المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حدائق الفصول وجواهر الأصول



فيصل عساف
12-12-2016, 04:34 PM
حدائق الفصول وجواهر الأصول المعروفة بالعقيدة الصلاحية
للإمام تاج الدين محمد بن مكي الحموي

أَفْتَتِحُ المَقَالَ بِسْمِ اللهِ … وَأَكِلُ الأَمْرَ إِلَى الإِلَهِ
وأحمدُ اللهَ الذي قَدْ أَلهَما … بفضلهِ دينًا حَنيفًا قَيّما
حَمْدًا يكونُ مُبلغِي رِضوانَهْ … فَهْوَ إلهي خَالقي سُبحانَهْ
ثُمَّ أصلّي بعدَ حَمْدِ الصَّمَدِ … على النبيِّ المصطفى محمَّدِ
وأسألُ اللهَ إلهَ الخَلْقِ … هدايةً إلى سَبيلِ الحقّ
فهذِهِ قواعِدُ العقائِدِ … ذكرْتُ منها مُعظَمَ المقاصِدِ
نظمْتُها شِعرًا يخِفُّ حِفظُهُ … وفَهمُهُ ولا يشِذُّ لفظُهُ
حَكيتُ فيها أعدلَ المذاهبِ … لأنَّه أنهَى مُرادَ الطالبِ
جَمعتُها للملكِ الأمينِ … النَّاصرِ الغازي صَلاحِ الدّينِ
عزيزِ مصرَ قيصرِ الشَّامِ ومَنْ … ملَّكَهُ اللهُ الحِجازَ واليمنْ
ذي العَدلِ والجُودِ معًا والباسِ … يوسفَ مُحيي دولةَ العباسِ
ابنِ الأَجَلِّ السيدِ الكبيرِ … أيوبَ نَجمِ الدينِ ذي التَّدبيرِ
لا زالتِ الأيامُ طَوْعَ أمرهِ … والسَّعْدُ يَسعى مَعَ جيوشِ نَصْرِهِ
حتى ينالَ منتهى آمالِهِ … مؤيَّدًا مُمَتَّعًا بآلهِ
لما استفاضَ في الأنامِ مَيلُهُ … إلى اعتقادِ الحقّ وهْوَ أهلُهُ

حَكيتُ فيهِ أعدَلَ المذاهبِ … إذْ كانَ أنهَى مُنتهَى المطالبِ
مَخَّضتُ كُتْبَ الناسِ واستخرجْتُها … لا فَضلَ إلا أنني ابتكرتُها
لقَّبتُها حدائقَ الفصولِ … ثمارُها جواهِرُ الأصولِ
وها أنا أبدأُ بالحَدّ كمَا … بدا بِهِ في القَولِ مَنْ تقدَّمَا
لأنَّ مَن لم يعرِفِ الحُدودا … أضاعَ مما يَطْلُبُ المقصُودا
فإنْ رأيْتَ حُمرةً في خَطّي … مُثبتَةً فهْيَ للفظِ شَرْطِ
أو لفْظِ حدّ فانْفِ مَا عداهُ … وحَرّرِ اللفظَ بحدِّ أداهُ
أو نُكتةٍ تصلُحُ أن تُميَّزا … وأنَّ ما فعلتُه تَحرُّزا
أو رسمِ فَصلٍ فاعرِف الإشارةْ … إذا أتَتْ كَيْ تُحْسِنَ العِبارةْ
فإنَّما أوردتُهُ اضطِرارَا … وقدْ ذَكرتُ ذلكَ استظهارَا
فصل
قالَ شُيوخُ هذه الطريقةْ … لا فرْقَ بينَ الحَدّ والحَقيقةْ
وذكروا معناهُما مِنْ بَعْدُ … مُستوعبًا في كُلِّ مَا يُحَدُّ
وهَا أنا أنقلُهُ وأوجِزُهْ … خَصيصَةُ الشيءِ التي تُميّزُهْ
وهكذا إنْ قيلَ ما الشيءُ وَما … مَائيَّةُ الشيءِ ومَا معناهُما
والشيءُ مِمَّا يستطيعُ حَدَّهُ … علا على الأشياءِ رَبي وحدَهُ
فكلُّها أسئلةٌ معدَّدَةْ … لفظًا وفي مَقصودِهَا مُتَّحِدَةْ

فصل
واعلمْ بأنَّ الحَدَّ وصْفٌ راجعُ … حقًّا إلى المحدودِ وهْوُ قَاطِعُ
دونَ كلامِ الحَدِّ فَاعْرِفْ لَفظي … وواظِبِ التَّكرارَ بعدَ الحِفْظِ
وانفردَ القاضي لِسانُ الأمَّةْ … بمذهبٍ عن مُعظمِ الأئمّةْ
فقالَ إنَّ الحَدَّ وصْفٌ راجعُ … إلى كَلامِ الحَدّ وهْوَ شَاسِعُ
فصل
وأبلَغُ الألفاظِ في التحديدِ … ما قالَ أهلُ العلمِ بالتَّوحيدِ
وذاكَ مُختارُ الإمامِ الأَوْحَدِ … أبي المعالي بنِ أبي مُحمَّدِ
الحَدُّ لفظٌ يَجمعُ المحدُودا … ويَمنعُ النُّقصانَ والمزيدا
وقَال مَنْ قدْ أحكَمَ الأصُولا … أرى الذي ذكرتَهُ مَدخولا
وأوضَحَ الدَّخْلَ وأبدى قولَهُ … اللفظُ لا جَمْعَ ولا مَنعَ لهُ
واعلمْ بِأَنَّ الدخْلَ غيرُ مَاضي … إلاَّ على ما يرتضيهِ القاضي
وقيل فيما قَدْ حكاهُ الأوَّلُ … الجَامعُ المانعُ وهْوَ مُجْمَلُ
وقد سمعتُ فيهِ لفظًا رائقا … مُطَّرِدًا منعكسًا مُوافقا
حرَّرَهُ فُحُولُ أهلِ المنطقِ … وسلكوا فيهِ أسَدَّ الطُّرُقِ
وهْوَ كما أذكرُ فافْهمْهُ كما … فهِمتُهُ تجدْهُ حَدًّا مُحكمَا
قَوْلٌ وجيزٌ زِدهُ في صِفاتهِ … دلَّ على مَحدودِه من ذاتِهِ

واشترطُوا للحَدِّ شَرطينِ هُما … جِنْسٌ وَفَصْلٌ لا غناءَ عنهُما
والرَّسمُ غيرُ الحَدِّ فيما ذَكروا … قَد أطنَبوا في وَصفهِ وأكثروا
فالشيء لا يُحدُّ لكن يُرسَمُ … لعَدَمِ الفَصلِ كَذا قدْ رسمُوا

فصل
في أول ما يجبُ على المكلَّفِ
أوَّلُ واجبٍ على المكلَّفِ … البالغِ العاقلِ فَافهَمْ تَكْتَفِ
بالشَّرعِ لا بالعقلِ إذ لا حُكْمَ لهْ … خَالفَنا في ذلكَ المعتزلةْ
مَعرفةُ اللهِ وَقُدْسِ ذَاتِهِ … وَكُلِّ ما يَجوزُ منْ صفاتِهِ
وقيلَ بلْ أوَّلُ فَرضٍ لزِمَا … النَّظَرُ المفضي إلى العلمِ بما
قدَّمتُهُ وإنما ضمَّنتُهُ … ليحصلَ المقصودُ ممَّا رمتُهُ
وقيلَ بل أوَّلُ جُزءِ النَّظرِ … واختارَهُ القاضي الجليلُ الأشعري
وذكَرَ الأستاذُ قولاً رابعا … أعني أبا بكرِ الإمامَ البَارِعا
فقالَ قصدُ النَّظرِ المفضي إلى … معرفةِ الصانِعِ بارينَا عَلا

