يدَّعي بعض أعداء الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام بشنِّ العديد من الحروب لإجبار غير المسلمين على الدخول في الإسلام، وأن الذين اعتنقوا الإسلام دخلوا فيه بالإكراه والقهر لا عن اقتناع وتسليم[1].

وزعَموا أن السيرة النبوية شاهدة على انتشار الإسلام بحد السيف، وأن الغزوات التي غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لها هدف إلا إجبار الناس على الدخول في الإسلام عنوةً، مُحاوِلين تصوير النبي الكريم صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا بأنه شخص دموي محبٌّ للقتل والاعتداء على الناس.

وهذا افتراء بعيد عن الحق والصواب؛ فالنبي الكريم هو نبي الرحمة والرأفة؛ كما قال الله عز وجل : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وقال: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد جاء بشريعة تُحرِّم القتل، وتَعتبرُه ذنبًا من أكبر الذنوب؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 68 - 70]، وقال سبحانه: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32].

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اجتنِبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكْل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذْف المُحصنات المؤمنات الغافلات))[2].

أما عن انتشار الإسلام بالقوة وحدِّ السيف، فهذا افتراء مردود عليه من وجوه، تتلخَّص فيما يلي:

أولاً: لقد مكَث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو بالحُجَّة والموعظة الحسَنة بلا قتال أو إراقة نقطة دم، وكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه مستضعفين يتعرَّضون للتعذيب والتنكيل ليرجعوا عن دينهم، فما صرفهم هذا عن الإسلام، وما زادهم إلا إصرارًا على اتباع الحق، فإن كان هناك إكراهٌ، ففي الصدِّ عن الإسلام لا في اتِّباعه.

ثانيًا:
دخل الإسلام إلى أهل يثرب - المدينة النبوية - بلا أي قتال، فقد اقتنَع سادتهم بالإسلام حين عرَضه عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فبايَعوا بيعتَي العقبة الأولى والثانية، ثم أرسل إليهم مصعب بن عمير فاجتهد في دعوة أهل المدينة حتى دخل معظمهم في دين الإسلام، فأين شبهة الإجبار في إسلام أهل المدينة؟

إذًا صار من المسلَّمات التي لا يُداخِلها شك أن المهاجرين والأنصار - الذين هم ركيزة الدولة الإسلامية الأولى - قد دخلوا في دين الله عن اقتناع وتسليم، وتحمَّلوا في سبيله الابتلاءات والاضطهادات، مما يَنفي أي شبهة إكراه وإجبار في حقِّهم.

ثالثًا: إن الحروب والغزوات الإسلامية في العصر النبوي غالبها لم يكن بمُبادَرة من المسلمين؛ فقد غُزي المسلمون مثلاً في بدر وأُحُد والأحزاب، وأما غزوات اليهود وفتح مكة ومؤتة وتبوك وغيرها، فكانت تأديبًا لمن خانوا العقود وخالفوا العهود والمواثيق، وبدؤوا بالاعتداء أو قَتلوا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا:
كان المسلمون يَدخُلون في الغالب في معاركَ غير متكافئة من حيث العدد والعدة؛ حيث كان خصمهم يتفوَّق عليهم تفوقًا ساحقًا.

ففي غزوة مؤتة على سبيل المثال، نجد أن عدد جنود المسلمين حوالي ثلاثة آلاف رجل، في حين كان عدد جيش الكفار مائتي ألف مقاتل، ناهيك عن التفوق في العدَّة والآلة الحربية، فهل يظن بهذه القِلة المستضعفة أن تغرَّها قوتها وتشرَع في فرض ما معها من الحق على هذه الجموع الغفيرة؟ وهل سعى ثلاثة آلاف مسلم في فرض الإسلام على مائتي ألف شخص؟!

خامسًا:
إن العقائد لا تستقرُّ في النفوس تحت وطأة السيف والقهر على الإطلاق؛ وإنما تستقر بالإقناع وبالحجة الواضحة، ولو كانت الشعوب قد دخلت في الإسلام مُجبَرةً، فسرعان ما كانت تمرَّدت عليه ولفظته، ولكن الحقيقة التي يشهد لها التاريخ والواقع أن الشعوب الإسلامية هي أكثر الشعوب تمسُّكًا بدينها رغم ما تعانيه من اضطهادات وحروب في كثير من أنحاء العالم حتى في عصرنا هذا.

سادسًا:
من المعلوم أن هناك كثافة إسلامية في جنوب شرق آسيا، في بلاد لم تطأْها قدم مجاهد مسلم فاتح كالفلبين وإندونيسيا، فهناك عشرات بل مئات الملايين أسلموا، فمن الذي أجبر هؤلاء على اعتناق الإسلام؟ وجدير بالذكر أن هؤلاء يُشكِّلون غالبية المسلمين في عصرنا.

