المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأحبــاش (عبد الله الهرري)



فيصل عساف
12-06-2016, 10:43 PM
أولاً: نشأة الأحباش:
1 - سبب تسميتهم بالأحباش:
وترجع النسبة في التسمية بهذا المسمى إلى البلد التي قدم منها شيخ الجماعة عبداالله بن محمـد الشيبي الهرري الحبشي، فالهرري نسبة إلى بلاد )هرر( في الحبشة، والحبشي نسـبة إلـى بـلاد الحبشة، أي سمي تلاميذ الحبشي نسبة إلى بلد معلمهم عبداالله الحبشي، وهذا ما اشتهروا به(1)
ولهم مسميات أخرى مثل: الهرريون أو المشاريعيون، ولكن أشهرها الأحباش.
2 - الظروف التي نشأت فيها الأحباش:
إن الظروف التي نشأت فيها جماعة الأحباش ظروف غامضة، لأن تلك المرحلة كانـت غير واضحة المعالم في تاريخ الوطن اللبناني، بسبب الفتن التي كانت تحياها تلك البلاد، حيث الاقتتال الطائفي الدامي بين أفراد الشعب اللبناني، والتي أدت إلى مقتل الآلاف منهم، وتـدمير البنية الاقتصادية بأكملها في لبنان، وانعكس ذلك على الوضع الاجتماعي حيث دبـت الفرقـة والخلافات، بين أفراد المجتمع اللبناني، فانعكس ذلك على الوضع الديني، فازدادت النزاعـات والخلافات بين الطوائف الدينية المختلفة، مما أدى ذلك كله إلـى تقطيـع أوصـال المجتمـع اللبناني، وهذا بدوره نتج عنه عدم وضوح الرؤى السياسية لدى اللبنانيين في تلـك المرحلـة العصيبة من تاريخهم، ووسط هذا الجو ظهرت جماعة الأحباش متمثلـة بجمعيـتهم جمعيـة المشاريع الخيرية الإسلامية التي يقول الأحباش إنها نشأت في بيروت سـنة 1930*م، وفـي سنة 1983م، تسلم رياسة الجمعية الشيخ نزار حلبي -أحد تلاميذ الحبشي(2)وقبـل تسـلم رياسة الجمعية من قبل الشيخ الحلبي كان يرأسها الشيخ أحمد العجوز حيث تنازل عنها للشيخ الحبشي والحلبي(3)؛ وهناك من يقول أن الشيخ أحمد العجـوز أجبـر علـى التنـازل عـن الجمعية(4)

--------------------------------------------
1- انظر: الأحباش لابن عبداالله ص 11،مجلة البيان ص ،110*عدد ،62 شوال 1413هـ، مقال بعنـوان الأحباش دعوة أم فتنة، مجلة البيان ص ،68 ¨العدد ،110*شوال 1417 هـ، مقـال بعنـوان جماعـة الأحباش حقيقتهم وآراؤهم
2- انظر:مجلة منار الهدى ص،58 ¨عدد ،9 محرم 1414 هـ،مقال بعنـوان المشـاريع رائـدة فـي عـالم
3- المصدر السابق ص ،45 عدد ،23 ربيع الثاني 1415 هـ، مقال بعنوان الهـرري والمشـاريع صفاء سيرة ووضوح مسيرة، المصدر نفسه ص ،59 عدد ،9 محرم 1414 هـ.
4- انظر: المقالات السنية في كشف ضلالات الحبشية لأبي صهيب عبد العزيز بن صهيب المالكي ص،ظ¢ظ©
بدون ناشر، استراليا، ط الثانية 1421 هـ

وأما عن بداية ظهور الحبشي فكانت في بلاد الشام عندما جاء إليها سـنة 1370 *هــ- 1950*م، حيث بدأ في نشر عقيدته المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة فـي سـوريا، ووجـد بعض القبول عند بعض مشايخ الطرق الصوفية، وفي الوقت نفسه تصـدى لأفكـاره بعـض المشايخ؛ وعندما وجد الحبشي الخصومة له في سوريا، وبالتالي لـم يجـد الأرض الخصـبة لترويج عقيدته، بحث عن مكان آخر لينشر فيه عقيدته، فانتقل إلى لبنان حيث اتخذ من بيروت مستقراً له في منطقة برج أبي حيدر ، ثم أخذ يتردد على طـرابلس، ويجلـس للنـاس فـي المقاهي، ويجمعهم حوله، ويؤول لهم الرؤى والأحلام، ويروي لهم القصص، فاجتذبهم من هذا الباب، حيث إن عوام الناس بطبعهم يحبـون القصـص والقصاصـين، والخرافـة وتأويـل الأحلام.(1)
وأما عن مجيء الحبشي إلى لبنان، فيقول تلامذته: بأن شيخهم الحبشـي "تعـرف إلـى الشيخ حسين خالد من لبنان، الذي كان ينتقل مع طلاب العلم الشرعي اللبنانيين إلـي دمشـق،
وأخذت شهرته تتسع خصوصاً في علم الحديث النبوي بعد وفاة الشيخ المحـدث بـدر الـدين الحسني في دمشق. وفي العام 1960*م انتقل للإقامة نهائياً في لبنان. وتعـرف إلـى بعـض المشايخ أمثال الشيخ القاضي محيي الدين العجوز، والشيخ عبد الوهاب البوتاري إمام جـامع البسطة الفوقا، والشيخ أحمد اسكندراني إمام ومؤذن جامع برج أبي حيدر. ثـم تعـرف إلـى الشيخ نزار حلبي، ومكنه من تنظيم أتباعه بكوادر قبل أن يتسلم جمعيـة المشـاريع الخيريـة الإسلامية، التي هي الإطار العام الذي يجمع كل هؤلاء الأحباش".(2)
واستمر الأحباش تحت هذا الإطار المنظم في العمل المستمر والدؤوب، حتـى افتتحـوا فروعاً متعددة لجمعيتهم في أماكن مختلفة من لبنان، بل عملوا على افتتاح فروع خارج لبنـان
وخاصة في الدول الأوربية.
وعمل الأحباش في ميادين متعددة في لبنان لجذب الناس إلـيهم، سـواء فـي الميـدان الاجتماعي من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية المختلفـة لعـوام النـاس وخاصـة الفقـراء والمحتاجين، أو الميدان التعليمي من خلال افتتاح مؤسسات تعليمية مختلفـة مـن روضـات ومدارس، أو الميدان الرياضي حيث عملت الجمعية على استقطاب فئات الشباب المختلفة لهـذا

--------------------------------------------
1،- انظر: الأحباش -رسالة تعريفية بهذه الفرقة الضالة- إعداد: عبد الرحمن بن عبداالله ص ،11 - 12 ،بدون
ناشر، ط الأولى 1417 هـ- 1996 م؛ مجلة البيان ص ،68 ¨عدد ،110 *شوال ظ،ظ¤ظ،ظ§هـ، مقال بعنـوان جماعة الأحباش حقيقتهم وآراؤهم(؛ الرد على الشيخ الحبشي عثمان عبد القادر الصافي ص ،11 ،بـدون ناشر أو رقم طبعة، بيروت، رجب 1397هـ-1977 م.
2- مجلة منار الهدى ص ،59 عدد ،9 محرم 1414 هـ، مقال بعنوان )المشاريع رائدة في عالم المؤسسات.

الجانب من خلال إنشائها الأندية الرياضية، بل دخلوا في الميدان السياسي والحياة النيابية، ففي الانتخابات النيابية في صيف 1992 م، دخل الأحباش بمرشحين في الشمال، وفـي بيـروت،
وفاز الدكتور عدنان طرابلسي مرشحها في بيروت.(1)
ثانياً: أبرز دعاة جماعة الأحباش:
1- الشيخ عبداالله الهرري الحبشي:
هو عبداالله بن محمد بن يوسف بن عبداالله بـن جـامع الهـرري، الشـيبي، العبـدري، الشافعي، الرفاعي، القادري، النقشبندي أبو عبد الرحمن ، ولد في مدينة هرر، حوالي سـنة 1339 هـ-1920 *م، ويتحدث تلاميذه عنه بأنه نشأ في بيت متواضع محبـاً للعلـم ولأهلـه، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، ودرس الفقه الشافعي، ودرس علوم العربية، وعلـم التفسير، وعلم الحديـث، وشـرع يلقي الدروس مبكـراً على الطـلاب الذين ربمـا كـانوا أكبر منه سناً.
ذكر تلاميذ الحبشي -في ترجمته- أن شيخهم تلقى العلوم المختلفة علـى أيـدي علمـاء كُثر، حيث تلقى الفقه الشافعي وأصوله عن الشيخ محمد عبد السلام الهرري، والشيخ محمد عمر جامع الهرري، والشيخ محمد رشاد الحبشي، والشيخ إبراهيم أبي الغيـث الهـرري… وغيرهم؛ وقرأ فقه المذاهب الثلاثة وأصولها على الشيخ محمد العربي الفاسي، والشيخ عبـد الرحمن الفاسي؛ وأخذ علوم العربية عن الشيخ أحمد البصير، والشيخ أحمد بن محمد الحبشي وغيرهما؛ ودرس علم التفسير عن الشيخ شريف الحبشي؛ وأخذ الحديث وعلومه عن الشـيخ أبو بكر محمد سراج الجبرتي -مفتي الحبشة-، والشـيخ عبـد الـرحمن عبـداالله الحبشـي وغيرهما؛ وأخذ الإجازة بالطريقة الرفاعية من الشيخ عبد الرحمن السبسبي، والشيخ طـاهر الكيالي الحمصي، والإجازة بالطريقة القادرية من الشيخ أحمد العربينـي، والشـيخ الطيـب الدمشقي، والإجازة بالطريقة النقشبندية عن الشيخ عبد الغفور الأفغاني النقشبندي.(2)
ثم بعد ذلك أم مكة، وتعرف إلى علمائها، ورحل إلى المدينة المنـورة، ثـم إلـى بيـت المقدس في أواخر العقد الخامس من هذا القرن، ومنه توجه إلى دمشق، ثم استقر بـه الحـال في بيروت.

--------------------------------------------------------
1- انظر: مجلة منار الهدى ص ،59 عدد ،9 محرم 1414 هـ، مقال بعنوان المشاريع رائـدة فـي عـالم المؤسسات.
2- انظر: الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم عبداالله الهرري الحبشي ص ، 4 - 10 الناشـر: دار المشاريع، بيروت، ط الثانية 1420*هـ-1990 *م، إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاويـة عبـداالله الهرري الحبشي ص ،7 - 13 الناشر: دار المشاريع، بيروت، ط الثالثة 1417 هـ-1997 م.

ومن أهم تصانيفه:
1- الصراط المستقيم في التوحيد -مطبوع-.
2- الدليل القويم على الصراط المستقيم في التوحيد -مطبوع-.
3- مختصر عبداالله الهرري الكافل بعلم الدين الضروري -مطبوع-.
4- بغية الطالب لمعرفة علم الدين الواجب -مطبوع-.
5- المطالب الوفية شرح العقيدة النسفية -مطبوع-.
6- إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية -مطبوع-.
7- شرح الصراط المستقيم -مطبوع-.
8- صريح البيان في الرد على من خالف القرآن -مطبوع-.
9- المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية -مطبوع-.
10- شرح الصفات الثلاث عشرة الواجبة الله -مطبوع-.
11- العقيدة المنجية -وهي رسالة صغيرة أملاها في مجلس واحد (1)
وهناك من يقول أن الحبشي عندما خرج من بلده ترك فتنة، ويوضح هذا الأمـر عبد الرحمن دمشقية بقوله: "قدم عبداالله الهرري الحبشي إلى لبنان، واغتر به الناس، وجهلوا أنـه أتى من بلد يبغضه أهلها ويلقبونه بشيخ الفتنة حسب شهادة بعض أقارب الحبشـي، وذلـك لمساهمته في فتنة كُلُب من بلاد هرار بإيعاز من أهل أديس أبابا حيث تعاون مع أعـداء المسلمين بالتحديد حاكم أندراجي صهر هيلاسيلاسي ضد الجمعيات الإسـلامية، وتسـبب في إغلاق مدارس الجمعية الوطنية الإسلامية لتحفيظ القرآن بمدينة هرر سـنة 1367هــ-
1940 *م، وصدر الحكم على مدير المدرسة إبراهيم حسن بالسجن ثلاثاً وعشرين سنة مـع النفي، وبالفعل تم نفيه إلى مقاطعة جوري طريداً، سجيناً، وحيداً حتى قضـى نحبـه بعـد سنوات قليلة، ثم انتهى الأمر بتسليم الدعاة والمشايخ إلى هيلاسيلاسي وإذلالهم ومنهم مـن فر إلى مصر والسعودية واستقر بها"(2)؛ ويعتبر الحبشي الأب الروحي لجماعة الأحبـاش،(3)
ويسيطر على أتباعه وأنصاره على طريقة غلاة الصوفية، فتلاميذه يتعاملون معه علـى أنـه معصوم (4)

--------------------------------------------------------------------
1- انظر: الشرح القويم للحبشي ص 8 - 10 ¨إظهار العقيدة السنية للحبشي ص 12 - 13
2- الحبشي شذوذه وأخطاؤه عبد الرحمن دمشقية ص ،7 بدون ناشر، ط الثالثة 1417 هـ- 1996 م.
3- انظر: مجلة منار الهدى ص 59 العدد - 9 محرم1414 هـ.
4- انظر: مجلة الأسرة، ص 36 العدد ،77 شعبان 1420 هـ

2- الشيخ نزار حلبي:
يعتبر الشيخ نزار حلبي الرجل الثاني في جماعة الأحباش بعد الشيخ عبـداالله الحبشـي، والرجل الأول في إدارة شئون جماعة الأحباش. وأما عن حياة هذا الرجل فلم يعرف عنها الكثير سوى أنه تسـلم رياسـة الجمعيـة جمعيـة المشاريع الخيرية الإسلامية عام 1983 م، وقد تخرج في كلية الشريعة في جامعة الأزهـر سـنة 1975 م، وكان إماماً لمسجد عبد الغني باشا بيضون في منطقة برج أبي حيـدر فـي بيـروت،(1)
وعندما اشتد الصراع على الساحة اللبنانية بين الأحباش وغيرهم، تم اغتيال الشيخ حلبي في 31 آب أغسطس من العام 1996 م؛ واتهم بهذه العملية مجموعة ناشطين من الجماعة الإسلامية، وأعـدم
بعض من اتهم بهذه العملية في أواسط 1997 م، وبقي المتهم الرئيس في هذه القضية أحمـد عبـد الكريم السعدي أبو محجن يتوارى في مخيم عين الحلوة، ويتزعم مجموعة يطلق عليها عصـبة
الأنصار تضم حوالي خمسين عنصراً تُؤمن له الحماية الأمنية.(2)
ومن كلمات العزاء التي قالها الأحباش في قائدهم نزار حلبي: "… ومما يعزينا ويبعـث فينا الأمل ما تركه الشهيد القائد لأمته من عظيم ثمرات جهاده ونضـاله، مؤسسـات دينيـة، وتربوية، وثقافية، وكشفية، ورياضية، لسان حالها يشهد للقائد الشـهيد بالعظمـة والطهـارة، والتاريخ الحافل بالكفاح والبطولات؛ … فكن قرير العين يا شـهيد الاعتـدال، والوطنيـة، والعروبة، يا شهيد لبنان وسوريا والأمة" ،(3) ويلاحظ هنا اعتزاز الأحباش بالقومية العربيـة،
ومحالفة ألد أعداء الإسلام والمسلمين من الفرق الباطنية كالنصيرية في سوريا، وهذا يظهـر جلياً في مدح خَلَفِه في رئاسة الجمعية حسام قراقيرة فذكروا "انفتاحه وحرصه علـى العـيش الحسن بين اللبنانيين، ومن ترسيخه للحلف الاستراتيجي مع سوريا حافظ الأسد، ومن سـعيه ودعمه المتواصل لوحدة الجيشين والشعبين في لبنان وسوريا ، وتربيته للأجيال الصاعدة على لأمة هذا المنهج الذي هو ضمان وصمام أمان للبنان وسوريا وا ".(4)
3 - الشيخ حسام قراقيرة:
تولى رياسة جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية بعد مقتل سلفه الشـيخ حلبـي، وقـد تدرج الشيخ قراقيرة في العمل داخل مؤسسات الأحباش، حيث تولى في عام 1983 م، رياسة

---------------------------------------------------
1- انظر: مجلة منار الهدى ص 58 العدد - 9 محرم 1414 هـ.
2- مجلة الوطن العربي ص 39 العدد 1095شهر فبراير 1998 م، مقال بعنوان المعركة الصـامتة - الصراع العقائدي السياسي شدود إلى احتمالات الصراع.
3- الشيخ نزار حلبي-موقع الأحباش-على شبكة المعلومات ، www.aicp.deتحت (http://www.aicp.deتحت) عنوان منهاج الجمعية.
4- المصدر السابق www.aicp.deالشيخ (http://www.aicp.deالشيخ) نزار حلبي.