فصل
في ماهية العقل
العقلُ لا يَقدِرُ أنْ يَحُدَّهْ … إلا إلهُ العالمينَ وحدَهْ
لأنَّه خَصيصَةٌ أودَعهَا … في الآدميِّ جَلَّ مَنْ أبدعهَا
وكُلُّ ذي رُوْحٍ لَهُ إلهامُ … تَعجزُ عَن إدراكِهِ الأفهامُ

كالنَّحلِ خُصَّ ببديعِ الهندَسَةْ … حَتَّى بَنَى بُيُوْتَهُ مُسَدَّسَةْ
وهكذا خصائصُ الأحجارِ … مِنْ حِكمةِ المهيمِنِ الجبَّارِ
وقدْ أطالَ البحثَ عنهُ السلفُ … وزادَ في الغَوصِ عليهِ الخَلَفُ
واضطربتْ عبارةُ الأوائلِ … في حَدّهِ ومَا أَتَوْا بطائلِ
وهُم أولو العُلومِ بالطَّبائِعِ … لا عِلْمَ إلا للبَديعِ الصَّانِعِ
وأكثَروا التَّحديدَ والتَخليطا … حتَّى دَعَوْهُ جوهرًا بسيطا
وبعضُهُم أقرَّهُ في الرَّاسِ … وخصَّهُ بالقلبِ بعضُ الناسِ
فأقربُ الحدودِ في المعقولِ … ما قالَهُ أئمةُ الأصولِ
وقد حكاهُ صاحبُ الإرشادِ … فيهِ وقدْ عُدَّ منَ الأفرادِ
بعضُ العلومِ ثُمَّ زَادَ وَصَفَا … وهُو الضَّروريةُ ليسَ يخفى
هذا هو المختارُ فيما ذَكروا … وهْوَ على التًَّحقيقِ حَدٌّ مُنكَرُ
فإنْ يكُن بعضُ العلومِ مطلقَا … لا يعرفونَ عينَه مُحقَّقَا
فَهم بِهِ من جُملةِ الجُهَّالِ … وما حَكَوْهُ ظاهرُ الإجمالِ
وإنْ يكُن عندَهُم مُعَيَّنَا … هَلَّا أتَى في لَفظهم مُبَيَّنَا
فإنَّ أنواعَ العُلومِ سِتَّةْ … ليس لها نوعٌ سِواها بَتَّةْ
تُدرَكُ بالرؤيةِ والسَّمْعِ وما … أذكرُهُ من بعدُ حتَّى تفهَما
الشمُّ واللمسُ معًا والذوقُ … فهذِهِ الخمْسُ إليها التَّوْقُ

وَمُدْرِكُ السادسِ من أنواعها … النَّفْسُ إذ ذلكَ من طِباعهَا
كعلمِ كُلِّ عاقلٍ بصحَّتِهْ … وسُقمِهِ وعَجزهِ وقُدرتِهْ
وَالفَرَحِ الحادثِ والآلامِ … ثمَّ العَمَى والقصدِ بالكلامِ
والقَطعِ في الأخبارِ بالتَّصديقِ … أو ضِدّهِ فيها على تحقيقِ
وأنَّ ما قَامَ بهِ السُّكونُ … إذ كانَ في التحريكِ لا يكونُ
وما أحالَ العقلُ في الأضدادِ … كالجمعِ للبياضِ والسَّوادِ
وما تواترتْ بهِ الأخبارُ … فاسمعْ فهذا قالَهُ الأحبارُ
كالعلمِ بالملوكِ والأمصارِ … وما جرى في غابرِ الأعصارِ
ومعجزاتِ الأنبيا كمُوسى … والمصطفى محمَّدٍ وعيسى
فَخَصِّصِ العقلَ بنوعٍ منها … تجدهُ عندَ السَّبْرِ ينأى عنها
واعلمْ هُدِيْتَ إنما تجوَّزوا … كي لا يُقَالَ إنَّهُم قد عجزوا
وهُم أولو القرائحِ الوَقَّادَةْ … والعلمِ والسُّؤدَدِ والسّيادَةْ

فصل
في حقيقة العلم
العِلمُ بَحرٌ حَدُّهُ لا يُعرفُ … قَد قالَه أهلُ الحِجى وأنصفوا
مع أنَّ كُلّاً غاصَ فيهِ جُهْدَهُ … وَلَمْ يَنَلْ بعدَ العناءِ قصدَهُ
وهُم ذَوو الفضائِلِ المشتهِرَةْ … العلماءُ الأذكياءُ المَهَرَةْ

وَهَا أنا أذكُرُ ما قالوهُ … وَمَا مِنَ المأثورِ أوردوُهُ
معرِفَةُ المعلومِ قَالَ الأوحَدُ … أبو المعالي إنَّهُ مُطَّرِدُ
حَكاهُ في التلخيصِ للتقريبِ … وقدْ أتى النقلُ على التَّرتيبِ
مَعَ أَنَّهُ الحَبْرُ حَكَى فِيْ كُتْبِهِ … زيادةً وهْي عَلى ما هُوْ بِهِ
واختارَ هذا أكثرُ الأصحابِ … العَارفونَ سُبُلَ الصوابِ
وهْوَ كلامٌ ظاهرُ الفسَادِ … يَعرفُهُ ذو العلمِ والسَّدادِ
لأنَّهُم قَد جعلوا المعدومَا … من غيرِ خُلْفٍ بينَهم معلومًا
ومالَهُ مائيَّةٌ فتُحصَرا … ومَن أتى بجَهدِهِ مَا قصَّرَا
وقدْ أتوا فيهِ بلفظِ المعرِفَةْ … وهيَ والعلمُ سَواءٌ في الصّفَةْ
وإنْ تَقُلْ ما يُعلَمُ المعلومُ بهِ … كنتَ أسَدَّ قائِلٍ في مذهبِهِ
وقد أطالَ الناسُ في تَحديدِهِ … قِدمًا ولم يأتوا على مقصودِهِ
وبعضُهُم ينقُصُ حَدَّ بعضِ … حتَّى تساوَتْ كلُّهَا في النَّقضِ
وكلُّ ما قالوهُ إقناعيُّ … في معرضِ التحديدِ لا قَطعيُّ
وكلُّ لفظٍ عنهُم منقولِ … يقصرُ عَن مدارِكِ العُقولِ

فصل
في حدّ الجهل
وَإِنْ أَرَدْتَ أن تَحُدَّ الجَهلا … مِنْ بَعْدِ حَدِّ العلمِ كان سهْلا
وهْو انتفاءُ العلمِ بالمقصودِ … فاحفظْ فهذا أوجَزُ الحُدودِ
وقيل في تحديدهِ ما أذكُرُ … مِنْ بعدِ هذا والحُدودُ تكثُرُ
تصَوُّرُ المعلومِ هَذا حرفُهُ … وحَرفُهُ الآخَرُ يأتي وصفُهُ
مُستوعَبًا على خِلافِ هَيئتِهْ … فَافهَمْ فَهذا اللفظُ مِن تَتِمَّتِهْ

فصل
في حقيقة الشكّ والظنّ
أَوْجَزُ لفظٍ قد أتى في حَدِّهِ … تَجويزُ أمريْنِ وزِدْ مِن بعدِه
سِيَّانِ في التَّجويزِ وَهْوَ آخِرُهْ … وقَد أجادَ لَفظَهُ مُحَرِّرُهْ
وإنْ تقُلْ مَعَ ظهورِ الواحِدِ … تقِفْ منَ الظنّ على المقاصِدِ

فصل
في حدّ السهو
للسَّهوِ حَدٌّ مَنْ نَحَا أن يَفهمَهْ … فهْوَ ذُهولُ المرءِ عمَّا عَلِمَهْ

