المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السلم المنورق 6



فيصل عساف
11-15-2016, 11:07 PM
الدرس السادس من دروس المنطق
[الدلالة اللفظية]
كيفية دلالة اللفظ على المعنى: ما هي الواسطة التي صرنا نفهم بها المعاني عند سماع الألفاظ؟
الإنسان عندما يولد لا يكون لديه أي ارتباط بين اللفظ والمعنى، وبعد فترة يصير يلاحظ وجود ارتباط بين مجموعة من الأصوات المركبة المؤلفة تأليفًا إراديًا، فهناك إذن علاقة ما بين اللفظ الخارج من النفس بالاختيار، وبين المعنى الذي تفهمه أنت من هذا اللفظ، هذه العلاقة ليست علاقة عقلية، ومعنى أنها ليست علاقة عقلية: أي ليست فقط بملاحظة العقل، أي ليس كل إنسان لمجرد كونه إنسانًا عاقلًا فإنه يستطيع أن يدرك العلاقة بين أي لفظ وأي معنى وضع عليه في أي لغة من اللغات، لو كان الأمر كذلك: لكان بإمكاننا أن نفهم كل اللغات! وهذا مستحيل، إذن ففهم المعنى من اللفظ متوقف على أمر آخر غير مجرد العقل، العقل شرط أساسي لا ينعدم في كل الدلالات، لكن يضاف إليه شرط آخر هو الذي سنعرفه فيما يأتي.
[والدلالة الثابتة بين اللفظ وبين المعنى هي دلالة وضعية] أي ثبتت بالوضع، [بمعنى أنها ليست دلالة عقلية] أي ليست بملاحظة العقل فقط، فليس كل إنسان لمجرد كونه عاقلًا يستطيع إدراك العلاقة بين أي لفظ وأي معنى وضع عليه في أي لغة من اللغات، ففهم المعنى من اللفظ متوقف على أمر آخر غير العقل، [ولا دلالة عادية] أي لم تؤخذ بمجرد العادة، بل يوجد هناك أمر آخر، عبر عنه بقوله: [بل وضعية، ومعنى الوضع هنا، هو أن إرادة عاقل مختار خصصت كل لفظ بما يدل عليه.
وعقلنا في هذه الحالة، ينتقل بين اللفظ والمعنى، فالعقل عندما يحضر عنده اللفظ، إما أن يستحضر نفس المعنى الذي وضع اللفظ دالاً عليه، أو أن يستحضر لازم المعنى الموضوع عليه اللفظُ، وقد ينتقل إلى جزء من هذا المعنى.
فالدلالة الأولى تسمى دلالة مطابقة، والثانية تسمى دلالة الملازمة، والثالثة تسمى تضمنية].
إذا أطلقنا كلمة "بيت" فالبيت مؤلف من غرف، لكل غرفة جدار، وله سقف، فهذا هو المعنى الموضوع له لفظ "بيت" بالمطابقة، والمعنى المطابَقي السابق للفظ "بيت" لو نظرنا فيه لوجدناه مركبًا من عدة غرف، الآن لو نظرنا في معنى (بيت) لا في اللفظ: لوجدنا أن هذا المعنى مركب من عدة غرف، وكل غرفة مركبة من عدة أجزاء هي الجدران والسقف، وهذا البيت لم يبن بدون بانٍ، بل هناك بان بناه، وهناك أيضًا من يسكن البيت، والباني والساكن والباني ليسا جزءًا من مفهوم البيت، ولكن العقل عندما يلاحظ مفهوم البيت ينتقل انتقالات بين المعاني، بعضها شرط للبيت، وبعضها لازم له، فالعلاقة إذن بين معنى (بيت) وبين المعاني السابقة هي علاقة شرط ومشروط، أو لازم وملزوم، أو علاقة الجزء والكل، وهي علاقات عقلية محضة، وهذه ما تسمى بالمعقولات الثانية التي يلاحظها العقل عند ملاحظة المعاني لا عند ملاحظة المعقولات الأولى مثل البيت، فقد تسمع كلمة (بيت) ويتبادر إلى ذهنك كل البيت، وهذا ما يسمى بالمعنى المطابقي، أي: كلمة (بيت) وضعت لتدل مطابقة على البيت، وقد تسمع كلمة (بيت) وتسأل: (بيت من؟) وهذا يعني أن ذهنك انتقل إلى ملاحظة أمر ليس جزءًا من ماهية البيت، بل خارج لازم لها، وقد تسمع لفظ (بيت) وينتقل ذهنك إلى تصور غرفة منه، فهذا دلالة التضمن، لأن الذي تصورته عند سماع لفظ (بيت) _وهو الغرفة_ هو جزء من المعنى المطابقي، وقد تسمع لفظ (بيت) وينتقل ذهنك إلى تصور من بناه، فهذا تصور للّازم السابق البيت، إذ كل بيت لا بد له من بانٍ بناه.