مكتب شئون الدعوة، حيث أوفد من قبل الشيخ حلبي عدة مرات إلى بعض البلـدان العربيـة، والأوربية ليتابع سير عمل الجمعية، وشئون الدعوة.
وأيضاً تولى منصب نائب رئيس الجمعية في ظ،ظ¢آذار ظ،ظ©ظ¨ظ©م، ثم تولى منصب المـدير العام إضافة إلى نائب الرئيس، فعمل إلى جانب حلبي معيناً لـه فـي إدارة عمـل الجمعيـة،
وشئون الناس. وقد تلقى الشيخ حسام قراقيرة علومه الشرعية عند شيخه عبداالله الهرري الحبشي، حيث
تلقى عنه عدداً من المتون، والكتب الشرعية منها : الصراط المستقيم، والـدليل القـويم علـى الصراط المستقيم، والعقيدة الطحاوية، والعقيدة النسفية، وذلك في العقيدة؛ ودروس وإمـلاءات
في الأصول، والحديث وغيرها من العلـوم، وقد أجـازه شيخه الحبشـي إجازة بما تجـوز له روايتـه من الكتـب الحديثيـة، والفقهية؛ وحمـل الشيخ قراقيرة شـهادة وإجـازة فـي
العلوم الشرعية.(1)
4 - الدكتور عدنان طرابلسي:
ولد النائب الدكتور عدنان طرابلسي في بيروت المدينة عـام 1954 م، وفيهـا نشـأ وترعرع، ويعتبر أحد أركان الجمعية المشاريعية، فقد تتلمذ على يد الشيخ الحبشي في شبابه،
وعمل إلى جانب كل من الشيخ نزار حلبي، والشيخ حسام قراقيرة. وقد فاز عن مدينة بيروت في الانتخابات البرلمانية، وذلك في عـام 1992 م، ويشـغل الدكتور طرابلسي عدة مناصب منها : نائب رئيس جمعيـة المشـاريع الخيريـة الإسـلامية، ورياسة الاتحاد الكشفي للبرلمانيين العرب، ورياسة نادي المشاريع الرياضي، ورياسة جمعية كشافة المشاريع، وهو حائز على شهادة الدكتوراه في التربية البدنية(2)

--------------------------------------------------------
1- انظـر: الشيخ نزار حلبي -موقع الأحباش- على شبكة المعلومات ، www.aicp.deتحـت (http://www.aicp.deتحـت) عنـوان
منهاج الجمعية.
2- انظر: المصدر السابق د. عدنان طرابلسي.

فيصل عساف
12-08-2016, 07:06 PM
ثالثاً: أهم المؤسسات والأنشطة التابعة للأحباش:
للأحباش عدد كبير من المؤسسات والأنشطة، وذلك للاستفادة منها فـي بـث أفكـارهم ونشر معتقداتهم
1- الجمعية:
للأحباش جمعية خاصة بهم تسمى )جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية( استلموا رئاستها ، ومركزها بيروت، ولها فروع في المحافظات اللبنانية كافة، وكذلك لها فـروع في عدد من دول العالم: كالأردن تعمل تحت عنوان )جمعية الثقافـة العربيـة الإسـلامية(، واستراليا، والسويد، وفرنسا، وأمريكيا، وبريطانيا، وبلجيكا، وألمانيا، وروسيا، وتايوان، ولهم نشاط محدود في قطاع غزة في فلسطين، وغيرها من الدول. ويبلغ عدد هذه الفروع ثلاثة وثلاثين فرعاً، وظاهر نشاط الجمعية المعلن التعليم الديني، وبناء المساجد، والمدارس، ومساعدة الفقراء، والأيتام، وغير ذلك من أعمال البر
2 - المدارس:
قام الأحباش ببناء مدارس خاصة لجميع المراحل الدراسية، ويقيمون في هذه المـدارس دورات صيفية دينية، بالإضافة إلى التعليم الشتوي، وذلك لكي ينشروا عقيـدتهم بـين أبنـاء المسلمين.
ويوجد في هذه المدارس مئات الطلاب والطالبات في شتى المراحل، ومن أمثلـة هـذه المدارس )مدارس الثقافة( في كلٍ من: بيروت، وطرابلس، وبعلبك
3- الإعلام:
للأحباش إذاعة محلية خاصة بهم تسمى )نداء الإيمان(، تبث من بيروت، وينشرون مـن خلالها أفكارهم؛ ولهم أيضاً مجلة شهرية باسم )منار الهدى( تقوم بنشر مذهبهم، والطعن فـي أئمة المسلمين وعلمائهم، كما تقوم بعض المجلات، والجرائـد المحليـة، والدوليـة بلقـاءات ومقابلات، وتحقيقات مطولة مع أقطابهم، الهدف منها الدعاية لهم، والتـرويج لهـم، والثنـاء عليهم، كما فعلت جرائد السفير، والنهار، والأنوار، والمسيرة الإيمانية، وكذلك مجلة الـوطن
العربي، ومجلة الأسبوع العربي وغيرها من المجلات والجرائد. وأيضاً للأحباش نشاط كبير في التلفزيون اللبناني، وغيره من القنوات اللبنانية الخاصـة،
حيـث تعـرض اللقاءات والدروس؛ ويعمل الأحباش الآن على تشـغيل محطـة تلفزيونية خاصة بهم.
وللكتب والأشرطة والنشرات نشاط بارز في ترويج مبادئ هذا المذهب الذي يعتقدونـه، وذلك من خلال مؤسستهم المسماة )مركز الأبحاث والخدمات الثقافيـة( بيـروت، أو )قسـم الأبحاث والدراسات الإسلامية عمان.


كما تصدر جمعيتهم تقويماً خاصاً بهم، يحوى كثيراً من السموم المختلفـة فـي العقيـدة والسلوك والفقه وغيرها، وهذا كله يتم طبعه في مطابعهم التـي تعمـل تحـت اسـم: دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع بيروت –لبنان
4 - الغناء والطرب والأندية:
لدى الأحباش عشرون فرقة للغناء والأناشيد الدينية في لبنان، وتقوم أناشـيدهم الدينية على ترسيخ عقائدهم المخالفة ويهتم الأحباش كثيراً بالأندية الرياضية المختلفة من كرة قدم وسلة، وألعاب قوى وغيرذلك من الألعاب، لجذب الشباب والشابات، والتودد إليهم، وتعليمهم عقيدتهم، بـل وتحـذيرهم من معتقدات السلف وذلك من خلال وصمهم بمسميات منفرة: كتسميتهم بالمشبهة، والمجسمة، والحشوية، ومبتدعة إلى غير ذلك من الأسماء المنفرة من مذهب السلف.
وأشهـر أنديتهم )نادي الفوز الرياضي ( بطرابلـس، وكذلـك )مجمع ناجي الرياضـي( بطرابلس.
ويركز الأحباش على النساء في دعوتهم، وذلك لأهمية النسـاء ومـدى تـأثيرهن فـي المجتمع، وهذا الأمر ظاهر للعيان من خلال نشاطاتهم المختلفة



العقل أصل الشرع عند الأحباش:
إن الأحباش يعولون كثيراً على العقل في إثبات الشرع، وهذا يظهر واضحاً من خلال تعريف الحبشي لعلم الكلام، بأن العقل شاهد للدين ولا يقف عند هذا الحد، بل يقول في موضع آخر: "إن الشرع إنما ثبـت بالعقـل، فـلا يتصور وروده بما يكذب العقل، فإنه شاهده، فلو أتى بذلك يبطل الشرع والعقل معاً وهذا الأمر واضح في معتقدات الأحباش، حيث يقدمون العقل على النقل فـي إثبـات المعتقدات، بل أحياناً ينفون بعض النصوص الشرعية ويحكمون عليها بالضـعف، وبـبطلان الاستدلال بها، أو يقومون بتأويلها بسبب عدم قبول العقل -حسب زعمهم- لمـا يـرد فـي النصوص الشرعية، وخاصة آيات وأحاديث الصفات وهذا نفسه الذي قال به المتكلمون، ولكن السلف ردوا على ذلك بما يلي :
1- إذا تعارض النقل والعقل، إما أن يريد بـه القطعيـين، فـلا نسـلم إمكـان التعـارض حينئذ، وإما أن يريد به الظنيين، فالمقدم هو الراجح مطلقـاً، وإمـا أن يريـد أحـدهما: قطعي، فالقطعي هو المقدم مطلقاً، وإذا قـدر أن العقلـي هـو القطعـي، كـان تقديمه لكونه قطعياً، لا لكونه عقلياً، فعلم أن تقديم العقل مطلقاً خطـأ، كــما أن جعـل جهة الترجيح كونه عقلياً خطأ
2- كل ما عارض الشرع من العقليات، فالعقـل يعلـم فسـاده وإن لـم يعـارض العقـل، جملـة وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعـارض بـه لا عقـل ولا شـرع، وهـذه
تفصيلها هو الكلام على حجج المخالفين للسنة مـن أهـل البـدع، بـأن نبـين بالعقل فساد تلك الحجج وتناقضها … ومن تأمل ذلك وجد فـي العقـول مـا يعلـم بـه فسـاد
المعقول المخالف للشرع ما لا يعلمه إلا الله تعالى
3- أن يقال: الأمور السمعية التي يقال إن العقـل عارضـها كإثبـات الصـفات والمعـاد ونحو ذلك، هي مما علم بالاضـطرار أن الرسـول -صـلى الله عليـه وسـلم- جـاء بها، وما كان معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام، امتنع أن يكـون بـاطلاً مـع كـون الرسول -رسول الله- حقاً، فمن قدح في ذلك، وادعـى أن الرسـول لـم يجـيء بـه، كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين"
4- ويقال أيضاً أن العقل ميزان صحيح، لكن لا يمكـن وزن كـل الأمـور فيـه، وخاصـة الآخروية والغيبية، لأنها فوق طاقته، وفي هـذا يقـول ابـن خلـدون: "… بـل العقـل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنـك لا تطمـع أن تـزن بـه أمـور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهيـة وكــل مــا وراء طـوره، فإن ذلك طمع في محال
5- لو قد عارض العقل الشرع لوجب تقـديم الشـرع. لأن العقـل قـد صـدق الشـرع، ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، والشرع لم يصـدق العقـل فـي كـل مـا أخبـر به، ولا العلم بصدق الشرع، موقوف على كل ما يخبر به العقل وبالتالي لا يمكن تقديم العقل على الشرع، لأنه لا يمكن أن يتناقض صحيح النقـل مـع صريح العقل وبعد هذا العرض لعلم الكلام عند الأحباش، يتبين لنا بصورة لا شك فيهـا، أن علـم الكلام الذي يتحدث عنه الحبشي ويدعو إلى الخوض فيه، إنما هو علم الكلام المذموم، الـذي نهى عنه سلف الأمة .
- ويبين الحبشي بعض أنواع العذاب في القبر كضغطة القبر على الميت فيقول: "ومـن جملة عذاب القبر ضغطة القبر حتى تختلف الأضلاع، وهذا للكفار وبعض أهل الكبـائر مـن المسلمين كمن لا يتجنب البولَ وليس لكل صغير وكبير كما قال به بعض العلماء
الشرح القويم لحبشي
وهذه مخالفة لما اجمع عليه اهل العلم ان ضغطة القبر ما ينجو منها احد .

- أطلق الأحباش حكـم الكفـر علـى من ينكـر عـذاب القبر، حيث جاء علـى لسـان شيخهم -الحبشـي- في صـراطه المستقيم قوله: "ويكفر منكر عـذاب القبــر لقــول الله تعالى: النَّار يعرضون علَيها غُدوا وعشِيا ويوم تَقُوم السـاعةُ أَدخِلُـوا آلَ فِرعـون أَشَـد الْعذَابِ ïپ› وبالتالـي يكون الحبشـي قـد خالـف أهل السنة والجماعـة فـي حكم منكر عذاب القبر.
ويمثل منهج السلف في الحكم على منكر عذاب القبر ما جاء عن الإمام الآجري فـي كتابه )الشريعة( عقب ذكره الأحاديث التي توجب الإيمان والتصديق بعذاب القبر، فقـال: "مـا أسوأ حال من كذب بهذه الأحاديث، لقد ضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسـراناً مبينـاً ولقـد ولقد ورد عن الإمام أحمد قوله: "عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال
والملاحظ أن منهج السلف لا يظهر عليه الميل إلى تكفير منكر عذاب القبـر، وإن مـا اكتفى علماء السلف بإطلاق عبارات التضليل والتبديع وبيان سوء المنقلب وخسران من ينكر عذاب القبر، بل إن هناك من العلماء اعتبر من ينكر عذاب القبر من خلال الاجتهاد لا يكفـر،
حيث قال صاحب حاشية إعانة الطالبين: "الاجتهاد فيما لم يقم الدليل القـاطع علـى خلافـه كاعتقاد المعتزلة عدم رؤية الباري في الآخرة أو عدم عذاب القبر أو نعيمه فلا يكفرون لأنـه اقترن باجتهاد" وبالتالي إطلاق عبارات التكفير دون بيان مخالف لنهج السلف.
تعريف الإيمان والإسلام:
أما تعريف الإيمان في الاصطلاح فقد عرفه الحبشي بقوله هو: "تصديق مخصوص ويقصد بذلك: "التصديق بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم ، وتارة يرى أن الإيمـان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، فيقول في )المطالب الوفية:( "الإيمان هو التصديق بالقلب بمـا جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من عند الله تعالى، والإقرار به باللسان ويعلق علـى ما ذكره بقوله: "أي الإيمان يشمل كلا الأمرين ومما سبق بيانه يتبين أن الحبشي واقع في الحيرة والاضطراب في تعريفه للإيمان لأنـه جعـل تارة يعرف الإيمان بالتصديق أي يجعله قاصراً على معرفة القلب، وأخرى يتعـداها للاقرار باللسان
فقد عرفه الإمام الشافعي بقوله":واعلموا أن الإيمان:معرفة بالقلـب،وإقرار باللسـان وعمـل بالأركان
- قول الإمام الآجري في الإيمان: "أن الإيمان واجب على جميع الخلـق، وهـو تصـديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح
- وما قاله أبو ثور عندما سئل عن الإيمان":أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسـان،وعمل الجوارح
- وما ذكره ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري في بيان "مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل
- وما جاء عن الإمام ابن قدامة المقدسي والإيمان قول باللسـان،وعمل بالأركان،وعقـد بالجنان
- وما أورده ابن رجب في تعريف الإيمان":المشهور عـن السلـف وأهـل الحديـث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان


موقف الأحباش من الصحابة
موقفهم من الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-:
يرى الحبشي وجوب الإيمان بأحقية خلافة الخلفاء الراشدين حسـب تـرتيبهم، فيقـول: "يجب الإيمان بأحقية خلافة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، لأن الصحابة بمـن فـيهم علي -رضي الله عنه- رضوا بذلك ولا مانع عند الحبشي مـن إضـافة صـفة الخلافـة الراشدة إلى غير الخلفاء الأربعة، فيصف الحسن بن علـي -رضـي الله عنهمـا - بالخليفـة الراشد، وكذلك عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه-، فيعبر عن ذلك بقوله: "ولا نعني بهـذا أنه لا خليفة راشداً في الأمة سوى الأربعة، بل الحسن بن علي الذي بايعه المسـلمون خليفه راشد، وكذلك عمر بن عبد العزيز لكنهما أقل مرتبة من الأربعة ويؤكـد الحبشـي هـذا المعنى عندما يعتبر الخلفاء ستة، فيقول: "فقد مضى مجتهدون في السلف مع كـونهم حـاكمين كالخلفاء الستة أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن بن علي، وعمر بن عبد العزيز وكذلك يرى الحبشي: "أن من أنكر صحبة سيدنا أبي بكر بالقلب أي اعتقد أن أبـا بكـر ليس صاحباً لرسول الله فقد كفر، أما من أنكر صحبة عمر، أو صحبة عثمان، أو صحبة علي فلا يكفر وذلك لأن الله ما نص في القرآن على صحبة عمر، أو علي، أو عثمان، أما أبو بكر
فقد نص الله على صحبته في القرآن، فقال تعالى:ïپ‌إِذْ يقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحزن إِن اللَّه معنَـا ]التوبة وفي هذا يظهر القول بتفضيل أبي بكر على سائر الصحابة، ويصرح الحبشي بهذا المعنى فيقول: "يجب تفضيل أبي بكر -رضي الله عنه- على سائر أصحاب رسـول الله، وذلك لأن الصحابة أجمعوا على إمامته، وبايعوه، وإجماعهم كآية من كتاب الله حجـة موجبـة للعلم قطعا
وأما قول الحبشي بوجوب الإيمان بأحقية الخلافة للخلفاء الراشدين الأربعة على حسـب ترتيبهم فهذا موافق لما عليه علماء أهل السنة والجماعة فيقول الإمام أبو جعفر الطحـاوي: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولاً لأبي بكر الصـديق -رضـي الله عنه- تفضيلاً وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ثم لعثمـان - رضي الله عنه-، ثم لعلي -رضي الله عنه-، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمـة المهـديون