فصل
في حدّ الدليل
وإنْ تُرِدْ مَعرفةَ الدَّليلِ … مِنْ غيرِ إطنابٍ ولاَ تطويلِ
فإنَّهُ المرشِدُ فافهَمْ لفظَهُ … وهْوَ إلى المطلوبِ أحكِمْ حِفظَهْ
وَحَدُّهُ المأثورُ في التَّلخيصِ … لم يتأتَّ لي على المنصوصِ
وهْوَ الذي آثَرَهُ الفُحولُ … وَشَهِدَتْ بقطعِه العُقولُ

فصل
في تقسيم العلم
العلمُ قسمانِ سوى القديمِ … عِلمٌ إلهي جَلَّ عن تَقسيمِ
قِسمٌ ضَروريٌّ فكلُّ عاقلِ … يعرفُهُ من عالِمٍ وجَاهلِ
ولاَ يسُوغُ الانفكاكُ عنهُ … لعاقلٍ والانفصالُ منهُ
هذا إذا ما صحَّتِ الآلاتُ … وانتفتِ الأسقامُ والآفاتُ
وقد مضتْ أنواعُهُ مستوعبَةْ … مُوجزَةً بيّنَةً مُهذَّبَةْ
والنَّظريّ قِسمُهُ الثاني فَما … أجلَّهُ فانظُر إلى أنْ تعلَمَا
فكُلُّ ما عرفتَهُ استِدلالا … فنظريٌّ فاعرِفِ الأمثالَ

فصل
في حد العالَم
فَكلُّ ما أوجدَهُ إلهُنا … عُبِّرَ بالعالَم عنهُ هَاهُنا
وَهْوَ على نوعينِ نَوعٌ عَرَضُ … والآخَرُ الجوهَرُ تمَّ الغرَضُ
ومنهُما تأتلِفُ الأجسامُ … فاحفظ فكُلُّ حَافظٍ إمامُ
وليس يَعرى جوهَرٌ عنْ عَرَضِ … هذا هُوَ المختارُ فافهَمْ غَرضي
وأنكرَتْ جماعةُ الملاحدَةْ … العرَضَ المدرَكَ بالمُشاهدَةْ
وقدْ رأوْا تحرُّكَ الجَواهرِ … بعدَ سُكونٍ شاهدوهُ ظاهِرِ
وعقلوا فَرقًا ضروريًّا فمَا … أضلَّهُم إذْ جهِلوا مَا عُلِمَا

فصل
في حقيقة الجوهر
فكُلُّ ما حُيّز فهْوَ جَوهرُ … هذا هوَ المأثورُ ممَّا ذكروا
وقيلَ ما قامَتْ بهِ الأعراضُ … ومَا على ما قلتُهُ اعتراضُ
وقالَ قومٌ كلُّ جِرمٍ جَوهرُ … وهْوَ على شُذوذِهِ مُحرَّرُ

فصل
في حقيقة العَرَضِ
وما تقَضَّى بتقضّي الزَّمَنِ … فَعَرَضٌ مثلُ اخضرارِ الدِّمَنِ
وسائرِ الطُّعومِ والألوانِ … والعَجزِ والقُدرةِ والأكوانِ
وكَالأرائِجِ وضَوءِ النَّارِ … وحرّها والليلِ والنَّهارِ
والموتِ والحياةِ والتأليفِ … والنُّطقِ والسُّكوتِ والتأفيفِ
والعلمِ والجهلِ فَسُقْ ما استبْهَمَا … في ضمنِ ما ذكرْتُ حَدّا أَمَمَا
وقالَ في تحديدِهِ ابنُ فُورَكا … ما لَمْ يقُم بنفسِه كَذا حَكى
وقالَ كلُّ بارعٍ مُستيقظِ … ما يتلاشى حينَ ينشا فاحفظِ
فصل
وجُملةُ الأعراضِ نوعانِ هُما … مُفارقٌ ولازِمٌ فاعرفهُما
أمَّا الذي يُفارقُ الجوهرا … فقدْ تراهُ يتلاشى ظاهِرا
واللازمُ الناشي من الأعراضِ … معَ التلاشي وهْوَ كالبياضِ
وسائرِ الألوانِ فاعرِفْ أصلَهُ … وألحِقَنْ بكلّ نوعٍ مِثلَهُ

فصل
في بيان حقيقة الجسم
الجسمُ ما أولفَ منْ جواهِرِ … فهذهِ عبارةُ الأكابرِ
ومنهُمُ مَنْ قَالَ جوهرينِ … فما يزيدُ فافهمِ الحَصرينِ
فصل
والعالمُ العلويُّ والسفليُّ … أنشأهُ إلهُنا العَليُّ
واعلمْ بأنَّ العُقلاءَ أطبقوا … قَطعًا على حُدوثِهِ واتفقوا
من سائرِ الأصنافِ كالجهميَّة … ومنكري الرُّسْلِ مع الجبريَّة
وشَذَّ عنهُم سائرُ الدَّهرية … في فِرقٍ من الهَيولائِيَّة
وأنكروا حُدوثَهُ في الأصلِ … ثُمَّ ادَّعَوا بقاءَهُ عَنْ فَضلِ
وكلُّ ما مضَى منَ الكلامِ … في حدَثِ الأعراضِ والأجسامِ
دَلَّ على الحُدوثِ بالمشاهدَةْ … كَما ذَكرناهُ معَ الملاحدَةْ
فالجسمُ لا يَخلو منَ الأعراضِ … كما حَكيتُ في الكلامِ الماضي
واعلمْ بأنَّ دَوَرَانَ الفَلَكِ … في حَدَثِ العَالَمِ أقوى مَسْلَكِ
لأنَّهُ يحدثُ في العِيانِ … مُشاهدًا بحدَثِ الزَّمانِ
فالدَّوراتُ الحادثاتُ كالتي … في غابرِ الأعصارِ قدْ تولَّتِ
إذْ كلُّ ما ليستْ لهُ نهاية … يلزَمُ فرضُ الحُكمِ في البداية
فنفرِضُ المقصودَ في كلامِنا … في دورةٍ تحدُثُ في زَمانِنا
وكلُّ شيءٍ حادثٍ لا بدَّ له … مَنْ مُحدِثٍ فضَلَّ مَنْ قدْ جهِلَه
هذا الذي يلزَمُ في العقولِ … فافهمْ فذا أصلٌ من الأصولِ
فصل
وصانعُ العالَمِ فَردٌ واحِدُ … ليسَ لهُ في خلقِهِ مُساعِدُ
جَلَّ عن الشَّريكِ والأولادِ … وعزَّ عن نقيصةِ الأندادِ

