المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدرس السابع من دروس المنطق



فيصل عساف
11-20-2016, 05:01 AM
الدرس السابع من دروس المنطق
[ فَصْلٌ في مباحِثِ الأَلـــْفاظِ ]
[لقد ذكرنا قبل أن المناطقة لا علاقة لهم بالألفاظ، ولكن لما كانت المعاني لا يمكن عادة نقلها إلا بالألفاظ، اهتموا بذكر بعض القواعد المتعلقة بها، والتي من المهم لدارس علم المنطق التنبه إليها ومعرفتها. قال:]
26 26. مُسْـتَـعْمَلُ الأَلْفاظِ حَيْثُ يــُـوجَدُ
إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ
27 27. فَأَوَّلٌ ما دَلَّ جُزْؤُهُ عَلى
جُزُءِ مَعْناهُ بِعَكْسِ ما تلا
28 28. وَهْوَ عَلى قِسْمَيْنِ أَعْني المُفْرَدا
كُـلِّـيٌّ اوْ جُزْئِيٌّ حَيْثُ وُجـِــدا
29 29. فَمُفْهِمُ اشْتِراكٍ الكُـلِّيُّ
كَـأَسَدٍ وَعَكْسُهُ الجُزْئِيُّ
30 30. وَأَوَّلاً لِلذَّاتِ إِنْ فيها انْدَرَجْ
فَانْسِبْهُ أَوْ لِعارِضٍ إِذا خَرَجْ
31 31. وَالكُـلِّـيِاتُ خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقاصْ
جِنْسٌ وَفَصْلٌ عَرَضٌ نَوْعٌ وَخاصْ
32 32. وَأَوَّلٌ ثَلاثَةٌ بِلا شَطَطْ
جِنْسٌ قَريبٌ أَوْ بَعيدٌ أَوْ وَسَطْ
هذا شروع من المصنف رحمه الله تعالى في الألفاظ والكليات الخمس.
[أقول: الألفاظ قبل استعمالها لا يلتفت إليها( )، لأن المقصود منها هو الإفادة، ولا إفادة قبل الاستعمال، ولذلك نظر المناطقة إلى الألفاظ المستعملة فقسموها إلى قسمين].
لو فرضنا وجود لفظ في اللغة قبل أن يستعمل، فلا قيمة له، أي بدون استعمال، لأن المقصود من الألفاظ هو إفادة المعنى، لذلك فالناظم قسم مستعمل الألفاظ، ولم يقسّم مطلق اللفظ. والقسم [الأول: المفرد، وهو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، سواءٌ لم يكن له جزء كباء الجر، أو له جزء ولكن لا يدل على معنى( ) كأسماء الأعلام].
الألفاظ تنقسم إلى مفردة ومركبة، المفردة كأسماء الأعلام: عمر، أحمد .. إلخ، فالهمزة لا تدل مثلًا على رأس أحمد، فهذا معنى أن جزأه لا يدل على جزء معناه، [والثاني: المركب وهو ما دل جزؤه على جزء معناه، فيخرج ما لا جزء له فهو غير مركب، ويخرج ما له جزء لا يدل على جزء معناه كزيد، فإن حرف الزاي مثلًا لا يدل على جزء من معنى زيد، وكعبد الله] عَلَمًا، فلا يقال أن "عبد" جزء من معنى "عبد الله" لأن "عبد الله" اسم علم، [وكتأبط شرًا، والحيوان الناطق، حال استعمالها أعلامًا] لأنه يمكن استعمالها لا على وصف الأعلام، فلذلك قيّد، [ولا يقال إن الأعلام الأخيرة تدل على معنى، فإن هذا المعنى المدلول عليه كان قبل جعلها أعلامًا] أي الأمثلة المذكورة، [أما بعده فصارت أجزاؤها كزاي زيد لا تدل على شيء، ودلالتها السابقة صارت نسيًا منسيًا.
واللفظ المفرد ينقسم من حيث صدقه إلى قسمين: فإن اشترك صدقه على أكثر من واحد بمجرد تعقله فهو "اللفظ الكلي"، فالكلي ما أفهم اشتراكًا بين أفراده بمجرد تعقله].
بعض الألفاظ: نفس اللفظ تطلقه على أكثر من مصداق، كقولك: هذا كأس، وهذا كأس، وهذا كأس، فكلمة (كأس) استعملتها على أكثر من شيء، فكلمة (كأس) لفظ كلي لأن المراد بها ليس ذاتًا مشخصة كما في قولك: (زيد) علمًا، بل هي تطلق على أكثر من مصداق.
مثال آخر: كلمة (إنسان) فإنها تطلق على زيد وعلى عمرو وعلى أحمد و .. إلخ، فهي لفظ كلي، أي: مدلولها معنى كلي صادق على كثيرين.