الدلالة المعتبرة عند المناطقة هي الدلالة المطابقية، فإذا تكلمت في علم المنطق والعلوم الأساسية كلها: فالأصل أن تستعمل الدلالة المطابقية، وعلماء الأصول يشددون كثيرًا في مسألة الألفاظ، وإذا رأوا كناية أو مجازًا قالوا: هذا خلاف الأصل، فالعلوم التي لها مصاديق خارجية (إنْ خارجية في الشريعة أو في العالم المحيط بنا) لا يجوز أن يستخدم فيها إلا الألفاظ بالدلالات المطابقية، لذلك فالمناطقة قالوا: قبل أن ندخل في علم المنطق يجب أن نعلم أنه لا يجوز إلا أن نستخدم الدلالات المطابقية.
فائدة: اللازم قد يكون سابقًا، وقد يكون لاحقًا، كمثال: البيت له لازم سابق، وهو الباني، وله لازم لاحق، وهو الساكن.
فائدة: الجذور في اللغة العربية تزيد على مئة ألف جذر، المستعمل منها لا يتعدى العشرة آلاف جذر، وجذور اللغة العبرية لا تزيد على العشرين ألفًا.
[فدلالة اللفظ على المعنى الموضوع له بتمامه تسمى دلالة مطابقة، ومثالها دلالة كلمة "أسد" على الحيوان المفترس المعروف، ودلالة كلمة التمر على الفاكهة المعروفة، ودلالة الإنسان على "الحيوان الناطق".
وأما دلالة اللفظ على جزء معناه فإنها تسمى دلالة تَضَمُّن، لأن المعنى المدلول عليه متضمَّن في المعنى الموضوع له اللفظ مطابقةً، كدلالة الأسد على ذنبه، والتمر على طعمه أو شكله، والمنزل على الباب لاحتوائه عليه، ويلاحظ في هذه الدلالة أن العقل ينتقل فيها من ملاحظة الكل إلى الجزء، ففيها حركة عقلية ما].
وهناك اختلاف: هل الدلالة التضمنية عقلية أو لغوية؟ ولهذا أشرنا بقولنا: [ففيها حركة عقلية ما].
[وأما دلالة اللفظ على معنى لازمٍ لمعناه الموضوع له مطابقة، فإنها تسمى دلالة التزام، كما تدل الأربعة على الزوجية، وكدلالة العمى على البصر، لأن العمى هو عدم البصر، فإن استحضر الذهن مفهوم العمى وهو المدلول المطابَقي لكلمة العمى، فإن الذهن ينتقل إلى مفهوم البصر مباشرة] وانتقال الذهن من مفهوم العمى إلى مفهوم البصر: لأن مفهوم العمى يفهم من خلال مفهوم البصر، إذ العمى هو عدم البصر، فيحتاج الذهن للانتقال المذكور.
ومثل المثال السابق: دلالة المحدث على احتياجه، ودلالة العلة على المعلول، فهما دلالتان التزاميتان، والالتزام فيهما بواسطة العقل.
[ويشترط في دلالة الالتزام أن يكون الانتقال بملاحظة العقل لا بمجرد اللفظ أو العادة] أي يشترط أن يكون واسطة الانتقال بين المعنى الأول (المطابقي) والمعنى الثاني (الالتزامي) هو العقل، وهذا على ما قرره شراح السلم، بخلاف ما قرر الإمام التفتازاني رحمه الله تعالى _وهو من محققي المنطق_ حيث قرر أن الانتقال قد يكون بالعقل وقد يكون بالعادة والعرف.
[فانتقال العقل من المعنى المطابقي إلى معنى لازم عنه عند العقل، فالعقل عندما يتصور معنى الحدوث ينتقل إلى معنى القدم، حتى لو لم يتبادر إلى الإنسان لفظ القدم، ولذلك فإنه عندما يسمع لفظ الحدوث، يفهم مطابقة معنى الحدوث، وينتقل عقله إلى معنى القدم مباشرة.
ولا يشترط في التلازم العقلي أن يكون بين المعنيين تلازم في الخارج أيضًا، بل الأمر في ذلك سواء، أي لو كان تلازم خارجي أيضًا بينهما، أو لم يكن فلا إشكال] لأن الذي ينتقل بين المعنيين هو العقل، فالكافي في حصول التلازم أن يكون التلازم موجودًا عند العقل، بغض النظر عما إذا وجد في الخارج أم لا.
[فمثال ما بينهما تلازم عند الذهن وفي الخارج: الزوجية للأربعة] وسبب هذا التلازم أن الزوجية جزء من ماهية الأربعة، [ومثال ما بينهما تلازم في الخارج ولكن لا تتحقق الملازمة في الذهن: السواد للغراب، فكل غراب في الخارج فهو أسود، ولكن لا يوجد تلازم عقلي للغراب مع السواد، لأنه يمكن توهم غراب أبيض] وذلك لعدم كون السواد جزءًا من ماهية الغراب، فلا يشترط التلازم الذهني.