فصل
في حقيقة الواحد
والواحِدُ الشيءُ الذي لا ينقسِم … والشيءُ إن أفردتَهُ لم يَقتسِم
وقدْ حكاهُ وارتضاهُ الماهرُ … أبو المعالي وهْو حَدٌّ قاصِرُ
فصل
وهْوَ قديمٌ ما لَهُ ابتداءُ … ودائمٌ ليسَ له انتهاءُ
لأنَّ كُلَّ ما استقرَّ قِدَمُهْ … فيستحيلُ في العقول عدَمُهْ
فصل
ليسَ بجسمٍ إذ لكلّ جسمِ … مُؤلِّفٌ مُخصِّصٌ بعلمِ
ويلزمُ المخصّصَ المؤلفا … مَا لزِم المنزّهَ المكلَّفَا
فينقضي القولُ إلى التسلسلِ … في عقلِ كُلّ يقِظٍ مُحصّلِ
أو ينتهي الأمرُ إلى قَديمِ … فيستوي في النهجِ القَويمِ
وهْوَ الذي سُمّي جلّ صَانِعا … وبارئًا ومُعطيًا ومانِعَا
فصل
ويستحيلُ أن يكونَ جوهَرا … مُجتزءًا أنعِمْ هُديتَ النَّظرا
ثم أعِدْ ما قلتُهُ هَنالِكا … ضلَّ النَّصارى حينَ قالوا ذلِكا
لأنَّ ما لا يسبِقُ الحوادثِا … يلزَمُ عقلاً أن يكونَ حادِثا
فصل
وإن سُئلتَ هل لهُ لونٌ أجِبْ … بِـ “لا” تعالى اللهُ عن لَونٍ تُصِبْ
سُبحانهُ هو الإلهُ الأحدُ … الملِكُ الأعلى القديرُ الصَّمَدُ
فصل
وصانِعُ العالَمِ لا يَحويِهِ … قُطْرٌ تعالى اللهُ عن تَشبيهِ
قَد كانَ مَوجودًا ولا مكانا … وحُكمُهُ الآنَ على مَا كانَا
سُبحانَهُ جَلَّ عَن المكانِ … وعَزَّ عَنْ تغيُّرِ الزَّمانِ
فقَدْ غلا وزادَ في الغُلوّ … مَنْ خصَّه بجهةِ العُلُوّ
وحصَرَ الصانعَ في السماءِ … مبدِعَها والعرشِ فوقَ الماءِ
وأثبتوا لذاتِه التحيُّزَا … قد ضَلَّ ذو التشبيهِ فيما جوَّزَا
فصل
قد استوى اللهُ على العرشِ كما … شاءَ ومَنْ كيَّفَ ذاكَ جسَّمَا
والاستواءُ لفظُةٌ مشهُورةْ … لها معانٍ جمَّةٌ كثيرةْ
فنكِلُ الأمَرَ إلى اللهِ كما … فوَّضَهُ مَنْ قبلَنا مِنْ عُلمَا
والخَوضُ في غوامِضِ الصفاتِ … والغوصُ في ذاكَ منَ الآفاتِ
إذ في صفاتِ الخَلقِ مَا لا عُلِما … فَكيفَ بالخالِقِ فانْحُ الأسلَما

فصل
القول في الصفات
اعلمْ بأنَّ الاسمَ غيرُ التَّسميةْ … ومَا أرى بينَهما منْ تسويةْ
والوصفُ في مذهبِنا غيرُ الصّفةْ … فَاخترْ منَ السُّبُلِ سبُلَ النَّصَفَةْ
وَتُحْصَرُ الصفاتُ في أقسامِ … ثلاثةٍ تأتي على نظامِ
منها صفاتُ الذاتِ نحوُ قَاهرِ … وعالِمٍ وقادرٍ وظاهرِ
ثُمَّ صفاتُ الفعلِ نحوُ خالقِ … ومُنشىءٍ وباعثٍ ورازقِ
ثُمَّ صفاتٌ إنْ أتَتْكَ مهْمَلَةْ … في اللفظِ كانت لهُما مُحتَملةْ
كمُحسنٍ ومثلُهُ اللطيفُ … جاءَ بمعنييهما التوقيفُ
إذْ لَفظَهُ الأحسنِ قد تُستعملُ … في العلم والإنعامِ فيما نَقَلوا
فصل
ونحنُ قبلَ الخوضِ في الصفاتِ … نُثبتُ فصلاً جيّدَ الإثباتِ
يَعُمُّ إن شاءَ الإلهُ نفعُهُ … ولا يَسوغُ منعُهُ ودَفعُهُ
فصل
اعلم أصبتَ نهَجَ الخَلاصِ … وَفُزْتَ بالتَّوحيدِ والإخلاصِ
إنَّ الذي يُؤمنُ بالرحمنِ … يُثبتُ ما قد جاءَ في القرآنِ
مِنْ سائرِ الصفاتِ والتَّنزيهِ … عنْ سَنَنِ التعطيلِ والتشبيهِ
من غيرِ تجسيمٍ ولا تكييفِ … لِما أتى فيهِ ولا تحريفِ
فإنَّ منْ كيَّف شيئًا منها … زَاغَ عن الحقّ وضلَّ عنها
وهكذا ما جاءَ في الأخبارِ … عن النبيّ المصطفى المختارِ
فكُلُّ ما يُروى عنِ الآحادِ … في النصّ في التجسيمِ والإلحادِ
فاضربْ به وجهَ الذي رواهُ … واقطعْ بأنَّه قد افتراهُ
وإن يكُنْ رواهُ ذُو تعديلِ … صَدِّقْهُ مهما شاعَ في التأويلِ
وأفرَدَ الأستاذُ في الأخبارِ … مُصَنَّفًا يصلُحُ للأحبارِ
فاحفظْ هُديتَ هذهِ الأصولا … ثمَّ الزمَنْهَا ودعِ الفُضولا
فإنها مُجزئةٌ مَن قصَدا … مَعرفةَ الحقّ ومنهاجِ الهُدى
فهَهنا تشعَّبَ الإسلامُ … فاستسلَمَ الأئمةُ الأعلامُ
فأنكرتْ صِفاتِهِ المعتزلةْ … سُبحانَ من أنشأنا مَا أعدلَهْ
وجَعلوا كَلامَهُ في شجرةْ … لعبدهِ مُوسى ألا ما أنكرَهْ
وفِرقةٌ مالوا إلى القياسِ … فأثبتوها كَصفاتِ الناسِ
وبعضُهم أثبتَ منها البعضا … ثمَّ نفى البعضَ فجاءَ عُرْضا
ثمَّ الخلافُ بينَ مُثبتيهَا … في نفسها أكثرُ منهُ فيها
ولو أخذتُ أذكُرُ المذاهبَا … كنتَ تَرى في خُلفِها عَجائِبا
فصل
آضَ الكلامُ في الصفاتِ فاسمعِ … تَعدادَها على الوِلا واحفظ وعِ
وصانعُ العالمِ حيٌّ عالمُ … لأنَّه رَبٌّ بَديعٌ حَاكِمُ
حياتُهُ قديمةٌ كذاتهِ … وهكذا ما جاءَ من صفاتِهِ
كالعلمِ والقُدرةِ والإرادةْ … وقَد يُنافي أمرُهُ مُرادَهْ
وهو السميعُ القادرُ المريدُ … ذو البطشِ فعالٌ لِمَا يريدُ
ومنْ صفاتِ الصانعِ البصيرُ … ببصرٍ ليس لهُ نظيرُ
فصل
وصانعُ العالمِ ذو كلامِ … أوصلَ معناهُ إلى الأفهامِ
كلامُهُ المنزَلُ من صفاتِهِ … وهْوَ قديمٌ قائمٌ بذاتِهِ
وهو إذا تقرؤُهُ بالأحرُفِ … مِن بعدِ أن نكتُبَهُ في المصحفِ
تحفظُهُ الصدورُ ذِكرًا كلُّهَا … لكن على التحقيقِ لا يحُلُّها
ويُمنعُ المحدِثُ أن يَمسَّهُ … أو يُسبغَ الطُّهرَ الصَّحيحَ نفسَهُ
وإنما نفعلُهُ إجلالا … فاقنعْ بهذا وارفُضِ المُحالا
وليسَت التّلاوةُ المتَلوّا … زادَ ذَووا الحشوِ إذًا غُلُوّا
فميّزِ المقروءَ والمكتوبا … فاعتبرِ الحسابَ والمحسُوبا
وقُل لمن قدْ كيَّفَ الكلامَا … بالحَرفِ والصوتِ معًا سلامَا
فإنَّهم قد كابروا العِيانا … وخالفوا الدليلَ والبُرهانا
إذ عَدَّدوا القديمَ في المصاحفِ … وجعلوا حَديثها كالسَّالفِ
وهُم إذًا مُذ شاهدوا الكتابَا … قَد حَزَّبوا مَا كتَبوا أحزَابا
واختَلفت أقلامُهُم في الخطِّ … طرائقًا على اختلافِ الضَّبطِ
وهكذا يأتي أناسٌ بعدَهُم … ما كتبوا فهْو قديمٌ عندهُم
فيا أولي التشبيهِ والتجسيمِ … الحاءُ في الرحمنِ قبلَ الميمِ
وهكذا المتلوُّ في كلامِكُم … أيُّهُما القديمُ في اعتقادِكُم
أضللتُمُ الجهَّالَ بالتمويهِ … لما سلكتُم نهَجَ التَّشبيهِ
فمَن يقُل بعضَ الذي حكَيتُه … قطعًا على الوجهِ الذي رويتُهُ
فذاكَ عَيْرٌ قالَ لفظًا عُوِّدَهْ … أدّبْهُ بالضربِ وقصِّر مِقْوَدَهْ
ويعسُرُ التأديبُ إذ قدْ ألِفَهْ … اربطهُ في الشمسِ وقلّلْ علفَهْ
أعرِضْ قِلىً عن هؤلاءِ الجهلةْ … مَن يُضلِل اللهُ فلا هاديَ لهْ
وكُفَّ ما استطعتَ عَن إفهامِهِم … قد طبعَ اللهُ على أفهامهِم
القول في أفعال الله جل وعلا
وصانِعُ العالمِ جلَّتْ قُدرتُهْ … قَد نَفَذَتْ في خَلقِهِ إرادتُهْ
فكُلُّ ما يحدُثُ في الوجودِ … فهْوَ مُرادُ الواحدِ المعبودِ
فالفسقُ والعصيانُ والغَوَايةْ … والرُّشدُ والطاعةُ والهدايةْ
والكفرُ والشِّقوةُ والسعادةْ … لربّنا سبحانَهُ مُرادَهْ
وكلُّها حقًّا منَ اختراعِهِ … وكلُّ ما يكونُ من إبداعِهِ
والفعلُ كسبُ العبدِ وهوَ جاري … على مُرادِ الواحدِ الجبَّارِ
إذ لو يشاءُ لهدى الناسَ على … ما قَالَ جلّ عن تعَدٍّ وعَلا
وهُوَ عَلى زَجرِ العبادِ قادرُ … سُبحانَهُ هُوَ القويُّ القاهرُ
واستيقِظن لفهمِ أصلِ المسألةْ … فهَا هُنا تورَّط المعتزلَةْ
فصل
ما أمرَ اللهُ به عبادَهْ … ففيهِ ما لم يَجرِ في إرادَة
لأنَّهُ قد أمرَ الخليلا … في الوحيِ أن يذبحَ إسماعيلا
ولم يُرِدهُ إذ أتاهُ منهُ … وَحيًا لقد صدَّقتَ أمسكْ عنهُ
فكلُّ ما يبدو من التأويلِ … نُبطلُهُ في الحالِ بالدليلِ
وهكذا أخبرَ عَن أبي لهَبْ … عمّ النبيّ وابنِ عبدِ المطلبْ
بأنَّه يموتُ وهو كافرُ … ثُمّ سيصلى النَّارَ وهْوَ خاسرُ
لم يُغنِ عنهُ مالُه وما كسبْ … تبَّتْ يداهُ إذ عصى اللهَ وتَبْ
وكُلّفَ الإيمانَ بالإجماعِ … مِنْ غيرِ تأويلٍ ولا نِزاعِ
وينتهي القولُ إلى تكليفِ … مَا لا يُطاقُ فافهَمْنَ تعريفي
وهكذا قد كُلّف السُّجودا … إبليسُ حتما فعصى المعبُودا
فكيفَ يأتي مارِدٌ سُلطانُ … بضدّ ما يُريدُهُ الرحمنُ
وقد ترى ذلكَ في العقولِ … مُجوَّزًا في المثَلِ المنقولِ
فنذكرُ الآنَ المثالَ لفظَا … فاسمعْهُ نَقلاً واحكمْنَهُ لفظَا
عبدٌ شكَى مولىً إلى السلطانِ … ونسبَ المولى إلى العُدوانِ
فاستُدعيَ المولَى فجاءَ ذَعِرَا … أنَّبَهُ السلطانُ لمَّا حضَرا
أرادَ أن يعرِفَ مَن قدْ أنَّبَهْ … على تعدّيهِ عليهِ سَبَبَهْ
وأنَّهُ يخالفُ الأوامِرا … يُعَانِدُ المولى عنادًا ظاهرَا
فقالَ للسلطانِ يا مولانا … مَهلاً ترى عِصيانَهُ عِيانَا
فاستحضرَ العبدَ إلى مجلسِهِ … ولمْ يُفاجئْهُ بما في نفسِهِ
وأمرَ العبدَ بما أرادا … خِلافَهُ كي يُظهرَ العِنادَا
ليعلمَ السلطانُ صدقَ عُذرِهِ … ولم يرِدْ منهُ امتثالَ أمرِهِ
فانظرْ مثالاً حسنًا عجيبَا … نهايةً رتّبتُهُ ترتيبَا
أعملتُ جَهدي غايةَ الإعمالِ … إذ هُوَ منْ شواردِ الأمثالِ
مثّلَهُ مَن أحكمَ العلوما … وعرَفَ الخصوصَ والعُمومَا
مُستشهدًا بشاهدِ العقولِ … لينظُرَ الحكمةَ في المنقولِ