[وعكسه وهو ما لا يُفهم الاشتراك بين أفراده بحسب وضعه يسمى "اللفظ الجزئي"، فمثال الكلي لفظ أسد، ولفظ إنسان، ولفظ حيوان] وجهة الكلية فيها أن كل واحد من هذه الألفاظ تطلق على أكثر من واحد، [فـ (أسد) مثلاً لا ينحصر صدقه على عدد معين من الحيوانات المعروفة.
ولا يشترط في الكلي وجودُ أفراد له، لا واحدٍ ولا أكثر، بل يصح] كونه كليًا [سواءً لم يوجد منه فرد مع استحالة أن يوجد منه شيء كـ"الجمع بين الضدين"].
الجمع بين الضدين يستحيل وجوده، ومع ذلك فكلمة "الجمع بين الضدين" أمر كلي، لأنه يفرض في الذهن صدقه على كثيرين، وإن لم يصدق في الواقع على كثيرين، ولا على واحد، فالمقصود: أن الكلي قد يكون أمرًا عدميًا.
[أو مع إمكان أن يوجد منه فرد كبحر من زئبق، أو وجد منه فرد مع استحالة غيره كالإله، أو مع إمكان غيره كشمس، أو وجد منه أفراد متناهية كالإنسان، أو غير متناهية كصفة وموجود وشيء، فإنها تصدق على صفات الله تعالى القائمة بذاته التي لا نهاية لأفرادها كما دلت عليه السنة] وهي قوله عليه الصلاة والسلام: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، [واستحالة وجود ما لا نهاية له إنما تثبت في حق الحوادث] هذا جواب على سؤال مقدر: (كيف تقولون بأن كمالات الله تعالى لا نهاية لأفرادها، وفي الوقت نفسه تقولون باستحالة وجود ما لا نهاية له؟).
[ومثال الجزئي كلمة "زيد"، فإنها موضوعة لمعنى مشخص لا يتناول غيره، ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه لأشخاص كثيرين، لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معيّنٍ مشخَّص] أي: كلمة "زيد" من حيث الوضع لم توضع لكل واحد، بل وضعت لهذا على حدة ولهذا على حدة، وهكذا ... ، بينما كلمة "إنسان" لم توضع لهذا على حدة ولهذا على حدة، بل وضعت على مفهوم الإنسان، ثم صدقت على الجميع، فكلمة: "الإنسان" تدل على مفهوم كلي، وتصدق على جزئيات كثيرة.
[وقد بحث المناطقة في المعاني الكلية، وصنفوها من حيثيات معينة، والسبب في ذلك أن المعانيَ الكلية علوم معينة يمكن أن تكون مطلوبة للباحث، وما كان كذلك فإن من شأن المنطق أن يبحث فيه ويحدد النواحي التي يمكن ضبطها ليتم الوصول بها إلى المطلوب] هذا بيان فائدة وغاية مبحث الكليات، نضرب مثالًا كلمة "الإنسان": فهي تدل بحسب الاصطلاح على حيوان ناطق، و"الإنسان" تصدق على زيد الذي هو أسمر اللون أو أبيض، وتصدق على زيد الذي هو سمين أو ضعيف، وتصدق على زيد الذي هو إما طويل أو قصير. كلمة "حيوان" تصدق على زيد، وعلى "أسد" الذي هو ليس من جنس الإنسان. كلمة "الجسم" تصدق على زيد وعلى "أسد" وعلى "حجر". فالمعاني صار بينها عموم وخصوص، وهذا المقصود بقولنا: [والحيثيات التي ضبطوا بها المعاني الكلية هي العموم والخصوص، وعلاقة المعنى بالذات المطلوبِ معرفتها] فنقول مثلًا: كل إنسان جسم، وليس كل جسم إنسانًا، ونقول: كل حيوان فهو متحرك بالإرادة، ولكن ليس كل متحرك بالإرادة هو حيوانًا، وذلك لأن بعض المتحرك بالإرادة إنسان، ونقول: كل نبات فهو جسم نامٍ، وليس كل جسم نام نباتًا، لأن بعض الجسم النامي حيوان، وبهذه الأمثلة يتضح المقصود بالعموم والخصوص من حيث صدقها على أفرادها، وباستحضار المعاني والألفاظ السابقة سيتضح لنا مفهوم الكليات الخمس.