ويعلق شارح الطحاوية على ما سبق من المتون بقوله: "وترتيب الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- أجمعين في الفضل كترتيبهم في الخلافة
وفـي المعنـى السابق نفسه يقول الإمام السفاريني: "فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصـحابة والناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي وهذا الذي سبق أكده الإمام النووي بقوله: "أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر -رضي الله عنهمـا - بإجماع أهل السنة، ثم عثمان، ثم علي، هذا قول جمهور أهل السنة وأما إضافة الحبشي صفة الخلافة الراشدة إلى غير الخلفـاء الأربعـة، وجعلهـا غيـر مقتصرة عليهم، بل وجعل الخلفاء ستة من خلال إضافة الحسن بن علي -رضي الله عنـه-،وعمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه-، فهذا أمر فيه نظر وذلك إذا أراد الحبشـي بوصـف من حكم وفق الكتاب والسنة من أئمة المسلمين بأن خلافته راشدة، تشبه بذلك خلافـة الخلفـاء الراشدين الأربعة، فهذا أمر لا شيء فيه، وذلك من باب التشـبه بـالكرام والتأسـي بأفعـالهم
وأقوالهم النابعة من الكتاب والسنة؛ وأما إذا أراد بها بإطلاق وصف الخلافـة الراشـدة علـى حكام المسلمين بشكلٍ عام، وجعلها غير مقصورة على الخلفاء الأربعة، فهذا أمر لم يرد عـن علماء أهل السنة والجماعة، حيث أجمعوا على أن الخلافة الراشدة التي ورد ذكرها في حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- عن الرسول -صلى الله عليه وسـلم- والـذي فيـه: "أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها والخلفاء الراشدون المهديون الـذين ورد ذكرهم في الحديث السابق هم الخلفاء الأربعة، فيقول الإمام ابن أبي العز فـي تعليقـه علـى الحديث: "وترتيب الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- أجمعين فـي الفضـل كتـرتيبهم فـي الخلافة وما بينه أبو منصور البغدادي أن أصحابه مجمعون علـى أن أفضـل الصـحابة الخلفاء الأربعة ويلاحظ أن الإمام البغدادي حدد عدد الخلفاء الراشدين بالأربعة، وهذا مـا
ذهب إليه الإمام الأشعري -رحمه الله- في الإبانة عندما يتحدث عن إمامة الخلفاء الراشـدين، ثم يعقب بقوله: "هؤلاء الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم") ،( وممـا يؤكد أن الخلافة الراشدة التي على منهاج النبوة تقتصر على الخلفاء الأربعة، الحديث الذي استدل به الأشعري في الإبانة عن سفينة)) ( مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-( قال: قال رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك") ،( ثم قال سفينة لمحدثه -سعيد
بن جمهان-: "أمسك خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم قال: أمسك خلافة علي بن أبي طالب، قال -سعيد-: فوجدتها ثلاثين سنة") ،( ويعلق الإمام الأشعري على ذلك بقوله: "فـدل علـى إمامة الأئمة الأربعة -رضي الله عنهم-") ،( ويقول ابن قدامة المقدسي -رحمـه الله-: "وهـؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- )عليكم بسنتي وسـنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ( ،( وقال -صلى الله عليه وسلم-: )الخلافة
من بعدي ثلاثون سنة() ( فكان آخرها خلافة علي -رضي الله عنه-(8) وبهذا يتبين أن إطلاق الخلافة الراشدة -كما ورد في الحديث- إنما يقتصر على الخلفـاء الراشـدين الأربعة -رضي الله عنهم-.

و تكفير الحبشي لمن ينكر بقلبه صحبة الصديق للرسول -صلى الله عليه وسلم - بخلاف لو أنكر صحبة عمر أو عثمان أو علي بحجة عدم وجود نص قرآني في ذلك وهـذا الـذي ذكـره الحبشي لم يرد عن علماء السلف نص يعتد به على ما قاله، بل إن الذي قاله الحبشي فيه انتقاص من حق الخلفاء الراشدين سوى أبا بكر -رضي الله عنه- لأنه ورد في فضلهم، وذكر شمائلهم، الأحاديث الصحيحة المتواترة والمستفيضة في ذلك، بل في كلام الحبشي تشجيع للبعض في أن يتجرءوا علـى الصحابة الكرام، وذلك بحجة عدم وجود نص قرآني يدلل على صحبتهم وبالتالي لا ينسـحب حكـم الكفر على من أنكر صحبتهم بخلاف أبي بكر الصديق -رضي الله عنهم- أجمعين. وهذا الكلام باطل، لأن الإجماع الذي انعقد على أن المقصود بالصاحب هنا أبو بكر، قد انعقد أيضاً أن عمر وعثمان وسعد بن معاذ وغيرهم داخلون في معنى قولـه تعـالى:ïپ‌مِـن الْمهاجِرِين والْأَنصارِ
موقف الأحباش من معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه:
القارئ لكتابات الأحباش يتبين له أن موقفهم من هذا الصحابي الجليـل موقـف عـداء وبغض، بحيث يصفه الأحباش بالباغي، فيظهر ذلك من خلال قول الحبشي في كتابه )صـريح البيان:( "بيان حكم القتال الذي حصل بين علي ومعاوية، وأن معاوية ومن معه بغوا ومما قاله الحبشي تحت هذا العنوان: "قتال معاوية لعلي هو خروج عن طاعة الإمام … فيكون بذلك مرتكباً للكبيرة وأيضاً يقول: "ثم إن وصف النبي لمعاوية وفئته الذين قاتلوا عليـاً بـالبغي صريح في أنهم آثمون ويعلل الحبشي هذا الهجوم على الصحابي الجليل معاوية بـن أبـي سفيان بأن: "معاوية كان قصده من هذا القتال الدنيا، فلقد كان به الطمع فـي الملـك، وفـرط الغرام في الرئاسة، فلما وصل إلى الخلافة كف عن المطالبة بدم عثمان، وهو ما أتخذه حجـة للخروج على علي وقتاله بل إن الحبشي يرى إنه لم يصح في فضائل معاويـة بـن أبـي سفيان -رضي الله عنه- شيء، فيقول: "وما يروى في معاوية من الفضائل فإنه لم يصح منـه شيء بل يصل تحامل الحبشي على معاوية بن أبي سفيان أنه يرفض التماس الأعذار لـه من قِبل علماء السلف فيقول معلقاً على مثل أولئك العلماء "وهذا تحسين ظن في غير محله والحبشي يشجع أتباعه على الخوض فيما شجر بين الصحابة، وإطلاق الحكم عليهم دون مراعاة أدب التعامل مع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيقول: "وليس مـن سـب الصحابة القول إن مقاتلي علي منهم بغاة، لأن هذا مما صرح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين وهنا يظهر الاعتداء الصارخ من قِبل الحبشي على صحابة رسول الله -صلى الله عليـه وسلم - وتطاوله على أحدهم وهو معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، وذلك من خـلال اعتباره لمعاوية -رضي الله عنه- من البغاة الذين بغوا على الإمام علي -رضي الله عنه واتهامه -رضي الله عنه- بأنه من الذين عششت الدنيا في قلوبهم وتربعت عليها، مـن حيـث

فيصل عساف
12-08-2016, 07:14 PM
وصفه بأنه تمرد على الخليفة علي -رضي الله عنه- بسبب الطمع في الملك، وفـرط الغـرام بالرئاسة (1)وبالتالي يكون الحبشي وافق المعتزلة في اتهامه لمعاوية -رضي الله عنه- حيـث اعتبرت الصحابة عدولاً "إلا من قاتل علياً") ،(٢ويقصدون بذلك صاحب رسول الله -صلى الله عليـه وسلم - معاوية -رضي الله عنه-، وأيضاً وافق الرافضة في ذلك (2) ألم يعلم الحبشي أن معاوية -رضي الله عنه- أحد صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذين اصطفاهم الله -سبحانه وتعالى- لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ قال جلا جلاله مخبـراً عن أولئك السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار ومن تـبعهم بإحسـان إلـى يـوم الـدين
والسابِقُون الْأَولُون مِن الْمهاجِرِين والْأَنصارِ والَّذِين اتَّبعوهم بِإِحسانٍ رضِي اللَّه عـنْهم ورضـوا عنْه وأَعدلَهم جنَّاتٍ تَجرِي تَحتَها الْأَنْهار خَالِدِين فِيها أَبدا ذَلِك الْفَوز الْعظِيم] التوبة: ،[١٠٠وقال
تعالى: والَّذِين آمنُوا وهاجروا وجاهدوا فِي سبِيلِ اللَّهِ والَّذِين آووا ونَصروا أُولَئِك هم الْمؤْمِنُـون حقا لَهم مغْفِرة ٌ ورِزقٌ كَرِيم ] الأنفال: ،[٧٤وقال تعالى: لَقَد تَاب اللَّه علَى النَّبِـي والْمهـاجِرِين والْأَنصارِ الَّذِين اتَّبعوه فِي ساعةِ الْعسرةِ مِن بعدِ ما كَاد يزِيغُ قُلُوب فَرِيقٍ مِنْهم ثُمتَاب علَيهِم إِنَّه بِهِم رءوف ٌ رحِيم ] التوبة: ،[١١٧وأيضاً من فضائل معاوية بن أبي سفيان الظاهرة أنه شهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- غزوة حنين ودخل تحت قوله تعالى: ثُم أَنزلَ اللَّه سكِينَتَه علَى رسولِهِ وعلَى الْمؤْمِنِين وأَنزلَ جنُودا لَم تَروها وعذَّب الَّـذِين كَفَـروا وذَلِـك جـزاء الْكَافِرِين] التوبة: ،[٢٦وكذلك كان من الذين حضروا غزوة الطائف، ومـن الـذين شـهدوا
النصارى بالشام، وأنزل الله فيها سورة براءة، وهي غزوة العسرة (4) وهذه الآيـات القرآنيـة بمجموعها تبين دون أي شك فضل الصحابي الجليل معاوية بـن أبـي سـفيان -رضـي الله عنهما -، لعدم استثناءها أي صحابي من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا مـا يوضحه علماء السلف حيث أجمعوا على تعديل الصحابة الكرام دون استثناء، فيقـول ابـن الصلاح -رحمه الله- في ذلك: "للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحدٍ منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجمـاع مـن يعتد به فـي الإجماع من الأمة (5)ويقول الإمام القرطبـي -رحمـه الله- فـي حـق
الصحابة: "فالصـحابة كلهـم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه بعد أنبيائه


------------------------------------------------------
- 1 انظر: صريح البيان للحبشي ص.٢٢٠
٢ - تدريب الراوي للسيوطي .٢١٤/٢
٣ - انظر: منهاج السنة لابن تيمية .٤٣١-٤٢٧ ،٣٧٩-٣٧٨ ،٣٦٧-٣٦٦/٤
٤ - المصدر السابق .٢٨١-٢٨٠/٤
٥ - علوم الحديث لابن الصلاح ص.٢٩٤

ورسله. هذا مذهب أهـل السنـة والذي عليـه الجماعة من أئمة هــذه الأمـة (1)ويقـول الإمام الصنعاني -رحمه الله-: "الصحابة رضي الله تعالى عنهم كلهم عدول، سواء فـي ذلـك من لابس الفتن ومن لم يلابسها، وذلك مما لا يشتبه فيه أحد من علماء المسلمين الذين انتهـت إليهم زعامة العلم وعنهم تصدر الآراء والحجج (2)
ومن الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبين بعض فضائل معاوية -رضي الله عنه- ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نام في بيت أم حـرام بنـت ملحان ثم استيقظ -صلى الله عليه وسلم- وهو يضحك، قالت أم حرام: ما يضحك رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثـبج هـذا البحر ملوكاً على الأسرة، ومثل الملوك على الأسرة … قالت فقلت: يا رسـول الله: ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك فقلت: وما يضحكك يا رسول الله قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله كما قـال
في الأول، قالت، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين"، فركبت –أم حرام- البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان؛ ويعلق ابن كثير -رحمه الله- على هذا الحـديث بقوله: "يعني جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها سنة ٢٧هـ أيام عثمان بن عفان (3)وذلـك بقيادة معاوية -رضي الله عنه- عقب إنشاء الأسطول في العهد الإسلامي الأول. وكفى فخراً وعزاً لمعاوية -رضي الله عنه- ولمبغضيه قهراً وذلاً أن النبي -صـلى الله عليه وسلم - دعا له فقال: "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به (4)وأيضاً مما يبين فضله –رضي الله عنه- أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- استعمله في ولايته، ومعلـوم أن "عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أعظم الناس فراسة وأخبرهم بالرجال، وأقـومهم بالحق، وأعلمهم به، حتى قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كنا نتحـدث أن السـكينة
تنطق على لسان عمر، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ضرب الحق على لسـان عمر وقلبه (5)وقال: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمروقال ابن عمر: ما سمعت عمـر

-----------------------------------------------------
١ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي .٢٩٩/١٦
٢ - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ،٤٢٨/٢تحقيق: محمد محيي
الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة السلفية، المدينة المنورة -بدون رقم طبعة أو تاريخ نشر-.
٣ - البداية والنهاية لابن كثير - ٢٢٩/٨ط دار ابن كثير، بيروت-.
٤ - سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، ح،٦٨٧/٥ ،٣٨٤٢
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب؛ ويقول الألباني في مشكاة المصابيح: سـنده صـحيح، انظـر:
.١٧٥٨/٦٢٤٤،٣ح
٥ - مسند الإمام أحمد ،١٤٥/٥سنن الترمذي،كتاب المناقب،باب في مناقب عمر بن الخطاب-رضي الله عنه،
ح ،٦١٧/٥ ،٣٦٨٢قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب؛ وبدل لفظة )ضرب( لفظة )جعل.(

يقول في الشيء إني لأراه كذا وكذا إلا كان كما رآه. وقد قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: "وما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك (1)ولا استعمل عمر قط، بـل ولا أبـو بكر على المسلمين منافقاً، ولا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم (2)وهذا مـا يؤكده القاضي أبو بكر في كتاب )العواصم من القواصم( حيث يقول: "ولكن معاوية اجتمعـت فيه خصال: وهي أن عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها لما رأى من حسن سيرته، وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق (3)ويبـين القاضي أبو بكر فضل معاوية -رضي الله عنه- من خلال ما هو مكتوب على أبواب المساجد
في دار خلافة بني العباس فيقول: "وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس-وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس-مكتوب على أبواب مساجدها":خير الناس بعد رسول الله-صـلى الله عليه وسلم - أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين -رضي الله عـنهم (4) ولو كان يتخوف من معاوية -رضي الله عنه- النفاق لما ولي مـن أمـر المسـلمين شـيئاً، والصحابة الكرام لم يكونوا ليسكتوا على معصية أو خطأ موجود "وقد اتفق المسلمون على أن إسلام معاوية خير من إسلام أبيه أبي سفيان، فكيف يكون هؤلاء منافقين والنبـي -صـلى الله عليه وسلم- يأتمنهم على أحوال المسلمين في العلم والعمل؟ (5) ويضاف إلى ما سبق من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبين فضل معاوية -رضي الله عنه-، ما جاء من أقوال أهل العلم والفضل من الصحابة والتابعين وأئمة السلف، أن الإمام البخـاري - رحمه الله- أورد في كتاب فضائل الصحابة ضمن الصحيح، اسم الصحابي الجليل معاوية بن أبـي سفيان -رضي الله عنه- حيث يذكر من الآثار ما يمدح به معاوية -رضي الله عنه-، فعن ابن أبـي مليكة قال: "