فيصل عساف
12-12-2016, 04:35 PM
فصل


وصانعُ العالمِ لمَّا اخترعَهْ … بمَنّهِ وطَوْلِه وأبدعَهْ
لم يكُن الخَلقُ عليهِ واجِبَا … ولا قَضى بخلقِهِ مآرِبَا
وما لَه في خلقِه أغراضُ … ولا عليهِ لهُم اعتراضُ
إذ هُو لا يسئلُ عمَّل فعلَهْ … إلاَّ على ما قالَهُ المعتزلةْ

فصل


للهِ أن يُكلّفَ العبادا … مَا لا يُطيقونَ متى أرادا
ولو يشاءُ عندنا أهملَهُم … بأسرِهِم من غيرِ تكليفٍ لهُم
وهكذا للواحِدِ الجبارِ … إنشاؤُهم في جنَّةٍ أو نارِ

فصل


لربّنا سبحانَهُ تعالى … أن يُؤلمَ الدَّوابَ والأطفالا
بملكِهِ من غيرِ جُرمٍ سابقِ … منهُم ومنْ غيرِ ثوابٍ لاحقِ
وأنْ يُثيبَ كُلّ مَنْ عصاهُ … ويَمنعَ الثوابَ مَنْ أرضاهُ
ويستحيلُ وصفُهُ بالظلمِ … والجوْرِ إذ هُم ملكُهُ في الحُكمِ
لكنَّه منَّ على مَن عَبَدَهْ … تفضُّلاً منهُ بما قد وَعَدَهْ
ليس بحقّ واجبٍ مَحتومِ … ولا بِفرضٍ لازمٍ مَجزومِ
وإنما ذلكَ فَضلُ جُوْدِهِ … يَمنحُهُ مَن شاءَ مِن عبيدِهِ
فكُلُّ منَ أثابَهُ فإنما … يُثيبُهُ بفضلِهِ تكرُّمَا
وَكُلُّ مَنْ عاقبَه من خلقِهِ … فإنما يفعلُ بعضَ حقّهِ

فصل


لصانِعِ العالمِ أن يقضيْ بما … شاءَ ولا يَلزمُهُ أن يُنعِما
ولا عليهِ أن يُراعيْ الأصلحا … لأحدٍ منَّا ولا أنْ يمْنحَا
إذ ذاكَ لا حدَّ لهُ فيُحصَرا … ولا لَهُ نهايةٌ فتذكَرَا
فكلُّ ما يُقالُ هذا الأصلحُ … ففوقَهُ مَا هوَ منهُ أرجَحُ
فنُوضحُ القولَ معَ المعتزلةْ … بجملةٍ تكشفُ سرَّ المسألةْ
فأصلحُ الأشياءِ للعبادِ … كَفُّهُمُ عن سبُلِ الفسادِ
وأنْ يكونوا حالةَ الإنشاءِ … في جنَّةٍ دائمةِ البقاءِ
وليسَ للموتِ إليهم نَهَجُ … يسلُكُهُ ولا عليهِم حَرَجُ
وأن يكونَ الخلقُ ذا استواءِ … في حالةِ الدَّوامِ والإنشاءِ
على أتمّ الصُّورِ المستحسنَةْ … فاعرفْ سبيلَ الحقّ والزمْ سُنَنهْ
واعلمْ بأن فوقَ ما أصَّلتُهُ … مَراتبًا ترجَحُ عما قلتُهُ
وما نرى الخالقَ راعى الأصلحا … للخلقِ لكن جَهلُهُم قدْ وضَحَا