الإنسان حيوان ناطق، فلو نظرنا إلى الحيوان وحده، فهل هو مساو في صدقه للإنسان؟ أي هل كل إنسان حيوان، وكل حيوان إنسان؟ الجواب: لا، الحيوان أعم من الإنسان، والإنسان أخص من الحيوان، لأنا عندما عرفنا الإنسان بالحيوان الناطق، فإنا أدخلنا في تعريف ماهية الإنسان الحيوانَ الذي هو أعم من الإنسان، ثم أضفنا للتعريف ما يميز الإنسان عن بقية الحيوانات، ألا وهو كونه ناطقًا، فصار المجموع من "حيوان" و "ناطق" مساويًا لمفهوم الإنسان، والآن يصح القول: " كل حيوان ناطق فهو إنسان، وكل إنسان فهو حيوان ناطق"، فماهية الإنسان مركبة من حيوان + ناطق، أي: من (عام وهو الحيوان) + (خاصية مميزة ومساوية للإنسان وهي النطق).
الآن إذا قلنا: (الإنسان حيوان كاتب)، فليس هذا تعريفًا للإنسان، لأنه ليس كل إنسان كاتبًا، وكذلك قولنا: الإنسان حيوان ماشٍ، ليس تعريفًا أيضًا، وذلك لأن الإنسان ليس هو وحده الماشي.
فالتعريف حتى يفيد تمام الماهية لا بد أن يكون مؤلفًا من أمرين، الأول أعم من الماهية، والثاني مساوٍ لها.
الآن لو نظرنا للكليات السابقة لا من جهة العموم والخصوص، بل من جهة أخرى، وهي: هل هذا الكلي داخل في الماهية، أو خارج منها؟ مثال: المشي، هل هو جزء من ماهية الإنسان أم لازم من لوازمها؟ والجواب هو من لوازمها، أي خارج عنها، ولذلك لم يصح إدخال المشي في تعريف الإنسان. مثال آخر: الناطقية، هل هو جزء من ماهية الإنسان أم خارج عنها؟ والجواب: هو جزء من الماهية، لأنه لا يمكن تعقل الماهية إلا به. مثال آخر: الأحمر، هل هو جزء من الماهية للإنسان أم لازم من لوازمها؟ والجواب: لا هذا ولا ذاك، بل هو عارض عليها، يعرض ويزول. مثال آخر: التحيز للإنسان: إذا لاحظت أن الإنسان جسم، فالتحيز جزء من ماهيته، وإذا اعتبرته الروح، فلا يكون التحيز جزءًا من ماهية الإنسان، بل عارضًا عليها.
فالحاصل من الأمثلة السابقة: أن بعض الكليات من أجزاء الماهية، وبعضها من لوازمها، كالتحيز للإنسان، وبعضها من العوارض على الماهية، كالحركة واللون للإنسان.
إذن هناك كليات داخلة في الماهية، وبعض الكليات يكون أعم من الماهية، وبعضها يكون مساويًا لها، وكلياتٌ عارضة على الماهية، وأخرى لازمة لها، وهذه هي الكليات الخمس.
[فالكلي إن كان له تعلق بالماهية، فإمَّا أن يكون مندرجًا فيها، أو خارجًا عنها، فالأول يسمى ذاتيًا، والثاني يسمى عارضًا.
وعلى ذلك يكون الكلي المساوي للماهية أمرًا ثالثًا، لا عارضًا ولا ذاتيًا] المقصود بالكلي المساوي للماهية: الذي ليس جزءًا، ليخرج بذلك الناطق (في مثال الإنسان) ويبقى مفهوم الإنسان من حيث ما هو نوع، [ولكن لو قلنا إن الذاتي ما ليس خارجًا عن الماهية، لكان النوع ذاتيًا. ولو قلنا إن العارض هو ما ليس داخلاً في الماهية، فله أحد احتمالين] في الأصل: وله، وعدلناها، [ إما أن يكون خارجًا عنها، أو تمامَها وهو النوع.
والأقرب إلى القبول أن يقال: العارض هو الكلي الخارج عن الماهية، والذاتي هو كلي ليس بخارج عنها] أي إما داخل فيها أو مساو لها، [فيندرج النوع في الذاتيات.
وعلى كل حال فالنوع بالنسبة للماهية هو عينها، ولا نعرّف نحن الشيء بنفسه، بل نعرّفه إما بأجزائه أو بما هو خارج عنه. ولو عرّفناه بنفسه لكنا نَعْرِفه، والمفروض أننا نبحث عن معرّف له. ولكنّ هذا التعريف أي بما هو عينه لا يضر هنا، لأن المعرَّفَ معلوم على سبيل الإجمال، والمعَرِّف معلوم تفصيلًا، فلا يلزم تعريف الشيء بنفسه، كأن نقول الإنسان حيوان ناطق، فالإنسان مساو لقولنا حيوان ناطق، ولكنه مجمل، والتعريف مفصَّل، والأمر سهل] أي لا إشكال كبيرًا فيه. فالتعريف المطلوب هو معرفةٌ بالشيء على نحو مفصل.