----------------------------------------------------------------
1 - صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، باب فضل أبي بكر بعد النبي -
صلى الله عليه وسلم -، ح ،٢٤٠/٤ ،٣٦٨٣صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر -
.١٨٦٤-١٨٦٣/٤ ،٢٣٩٦رضي الله عنه-،
2 - مجموعة الفتاوى لابن تيمية .٤٢-٤١/٣٥
3 - العواصم من القواصم-في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم-للقاضي أبي بكر
بن العربي،ص،٢٠٥-٢٠٢تحقيق:محب الدين الخطيب، الناشر: المطبعة السلفية، القـاهرة، ط الخامسـة
.هـ١٣٩٩
4 - المصدر السابق ص.٢١٣
5 - مجموعة الفتاوى لابن تيمية .٤٢/٣٥

أوتر معاوية بعد العشاء بركعةٍ وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم (1)
ومن مواقف علماء السلف من الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- فهو موقف مدح وتفضيل،لا ذم وتقبيح -كما فعل الحبشي- فيقول الإمام النووي -رحمه الله-: "وأما معاوية -رضي الله عنه- فهو من العدول الفضلاء، والصـحابة النجبـاء -رضـي الله عنه (2)وهذا الإمام ابن كثير -رحمه الله- يذكر مجموعة من النقول عن علماء السلف يبين فيها فضل معاوية -رضي الله عنه- ويمهد بقول الإمام أحمد -رحمه الله-: "إذا رأيت رجـلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام (3)وما قاله ابن المبارك عن محمـد بـن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: "ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلا إنسـاناً شتم معاوية فإنه ضربه أسواطاً (4)
ويبين الإمام ابن قدامة المقدسي فضل معاوية -رضي الله عنه- بقوله: "ومعاويـة خـال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين (5)وأيضاً ذكر أبو بكر الخلال فـي السـنة أنه وجهت رقعة إلى أبي عبدالله -أحمد بن حنبل- فيها: "ما تقول -رحمك الله- فيمن قـال: لا أقول أن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول أنه خال المؤمنين (6)فإنه أخذها بالسيف غصباً، قـال أبو عبدالله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون، ونبين أمرهم للناس (7) ومما يؤكد فضل معاوية -رضي الله عنه- صلة المصاهرة التي تربطه بالرسول -صـلى الله عليه وسلم- من خلال أخته أم حبيبة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسـلم-،
والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في بيان فضل نسبه: "ينقطع كل نسب إلا نسبي، وسببي، وصهري (8)وأيضاً مما جاء في بيان فضل معاوية -رضي الله عنه- أن أبا بكر المـروذي

------------------------------------------------
١ - صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، باب ذكر معاوية بن أبي سفيان -
٢٦٤-٢٦٣/٤ ،٣٧٦٤رضي الله عنه-،
٢ - شرح صحيح مسلم للنووي ،١٤٩/١٥ط دار الريان للتراث ١٤٠٧هـ.
٣ - البداية والنهاية لابن كثير - ١٣٩/٨ط دار ابن كثير، بيروت-.
٤ - المصدر السابق .١٣٩/٨
٥ - الاعتقاد لابن قدامة المقدسي ص.٧٠
٦ - وتسمية معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- بخال المؤمنين، وذلك نسبة إلى صلة القرابة بينه وبين أم
المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنها- حيث يصل إليها بصلة الأخوة.
٧ - السنة لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال، ح ،٦٥٩ص ،٤٣٤دراسة وتحقيق: د. عطية الزهراني، الناشر:
دار الراية، ط الأولى ١٤١٠هـ-١٩٨٩م.
٨ - السنة للخلال ح ،٦٥٦ص ،٤٣٣قال المحقق: إسناده حسن، وانظر: المسند لأحمد بن حنبل .٣٢٣/٤

قال: "قلت لأبي عبدالله أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز، فقال: معاوية أفضل، لسـنا نقيس أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحداً (1)وهذا مجاهد -رحمه الله- يقول في حق معاوية: "لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي (2)ويقول ابن سيرين -رحمه الله- أحد علماء الحديث: "كان معاوية لا يتهم في الحديث (3)
وقد ورد عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قوله: دخلت مع أبي على النبي -صـلى الله عليه وسلم- فسمعته يقول: "لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثـم تكلـم النبي -صلى الله عليه وسلم- بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال النبي -صـلى الله عليـه وسلم - فقال: "كلهم من قريش (4)ويعلق شارح الطحاوية على هذا الحديث بقولـه: "والاثنـا عشر، الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية، وابنه يزيد، وعبـد الملـك بـن مـروان وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال (5) وأيضاً من فضل معاوية -رضي الله عنه- أنه: "اتفق العلماء على أن معاوية أفضل من ملوك هذه الأمة فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، وكان ملكه ملكاً ورحمة، كما جاء في الحديث )يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبريـة،
ثم ملك عضوض (7)(6) وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيراً مـن ملك غيره(8) ثم بعد هذا العرض لفضائل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- يأتي الحبشي ويقول أنه لم يصح في فضائل معاوية -رضي الله عنه- شيء (9)وهذا الادعاء من قِبل الحبشي مردود بما سـبق بيانه، ويظهر بطلانه وفساده.

-------------------------------------------------
١ - المصدر السابق ح ،٦٦٠ص.٤٣٤
٢ - السنة للخلال ص.٤٣٨
٣ - المصدر السابق ص.٤٤٠
٤- صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، ح ،١٦١/٨ ،٧٢٢٣ ،٧٢٢٢صحيح مسـلم، كتـاب
الإمارة، باب الناس تتبع لقريش والخلافة في قريش، ح.١٤٥٢/٣ ،١٨٢١
٥ - شرح الطحاوية لابن أبي العز ص.٤٨٩
٦ - عضوض: أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم. انظر: النهاية في غريب الحديث .٢٥٣/٣
٧ - مسند الإمام أحمد ) ٢٧٣/٤بنحوه(، سنن الدارمي للإمام عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي السـمرقندي،
ح ،٨٥٥/٢ ،٢١٠١تحقيق وتخريج نصوصه: فؤاد زمزلي، خالد العلمي، الناشر: دار الريـان للتـراث،
القاهرة، ط الأولى ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م، وجاء فيه: "أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة."
٨ - مجموعة الفتاوى لابن تيمية .٢٩٢/٤
٩ - انظر: صريح البيان للحبشي ص.٢٢٩

وأما الذي وقع بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- فإنه كان مـن بـاب الاجتهـاد، فيوضح ذلك أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- بقوله: "وكذلك ما جرى بين علي ومعاويـة - رضي الله عنهما - كان على تأويل واجتهاد وكل الصحابة أئمة مأمونين غيـر متهمـين فـي الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم، وتعظيمهم، وموالاتهم، والتبـري من كل من ينقص أحداً منهم -رضي الله عن جميعهم (1)وبالمنهجية نفسها يتحـدث الإمـام النووي على ما شجر بين الصحابيين الجليلين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- بقوله: "وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم عـدول - رضي الله عنهم- ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحداً مـنهم عـن العدالة لأنهم مجتهدون … فكلهم معذورون -رضي الله عنهم- ولهذا اتفق أهل الحـق، ومـن
يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم، وروايـاتهم، وكمـال عـدالتهم رضـي الله عـنهم أجمعين (2)ويتحدث ابن تيمية عما حصل بين الصحابيين الجليلين بقوله: "ونعلـم أن بعـض المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين لهم أجران، أو مثابين علـى عملهـم الصالح المغفور لهم خطؤهم، وما كان من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسـنى، فـإن الله يغفرها إما بتوبة أو بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك (3)ويؤكد ابـن حجـر - رحمه الله- أن الذي وقع بين الصحابة إنما كان اجتهاداً منهم فيقول: "واتفق أهل السـنة علـى وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، … -والصـحابة- لـم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبـت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين(4)ويبين الإمام القرطبي أن الذي وقع بين الصحابة الكرام لا يسقط من مرتبتهم ولا يقلل من قدرهم لأنه كان من باب الاجتهـاد فيقـول: "فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنـى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى:مغْفِرةً وأَجرا عظِيمـا  ]الأحزاب: ،[٣٥وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القـدوة مـع علمهـم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك. وذلك غيـر مسـقط مـن مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصـيب (5) وبهـذا يتبين ما عليه علماء أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة علي ومعاوية -رضـي الله

-------------------------------------------------
١ - الإبانة للأشعري ص.٦٩
٢ - شرح صحيح مسلم للنووي - ١٤٩/١٥دار الريان للتراث-.
٣ - الوصية الكبرى لابن تيمية ص.٤١
٤ - فتح الباري لابن حجر .٣٤/١٣
٥ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي .٢٩٩/١٦


عنهما - مع اعتقادهم "أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عـن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق (1)وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن علياً -رضـي الله عنه- أقرب إلى الحق (2) وأما ادعاء الحبشي أن معاوية -رضي الله عنه- قاتل من أجل الملك فمردود عليه بمـا
عليه أئمة أهل السنة والجماعة، حيث يبين ابن حجر ذلك بأن الذين طلبوا الـدنيا هـم الـذين جاءوا من بعد، وأن الصحابة كانوا متأولين فيما حصل بينهم فيقول: "ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عدداً من الذين قاتلوا، وكلهم متـأول مـأجور إن شـاء الله بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا (3)وبهذا يبطل ادعاء الحبشي المغلوط فـي حق الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-. ية وأما عن وصف الحبشي لمعاو -رضي الله عنه- بالباغي فهذا تجاوز لـلأدب مـع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويرد على مثل هذا الادعاء بالتالي: -١لو لم يكن لمعاوية -رضي الله عنه- حسنة سوى أنه صاحب رسول الله -صلى الله عليـه وسلم- لكفته ولرجحت بمبغضيه جميعاً؛ وثبت في الصحيح أن حاطب بن أبي بلتعـة لمـا كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير النبي -صلى الله عليه وسـلم- إلـيهم، وبعـدما علـم الصحابة بذلك قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: "دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله قال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم (4)ويعلق ابن تيمية -رحمه الله- على ذلك بقوله: "وهذا مما يستدل به على أن ما جرى بين علي وطلحة والزبير ونحوهم، فإنه إما أن يكون اجتهاداً لا ذنب فيه، فلا كلام. فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصـاب فلـه

------------------------------------------------------------
١ - صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، ح.٧٤٦-٧٤٥/٢ ،١٠٦٥
٢ - الوصية الكبرى لابن تيمية ص ،٤٢انظر: منهاج السنة لابن تيمية .٤٤٨ ،٣٨٥/٤
٣ - فتح الباري لابن حجر .٣٤/١٣
٤ - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الممتحنة، ح ،٧٢-٧١/٦ ،٤٨٩٠صحيح مسلم، كتاب
فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم: وقصة حاطب بن أبـي بلتعـة، ح،٢٤٩٤
١٩٤٢-١٩٤١/٤

أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر (1)وإن كان هناك ذنب فقد ثبت أن هؤلاء -رضي الله عنهم- وغفر لهم ما فعلوه؛ … وأما من بعد هؤلاء السابقين الأولين، وهم الـذين أسـلموا بعد الحديبية، فهؤلاء دخلوا في قوله تعالى: وكُلا وعد اللَّه الْحسنَى] الحديد [(2)ويقال للحبشي أن "الباغي قد يكون متأولاً معتقداً أنه على حق، وقد يكون متعمداً يعلم أنـه باغٍ، وقد يكون بغيه مركباً من شبهة وشهوة وهو الغالب. وعلى كل تقدير فهـذا لا يقـدح فيما عليه أهل السنة، فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضـلاً عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون: إن الذنوب لها أسباب تُدفع عقوبتها مـن التوبة والاستغفار والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة وغير ذلـك، وهـذا أمـر يعـم الصحابة وغيرهم (3)وعند سلف الأمة يعتبر معاوية -رضي الله عنه- متأولاً ومعتقداً أنه على حق، وبالتالي لا يجوز وصفه بالباغي المتعدي لحدود الله، والمفتري على أوليائه. -٣وأيضاً: "فقتال البغاة المذكورين في القرآن (4)فنوع ثالث غير هذا وهذا، فإن الله تعالى لـم يأمر بقتال البغاة ابتداء ،بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين بالإصلاح بينهما، ولـيس هذا حكم المرتدين ولا حكم الخوارج، والقتال يوم الجمل وصفين فيه نزاع. هل هو مـن باب قتال البغاة المأمور به في القرآن؟ أو هو قتال فتنة القاعد فيـه خيـر مـن القـائم، فالقاعدون من الصحابة وجمهور أهل الحديث والسنة وأئمة الفقهاء بعدهم يقولـون: هـو قتال فتنة، ليس هو قتال البغاة المأمور به في القرآن، فإن الله لم يأمر بقتال المؤمنين البغاة ابتداء لمجرد بغيهم، بل إنما أمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم (5)وبالتالي لا يمكـن وصف معاوية -رضي الله عنه- بالباغي لترجيح جمهور أهل الحـديث والسـنة وأئمـة الفقهاء بأن القتال قتال فتنة لا قتال بغي، بل إن علماء السلف يرون أن شرط الفئة الباغية لم تتوفر في معاوية، فيقول ابن تيمية -رحمه الله- في ذلك: "وأما السلف والأئمة فيقـول أكثرهم -كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم- لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فإن الله لم يأمر بقتالها ابتداء ،بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما، ثم إن بغـت إحـداهما

-----------------------------------------
١ - صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إذا اجتهـد العامـل -أو الحـاكم-، ح،٧٣٥٢
،١٩٨/٨صحيح مسلم، كتاب الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهـد فأصـاب أو أخطـأ، ح،١٧١٦
) ١٣٤٣/٣بنحوه.(
٢ - مجموعة الفتاوى لابن تيمية .٢٨٢/٤
٣ - منهاج السنة لابن تيمية .٣٨٥/٤
٤ - وهو قوله تعالى: وإِن طَائِفَتَانِ مِن الْمؤْمِنِين اقْتَتَلُوا فَأَصلِحوا بينَهما فَإِن بغَتْ إِحداهما علَـى الْـأُخْرى
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي حتَّى تَفِيء إِلَى أَمرِ اللَهّ ] الحجرات:.[٩
٥ - منهاج السنة لابن تيمية .٥٠٢/٤