فصل


إلهُنا سبحانه تعالى … قد قدَّرَ الأرزاقَ والآجالا
فكلُّ ما ينتفِعُ المخلوقُ بهْ … فرزقُهُ معَ اختلافِ سَبَبِهْ
وينطوي في ذلكَ الحَرامُ … وهكذا قد قالَهُ الأعلامُ

فصل


وإنَّ مَنْ ماتَ بهدمٍ أو غَرَقْ … أو ضُرِّمَتْ عليهِ نارٌ فاحترَقْ
فقد قضى من الحياة أجلَهْ … وجاحِدُ الحقّ سيلقى عملَهْ

فصل


ومُدركُ التحسينِ والتَّقبيحِ … الشرعُ لا العقلُ على الصَّحيحِ
هذا الذي ارتضاهُ أهلُ الحقّ … قاطبةً دُونَ جَميعِ الخلقِ
من سائرِ الأصنافِ كالمعتزلةْ … وغَيرِهِمْ منَ الرَّعاعِ الجهلَةْ
فإنَّهُم قَد قسَّموا الأفعَالا … ثلاثةً أذكُرُها ارتِجالا
فواحِدٌ مُدرَكُهُ بالعقلِ … ضرورةً وواحدٌ بالنقلِ
فالكذبُ المفضي إلى إضرارِ … يُعلمُ قُبحُهُ عَن اضطرارِ
وهكذا يُعلمُ حُسنُ الصّدقِ … المقتضي للنُّصحِ فافهمْ نُطقي
وواحدٌ مُدْرَكُهُ بالنَّظَرِ … كالكذبِ المُبدي لدَفعِ الضَّررِ
والصدقِ إن أفضَى إلى فَسَادِ … وقَد أتى القولُ على السَّدَادِ
وَكُلُّ ما يلزَمُ بالتَّحَكُّمِ … وَهْوَ يُنافي العقلَ كالتيمُّمِ
والغُسلِ والصلاةِ والصيامِ … والسعي والطوافِ والإحرامِ
فإنَّه يُدْرَكُ بِالسَّمَاعِ … مِن قِبَلِ الشَّارِعِ بالإجماعِ
واعلم بأنَّ كلَّ ما قالوهُ … وأطنبوا فيهِ وقسَّمُوهُ
زَخارفٌ حسَّنها التَّنميقُ … يُظْهِرُ أصلَ زيفِها التَّحقيقُ
إذ جعلوا فيهِ ضرورياً وَمَنْ … حقّ الضَّروريّ الوِفاقُ فاستَبِنْ
كما يُحيلُ العقلاءُ جهلَهُ … أن يخلُقَ الرَّبُّ إلهًا مثلَهُ
ويعلمونَ أنَّ كُلَّ أحدِ … أقلُّ مما فوقَهُ منْ عَددِ
فإذ رأى الخِلافَ أهلُ الحقِّ … وهُم على التَّحقيقِ جُلُّ الخَلْقِ
أُبْطِلَ قطعًا ما ادّعوا معرفتَهْ … ضَرورةً بالعقلِ فاحفظْ صيغتَهْ
وكلُّ ما تدخلُهُ الدَّلالةْ … فنَظَريُّ النوعِ لا محَالةْ
وها هُنا يَمتنِعُ المناظِرُ … أَنْ يَذْكُرَ الدليلَ وهو ظِاهرُ
والحسنُ المقولُ فيهِ افعَلْ كما … قَد حدَّهُ مَن قدرُهُ قَد عَظُما
فنُوضِحُ الحقَّ بفرضِ مسألَةْ … مَتينَةِ الإلزامِ جِدًّا مُشْكِلَةْ
وهي على التَّحقيقِ أقوى الأسئِلَةْ … ألا اسمعوا مَعاشِرَ المعتزلَةْ
أليسَ أن الحقَّ حَقًّا حَكَمَا … بِأَنَّ مَنْ لَهُ عبيدٌ وَإِمَا
سلَّطهُم على الفسادِ فَطَغَوْا … وانهمكوا فيهِ وضلُّوا ولغَوا
وأهلَكَوا الأولادَ والأموالا … وقتلوا النّساءَ والرّجالا
وهوَ على رَدعهمُ قديرُ … لو شاءَ لا يَلحقُهُ تقصيرُ
عُدَّ سفيهًا حَمِقًا مُهَوَّرَا … إذ لو يشاءُ لأزالَ المنكرَا
أليسَ هذا حُكمَهُم في الشَّاهِدِ … فيما يرَوْنَ في الإلهِ الواحِدِ
وإن يقولوا إنَّه قَد عَجَزَا … تلفَّظوا بالكُفر لفظًا مُوجزَا
وإن يقولوا إنَّه جبَّارُ … ذُوْ قُوَّةٍ مَتينةٍ قَهَّارُ
التزموا القَولَ بأنَّ الحُكمَا … بالشَّرْعِ لا غيرَ مَنوطٌ حَتما
وهذهِ قاعدةٌ مشهورةْ … تأتيكَ في أسئلةٍ كثيرةْ
كقولِ من قالَ لنا وصرَّحَا … إنَّ عليهِ أن يُراعيْ الأصلحا
وهكذا الكلامُ في الأفعالِ … وخلقِهَا والرزقِ والآجالِ

فصل


وجُملةُ الإيمانِ قولٌ وعمَلْ … ونيَّةٌ فاعملْ وكُنْ عَلى وَجَلْ
فإنَّه ينقُصُ بالعِصيانِ … فاخضَعْ إذًا في السرّ والإعلانِ
وَوَاظِبِ الطَّاعَةَ والعِبَادَةْ … تزِدْ بها فاغتنِم الزيادةْ
هذا مَقَامُ المتقدّمينا … ذَوي التُّقى الجَمّ المحدّثينا
وهذهِ اللفظةُ في التَّحقيقِ … مَوضوعةٌ في الأصلِ للتصديقِ
وذاكَ فِعلُ القلبِ كالإرادةْ … لا يَقبلُ النُّقصانَ والزّيادةْ
هذا الذي مالَ إليهِ الأشعري … وَهوَ عن التشبيهِ والإفكِ عَري


القول في النبوات


وليسَ يستحيلُ بَعثُ الرُّسُلِ … في عقلِ كُلّ فَطنٍ مُحصِّلِ
فذا مَقالُ المتشَرّعينَا … منْ سائرِ العَالَمِ أجمَعينا
وَهُمْ إِذًا ذوُو العقول السالِمَةْ … وقدْ أحالَ ذلكَ البراهِمَةْ
وجعلوا العُمدةَ في التَّصحيحِ … مسألةَ التَّحسينِ والتَّقبيحِ
وقدْ مضَى كلامُها مُستوعبَا … جَزْلاً قَويًّا بَيّنًا مُهذّبَا
فليتَ شعري ما الذي أحَالهْ … أم أينَ وَجهُ هذهِ الدّلالةْ