كما أن هناك كثيرًا من المسلمين في دول أوربا والأمريكيتَين، وهي بلاد لم يدخلْها الفاتحون المسلمون، وهناك أقليات مسلمة في كل الدول غير الإسلامية، وهم متمسكون بالإسلام والحمد لله.

وفي كل يوم تدخُل جموع غفيرة إلى الإسلام في بلاد غير إسلامية؛ حتى ثبَت بالإحصاءات الرسمية غيرِ الإسلامية أن الإسلام الآن هو أسرع الأديان انتشارًا في العالم كله، بلا حروب أو أي شبهة في استخدام القوة.

سابعًا:
مما يؤكِّد بطلانَ هذه الفِرية أن التاريخ يثبت أن بعض القوات والجيوش التي حاربَت المسلمين وانتصرَت عليهم - كالتتار مثلاً - قد أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجًا، في سابقةٍ لعلها لم يَعرِف لها التاريخ مثيلاً، فأنَّى للمُنتصِر أن يدخل في دين المهزوم، وأي شبهة إكراه ها هنا؟

ثامنًا:
من نصوص الشرع ما يشهد على عدم الإكراه والإجبار في الدين؛ كقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]، وقوله تعالى: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 99].

قال السعدي في تفسيره لآية البقرة: "هذا بيان لكَمال هذا الدين الإسلامي، وأنه لكمال براهينِه، واتِّضاح آياته، وكونه هو دين العقل والعلم، ودين الفطرة والحكمة، ودين الصلاح والإصلاح، ودين الحق والرشد؛ فلكماله وقبول الفِطَر له لا يحتاج إلى الإكراه عليه؛ لأن الإكراه إنما يقع على ما تَنفِر عنه القلوب ويتنافى مع الحقيقة والحق، أو لما تخفى براهينه وآياته، وإلا فمَن جاءه هذا الدِّين وردَّه ولم يقبله، فإنه لعناده؛ فإنه قد تبيَّن الرشد من الغي، فلم يبقَ لأحد عذر ولا حجة إذا رده ولم يقبله"[3].

وقد يقول قائل: ولماذا شرع الجهاد في الإسلام؟ أليس لإجبار الناس على اعتناق الإسلام؟

والجواب على ذلك: أن الجهاد لم يُشرَع في الأساس لإجبار الناس على دخول الإسلام قهرًا؛ وإنما الغاية العُظمى من الجهاد هي تطهير الأرض من أجواء الفتن؛ حتى يتمَّ تعبيد الناس لله رب العالمين وحده، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وإقامة توحيد الله في أرض الله، بين عباد الله، وإرجاع البشر إلى أصل فِطرتهم، وهي الإسلام لله تعالى الذي يُخلِّص البشر من كل عبودية مُذلة لغَيره.

لذلك قال الصحابي الجليل ربعي بن عامر لرستُم ملك الفرس يوضِّح سبب جهاد المسلمين: "إن الله ابتعثَنا لنُخرِج مَن شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومِن ضِيق الدنيا إلى سَعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلَنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمَن قَبِلَ ذلك قَبِلْنا منه ورجعنا عنه، ومَن أبى قاتلناه أبدًا حتى نُفضِيَ إلى موعود الله"[4].

وهذا ما جاء به الحق في القرآن، حيث قال: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 193].

قال ابن كثير: "أمَرَ الله تعالى بقتال الكفار؛ حتى لا تكون فتنة؛ أي: شرك، قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾؛ أي: يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان"[5].

وقال الطبري: "فقاتلوهم حتى لا يكون شِركٌ، ولا يُعبَد إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض، وهو الفتنة، ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39]، يقول: وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره"[6].

ولتوضيح ذلك نقول:

إنك إذا أردت أن تعالج شعبًا من إدمان الخمر، فلا بد أن تغلق الخمَّارات، وإذا أردت لإنسان أن يتوب من الزنا، فلا تجعله يعيش بين بيوت الدعارة، وعندما تريد أن تجعل الناس أصحَّاءَ، فيجب أن توفر لهم أجواء صحية نظيفة، والجهاد هو وسيلة تطهير الأرض من أدواء الشرك، وتخليصها من أمراض الكفر، وهذا معنى: ﴿ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾.

فالجهاد في الإسلام ليس لإكراه الناس على الإسلام؛ وإنما لإفساح الطريق لهم لأن يعبدوا الله ويتركوا الشِّرك؛ من خلال توفير أجواء إيمانية لهم تساعدهم على التفريق بين الحق والباطل، وتُوضِّح لهم الرشد من الغيِّ؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256].