فيصل عساف
12-08-2016, 07:18 PM
على الأخرى قوتلت التي تبغي، وهؤلاء قوتلوا ابتداء قبل أن يبدءوا القتـال أي جـيش معاوية، ومع ذلك فإن علماء السلف يرون الأصوب ألا يكون قتال؛ وعلـي -رضـي الله عنه- أقرب من معاوية -رضي الله عنه- إلى الحق، يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "وكان ترك القتال خيراً للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن علياً كان أقرب إلى الحق من معاوية، والقتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب وكان ترك القتال خيراً للطـائفتين، مـع أن علياً كان أولى بالحق، هذا هو قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء وهو قول أكابر الصحابة والتابعين ويقول ابن تيمية -رحمه الله- في موضع آخر: "ولم يسترب أئمة السنة، وعلماء الحديث: أن علياً أولى بالحق وأقرب إليـه، كمـا دل علـيه الـنص، وإن استرابوا في وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغي، ومن
وصفها بالظلم والبغي .. جعل المجتهد في ذلك من أهل التأويل ولو كان معاوية باغياً -كما يدعي الحبشي- لما تأخر الصحابة الكرام عن قتالـه، ومـن المعلوم أن الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- لا يسكتون عن قول الحق ولو كان علـى أنفسهم، فيوضح ابن تيمية -رحمه الله- ذلك بقوله: "فالله تعالى أمـر بقتـال
الطائفة الباغية، فيكون قتالها كان واجباً مع علي، والذين قعدوا عن القتال هم جملة أعيان كسعد، وزيد، وابن عمر، وأسامة، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكْرة، وهم يروون النصـوص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في القعود عن القتال في الفتنة، وقوله -صلى الله عليـه وسلم : القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير مـن الموضع وقوله: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شـعف الجبـال،
ومواقع القطر: يفر بدينه من الفتن ويرد على الحبشي بأن النص الذي استدل فيه على وصف معاوية بـن أبـي سـفيان - رضي الله عنه- بالبغي وهو قول الرسول -صلى الله عليه وسلم - : "إن عمـاراً تقتلـه الفئـة الباغية وعلماء السلف وضحوا المقصود بهذا النص النبوي، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا النص: "ليس نصاً في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أريـد بـه تلـك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضى بقتل عمـار كـان حكمه حكمها . ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار، كعبد الله بن عمـرو بن العاص، وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار حتى معاوية، وعمرو وبهـذا
يسقط الاستدلال بهذا النص في أن معاوية باغٍ.
وبعد هذا العرض لما وقع بين الصحابيين الجليلين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- لا بد أن يعلم أن الأمة تقع فيها أمور بالتأويل سواء في دمائها وأموالها وأعراضها وما حصل بين الصحابيين الجليلين من جنس ذلك، وبالتالي لا يجوز للحبشـي وأمثالـه مـن مبغضـي الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان أن يصمه بالبغي والتعدي على حرمات الله وحـدوده،
بل كان ينبغي على الحبشي أن يكون موقفه مما حصل بين الصحابيين الجليلين علي ومعاويـة -رضي الله عنهما- كموقف السلف الصالح الذي يمثله قول الإمام عمر بن عبـد العزيـز - رحمه الله- حينما سئل عن حقيقة تلك الفتنة، ومن المحق فيها ومن المخطئ فقـال مسـتهجناً على السائل سؤاله: "تلك دم كَفّ الله عنها يدي، أريد أن ألطخ بها لساني وكـأن لسـان حاله -رحمه الله- يقول: تلك فتنة طهر الله منها سيوفنا وأيدينا، فالأولى أن نطهر منها ألسنتنا.
وأما عن حكم سب الصحابة عند علماء أهل السنة والجماعة فيوضحه الإمـام النـووي بقوله: "واعلم أن سب الصحابة -رضي الله عنهم- حرام من فواحش المحرمات سـواء مـن لابس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ويدخل ضـمن سـب الصحابة القدح فيهم وفي عدالتهم ووصفهم بصفات لا ينبغي أن يوصف بها أمثالهم كما صرح بذلك الحبشي ووصف معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- بالبـاغي، وهـذا مـا يؤكـده النووي عندما ختم كلامه بقوله: "سواء من لابس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلـك الحروب متأولون
وأيضاً يبين ابن تيمية -رحمه الله- حكم من يسب صـحابة رسـول الله - صلى الله عليه وسلم- بأنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين، فيقول: "من لعن أحداً مـن
أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ونحوهمـا، أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة، والزبير، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، أو أبـي بكـر الصديق، وعمر، أو عائشة أم المؤمنين وغير هؤلاء من أصحاب النبـي -صـلى الله عليـه وسلم - فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين والإمام الطحاوي يذهب أبعد من ذلك حيث يرى أن مجرد بغض صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كفر ونفـاق وطغيـان فيقول: "ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نفرط في حب أحدٍ مـنهم، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين، وإيمان، وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق، وطغيان ولهذا فإن اعتقاد علماء أهل السـنة والجماعة في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه: "يجب لهم من المحبة والتبجيـل والترضي والتفضيل على سائر الأمة، وتقبيح من آذاهم … والكف عما جرى بينهم مما لعلـه لم يصح عنهم، وما صح فله تأويلات سائغة، وإذا كان لأحد منهم هنات تقع مكفـرة مسـتهلكة في عظيم حسناتهم وجسيم مجاهداتهم لا أن يسبوا ويقللوا من شـأنهم ويصـفوهم بأبشـع وأشنع الصفات التي لا تُقبل في حق العلماء فضلاً عن حق الصحابة الكرام.

المبحث الثالث: موقف الأحباش من عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها :
يذكر الحبشي تحت عنوان "الخارجون على علي بغاة وتحت هـذا العنـوان يبـين الحبشي أن الذين قاتلوا الإمام علياً خرجوا عن طاعته، ثم يعلق في الهـامش علـى خـروج عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- ضمن الذين خرجوا في المطالبة بدم عثمان -رضي الله عنه-، وأنها -رضي الله عنها- أرادت الرجوع فأصر القوم على الـذهاب معهـم، فـذهبت للإصلاح ولم تذهب للقتال ثم يتجرأ الحبشي بالقول على أم المؤمنين عائشة -رضـي الله عنها - ووصمها بارتكاب المعصية فيقول: "وكان معصيتها وقوفها في معسكر الذين تمـردوا على علي الخليفة الراشد ويؤكد الحبشي هذا المعنى الذي قال به عندما يتحدث عـن نـدم عائشة -رضي الله عنها- فيقول: "وثبت أيضاً ندم عائشة -رضي الله عنها- على ما فعلـت،
وهو أنها مكثت في المعسكر الذي كان ضد علي مع كونها لم تخرج بنية قتاله ولم تقاتلـه ومن المعلوم أن الندم في حق المؤمنين يكون بعد ارتكاب ما لا يرضي الله -سبحانه وتعالى-، والتعدي على الآخرين.
والذي يظهر من كلام الحبشي تجرؤه على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- كمـا فعلت الرافضة من قبل، وهذا كله لأن عائشة -رضي الله عنها- وقفت فـي صـف الـذين طالبوا بدم عثمان -رضي الله عنه- والذين اعتبرهم الحبشي بأنهم تمردوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وهذا أيضاً ما ذهب إليه المعتزلة، فيقول ابن تيمية - رحمه الله- تحت عنوان "أهل الأهواء في قتال علي ومن حاربه على أقوال: … والثاني: تفسيق من قاتله إلا من تاب، ويقولون: إن طلحة، والزبير، وعائشة تابوا، وهـذا مقتضى ما حكى عن جمهورهم كأبي الهذيل وأصحابه، وأبي الحسـين وغيـرهم وهـذا موافق لكلام الحبشي عندما وصف أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بالندم عما فعلت وبهذا يظهر مشاركة الحبشي لأهل الأهواء من معتزلة ورافضة وغيرهم في موقفهم من كرام
الصحابة ومن ضمنهم أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وكان الأولى بالحبشي بـدل أن يترك العنان للسانه للخوض في عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإيذائه فيه أن يكف
عن ذلك، وهذا منهج السلف الصالح في التعامل مع مثل هذه الأحداث، فقد جاء عن ابن تيميـة -رحمه الله- قوله: "وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم أي بين صحابة رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -، والواجب احترام نساء النبي -صلى الله عليه وسـلم- فيقـول ابن تيمية في حق نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وجوب احترامهن، فهن أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم وهذا المنهج في التعامل مع الأحداث التـي حصـلت بـين صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليس بغريب ولا بمبتدع بين علمـاء أهـل السـنة والجماعة، فمثلاً يتحدث ابن حجر -رحمه الله- عما بدر من عائشة -رضي الله عنهـا- فـي الخروج لموقعة صفين والجمل، فيتحدث بكل أدب رفيع لئلا يخدش هيبة أهل البيت الكـرام - رضي الله عنهم- لدى المسلمين فيقول: "والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانـت متأولـة هـي
وطلحة والزبير، وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلـة عثمـان - رضي الله عنهم أجمعين وبعد هذا العرض يظهر لكل ذي لب البون الشاسع بين عـرض المسألة من قِبل الحبشي، وبين عرض الإمام ابن حجر وتأدبه مع أهل بيت النبوة مـن حيـث حسن اختيار الألفاظ.
وأيضاً إلصاق وصف المعصية في حق زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بسبب وقوفها في صف الذين طالبوا بدم عثمان -رضي الله عنه-، فيه تجني عليها ومجانبة للصواب!!، فلماذا لا يعتبر الحبشي أن هذا اجتهاد î*¤منها -رضـي الله عنها -؟ فإن أصابت فلها أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن أخطأت فلها أجر واحـد، وهو أجر الاجتهاد؛ فكان الأولى بالحبشي أن ينحى في هذه المسألة هذا المنحى. ولا يقصد مما سبق أن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها معصومة من الخطـأ، فكل ابن آدم خطّاء، ولكن المقصود وجوب التأدب عند عرض هذه المسألة الحرجـة، وعـدم إيذاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- في زوجه عائشة -رضي الله عنها-، وهي التـي ورد في فضلها الكثير من الأحاديث، والتي منها : ما قاله أبو سلمة إن عائشة -رضـي الله عنهـا-
قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوماً: "يا عائشة هذا جبريـل يقرئـك السـلام"، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته
ومدحها الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضـل الثريـد علـى سـائر الطعام ولمكانة عائشة عنده -صلى الله عليه وسلم- يرفض أن تؤذيه إحدى زوجاته في الكـلام عنها -رضي الله عنها- فيقول -صلى الله عليه وسلم- لأم سلمة: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشـة فإنه والله ما نزل على الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها فكيف بالذي يتجرأ على الكـلام
في حقها ووصفها بفعل المعاصي، من غير دليل صحيح على صلى الله عليه وسلم.! والذي عليه العلماء في أن عائشة -رضي الله عنها- من "أفضل نسائه -صلى الله عليه وسلم- في العلم النافع،والفقه الناصع، فلها من الفضل في ذلك ما ليس لغيرها من سائر أزواجه -صلى الله عليه وسلم -حتى كان الأكابر من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورضي عـنهم إذا أشكل عليهم أمرها من الدين استفتوها فيجدون علمه عند وبهذا يظهر فضل أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها - وتنكشف عنها الشبهات التي قال بها الحبشي . وفي خاتمة هذا الفصل لا بد من بيان موقف أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصـحابة الكرام،يوضحه الشيخ الحكمي بقوله":أجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتد بإجماعهم على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة الكـرام -
رضي الله عنهم-بعد قتل عثمان-رضي الله عنه-والاسترجاع على تلك المصائب التي أصـيبت بها هذه الأمة،والاستغفار للقتلى من الطرفين،والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة،والاعتراف لهم بسوابقهم،ونشر مناقبهم عملاً بقول الله عز وجل:ïپ‌والَّذِين جاءوا مِن بعدِهِم يقُولُـون ربنَـا اغْفِر لَنَا ولِإِخْوانِنَا الَّذِين سبقُونَا بِالْإِيمانِ ïپ›الحشرواعتقاد أن كلاً منهم مجتهد إن أصاب فله أجران:أجر على اجتهاده،وأجر على إصابته،وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد والخطأ مغفور،ولا نقول إنهم معصومون بل مجتهدون إما مصيبون وإما مخطئون لم يتعمدوا الخطأ في ذلك. ومـا روي من الأحاديث في مساويهم الكثير منها مكذوب،ومنه ما قد زيد فيه أو انقضى منه وغير عن وجهه،والصحيح منه هم فيه معذورون وأما من يقول بخلاف ذلك فهو:إما إنسـان جاهـل لا يعرف من أمر الدين شيئاً، وإما إنسان موتور صاحب حقد دفين لا بد من النظر في أمره،ويكون بذلك مخالفاً ما عليه علماء السلف.
موقف الأحباش من العلماء
موقفهم من الأستاذ الشهيد: سيد قطب : يوجه الحبشي مجموعة من الاتهامات للأستاذ الشهيد سيد قطب -رحمه الله-، ومنها أنـه
يقتدي بكلام بعض الملاحدة ثم يرميه بعد ذلك بالكفر بطريق غير مباشر، حيث يقول: "وكـذلك لا يجوز تسميته سبحانه بالقوة كما فعل سيد، وكأنه اقتدى بكلام بعض الملاحدة الذين يقولـون: )إن للعالم قوة مدبرة(، ويعنون أن الله هو هذه القوة، ولعلّ هذا مما اكتسبه منهم حين كان مـع الشيوعية إحدى عشرة سنة … وكذلك تسمية قطب الله بالعقل المدبر، لأن العقـل صـفة مـن صفات البشر، والجن، والملائكة، وهذه التسمية تدخل تحت قول الإمام أبي جعفـر الطحـاوي في كتابه الذي ألفه لبيان ما عليه أهل السنة : ومن وصف الله بمعنى من معـاني البشـر فقـد كفر وفي المعنى نفسه يقول الحبشي في المطالب الوفية: "فإطلاق سيد قطـب )الريشـة المبدعة( و )القوة الخالقة( على الله ممنوع بالاتفاق لأنه ليس وصفاً، فالريشة اسم من أسـماء الأعيان، والقوة صفة وليست لفظاً من ألفاظ الوصف
والأحباش لا يكتفون بتكفير الأستاذ الشهيد سيد قطب -رحمه الله- بل يقومون بالتحـذير من كتاباته، واعتباره من المتطرفين، فيقول عدنان طرابلسي -أحد تلاميذ الحبشي- في بيـان خطر كتابات سيد قطب -رحمه الله- ليحذَر الناس منها: "مثل كتب سيد قطب، وابـن تيميـة

فيصل عساف
12-08-2016, 07:21 PM
وغيرهما من المتطرفين، وعلى هذا ساهمت هذه الكتب مع اللقاءات، والندوات فـي تكـريس أعمال العنف ويعتبر الأحباش أن الأستاذ الشهيد سيد قطب -رحمه الله- من رموز الإرهاب والتطرف في هذا العصر، فيقولون: "سيد قطب وأمثاله هم رموز التطرف والإرهاب في هذا العصر وتتمحور اتهامات الحبشي للأستاذ الشهيد سيد قطب في أنه قلد الفلاسفة واستخدم ألفاظـاً في حق الله لم ترد في الشرع كتسمية الله بالقوة، وبالعقل الفعال، والريشـة المبدعـة، وهـذه المعاني تطلق على المخلوقات، وبالتالي من يصف الله بمعنى من معـاني المخلوقـات فهـو كافر والنتيجة تكفير سيد قطب -رحمه الله-. ولا شك أن هذا تسرع في إطلاق الأحكام على دعاة المسلمين وعلمائهم، والبحـث عـن سقطات العلماء -إن وجدت أصلاً- وإطلاق ألفاظ التكفيـر، وذلـك مـن خـلال الاسـتدلال بنصوص علماء السلف في غير موضعها حيث إن الحبشي يستند فيما سبق إلى قـول الإمـام الطحاوي: في أن من يصف الله بمعنى من معاني البشر فإنه يكفر وهذا الاستدلال من قِبل الحبشي في غير موضعه وذلك للتالي:
-1أن الإمام الطحاوي قال ذلك القول تعقيباً على من شبه كلام الله بكلام البشر فيقـول: "وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية؛ فمن سمعه فـزعم أنه كلام البشر فقد كفر
2 - الألفاظ التي أوردها الحبشي والتي من خلالها كَفّر الأستاذ سيد قطب بمعانٍ متوهمة مـن عنده؛ لم يثبت عن الأستاذ الشهيد اعتقاده فيها، بل إن اعتقاده قد استقاه من النبع الصـافي الكتاب والسنة، وإليه يدعو المسلمين؛ ومن خلال استقراء مصدر القوة لدى الجيل القرآني الفريد أي الصحابة الكرام فيقول: "إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسـول الله - صلى الله عليه وسلم- وهديه العملي، وسيرته الكريمة، كلها بين أيدينا كذلك، كمـا كانـت بين أيدي ذلك الجيل الأول، الذي لم يتكرر في التاريخ ويجلى القول في حقيقة مصدر فكره من خلال بيان معنى العبودية فيقول: "العبودية الله وحده هي شطر الركن الأول فـي العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلا الله، والتلقي عن رسول الله -صـلى الله عليه وسلم- في كيفية العبودية- هو شطرها الثاني، المتمثل في شهادة أن محمداً رسـول الله ومن كان هذا شأنه كيف يمكن أن يقول بألفاظ مخالفة لمنهج الله.! 1- يسأل الحبشي عن مدى صحة هذه الألفاظ مع معانيها الفاسدة التي نسبها للأسـتاذ الشـهيد سيد قطب، فلا يجوز أن يقتطع كلمة من نص متكامل، ثم يفسره حسب مراده، فعلى سبيل المثال: ينسب الحبشي لسيد قطب -رحمه الله- أنه قال في حق الله )الريشـة المبدعـة( و )القوة الخالقة ( وهذا مخالف لما قاله سيد قطب -رحمه الله- والحبشي حرف كلامـه،
فيقول سيد -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ]واعتَصِموا بِحبـلِ اللَّـهِ جمِيعـا [آل عمران وهكذا ]وكُنْتُم علَى شَفَا حفْرةٍ مِن النَّارِ [آل عمران موشـكين
على الوقوع تكاد أقدامكم تزل فتهوون.
وليس المهم لدينا في هذا المجال دقة التشبيه وصدقه. إنما المهم أولاً هو هذه الصـورة القلقـة المتحركة الموشكة في الخيال على الزوال. ولو استطاعت ريشة مصور بالألوان أن تبـرز هـذه الحركة المتخيلة في صورة صامتة لكانت براعة تحسب في عالم التصوير، والمصور يملك الريشة واللوحة والألوان، وهنا ألفاظ فحسب يصور بها القرآن وقال فـي موضـع آخـر: "ونحـن نستعرض هنا بعض هذه النماذج استعراضاً سريعاً على طريقة عرضها في القـرآن، وقـد أسلفنا بعضاً منها في فصل التصوير الفني، ومكانها كان في الواقع هناك فما هي إلا لمسـات الريشة الخالقة في التصوير، ولكنها لا تمت إلى النماذج القصصية بسبب وهذه النصوص
الواردة التي فيها لفظ )الريشة( وليس فيها ما يدل على أن سيد قطب -رحمه الله- سـمى الله بها، ولكنه أديب يظهر أسلوبه الأدبي البياني في كتاباته، ومن لمحاته الأدبية ما ذكـره هنا وبالتالي "فإن ما أشاعه الحبشي على سيد قطب -رحمه الله- بأنه وصف الله تعالى بالريشـة دعوى مكذوبة باطلة لا نصيب لها من الصحة، إن سيد قطب بحسه المرهف، وأسلوبه البليـغ يرسم بخاطره الأدبي، وذوقه الفني، وحسه القرآني عظمة التصوير القرآني الذي يرسم حالة العرب قبل الإسلام، وكيف أنقذهم الله تعالى من الهلاك والضياع، فكأن حالهم حال قوم علـى شفا حفرة من النار موشكين على الوقوع فيها، ولو استطاعت ريشة مصـور فنـان مبـدع يستعمل الألوان أن تبرز هذه الحركة المتخيلة في صورة صامتة لكانت براعة تحسـب فـي عالم التصوير.