فصل
في حقيقة المعجزة


وكُلُّ فِعلٍ خَرَقَ العاداتِ … وبانَ عَن وَهْنِ المعارَضاتِ
جَاءَ بهِ مَنْ يدَّعي النُّبوةْ … مَعَ تحدّيهِ بِهِ في القُوَّةْ
فذلكَ الفعلُ الذي قَدْ أظهرَهْ … مُعجزةً تُثبتُ مَا قدْ ذكرَهْ
وسُمّيتْ مُعجزةً لكونِها … تُعجزُ كُلّ أحَدٍ عَن فنّهَا
والمعجِزُ اللهُ وليُّ الحِفظِ … وإنَّما تَجوَّزوا في اللفظِ
وهْي إذًا تَنزلُ في المثالِ … منزلةَ التصديقِ في المقالِ
هذا هو المختارُ في الإرشادِ … فاسمَعْ مثالَ ذاكَ مِن إيرادي
إذا تصدَّى مَلِكٌ كبيرُ … ذُو سَطوةٍ ومَجْدُهُ مشهورُ
للخلْقِ في مَجلسِهِ فاحتشَدُوا … واجتمعوا عليهِ حتَّى قعدُوا
وجاءَ مِنْ أقصى البلادِ الناسُ … وازدحَمَ القُيَّامُ والجُلاَّسُ
فقَامَ مِنْ أصحابِهِ إنسانُ … مُنتصبًا شاهدَهُ السُّلطانُ
صَاحَ بأعلى صوتِهِ في النادي … ألا اسمَعُوا مَعاشرَ الأشهادِ
قد جاءَكُم أمرٌ عظيمُ الشَّانِ … فاستمِعوا من قَبلهِ بُرهاني
أنا رسولُ الملكِ الجليلِ … إليكُمُ وفِعلُهُ دَليلي
يا أيُّها السلطانُ فانقض عادتَكْ … وقُمْ إذًا واقعُدْ وخالِف سُنَّتَكْ
ليعلموا حَقيقةَ الرسالةْ … بمَا يرونَهُ منَ الدّلالةْ
وأنَّ حقًّا كلُّ ما أحكيهِ … عنكَ ومهمَا قُلتَ ترتضيهِ
فامتثَلَ السلطانُ ما قدْ سألَهْ … صاحبُهُ فصحَّ ما قدْ نقلَهْ
وصارَ عندَ الحاضرينَ بتَّا … كأنَّهُ قالَ لهُ صدقتَا
فانظُرْ إلى عجائبِ الأمثالِ … أَتَتْ بها خواطِرُ الرّجالِ


فصل
في نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم


وقَدْ أتى نبيُّنا المُؤَيَّدُ … الهاشميّ المصطفى محمَّدُ
بمُعجزاتٍ في الأنامِ اشتهَرَتْ … ثُمَّ إلى جَميعهِ تواترتْ
أوَّلُهَا القرآنُ ذُو الإعجازِ … بالنَّظمِ والأخبارِ والإيجازِ
وكانَ أميًّا كمَا تواترَا … فَقَصَّ أخبارَ الألى كمَا تَرى
أنبأ عمَّا قد جرى في القِدَمِ … للأنبياءِ وجَميعِ الأممِ
باينَ نظمَ الشّعرِ والرَّسائلِ … وسائرَ الأسجاعِ بالفواصلِ
فَالعَرَبُ اللذُو ذُوو الإعجابِ … والتّيهِ بالأشعارِ والخطابِ
حينَ أصاخُوا سمِعوا كَلامَا … لا يعرفونَ مثلَه نِظامَا
فاجتهدوا في أنْ يُعارِضُوهُ … فذكروا لفظًا ولم يَرضَوهُ
ولوْ سمعتَ ما الذي قالوهُ … واحتفلوا لكي يُماثِلُوهُ
لقُلتَ ما كانوا ذَوي ألبابِ … ولا لهُم فصاحَةُ الأعرابِ
فالعقلاءُ آثَروا الإيمانَا … حينَ رأوْا ما سمِعوا عِيانَا

فصل


وأخبرَ الناسَ عن الغيبِ بمَا … يكونُ من بَعدُ على مَا أُلهِمَا
فكانَ ما أخبرَ عنهُ حَقَّا … ووجدوا ذلكَ منهُ صِدقَا
حنَّ إليهِ الجِذعُ وانشقَّ القمَرْ … وجاءَ سَحًّا عندما استسقى المَطَرْ
ونبعَ الماءُ على التَّتَابُعِ … في كَفِّهِ مِنْ خَلَلِ الأصابِعِ
وهكذا خاطبَهُ الذّراعُ … لفظًا وعتْ مضمونَهُ الأسماعُ
فقالَ ذَرني إنَّني مَسموعُ … وَهْوَ كلامٌ مُعربٌ مَفهومُ
ونطَقَ الوَحشُ لهُ وصرَّحَا … ثُمَّ الحَصى في كفّه قَدْ سَبَّحَا
وأشبَعَ الخلقَ الكثير مَرَّةْ … منَ اليسيرِ ورواهُ جَهرةْ
أُسريَ بِهْ في ليلةٍ فعادَا … فعرَفَ الأعلامَ والبِلادَا
ما بينَ أرضِ المسجدِ الحرامِ … والمسجدِ الأقصى بأرضِ الشامِ
ولم يَكُنْ أضغاثَ أحلامٍ ولا … يقولُهُ منْ نفسِهِ تقوُّلا
فكيفَ قيلَ إنَّهُ افتراهُ … وقدْ حكَى للناسِ ما رَآهُ
فعلِموا صِحَّتَهُ إيقانَا … وَقَدْ رَأَوْا ما قالهُ عِيانَا
وللنبيّ معجزاتٌ جَمَّةْ … مشهورةُ الوجودِ عندَ الأمَّةْ
الناسُ في ذلكَ قد توسَّعُوا … فاقنعْ وفيما قَد حكيتُ مقنَعُ

فصل


وبعدَ أن قد ثبتَتْ دَلالَتُهْ … صحَّتْ بما جاءَ بهِ رسالتُهْ
ونسخَتْ شرعَ الألى شريعتُهْ … ووَجَبَتْ على الأنامِ طاعتُهْ
وختمَ اللهُ بهِ الرسالةْ … حقّا وقد شرَّفَهُ وآلَهْ

فصل


وكلُّ ما جاءَ عن الرسولِ … نقلاً تلقَّيناهُ بالقَبولِ
كالخبَرِ الواردِ في الأهوالِ … القبرِ والعذابِ والسؤالِ
فيَسألُ المَيِّتَ حَقًّا مُنكَرُ … وعندَهُ نكيرُ فيما يُذْكَرُ
عَنْ ربّهِ جَلَّ وعَن شريعتِهْ … مِنْ بَعدِ عَوْدِ رُوحِهِ في جُثَّتِهْ
وهكذا جاءَ عَن الرسولِ … وَكُلُّهُ يَجوزُ في العقولِ
لأنَّ من أنشأ أصلَ العَالَمِ … يُعيدُ رُوحًا عندَ كُلِّ عَالِمِ
فقُل إذًا كقولِ كُلِّ حَبْرِ … ربّ أعِذني من عذابِ القبرِ
إذْ هُو حقٌّ يَجِبُ الإيمانُ … بهِ كما قدْ قالَه الأعيانُ
وجاءَنا في الخبرِ المرويّ … الثابتِ النَّقلِ عن النبيّ
القبرُ روضةٌ من الجنانِ … أو حُفرةٌ من حُفَرِ النيرانِ

فصل


ويجبُ الإيمانُ بالميزانِ … لأنَّه قد جاءَ في القرآنِ
في كفَّتَيْهِ تُوزنُ الأعمالُ … فتظهرُ الأقوالُ والأفعالُ
فيندَمُ العاصي على ما أجرَما … ويفرَحُ المحسنُ ممَّا قدَّمَا

فصل


وهكذا الصراطُ في القرآنِ … مُكَرَّرُ اللفظِ مَعَ البيانِ
يُمَدُّ فيما جاءَ في الأخبارِ … مُصَحَّحًا على شفيرِ النارِ
يَمُرُّ كُلُّ مؤمنٍ بسُرعةْ … عليهِ والويلُ لأهلِ البدعةْ

فصل


ويجبُ الإيمانُ بالحسابِ … والبعثِ والوقوفِ والعقابِ
وَكُلِّ ما جاءَ من الوعيدِ … والوعدِ في القرآنِ والتهديدِ