وينبغي التنبُّه إلى أن الجهاد في الإسلام مرتبط بجملة من القواعد الأخلاقية والمَبادئ الأدبية، لا يَملِك أي مُنصِف إلا أن يعبِّر عن شدة احترامه وإجلاله لهذه الشعيرة، والجزمِ بأنه لا يمكن لكل ذاك المكنون الأخلاقي إلا أن ينبثق من نور الوحي الإلهي[7].

ومن هذه القواعد الأخلاقية العظيمة قاعدة: "عدم قتال من لم يُقاتِل"، وهي تابعة في الأساس لقاعدة عظمى، وهي قاعدة: "تحريم الاعتداء على الآخرين بغير حق"، أو التعدي على الأبرياء بغير ذنب اقترفوه.

من أجل ذلك؛ قررت الشريعة الإسلامية أن قتال الذين لا يَشترِكون في القتال ولا يَقدِرون عليه نوعٌ من الاعتداء، الذي نهى الإسلام عنه وذمه وحرَّمه وعدَّه من الجرائم الحربية.

ومن الأدلة على ذلك:

• قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190].

قال الشيخ ابن تيمية: "وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا، قوتل باتفاق المسلمين.

وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزَّمِن ونحوهم، فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يُقاتِل بقوله أو فعله.."[8].

ومن الأدلة أيضًا ما جاء في الصحيحين عن نافع أن عبدالله رضي الله عنه أخبره أن امرأة وُجِدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصِّبيان[9].

وفي لفظ: "فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصِّبيان"[10].

وكذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرَج في غزوة غزاها وعلى مقدمة الجيش خالد بن الوليد، فمرَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدِّمة، فوقفوا يَنظُرون إليها متعجِّبين، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما كانت هذه لتُقاتِل))، فقال لأحدهم: ((الحق خالدًا فقل له: لا تقتلوا ذرية، ولا عسيفًا))[11].

ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اغزُوا باسم الله وفي سبيل الله، وقاتِلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغدِروا، ولا تَغُلُّوا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا))[12]، وفي رواية أخرى: ((ولا تقتلوا وليدًا طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخًا كبيرًا...))[13].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: ((لا تقتلوا الولدان))، وفي رواية: ((لا تقتلوا شيخًا كبيرًا))، وفي رواية: ((لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً))[14].

وعن يزيد بن هُرْمُز، أن نجدَة كتب إلى ابن عباس يسأله عن قتل أطفال المشركين، فكتب إليه ابن عباس: إنك كتبت إليَّ تسأل عن قتل أطفال المشركين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم، وأنت فلا تقتلهم...[15].

وعلى نفس هذا النسق الأخلاقي الراقي، واصَلَ خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المسيرة السامية.

فهذا أبو بكر الصديق يوصي أمراء الجند قائلاً: "لا تقتلوا امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعوا شجرًا مُثمِرًا، ولا تخرِّبنَّ عامرًا ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تُغرِقنَّ نخلاً ولا تحرقنَّه، ولا تغلل، ولا تجبن"[16].

وهذا عمر بن الخطاب يكتب إلى الأجناد: "لا تقتلوا امرأة ولا صبيًّا".

ففي الإسلام لا يُقتَل أحد بذنب غيره، ولا يؤخذ ابنٌ بجريرة أبيه، ولا امرأة بجريرة زوجِها، ولا تَزِر وازرة وزر أخرى، وهذه أسمى معاني العدالة والرحمة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يُؤخَذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه))[17]، والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة.

أما من الناحية العملية التطبيقية، فإننا نجد بتصفُّح السيرة النبوية ودراستها أنه على الرغم من كثرة عدد الحروب والغزوات التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم ثم التي خاضها أصحابه رضوان الله تعالى عنهم فإنه لم يُعرَف عنهم أنهم قصدوا قتل ذراري وأطفال المشركين، أو قتل نسائهم أو شيوخِهم، أو تعمَّدوا الإفساد والتخريب بغير مصلحة، رغم ما تعرَّض له المسلمون من اعتداءات سافرة.

وهذا ينسجم تمامًا مع الهدف السامي للحرب في الإسلام؛ فإنه وسيلة لإصلاح الناس وإرشادهم، وإزالة العوائق التي تحول دون اطِّلاعهم على الدين الصحيح؛ ولذلك فلا يجوز في دين الإسلام أن يقاتل المسلمون رغبةً في التدمير، أو إذلالاً للناس، أو تعذيبًا لهم كما كانت تفعل جيوش الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، الذين كانوا يذلُّون الشعوب ويُدمِّرون كل شيء لأعدائهم؛ مدنهم ومزارعهم وحيواناتهم، منفِّذين في ذلك تعاليم كتابهم الذي جاء يأمرهم بالقتل والدمار.