لكن القرآن الكريم يستعمل الألفاظ )لا الألوان( التي يفوق تصويرها تصـوير أي فنـان مهما بلغت إجادته وبراعته. إن أي طالب علم يملك قدراً من علوم البلاغة والذوق الأدبـي لا يفهم البتة مما قاله سيد قطب أن الله تعالى موصوف بالريشة في هذا الكلام، ومع كل هذا فإن أئمة الدين يقولون: لا يجوز لنا أن نحكم على مسلم بكلمة قالهـا، أو نقلـت عنـه، أو كتبهـا أوجدت شبهة، إلا بعد الرجوع إليه لمعرفة مقصده فيما قال.
فكيف حكم الحبشي على سيد قطب بالكفر، مع أن الكلام لا يحتمل شبهة يعتمد عليها في التكفير؟ وفي المعنى نفسه يتحدث الشيخ أبو طلال القاسمي عن هذا الادعـاء للحبشـي،
يقول: "إن الشيخ سيد قطب رحمه الله قال: )الريشة المبدعة( وهو رحمه الله كان أديباً، وقـد اقتبس هذه اللفظة من قوله تعالى: ]وصور كم فَأحسن صو ر كم [غافر وهذا نفسـه ينسحب على ادعاء الحبشي بأن سيد قطب -رحمه الله- سمى الله بالقوة، أو العقل المـدبر حيث إن صح أنه أطلق هذه المسميات على الله يسأل هل أردت بهـا إطلاقـات الفلاسـفة؟ والإجابة دون ريب بالسلب، لأن الأستاذ الشهيد سيد قطب أوعى من أن ينزلق في مثل هـذا المزلق العقائدي، مع عدم ادعاء العصمة له فيما يقوله؛ ويعبر الدكتور الخالـدي عـن هـذا المعنى بقوله: "يقرأ أحد هؤلاء عبارة لسيد قطب، ولا يكلف نفسه أن يجمع معهـا مثيلاتهـا،
وإنما يحملها ما ليس فيها، ويستخرج منها ما لم يقل سيد فيها، وينسب لسيد رأيـاً لـم يقلـه، ويلزمه بأشياء لم تلزمه، وذلك بسبب تطبيق )مفهوم المخالفة( على تلك العبارة ويعلل الحبشي هجومه على الشهيد سيد قطب بأنه سمى الله بأسماء لم ترد في الشرع، فيقال للحبشي:هذا الأمر الذي هاجمت غيرك من أجله قد وقعت فيه،وذلك عندما أجزت أن يطلـق على الله اسم الطاهر مع اعترافك الضمني أنه لم يرد في الشرع فيقول الحبشي":أما إذا قلنا يا طاهر على الله فيجوز،لأن معناه المنزه عن النقائص وبالتالي يظهر أن الحبشي لا توجـد لديه منهجية ثابتة سوى اتباع الهوى في إطلاق أحكامه المتسرعة ضد خصومه.
وأما عن غمز الحبشي للشهيد سيد قطب -رحمه الله- بانتمائه للشيوعية إحـدى عشـرة سنة، فيقال له: أن الأعمال بخواتيمها كما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وسـلم- قولـه:

"إنما الأعمال بخواتيمها والأستاذ سيد -رحمه الله- لقي الله شهيداً من أجل كلمة لا إله إلا الله حيث أُعدم من أجل قول كلمة الحق، مفضلاً لقاء الله سبحانه وتعالى، على البقاء في هـذه الدنيا صامتاً لا يحرك ساكناً في وجه الظلم.
بل إن الشهيد سيد قطب -رحمه الله- رويت عنه كلمات تـدل علـى اسـتعلائه علـى الضغوط وقوة إيمانه، فلما سمع الحكم عليه بالإعدام، قال: "الحمد الله؛ لقد عملت خمسة عشـر عاماً لنيل الشهادة ومن المساومات التي واجهها سيد قطب -رحمه الله- مقابل التراجع عن إعدامه، أرسلت إليه الطغمة الحاكمة أخته )حميدة( لتقنعه بالاعتذار عما كتبه وقاله، مقابل إطـلاق سـراحه،
قال: "لن أعتذر عن العمل مع الله ويتجلى هذا الاستعلاء بأوضح أشكاله ضد قوى الظلـم والتكبر المتمثلة في السلطة الحاكمة عندما طُلب منه كتابة كلمات يسترحم عبد الناصر فقـال: "إن إصبع السبابة الذي يشهد الله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفاً يقر به حكـم طاغية وقال رداً على ذلك الطلب: "لماذا أسترحم؟ إن سجنتُ بحق فأنا أقبلُ حكم الحـق!
وإن سجنتُ بباطل فأنا أكبر من أسترحم الباطل!!!" وبعد هذا هل يتبقى مكان للغمز علـى الشهيد سيد قطب -رحمه الله-؟.!!
وأما عن تحذير الأحباش للمسلمين من كتابات سيد قطب -رحمه الله-، واعتباره رمـزاً من رموز التطرف في هذا العصر لا بد من استقصاء كتب سيد قطب الإسـلامية، حيـث يمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام: - القسم الأول:كتبه القرآنية الجمالية، التي حلل فيها-رحمه الله-التعبير القرآني تحليلاً فنيـاً
بيانياً جمالياً،ويمثل هذا الفن كتابه)التصوير الفني في القرآن( و)مشاهد القيامة في القرآن.( - القسم الثاني: كتبه الفكرية الإسلامية التي ألفها قبل خوضه مرحلة الاعتقال
والتي بدأها بكتابه )العدالة الاجتماعية في الإسلام.( وهي أربعة كتب: العدالة الاجتماعيـة
في الإسلام، ومعركة الإسلام والرأسمالية، والسلام العالمي والإسلام، ودراسات إسلامية.

القسم الثالث: الكتب الفكرية التي ألفها الشهيد -رحمه الله- في سجنه، وتعتبر تحولاً كبيراً في فهمه للإسلام، والقرآن، والدعوة، والمواجهة، والجهاد، وهي أربعة كتب: هذا الـدين، والمستقبل لهذا الدين، والإسلام، ومشكلات الحضارة، وخصائص التصور الإسلامي. - القسم الرابع: الكتب القرآنية الدعوية الحركية، وفيها فسر القرآن تفسيراً حركياً تربويـاً، وهما كتابان: في ظلال القرآن، ومعالم في الطريق. - القسم الخامس: كتابه الذي ختم به تصانيفه، وهو الذي ألفه بعد سجنه الثاني
وقبيل استشهاده وهو كتاب )مقومات التصور الإسلامي(، والذي طبع بعد استشهاد صاحبه بعشرين سنة وأي ناقد منصف لهذه الكتب بمجموعها دون استثناء يعلم أنها من أجمل وأروع ما كتـب في الفكر الإسلامي المعاصر، من حيث طريقة الكتابة، وأسلوب العرض الشـائق، والأفكـار الصحيحة الخالية من أي انزلاق عقائدي أو فكري؛ بل يضاف إلى الكم المعرفي الغزير لـدى الشهيد -رحمه الله- ما فتح الله عليه من فنٍ جديد في كتاباته وهو فـن التصـوير الجمـالي لألفاظ القرآن الكريم؛ حيث إن الله منحه قدرة للتعبير عن مكنونات الألفاظ القرآنية واكتشـاف الكنوز القرآنية الجمالية البيانية وهو ما وضعه في كتابه )التصوير الفني في القرآن (فهذا يظهر أن كتابات الأستاذ الشهيد تدور ما بين إظهار الجانب الإعجـازي البلاغـي البياني للقرآن، وما بين العمل على إصلاح الفرد والمجتمع للعود الأحمد إلى النبع الصـافي
الكتاب والسنة، لتحكيم شرعة الله على هذه البسيطة، فيكون تحذير الأحباش من كتاباتـه فـي غير موضعها، لأنه لا يعتمد على منهجية علمية، بل يعتمد على الأمزجة والأهواء لديهم.
وأما أن يكون التحذير من كتابات الأستاذ الشهيد بسبب انحرافه في المعتقدات، وهذا أمر معلوم الفساد، لأن سيد قطب -رحمه الله- صاحب منهج سلفي في العقيـدة، وتظهـر عقيـدة الأستاذ سيد قطب في كتابه )مقومات التصور الإسلامي(، وفيه يتحدث عن حقيقة الألوهيـة وأنهـا الحقيقة الأولى الكبرى الأساسية، والحقيقة الفاعلة العميقة، في التصور الإسلامي. وفي ظل عرض حقيقة الألوهية يرى سيد قطب -رحمه الله- أن الإنسان لا يمكن أن يكون شيئاً في واقـع الأرض إلا إذا امتلأ كيانه كله بحقيقة الألوهية، عند ذلك يقوم بواجبه في خلافـة الأرض، والصـبر علـى عقبات الطريق، ومواجهة أعداء الله، وإنشاء الواقع الإسلامي الذي يريده الله

ويبين سيد قطب -رحمه الله- حقيقة التوحيد بقولـه: "إن معرفـة الله -سـبحانه- فـي التصور الإسلامي تبدأ من نبذ كل الصور التي انبثقت ابتداء من تصورات البشر، وأوهـامهم عن ذات الله -سبحانه- وصفاته، لتستقى مباشرة من تعريـف الله لعبـاده بذاتـه وصـفاته، وخصائصه وأفعاله، وكيفيات أفعاله، وهي تُتلقى من هذا المصـدر وحـده، ولا تتلقـى مـن مصدر آخر غيره … والله سبحانه ليس كمثله شيء مما خلق على الإطلاق، ولا يملك الخيال البشري -مهما اجتهد- أن يعثر على شبيه له في صورة أو حال ]لَـيس كَمِثْلِـهِ شَـيء [الشورى ] ولِلَّهِ الْمثَلُ الْأَعلَى [النحل ] فَلَا تَضرِبوا لِلَّهِ الْأَمثَالَ [النحل ]ولِلَّهِ الْأَسماء الْحسنَى فَادعوه بِها وذَروا الَّذِين يلْحِدون فِي أَسمائِهِ [الأعـراف وبتحكيم هذه النصوص الجازمة تسقط كل التصورات التي جاءت بها الوثنيات ويتحدث في موضع آخر عن حقيقة التوحيد من خلال المنهج القرآني فيقول: "التركيـز في المنهج القرآني ابتداء على التوحيد لأعلى الوجود .. توحيد الذات الإلهية .. فالله سـبحانه ذات واحدة لا تتعدد، ولا تتبعض، ولا تندمج معها ذوات أخرى، ولا تتلبس بها فـي صـورة من صور الاندماج أو التلبس .. هذه الذات الواحدة متصفة بصفات تنفـرد بهـا كـذلك فـلا يشاركها فيها أحد .. ومن وحدانية الذات وتفردها بهذه الصفات تتضـح وحدانيـة الفاعليـة والتأثير والتدبير، ووحدانية الهيمنة والسلطان في الدنيا وفي الآخرة سواء … ويبلغ المـنهج
القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية على هذا النحو، وشمول هذا التعريف ودقته ووضـوحه ما لا يبلغه منهج آخر على الإطلاق .. أن الله سبحانه ذات واحدة متفردة الصـفات لا نظيـر لها ولا شبيه وبعد عرض هذه النماذج التي تظهر معتقد الرجل -رحمه الله- يتبين مما لا خلاف فيـه أن الشهيد سيد قطب -رحمه الله- سلفي المنهج والاعتقاد، والتحذير منه ومن كتاباته إنما هو تحذير من منهج السلف الصالح، لأنه -رحمه الله- لا يمثل نفسه فيما يكتـب إنمـا يصـول ويجول بقلمه في التراث الإسلامي وفق ما سار عليه السلف الصالح، وبهذا تسقط الاتهامـات التي وجهت للأستاذ الشهيد -رحمه الله- من الحبشي وتلاميذه.
موقفهم من الشيخ أبي الأعلى المودودي :
الأحباش لم يوفروا جهداً في التشنيع علـى العلمـاء العـاملين فـي العصـر الحـالي، وذلك من خلال التقليل من شأنهم، أو تصـيد الأخطـاء لهـم، أو إثـارة الشـبهات حـولهم، ليحذر الناس منهم وبالتالي من دعوتهم ويبتعدوا عـنهم؛ فالأحبـاش يعتبـرون الشـيخ أبـا الأعلى المودودي رمزاً للتطرف والإرهـاب، وذلـك يظهـر مـن خـلال تشـنيعهم علـى الدكتور يوسف القرضاوي حيث يرون أن من مثالبه مدحـه للعلمـاء أمثـال أبـي الأعلـى المودودي فيقولـون: "نـرى فـي أغلـب كتـب القرضـاوي مدحـه لزعمـاء التطـرف والإرهاب أمثال … أبي الأعلى المودودي وللرد على الأحباش في مزاعمهم ضد الشـيخ أبـي الأعلـى المـودودي لا بـد مـن معرفة التربية التي تلقاها منذ صغره حيـث إن الشـيخ المـودودي نشـأ فـي بيئـة دينية محافظة، كان لها الأثر العظيم فـي نشـأته، وتكـوين شخصـيته، فاشـتهر منـذ صـغره
بالذكاء وقوة الملاحظة، وسرعة البديهة والفهم. وكان والده من العلماء الصالحين الذين امتهنوا مهنة المحاماة والدفاع عـن المظلـومين، فعني بتربية ولده وتثقيفه، فبدأ بتعليمه القرآن الكريم واللغتـين العربيـة والفارسـية، والفقه والحديث، ولم تمض سنوات حتى كان أبو الأعلى المودودي الفتى الصغير قـد حصـل مـن
العلوم في خمس سنوات ما لم يحصله نظراؤه من الأطفال، واستمر معه والـده علـى الـنهج نفسه في تعليمه وتوجيهه حتى استوى يافعاً، فألحقه بالمدرسة الثانويـة حتـى أنهـى التعلـيم