فصل


والنارُ وَالجَنَّةُ قد أُنشئَتا … إذ أَذِنَ اللهُ وقد أُعِدَّتَا
وأنكرتْ جماعةُ المعتزلةْ … خلْقَهُما فَضَلَّ مَنْ قَدْ جَهِلَهْ
إذ جَاءَ في آيِ القرآنِ … خلقُهُما فصارَ كالعِيانِ

فصل


والحوضُ والمقامُ والشفاعةْ … لسيّدِ السُّنّةِ والجماعةْ
محمَّدٍ ذي الشرفِ العظيمِ … في الحشرِ والميزةِ والتقديمِ
فليسَ يبقى في الجحيمِ أحدُ … شفيعُهُ نبيُّنَا محمَّدُ
ومَن أتى كبيرةً من أُمَّتِهْ … فإنَّهُ يدخُلُ في شفاعتِهْ

فصل


في رؤية الخالق جل وعلا


وقد أتى في الخبَر المنقولِ … الثابتِ النقلِ عن الرسولِ
رؤيةُ ربّ الخلْقِ في القيامةْ … كالقمرِ النائي عن الغَمامةْ
ولم يُرِدْ بضربِهِ المثالا … إلا انتفاءَ الشكّ والإجلالا
إذ رؤيةُ الخالقِ لا تُكيّفُ … هذا الذي كان عليهِ السلفُ
فمُنكروها خالفُوا الرسولا … وعاندوا النقولَ والمعقولا
ولا يَرى الخالقَ إلا مسلمُ … منزِّهٌ لذاتِهِ مُعظّمُ
خالٍ عن البدعةِ والضَّلالةْ … لا كالذي ظنَّ أولُو الجهالةْ

فصل


وكلُّ مَن ماتَ على عِصيانِ … يَجوزُ أن يُعَمَّ بالغُفرانِ
عَقلاً وفي الحُكمِ سيصلى النارَا … ورافِضَ الإسلامِ والكفَّارَا


فصل


ومَن أتى كبيرةً لا يَخْرُجُ … عَنْ دينِه قد ضلَّتِ الخوارجُ
ممَّا سِوى الكفرِ كذا قدْ قيَّدوا … وأحسنُوا إذ بيَّنوا ما أورَدُوا


فصل


في الإمام الحقّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثُمَّ الإمامُ الحَقُّ مَنْ قَدْ بايعَهْ … صَحْبُ النبيّ وكذا مَنْ تابعَهْ
وقد دَعَوْهُ كلُّهُم مِرَارَا … خَليفةَ الرسولِ واستطارَا
ولم يَكُنْ قال النبيُّ أصلا … فُلانٌ الخَالِفُ بَعدي فَصلا
لكنَّهُ كانَ إذا ما جُهِدَا … استخلَفَ الصديقَ مِصباحَ الهُدى

فصل


واشتهَرَتْ توليةُ الصّديقِ … لِعُمَرَ المخصوصِ بالتَّحقيقِ
ففتحَ الأمصارَ في خلافتِهْ … وأنشأَ الديوانَ في وِلايتِهْ
وخصَّهَا لستّةٍ من بعدِهِ … لفضلِهِم وحزمِهِ وزُهدِهِ

فصل


فبايعَ الخمسةُ عُثمانَ ولمْ … يَحْكِ أمينٌ أنَّ عُثمانَ ظَلَمْ
ولم يَكُنْ ذاكَ الكتابُ أملَلَهْ … فقاتَلَ اللهُ لعينًا قتلَهْ
وَهَبْكَ أنَّه كما تُقُوِّلَا … هل يجبُ القَتلُ على مَنْ أمْللا
وَمَنْ يَقُلْ إنَّ عليًّا مُتّهَمْ … في قَتلهِ ضلَّ وأخطا واجترَمْ
لأنَّهُ قَدْ قَامَ في نُصْرَتِهِ … وأنفَذَ الحسينَ في نَجدتِهِ

فصل


ثُمَّ عليٌّ بعدَهُ الإمامُ … زَوجُ البتُولِ الفارسُ الهُمامُ
بَحرُ الحِجى وكاسِرُ الأصنامِ … صِنْوُ الرسولِ بطَلُ الإسلامِ
وَلِيْ فكانَ عقدُهُ مُسْتَدَّا … لَمَّا غَدَا بالفضلِ مستبِدَّا
وإنَّما نازعَهُ مُعاويةْ … بِشُبَهٍ عن الصوابِ نائيةْ
تَأَوُّلاً بقاتلي عُثمانَا … أخطأ فيهِ وادَّعى عُدوانَا


فصل


في تقديم الصحابة بعضهم على بعض رضي الله عنهم
وأفضلُ الصحابةِ الصديقُ … ثُمَّ يليهِ عُمرُ الفاروقُ
ثُمَّتَ عثمانُ شهيدُ الدَّارِ … ثُمَّ عليٌّ قاتلُ الكفارِ
وطلحةٌ ثم الزبيرُ بعدَهْ … وعاشرُ الصَّحبِ أبو عبيدةْ
ثُمَّتْ مِنْ بعدِ الزُّبيرِ سعدُ … ثمَّ سعيدٌ وابنُ عوفٍ بعدُ
وليسَ ذا التفضيلُ عَنْ يَقينِ … قُلناهُ بَل بالظنّ والتَّخمينِ
واعلمْ بأنَّ هؤلاءِ العشرةْ … مُبايعو النبيّ تحتَ الشَّجرةْ
وسائرُ الصحابةِ الأبرارِ … أولي النُّهى والعلمِ والوقارِ
نُقِرُّ بالفضلِ لهُم ونشهَدُ … إذ قَالَ ذا نبيُّنا محمَّدُ
وهكذا نثني على نسائِهِ … إِذْ سَبُّهُمْ يُخْرِجُ عن وَلَائِهِ
وقد أتى في سُورةِ الأحزابِ … فَضْلُهُمُ في أبينِ الخِطابِ

فصل


ونذكُرُ الآنَ منَ الإمامَةْ … فصْلاً ونُنهيها على استقامةْ
جَريًا على عادةِ مَن تقدَّمَا … إن وَفَّقَ اللهُ لَهُ وأنعَمَا

فصل


العادِلُ السَّويُّ في الصفاتِ … السَّالِمُ الذَّاتِ مِنَ الآفاتِ
القُرَشيُّ المسلمُ الأريبُ … البالغُ المجتهدُ اللبيبُ
هُوَ الإمامُ الواجبُ المُبايعَةْ … وَالحَقُّ في التقليدِ مَعْ مَنْ بايعَهْ
فهذِهِ شرائطُ الإمامةْ … سبعٌ تدبَّرْها تكُنْ علاَّمَةْ
وعندَ بعضِ مَن إليهِ الأمرُ … يكفي كذا نَصَّ عليهِ الحَبْرُ
أبو المعالي بطلُ التَّحقيقِ … مُستشهدًا ببَيْعَةِ الصّديقِ
هذا إذا استقلَّ في زمانهِ … وامتازَ بالشروطِ عن أقرانِهِ
أمَّا إذا لم يستقلَّ وحدَهُ … فهْيَ لمنْ يَحُلُّ منهُم عقدهُ
فَإِنْ وَلِيْ وَجَارَ في رَعِيّتِهْ … وخيفَ بعدَ عَزلِهِ مِنْ فتنتِهْ
امتنعَ العزلُ لخوفِ الضَّرَرِ … إذ عزلُهُ يُوقعُهُم في غَرَرِ
ثمَّ اللبيبُ لا يهُدُّ مصرَا … مُستوطِنًا فيهِ ليَبني قَصرَا
وليسألِ الناسُ الإلهَ سِرَّا … إصلاحَهُ أو أن يُزَالَ قَهْرَا
وَحُكْمُ مَنْ قد عُقِدَتْ بيعتُهُ … وليسَ أهلا كَالذي قدَّمتُهُ