فقد جاء في كتاب اليهود والنصارى المقدَّس عندهم جملة من النصوص التي تحثُّ على قتل الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء، ومن ذلك:
"يا بنت بابل المخربة، طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا، طوبى لمن يُمسِك أطفالك ويضرب بهم الصخرة"[18].

ولا يتوقَّف الأمر على مجرد قتل الأطفال فقط، بل قد تعدى ذلك لما هو أبشع بكثير، مما قد لا تتحمل الطاقة الإنسانية مجرد تصوُّرِه، إنه الأمر بقتل الأجنة داخل بطون أمهاتهم بشق تلك البطون، كما يوضِّح النص التالي: "تجازى السامرة؛ لأنها قد تمردت على إلهها، بالسيف يسقطون، تحطم أطفالهم والحوامل تشقُّ"[19].

ثم إن الأمر غير متوقِّف عند قتل الأطفال فقط، بل هو شامل لجميع الأبرياء من نساء وشيوخ، كما جاء في سفر حزقيال: "لا تشفق أعينكم ولا تعفوا، الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك"[20].

ثم يتعدّى الأمر بالقتل والإهلاك البشرَ ليطول هذا الإجرام حتى العجماوات التي لا تَعرِف بأي ذنب قتلت، كما في النص التالي: "فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم؛ بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعًا، بقرًا وغنمًا، جملاً وحمارًا"[21].

فأين دعاة التحضُّر والمتشدِّقون بالمبادئ والقيم الإنسانية من هذه النصوص الدموية وهم يلمزون شريعة الإسلام ونبي الرحمة صلى الله عليه وسلم؟

إن الذين اخترَعوا أسلحة الدمار الشامل، وقذفوا الشعوب بالقنابل الذرية التي أتت على الأخضر واليابس، وسببت من الدمار والإفساد ما امتد أثره لعشرات السنين، وهؤلاء الذين قتلوا أطفال البوسنة وكوسوفا وبقَروا بطون أمهاتهم، وارتكبوا جرائم بشعة تقشعر الأبدان من تصورها، ويبقى عارها على جبين تلك الحضارة المزعومة، وأولئك الذين ألقوا أطنان المتفجِّرات والمواد الفتاكة على أطفال فلسطين الأبرياء؛ فحرقت أجسادهم، وقطَّعت أوصالهم، وبترت أطرافهم، فتركتهم بين الموت والعجز، أقوال: إن أولئك القتلة جميعًا هم إفراز طبيعي لتلك التعاليم الإرهابية.

ومن العجب أن تراهم في تبجُّح يقذفون المسلمين بتُهَم الإرهاب وسفك الدماء، ويتطاول بعضهم في جهل وغفلة، أو صلف وحقد - لا ينزه عن الأغراض الوضعية - لينسب ذلك إلى الدين الإسلامي نفسه أو نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم!

ومما لا ريب فيه أن نصوص هذا الدين العظيم ومُقرَّراته وتاريخه وسيرته شاهدة على سموه الأخلاقي سلمًا وحربًا، سموًّا لا يكون إلا ربانيًّا في مورده ومصدره.
-------------------------------------------------------------------------------
المصادر :
[1] انظر في الرد على الافتراءات المتعلقة بالجهاد في الإسلام كتاب "الردود المسكتة، على الافتراءات المتهافتة" للمؤلف (ص: 171 - 210).
[2] البخاري: 2560، ومسلم: 129.
[3] تفسير السعدي (ص: 92).
[4] البداية والنهاية (5: 107، 108).
[5] تفسير ابن كثير (1: 341).
[6] جامع البيان؛ للطبري (6: 327).
[7] انظر: كتاب "أخلاق الحروب الإسلامية، في سيرة خير البرية"؛ للمؤلف.
[8] السياسة الشرعية؛ لابن تيمية، (ص: 105)، مكتبة المعارف.
[9] البخاري: 3014، ومسلم: 1744.
[10] البخاري: 2792، ومسلم: 3280.
[11] أحمد: 17158، وأبو داود: 2669، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة (2: 314).
[12] أخرجه مسلم: 1731، وأبو داود: 2613.
[13] أخرجه البيهقي في الكُبرى: 17934.
[14] شرح معاني الآثار للطحاوي (3: 221).
[15] أخرجه مسلم: 1812.
[16] قال ابن كثير في كتابه إرشاد الفقيه (2: 320): روي هذا عن أبي بكرٍ من وجوه كثيرة.
[17] أخرجه النسائي: 4127.
[18] سفر المزامير (137: 8 - 9).
[19] سفر هوشع (13: 16).
[20] سفر حزقيال (9: 6).
[21] سفر صموئيل الأول (3 : 15).