فيصل عساف
12-08-2016, 07:32 PM
الثانوي. وبهذا تم للمودودي ما أراده والده من قوة إيمانه وثباته على الدين، وتمسكه بالأخلاق الحميدة والشمائل الكريمة (1) وعن التزام أبي الأعلى المودودي بتعاليم الدين يظهر من خلال أقواله، فيعبر عن ذلـك بقوله: "يمكن لآرائي أن تتغير طبقاً للأدلة العلمية والعقلية، إلا أن إيمـاني وضـميري لـيس
بالشيء القابل للبيع (2) وعندما اختير أميراً للجماعة الإسلامية بالإجماع ألقـى فـيهم الخطـاب التـالي: "أنـا لست أكثركم علماً، ولا أكثركم تقـوى، ولسـت بأفضـلكم مـن أي ناحيـة مـن النـواحي، وعلى كل حال حين اخترتموني لهذا العمل العظـيم، وأظهـرتم اعتمـادكم علـي ، فـإنني لا أملك إلا أن أتوجه بالدعاء إلى الله عز وجل أن يعطينـي القـوة للاطـلاع بهـذه المسـئولية …، ولي عليكم حق وهو أن تتبعوني طالما كنـت أسـير علـى طريـق الصـواب، ولـن أحيد أبداً -إن شاء الله- عن طريق كتـاب الله وسـنة رسـوله -صـلى الله عليـه وسـلم- وطريق الخلفاء الراشدين (3) إن الفترة التي كان يعيش فيها الإمام المودودي فتـرة تمـوج بأحـداث خطيـرة بعـد
الحرب العالمية الأولى، وما تلاها من أحداث جسـام فـي العـالم الإسـلامي، حيـث كـان الإنجليز يحكمون الهند حكمـاً اسـتعمارياً غاشـماً، وكـان يعـاني المسـلمون مـن هـذا الاحتلال الإنجليزي الذي كان يقابله دعم وتأييد للطائفة الهندوسـية فـي الهنـد مـن قـبلهم، وسـقوط الخلافـة الإسـلامية سـنة ١٣٤٢هــ، ودعـوة رؤسـاء الهنـدوس المسـلمين للانضواء تحت لواء القومية الهندوسية المدعومة مـن الإنجليـز، وإثـارة الشـبهات حـول الخلافة الإسلامية، فأدى ذلك إلى دفـع الإمـام المـودودي للـرد علـى هـذه الافتـراءات والشبهات، فألف كتاباً سماه )الجهاد فـي سـبيل الله(، ولـم يتجـاوز المـودودي الخامسـة
والعشرين، ثم توجه إلى العمـل فـي الصـحافة مـن خـلال إصـداره مجلة )ترجمـان القرآن( وجعلها منبراً إسلامياً خالصاً يدافع عن الإسـلام، ويـرد علـى شـبهات الحاقـدين ويفندها ويبين هزالها وعدم صحتها، وأشـترك فـي مجلـة )تـاج(، وشـارك أيضـاً فـي

----------------------------------------------
١ - انظر: علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب ،٨-٦/٢أبو الأعلى المودودي ومنهاجه في الإصلاح والدعوة
إعداد صالح حسين الرقب ص) ٨٨-٨٧مخطوط( سنة ١٤٠٢هـ-١٤٠٣هـ، مجلة الجامعة الإسلامية،
المدينة المنورة، ص ،٢٢٩العدد الأول من السنة الثانية عشرة رمضان ١٣٩٩هـ.
٢ - أبو الأعلى المودودي فكرته ودعوته أسعد جيلاني ص ،١١٣-١١٢ترجمة: د. سمير عبد الحميد إبراهيم،
الناشر: مطبعة المكتبة العلمية، لاهور، سنة ١٣٩٨هـ.
٣ - المرجع السابق ص.٤٦

جريدة )مسلم( (1) وهذا العمل الذي كان يقـوم بـه الإمـام المـودودي يمثـل جانبـاً مـن جهاده وبلائه ضد أعداء هذا الدين. ولكن الجهاد بالقلم لم يشبع رغبة الإمام المودودي، ولم يكن على المستوى المطلوب أمام التحديات التي كان يحياها، فانتقل من جهاده باللسان والقلم إلى جهاده العملـي الحقيقـي فقـام بتكوين جماعة إسلامية، لتقوم بتطبيق ما دعا إليه مـن آراء نظريـة فـي مجـال التشـريع الإسلامي (2)وكان يهدف من وراء ذلك إلى الوصول إلى تطبيق شرع الله -سبحانه وتعالى-،
وبالتالي فإن هناك مراحل خاضها الإمام المودودي -رحمه الله- من أجل تطبيق شرع الله: أولاً: إعداد الدستور الإسلامي:
قام المودودي بإعداد الخطوط العريضة للدستور الإسلامي الـذي يجـب علـى الدولة المسلمة أن تسير عليه، وقد أعلن المودودي عن هذا الدستور أمام أعضاء الجماعة الإسـلامية أثناء إحدى الحملات الانتخابية.
وأرادت الحكومة الباكستانية أن تعرقل قضية الدستور فـدعت العلمـاء مـن مختلفـي النزعات من سنة وشيعة وغيرهم، لوضع الدستور وهي تعلم أن اجتماع كلمة العلمـاء علـى رأي في هذا الأمر بعيد المنال، فأرادت أن تظهر بمظهر المؤيد للإسلام في حين أنها تعلـم أن ذلك لا يتم، ولكنها تريد أن تحمل مسئولية تعطيل الدستور للعلمـاء، ولكـن الله خيـب ظـن الحكومة حين اجتمع مجموعة من العلماء لمواجهة تحدي الحكومة، ووضع المبادئ الأساسـية للدولة الإسلامية، ولقد شارك المودودي بجهد مبارك فـي هـذا الاجتمـاع، إذ قـدم للعلمـاء مجموعة من المبادئ العامة للدستور الإسلامي، فوافقوا عليها بالإجماع بعد أن أدخلوا عليهـا
بعض التعديلات البسيطة).(٣ ثانياً: تصدي الإمام المودودي للحكومات التي تعرقل الدستور الإسلامي:
بعد خروج المودودي -رحمه الله- من السجن في مايو ١٩٥٠م، قام بعقـد المـؤتمرات والاجتماعات الشعبية، ثم قاد المودودي حركة شعبية واسعة للضغط على الحكومة وإجبارهـا

--------------------------------------------------------
١ - انظر: مجلة الجامعة الإسلامية ص ،٢٣٠-٢٢٩العدد الأول رمضان ١٣٩٩هـ، مقال بعنوان )أبو الأعلى
المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية للشيخ: محمد شريف الزئبق(، علماء ومفكرون
عرفتهم للمجذوب .٩-٨/٢
٢ - انظر: مجلة الأزهر ص ،١٣١٨الجزء ٩رمضان ١٤٠٢هـ- يوليو ١٩٨٢م، مقال بعنوان )أبو الأعلى
المودودي(، علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .١٦-١٤/٢
٣ - أبو الأعلى المودودي للرقب ص ١٣٤-١٣٣بتصرف )مخطوط.(

على وضع الدستور. ونتيجة لجهود الإمام المودودي أوعزت الحكومة لمجلسها التشـريعي أن يقدم توصياته بشأن الدستور وذلك في سبتمبر ١٩٥٠م، ولما كانت التوصـيات التـي قـدمها المجلس التشريعي منافية في كثير من بنودها للشريعة الإسلامية، قام المودودي بانتقادها وبيان عيوبها في اجتماع شعبي، مما اضطر الحكومة إلى سحب التوصيات (1) ثالثاً: المطالبة بالدستور الإسلامي:
من المعلوم أن دولة باكستان قد قامت باسم الإسلام، وأن المسلمين قد بـذلوا أرواحهـم، ودماءهم من أجل ذلك. ولكن لما قامت دولة باكستان بدأ الحكام والقادة يتنكرون للشعب المسلم في باكستان، وأرادوا أن تكون الدولة علمانية، وفطن الإمـام المـودودي لسياسـة الحكومة وأعمالها، وقام بنشاط واسع شمل أنحاء البلاد من أجل المطالبة بإقامة شرع الله وتنفيـذه فـي واقع الحياة، فعقد الندوات وألقى المحاضرات؛ وشمل نشاط المـودودي -رحمـه الله- الفئـة المثقفة، وخاصة الذين لديهم صلة بدراسة القوانين الوضعية والنظم مـن المحـامين والقضـاة وأساتذة وطلاب كلية الحقوق بلاهور، حيث اجتمع مع هؤلاء، وأخـذ يشـرح لهـم النظـام الإسلامي وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان (2) وبعد هذا العرض الموجز لمعالم حياة الإمام المودودي، يمكن إجمال أهم أعماله فيما يلي :
-1مجابهة الجاهلية، وبيان آثارها الفاسدة في المجتمع الإسلامي المعاصر، فأوضح مضارها على الجانب الفكري والجانب الاجتماعي، والجانب الخلقي، وانتقد المتعصـبين للمـذاهب الفقهية، وانتقد دعاة الاجتهاد المطلق، ودعاة التحرر من الدين، ومنكـري حجيـة السـنة،
وآثار بكتاباته وخطبه هم العلماء الواقفين عند التراث القديم
٢ - بيان العقيدة الإسلامية من مصادرها الأساسية: الكتاب والسنة، فشرح مبادئ العقيدة، وبين التصور الإسلامي الصحيح للكون والإنسان والحياة، وشرح العبادات الإسلامية، وشـرح جوانب الإسلام الخلقية والسلوكية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية
٣ - قام ببيان دور الإسلام في حل مشكلات الحياة الإنسانية قديماً وحـديثاً، وبيـان مميـزات
الحضارة الإسلامية وفضلها على الإنسانية، وانتقد الحضارة الغربية وما تشتمل عليه مـن نظريات وفلسفات باطلة، وأفكار زائفة من شأنها تقويض الإيمان فـي نفـوس المسـلمين المتأثرين بها. وعرف المودودي المسلمين على الطريق المناسب لإقامـة ديـن الله علـى

-------------------------------------------------------
١ - أبو الأعلى المودودي للرقب ص ١٣٥-١٣٤بتصرف.
٢ - المرجع السابق ص ١٣٦بتصرف.

منهج السلف. وبين لهم المحاولات التي بذلت من قبل لإقامته في واقع الناس، وأخيراً دعا المودودي الناس إلى تطبيق الإسلام في حياتهم، وطالبهم أن ينقضوا على أنفسهم الجاهليـة التي سيطرت على حياتهم أمداً ليس بالقصير (1)وبالتالي من قام بمثـل هـذه الأعمـال، وضحى من أجل رفعة دين الله، وتحمـل الابـتلاءات، لا يجـوز أن يلقـب بـالمتطرف والإرهابي، كما يفعل أعداء الله من يهود ونصارى ومن ولاهم يسمون الدعاة بالمتطرفين، وذلك لصد الناس عن دعوتهم وإبعادهم عن طريق الله؛ وخاصة أن منهج الإمام المودودي منهج سلمي أخذ به وجماعته، وعندما واجه القوى الشريرة حيث واجههـم بالتظـاهرات السلمية (2)
وبالتالي فإن كل من يحط من شأن الإمام المودودي لا بـد أن يعلـم أن مكانـة الإمـام المودودي إنما بناها إخلاصه للحق، وما فتح الله عليه من العلم الذي قدم به الحلول لمشكلات الإنسان في هذا العصر؛ والإمام المودودي من المتضامنين من أجل إعلاء كلمـة الله بشـتى السبل حتى أن المملكة العربية السعودية منحته جائزة الملك فيصل، فقـام بتحويـل الجـائزة بأسرها إلى حساب الجماعة الإسلامية لتنفقها في خدمة الدعوة إلى حقائق الإسلام (3)

------------------------------------------------------------------------
١ - أبو الأعلى المودودي للرقب ص.٢٧٨-٢٧٧
٢ - انظر: علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .١٨/٢
٣ - انظر: المرجع السابق .٣٣/٢

موقفهم من الدكتور يوسف القرضاوي : (1)
يظهر موقف الأحباش من الدكتور القرضاوي من خلال كتاباتهم التي ينشـرونها تحـت مسميات مختلفة مثل: )النقض الكاوي لدعوى يوسف القرضاوي(، )نصيحة لعامة المسلمين - القرضاوي في ميزان الشريعة(، والذي يظهر من هذه العناوين أن الأحباش يشـنون هجمـات عنيفة على الدكتور يوسف القرضاوي، ويصفونه بأبشع الصـفات حيـث يجعلونـه محرّفـاً، وصاحب أخطاء وهفوات كثيرة، فيقول خليل دربان -أحد تلاميذ الحبشي-: "وكـأن صـاحب الفتوى -أي الدكتور يوسف القرضاوي- قد غره سكوت أهل العلم عن فضح أخطائه وهفواته … وغير ذلك مـن ضلالات في الأصول والفروع يندى لها الجبين (2)ويتحـدث )دربـان( بكل تهكـم واستخفاف في حق الدكتور يوسف القرضاوي فيقول: "ولسنا أول من يـرد علـى أمثال هذا الدكتور (3) ويرى الأحباش أن الدكتور يوسف القرضاوي من الذين أفسدوا في الأرض وفتنوا العباد وأنه تميز بالوقاحة وقلة الحياء من الله، فيقولون: "ومن هؤلاء رجل أفسد في الـبلاد، وفـتن العباد وهو الشيخ يوسف القرضاوي الذي دفعته وقاحته وقلة حيائه من الله، إلى الظهور علـى شاشات التلفزة الفضائية ليفتي بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان (4)
ومن مآخذ الأحباش على الدكتور القرضاوي أنه مدح في معظم كتبه زعمـاء التطـرف والإرهاب أمثال سيد قطب، وأبي الأعلى المودودي وابن عبد الوهاب وغيرهم مـن العلمـاء العاملين (5)ويعلقون على ذلك بقولهم: "وهذا يشهد بفكر القرضاوي المتطرف مع كونه يـدعي

----------------------------------------------------
١ يوسف القرضاوي: يوسف عبدالله القرضاوي )أبو محمد(، ولد عام ١٩٢٦م في قرية )صفط تراب( من
توابع المحلة الكبرى في مصر، وحفظ القرآن في العاشرة، والتحق بالأزهر في كلية أصول الدين، ونـال
عدة شهادات، ثم التحق بقسم التفسير والحديث من كلية أصول الدين )الدراسات العليا( عام ١٩٦٠م ثـم
شرع في إعداد أطروحة الدكتوراه عن )الزكاة في الإسلام( حيث كان مقرراً أن ينتهي منها خلال سنتين
إلا أنه اعتقل في السجون المصرية، فأخرت موعد إجازته حتى صيف ١٩٧٣م، ويعتبر الشيخ القرضاوي
من أشهر الدعاة المعاصرين، وحالياً يقطن في دولة قطر، ويعمل أستاذاً في جامعتها، بالإضافة إلى ذلك
يرأس مجموعة من النشاطات الدعوية والعلمية، ومن مصنفاته: العبادة في الإسلام، الحلال والحرام فـي
الإسلام، الناس والحق وغيرها . انظر: علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .٤٦٥-٤٦١/١
٢ - النقض الكاوي لدريان ص.٥-٤
٣ - المصدر السابق ص.٤٧
٤ - نصيحة لعامة المسلمين شبكة المعلومات . www.aicp.de
٥ - المصدر السابق . www.aicp.de

أنه داعية للوسطية والاعتدال بين الجماعات وميوله إلى هؤلاء واضح وصـريح تكـاد كتبه تنطق بذلك (1) وبهذا يظهر تحامل الأحباش على الدكتور القرضاوي، وحقدهم عليه، وموقفهم منه. والملاحظ أن الأحباش يسيرون على منهجية واحدة في التعامل مع خصومهم وذلك مـن خلال توجيه الاتهامات إلى معتقداتهم، ووصفهم بأقذع الصفات وأبشعها، بالإضافة إلى الـتهكم والسخرية بالخصم والاستهزاء به وبعلمه، وهذا ما حصل مع الشيخ القرضاوي، حيث وصفه الأحباش بأنه محرّف، وصاحب أخطاء وهفوات كثيرة، وأنه قد أصابه الغرور لسكوت العلماء عليه، وبالتالي فإن له ضلالات في الأصول والفروع، وهذا كله أدى بـه إلـى الفسـاد فـي
الأرض، وفتنة العباد، بل تعدى الأمر إلى شتمه ووصفه بالوقاحة وعدم الحياء من الله (2)ولا شك أن هذه الاتهامات تدل على عدم الموضوعية في النقاش من جهة، ومن جهة تـدل علـى الفجور في الخصومة، وأن ذلك بعيد عن روح التسامح والتماس الأعذار للغير، ولـيس فيه إنصاف للخصم من حيث إبراز محاسنه ولو كان الطرف الثاني هو الخصم.
فيقال للأحباش ما الدليل على أن الشيخ القرضاوي محرّف؟؟ وما الأخطـاء والهفـوات الكثيرة التي جعلتكم توجهون له هذه الاتهامات دون ضابط؟؟ وما ضلالات الشيخ القرضـاوي في الأصول؟؟ هل يقصد بذلك أنه وصف الله بما وصف به نفسه دون تحريف، أو تشـبيه، أو تعطيل، أو تكييف فهذا هو منهج السلف، أم أنه انتقد الزيـارة البدعيـة للقبـور مـن توسـل بالأموات والاستغاثة بهم، وأيضاً هذا هو طريق السلف؛ ومع هذا فإن السلف يثبتون العصـمة للأنبياء من البشر دون غيرهم، فإن أخطأ الدكتور القرضاوي في مسألة ما -وهذا جائز فـي حقه- يناقش في ذلك ويراجع، وخاصة لأن العلم عبارة عن رحم موصول بين أهله لا يقطـع لمجرد خطأ أو زلل وقع فيه الإنسان دون قصد، أو حتى بقصد دون الإصرار عليه.
بل إن الشيخ القرضاوي بين وجهة نظره في مسألة التساهل أي تسهيل أمر الدين علـى الناس ويكون ذلك في الفروع لا في الأصول فيقول: "والتساهل الذي أعنيه هو التساهل فـي الفروع والوسائل، لا في الأصول والأهداف (3) وأما وصف القرضاوي بأنه يفسد في الأرض، ويفتن العباد فهذا قول مردود بمـا علـى أرض الواقع، حيث إن الشيخ القرضاوي من الدعاة العاملين الذين يعملون على توحيد الصف

-------------------------------------------------
١ - نصيحة لعامة المسلمين شبكة المعلومات . www.aicp.de
٢ - انظر: النقض الكـاوي لـدريان ص ،٤٧ ،٥-٤نصـيحة لعامـة المسـلمين -شـبكة المعلومـات-
. www.aicp.de
٣ - علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .٤٨٧/١

الإسلامي، ويدعو إلى وضع المسائل الخلافية جانباً، لئلا تؤدي إلى إضعاف الصف الإسلامي في مرحلة تجمعت قوى الكفر كلها من يهودية ماكرة، وصليبية حاقدة، وأفكار كفريـة ضـالة ضد الإسلام وأهله، فهل هذا الفعل من الإفساد في الأرض، ونشر الفتنة بين العباد؟؟.!
وأيضاً ما يلقاه الدكتور القرضاوي من ثقة ومحبة من المسلمين لتؤكد على صحة منهجه وعدم فساده،وإن كان لكل إنسان أخطاء، فتندرج تحت الخطأ البشري غير المعصوم أحد منه.
وأما وصف الدكتور القرضاوي بالوقاحة وقلة الحياء مع الله، فهذا التعـدي لـيس مـن الأدب في شيء، فإنه لا يصح بأي حالٍ من الأحوال التعامل مع الخصم من خـلال الجـرح والقدح في شخصه، بل إن الشرع نفى أن يكون المسلم بالطعـان أو اللعـان أو الفـاحش أو البذيء، فلهذا لا بد من الاعتدال عند التحاور، وعدم الانجرار وراء العاطفة، والخروج عـن المنهجية العلمية في النقاش؟.!
وأما عن ذم الأحباش للدكتور القرضاوي بسبب مدحه للعلماء العاملين، الـذين يسـميهم الأحباش زعماء التطرف والإرهاب، أمثال: الشهيد سيد قطب -رحمه الله-، وأبـو الأعلـى المودودي -رحمه الله-، والإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وغيرهم (1)وهذا تجـنٍ على الشيخ القرضاوي وعلى العلماء العاملين -رحمهم الله-، فهذه الاتهامات لهم بأنهم زعماء التطرف والإرهاب، إنما صدرت من أعداء هذا الدين، وذلك ليصدوا النـاس عـن دعـوتهم، وليضعوا الحواجز والعقبات أمامهم ليبتعد الناس عنهم، وعندما فعل ذلك أعداء الدين كان لهـم هدف واضح هو الصد عن سبيل الله، ولكن يقال للأحباش أنكم تقولون عن أنفسكم أنكم دعـاة إلى الله!! فكيف يمكن التوفيق بين كونكم دعاة إلى الله، وبين إطلاقكم هذه الاتهامات الشـنيعة في حق علماء المسلمين -رحمهم الله-؟.!
ولبيان تهافت الادعاءات في حق الدكتور القرضاوي لابد من الاطـلاع علـى بعـض جوانب شخصيته، وما يتصل بها من أحداث أثرت فيه: - لا بد من معرفة أن هناك مجموعة من المؤثرات أثرت في شخصيته وصـقلته، وجعلتـه قوي الشكيمة، يستطيع أن يتحمل أعباء الحياة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، حيث كانت بداية
نشأته العلمية على مائدة القرآن حيث حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، وتربى ببيت متمسـكٍ بدينه فساعده على الالتزام بالدين منذ صغره، وتأثر فيما بعد بالإمام الشهيد حسـن البنـا:
حيث يقول القرضاوي: "إن أعظم الشخصيات أثراً في حياتي الفكريـة والروحيـة هـي شخصية الشهيد العظيم حسن البنا، مؤسس كبرى الحركات الإسلامية الحديثة (2)

--------------------------------------------------------------
١ - انظر: نصيحة لعامة المسلمين -شبكة المعلومات- . www.aicp.de
٢ - علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .٤٦٦/١

فيصل عساف
12-08-2016, 07:39 PM
أما عن ثقافته وعلمه فيقول: "وأنا الآن أقرأ في كل العلوم الإسـلامية تفسـيراً، وحـديثاً، وفقهاً، وأصولاً، وتوحيداً، وتاريخاً، وتصوفاً، وأخلاقاً، وقد ظن بعض الناس -لاشـتغالي بالنواحي الفقهية والأصولية- أنني خريج كلية الشريعة، والواقع أنني ابن أصول الـدين، ولكن نزعة التحرر من التقليد والعصبية جعلتني أهـتم بفقـه الكتـاب والسـنة، وأعنـى بالموازنة بين الأقوال والمذاهب، وأرجع إلى أصول الأدلة، وبخاصة أني اشتغلت بالفتوى من زمن غير قليل تحريراً ومشافهة (1)وهذه الثقافة لدى الشيخ يوسف القرضاوي دفعتـه إلى التأليف والتصنيف ومن أشهر ما كتبه:
الحلال والحرام في الإسلام، العبادة في الإسلام، مشكلة الفقر وكيف عالجهـا الإسـلام، الناس والحق، الإيمان والحياة، فقه الزكاة، عالم وطاغية، درس النكبة الثانيـة، شـريعة الإسلام، الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا، الخصائص العامة للإسـلام، قضـية التكفير بين الغلو والتقصير، الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، شـبهات المرتـابين والمشككين في الحل الإسلامي، أعداء الحل الإسلامي، الصبر في القرآن، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، إلى غير ذلك من التصانيف للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (2)
والشيخ القرضاوي يعتبر من العلماء العاملين حيث لاقى من الابتلاءات والمحن ما لاقى حيث اعتقل عدة مرات بسبب نشاطه من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، فيقول عن ذلك: "وقد أدى انتمائي إلى دعوة الإخوان المسلمين إلى اعتقالي عدة مرات. أولها: اعتقـالي سـنة
١٩٤٩ نحو عشرة أشهر في عهد الملك فاروق، وقد كنت طالباً في السنة الخامسـة الثانويـة …، ثم كان اعتقالي في ٢يناير ١٩٥٤م لمدة شهرين ونصف في عهد الثورة، ثم في نـوفمبر
١٩٥٤م لمدة عشرين شهراً تقريباً، ثم في يونيو ١٩٦٢م نحو خمسين يوماً قضيتها في سـجن انفرادي في مبنى مخابرات الثورة (3) ويبين الدكتور القرضاوي الأحداث الرهيبة التي عاشها في فترة اعتقاله وخاصة الأيام التي قضاها في السجن الحربي خلال محنة ١٩٥٤م، فسـطر قصيدة أسماها )النونية( والتي قال في خواتيمها متحدياً جبروت الطغاة:
ضع في يدي القـيد، ألهب أضلعي بالسوط، ضع عنقي على السكين لن تستطيع حصار فكري سـاعة أو نـزع إيمـاني ونـور يقيني فالنور فـي قلبي، وقلبي في يدي ربي، وربي ناصـري ومعـيني سأعيـش معتصماً بحبل عقيدتي وأمـوت مبتسماً، ليحيـا ديني (4)

--------------------------------------------------------------
١ - علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .٤٧٠/١
٢ - انظر: المرجع السابق .٤٧٧-٤٧٦/١
٣ - المرجع نفسه .٤٧٣-٤٧٢/١
٤ - انظر: المرجع نفسه .٤٨٢/١

ولمعرفة طبيعة معتقد الشيخ القرضاوي، وفكره الدعوي ويوجد ذلك في وصاياه للعلمـاء المعاصرين التي يجب أن يأخذوا بها، ليعود الإسلام إلى الحياة منها
1 - أن يكون ولاؤهم الله سبحانه، ولدينه وحده، لا لقوميـة، ولا لوطنيـة، ولا لأنظمـة، ولا لأحزاب، ولا لأشخاص إلا بمقدار اتصالها بالإسلام وقربها منه
. – 2 أن يجعلوا مستندهم في كل قضية الرجوع إلى كتاب الله، وما صح من سـنة رسـول الله، مهتدين بهدي السلف الصالح لهذه الأمة في فهمهم لروح الإسـلام، واتبـاعهم لمناهجـه، عاملين على تحرير الإسلام مما شابه وابتدع فيه -على مر القرون- من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين
-3 أن يجهروا بكلمة الحق في وجوه الطغاة والمتألهين، وأن يأمروا بالمعروف وينهـوا عـن المنكر، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا سطوة ظالم
4- أن يعرفوا عصرهم، وعدوهم، ومعركة وقتهم .. فلا يشغلوا أنفسهم وطلابهم وجمهـورهم بمعارك جانبية، أو فرعية، أو تاريخية، غافلين عن معركة الوقت ومعركة المصير
٥ - أن يتخذوا من قاعدة المنار الذهبية شعاراً لهم ودستوراً يتعاملون به فيما بيـنهم: نتعـاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه
6 - أن يقفوا إلى جانب كل حركة إسلامية سليمة الاتجاه، تعمل على العودة بالإسلام إلى قيادة الحياة من جديد، وصبغ المجتمع بصبغة إسلامية (1)
وبعد هذا العرض السريع لأهم جوانب شخصية الدكتور القرضاوي وأهم المؤثرات فـي حياته، لا بد من ذكر بعض أوجه النشاط في خدمـة الـدعوة الإسـلامية، فيقـدم الـدكتور
القرضاوي بعض الصور من ذلك النشاط بقوله:
أ- "في المجال الجامعي: حيث أعمل أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربيـة في قطر، وذلك بعد أن عملت اثنتي عشرة سنة مديراً لمعهد قطر الديني الثانوي ….
ب- في الميدان الشعبي: عن طريق الخطابة، والوعظ، وإلقاء الدروس بالمساجد.
ج- في المجال الإعلامي: عن طريق البرامج التي أقدمها في الإذاعة والتليفزيـون، ومنهـا برنامج أسبوعي لمدة نصف ساعة في إذاعة قطـر للـرد علـى رسـائل المـواطنين واستفتاءاتهم، ومثله في التليفزيون، وذلك بعد إنشاء الإذاعة والتليفزيون القطريين. هـذا عدا برامج توجيهية أخرى أقدمها بين حين وآخر، وبخاصة في شهر رمضان.
د- المحاضرات التي أُدعى لإلقائها بتكليف من الجامعات والجمعيات والأندية والمؤسسـات الثقافية وغيرها في بلاد العرب والإسلام، وأحياناً خارج الوطن الإسلامي.

--------------------------------------------------
١ - انظر: علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .٤٨٩-٤٨٦/١

هـ - المشاركة في المؤتمرات والندوات الإسلامية العلمية في البلاد الإسلامية وغيرها، مثـل ندوة التشريع الإسلامي في ليبيا، والمؤتمر التاريخي الأول فـي بيـروت، والمهرجـان التعليمي لندوة العلماء بالهند، والمؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة، ومؤتمر الفقه الإسلامي بالرياض، ومؤتمر الدعوة والدعاة بالمدينة المنـورة، ومـؤتمر اتحاد الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة وكندا وغيرها.
و - كتابة المقالات والبحوث في المجلات الإسلامية، التي تصدر في أنحاء شتى من وطننـا الإسلامي.
ز - تأليف الكتب في مختلف مجالات الثقافة الإسلامية (1)وأخيراً إن كانت هناك كلمة فيقال أن الدكتور "القرضاوي ليس أول ضحاياهم .. ولا آخرها (2)
ومما سبق بيانه في هذا الفصل، يتبين أن الأحباش حادوا عن جادة الصواب في التعامل مع علماء الأمة القدامى منهم، والمعاصرين حيث إنهم كفروهم، ووصفوهم بأبشع الصـفات، وتهكمـوا عليهم، وسخروا منهم، وهذا كله مخالف لما عليه أئمة أهل السـنة والجماعـة الـذين قـدروا العلماء واحترموهم وإن كانوا مخالفين لهم في المذهب، لأنهم يعلمون أن أولئـك القـوم إنمـا يمثلون الإسلام بعلمهم وما قالوه إلا تعظيماً وإجلالاً لهذا الـدين، وإن أخطـأ بعضـهم فـي
الاجتهاد، وحاد عن الصواب، لأنهم فقهوا نصوص القرآن التي تحض علـى احتـرام العلـم
والعلماء والتي منها قوله تعالى ]قُلْ هلْ يستَوي الـذ ِين يعلمـون والـذ ِين لَـا يعلمـون [ الزمر وقوله تعالى ]يرفع الله الذ ِين آمنوا مِـنْكم والـذ ِين أُوتـوا الْعلْـم درجـات ٍ[ المجادلة وتخصيص الله العلماء لخشيته في قوله تعالى ]إِنّما يخْشى الله مِـن عِبـاده ِ الْعلماء [فاطر
وأما الأحاديث التي تبين فضل العلم والعلماء كثيرة منها : ما رواه معاويـة -رضـي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من يرد الله بـه خيـراً يفقهـه فـي الدين (3)وما رواه عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبـي -صـلى الله عليـه وسلم -: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتـاه الله
------------------------------------------------------
١ - علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب .٤٧٥-٤٧٤/١
٢ - مجلة الأسرة ص ،٣٦العدد - ٧٧شعبان ١٤٢٠هـ-.
٣ - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ح ،٣/١ ،٧١صحيح مسلم، كتاب
الزكاة، باب النهي عن المسألة، ح.٧١٨/٢ ،١٠٣٧


الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها (1)ودعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس: "اللهم علمه الكتاب (2)وأي خيرٍ أفضل من العلم؟؟، ولهذا حرص علماء السلف على عدم جـرح أو قدح أي عالم من العلماء المعاصرين لهم أو القدامى لمكانتهم، وحتى لا يكون ذلك سـبباً فـي خوض عوام الناس في أعراض علماء الأمة الذين هم الحصون المانعة والواقية لهـذا الـدين، ومن أفضل ما قيل في الابتعاد عن ذلك ما ورد عن الإمام الحارث بن أسد المحاسـبي حيـث قال: "وينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وألا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض، إلا إذا أتى ببرهانٍ واضح؛ ثم إن قدرت علـى التأويـل وتحسـين الظـن فدونك، وإلا فاضرب صفْحاً عما جرى بينهم، فإنك لم تُخْلَق لهذا، فاشتغل بما يعنيك، ودع مـا لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم عندي نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين السـلف الماضـين، ويقضي لبعضهم على بعض، فإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبـي حنيفـة وسـفيان
الثوري … فإن اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك فالقوم أئمة أعلام ولأقوالهم محامل، ربمـا يفهم بعضها، فليس لنا إلا الترضي عنهم (3)ولذلك الحذر من الخوض في أعراض العلمـاء،
فقد قال الإمام ابن عساكر محذراً من ذلك: "لحوم العلماء مسمومة، وهتـك أسـتار منتقصـهم معلومة . -وقوله أيضاً-: لحـوم العلمـاء سم مـن شمهـا مـرِض، ومن ذاقهـا مـات (4) ولما سبق بيانـه يتوجـب علـى الأحبـاش أن يكفـوا وينتهـوا عن الخوض في أعـراض العلماء، ويتقوا الله فيهم.

--------------------------------------------
١ - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، ح ،٣١-٣٠/١ ،٧٣صحيح مسلم، كتاب
صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيـره
فعمل بها وعلمها، ح.٥٥٨/١ ،٨١٥
٢ - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- اللهم علمه الكتاب، ح.٣١/١ ،٧٥
٣ - طبقات الشافعية للسبكي .٢٧٨/٢
٤ - الكواكب الدرية للكرمي ص.٢٣٥

و في النهاية كلنا يعلم ان الحبشي لما دخل الى لبنان دخلها و هي تحت الاحتلال النصيري الشيعي فهنا يرد السؤال :
كيف للمقبور حافظ اسد و حسن نصر اللات ان يسمحوا لمتشرد طريد بدخول لبنان و تشكيل ميليشيا مسلحة تحت مسمى ديني و تسمح له بتوسيع نفوذه من خلال الجمعيات و المؤسسات الاخرى ؟؟!!