبيائه عليهم السلام الغلبة والنَّصر على أعدائهم، مِصداقًا لقوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} [الصافات:171-172] (أبو الحسن العامري؛ الإعلام بمناقب الإسلام؛ ص: [191-192]).
    وكلام العامري هذا يُذكِّرنا بالحوار الذي دار بين أبي سفيان وهرقل عظيم الروم حين سأله: "فكيف كان قتالكم إيَّاه؟". فقال أبو سفيان: "الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ: يَنَالُ مِنَّا، وننال منه" (البخاري؛ الجامع الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب: كيف بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه السلام؟ ص: [23]، رقم: [7]).
    آمل أن أكون قد استطعت من خلال هذا العرض الموجز أن أكون قد ذَبَبْتُ عن الإسلام هذه الإسقاطة التي رمى بها الأعداء في ساحة الإسلام النقية على طريقة "رمتني بدائها وانسلَّت".
    هذا، والحمد لله ربِّ العالمين.
    ----------------------------------------------------------------------
    المراجع:

    [1]- (انظر: المعجم الفلسفى؛ حرف الألف، ص: [13]. مصطلح "إسقاط"، رقم: [79]).
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 02:09 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft