المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السلم المنورق 4



فيصل عساف
11-15-2016, 11:05 PM
الدرس الرابع من دروس المنطق ..
بسم الله الرحمن الرحيم
[فصل في أَنْواعُ العِلْمِ الحَادِثِ]
19. إِدْراكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ
وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْديقٍ وُسِمْ
20. وَقُدِّمَ الأَوَّلُ عِنْدَ الوَضْعِ
لأَنَّهُ مُقَّدَّمٌ بِالطَّــبْعِ
21. وَالنَّظَريْ ما احْتاجَ لِلتَّـأَمُّلِ
وَعَكْسُهُ هُوَ الضَّروريُّ الجَلي
22. وَما بِهِ إِلى تَصَوُّرٍ وُصِلْ
يُدْعى بِقَوْلٍ شَارِحٍ فَـلْـتَـبْـتَـهِـلْ
23. وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُـوُصِّلا
بِحُجَّةٍ يُـعْرَفُ عِنْدَ العُقَلا
[المنطق علم يبحث في الطرق التي يتوصل بها إلى العلم، فالعلم غاية للمنطق] أي أن المنطق وسيلة إلى العلم، [أي أن العلم يترتب على المنطق، فالذي يتعلم المنطق يهدف إلى الوصول إلى العلم، فلذلك يلزم أن يكون مفهوم العلم واضحًا في ذهن الذي يشرع في تعلم المنطق، لكي يستطيع الوصول إلى هدفه والربط بين الوسيلة والغاية].
أي إنسان يرغب في الوصول إلى غاية معينة لا بد له من أن يتصورها، ونحن ندرس المنطق لنتمكن من ضبط علومنا، والتمييز بين ما هو علم صحيح وبين ما هو ليس علمًا أصلًا، وللتمييز أيضًا بين القطعي والظني من التصورات وغير ذلك، ولذلك شرع أولًا بتعريف العلم وتقسيمه إلى أنواعه، ثم بعد ذلك يوضح لنا كيف نتوصل إلى هذه العلوم.
[وقبل أن نخوض في تعريف العلم لا بد أن نلفت النظر إلى أن هدف المنطقي هو الوصول إلى اكتساب العلم لنفسه] أي لنفس المنطقي، لأن إيصال العلوم والدلالة عليها بعد اكتسابها لا يكون بواسطة نفس المنطق، بل بواسطة الآلات التي تكون دالة على العلوم والمعارف التي اكتسبها الإنسان ومبينة لها، ولا يلزم من ذلك أن الإنسان عندما يكتب الكتب فإنه لا يستخدم علم المنطق، بل إنه يستخدم علم المنطق ضمنًا من خلال التزامه باللغة نفسها، فيكتب اللغة بأسلوب منطقي.
[فالعلم الذي هو هدف المنطقي هو العلم المكتسب، والعلم المكتسب هو علم المخلوقات، وهو يوصف بالاكتساب لأمرين:
أولًا: أن الإنسان لا يولد عالمًا، بل يولد مجردًا من العلوم والمعارف، فكل علم له بعد ذلك فإنه يكون حادثًا فيه بعد أن لم يكن] والدليل على ذلك الآية المشهورة: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا.
[ثانيًا: إن أكثر العلوم ليست ضرورية( )، بل يتوقف حصولها في الإنسان على الجهد والنظر، ولذلك يسميها العلماء _بناء على التغليب_ بالعلوم النظرية، وتسمى أيضًا بالعلوم المكتسبة لأنها حاصلة في نفس الإنسان، وكل ما يحصل فيها فهو كسب ما دام متوقفًا على الإرادة].
إذن فالعلوم توصف بأنها كسبية لأنها ليست ضرورية، ومعنى أنها ليست ضرورية: أي أنها تتوقف على توجه الإنسان وطلبه لها، وقال الإمام الأشعري وغيره من العلماء بأن العلوم المكتسبة عن طريق الحس هي مثال العلوم الضرورية، أي التي لا تتوقف على إرادة التعلم نفسها، لأنها تحصل في الإنسان بلا إرادة التعلم منه، وقال الإمام الرازي بأن قضية (كل حادث فهو بحاجة لمحدِث)، تكاد تكون بدهية، وبعض العلماء قالوا: هي قريبة من البدهيات، ولكنها ضرورية، أي فالذي يخالف فيها فهو معاند، فإذا سمعت صوتًا: فإنك تبحث مباشرة عن مصدر هذا الصوت.
معنى البداهة والضرورة: أي عدم التوقف في الاكتساب والحصول في النفس على بذل جهد ونظر وطلب دليل واستدلال.
ترتب النتيجة على المقدمات هو ترتب غير تابع للإرادة، فالإنسان الذي حصلت في نفسه جميع المقدمات (سواء كان الحصول بإرادته أو بغير إرادته، وسواء كانت المقدمات ضرورية أو نظرية) فليس بوسعه أن ينكر حصول النتيجة في نفسه، فالنتيجة لازمة له وإن لم يلتزمها، وعدم التزامه يكون عنادًا منه، واللزوم غير الالتزام، إذ اللزوم غير متوقف على إرادته، بخلاف الالتزام.
مثال: إذا عرف الإنسان من علم الأصول أن صيغة الأمر تدل على الوجوب، وعرف من علم اللغة أن (أَقِيمُوا) صيغة أمر، ثم نظر في القرآن في قوله تعالى: ïپ‌وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَïپ› فإنه يلزم عنده من ملاحظة القواعد السابقة لزومًا مباشرًا أن إقامة الصلاة واجبة، أي فالعلم بوجوب الصلاة قد حصل في نفسه جبرًا عنه، وليس بمقدوره أن يقول بعد ذلك: أنا لا أعلم بوجوب إقامة الصلاة!.
العلم إذن بعد معرفة المقدمات يحصل في النفس إما بخلق الله المباشر، أو بالضرورة العقلية، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
مثال آخر: عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعرض رسالته على الناس، كانوا يستغشون ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم، فغاية ما كانوا يقدرون عليه هو أن لا يسمعوا مقدمات قيام الحجة، لأن بمجرد السماع ستقوم الحجة عليهم، وكذلك سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولو كان ترتب النتيجة على المقدمات تابعًا للإرادة، لما كان بمقدورنا إقامة حجة على إنسان ما إلا إذا أراد هو أن يلتزم لك بالحجة!.
وما دام ترتب النتيجة على المقدمات غير تابع لإرادة الإنسان، فالواجب على الناس أن يبينوا للآخرين وسائل العلم والمعرفة لكي تقوم الحجة، إذ عند بيان هذه الوسائل فليس بمقدور الناس أن يقولوا: (نحن لا نعلم)!، ومن دون بيان وسائل العلم لا يمكن أن تقوم الحجة على الآخرين.
[والحاصل أن المنطق لا مدخل له إلا في العلوم الحادثة، فلا يقال إن العلم الإلهي متوقف أيضًا عليه، فهذا جهل بالمنطق وبالعلم الحادث، فالعلم الإلهي قديم، والقديم لا يتوقف على شيء.
فالمنطق إذن وسيلة للعلوم الإنسانية، لا لغيرها، فكل ما سيأتي من تقسيمات وأوضاع وأنواع وأسباب فلا تعلق لها بالعلم الإلهي، بل هي مخصوصة بالعلم الإنساني] هذا بمثابة تنبيه، فتعالى الله عن أن يحتاج لمثل هذه الوسائل والأسباب.
[وسائل المعرفة]
إذا كان العلم الإنساني مكتسبًا، أي حادثًا في الإنسان بعد أن لم يكن فيه، فلا بد له من وسيلة، لأن كل حادث فلا بد له من سبب، والسبب هو الوسيلة، والوسيلة بعضها قد يتوقف على الإرادة وبعضها قد لا يتوقف عليها، كما أشرنا، ومن هنا لزمنا البحث عن وسائل المعرفة.
[وسائل العلم والمعرفة الإنسانية هي ثلاث لا رابع لها، وسيلتان مستقلتان لا يتركب واحد منهما من الآخر وإن اعتمد عليه بوجه، والثالث مركب منهما، ولكنْ أفرد بالذكر لأهميته] هذه الفقرة سيأتي شرح ما فيها إن شاء الله تعالى.
[الأولى: الحواس الخمس: وهي السمع والبصر والذوق واللمس والشم، ولا يدرك بها إلا ما اتصل بها إما مباشرة أو بواسطة].
كل الحواس يتوقف إدراكها للمحسوس على اتصال به، فإنك لا ترى إلا ما يتصل بحاستك مباشرة، فالرؤية مثلًا تكون باتصال العين بالمرئي بواسطة الشعاع، وحقيقة الرؤية أنها لا تعطي إحاطة بحقيقة المرئي، بل تعطي نوع علم عنه، ويجب التمييز بين حقيقة الرؤية وبين وسائلها.
[فلو قلنا إن المدرَك بالبصر هو الجسم، لكان البصر يدرِك الجسم بواسطة اتصال الشعاع به] أي لا مباشرة، بل بواسطة شعاع متصل من الجسم إلى البصر، [ولكن لو قلنا إن المدرَك إنما هو الشعاع المنعكس عن الجسم، فالبصر لا يدرك إلا ما اتصل به] أي يدرك الشعاع المتصل [وهو الأصح] أي أن المدرك بالفعل هو الشعاع، ولكن الشعاع يحمل بعض خصائص الجسم، [ثم إن العقل هو الذي يتوصل إلى معرفة خصائص الجسم من ملاحظة صفات الشعاع المنعكس عنه المتأثر به الدال على بعض خصائصه، هكذا نقول في سائر الحواس].
إذا قلنا إن الشعاع هو الذي ندركه، فكيف ندعي بأنا نرى الجسم؟ فلا بد إذن من وجود علاقة بين الشعاع وبين الجسم، وهنا تأتي وظيفة العقل، حيث ينتقل من إدراك الشعاع إلى إدراك بعض خواص الجسم، فالعقل هو الذي يلاحظ وجود خصائص معينة بين إدراكك للشعاع المعين المتصل بالجسم، وبين إدراكك بعض خصائص الجسم، فالحاصل أن الانتقال من إدراك الشعاع إلى إدراك بعض خصائص الجسم يتم بواسطة التعقل لا بواسطة الإحداث مباشرة.
وهنا سؤال: لماذا نسبت الرؤية إلى العين؟ والجواب: لأن الله تعالى أراد أن يخلق الإنسان على هذا النحو بحيث أنه إذا أراد امتلاك صورة معينة فعليه أن يتحرى عنها بعينه، ومعنى ذلك أن السبب العادي الذي أوجب الله تعالى على الإنسان أن يستعمله إذا أراد إدراك صورة هو العين، والرؤية نفسها هي إدراك المرئيات، والله تعالى قادر على أن يخلق هذه الرؤية في العين مباشرة، ويمكن أن يخلقها في النفس مباشرة من دون وجود العين، ووصول هذه المرئيات إلى النفس الإنسانية سواءً بواسطة العين أو لا بواسطتها، هذا اسمه رؤية.
والذي يكون بالعين هو الرؤية العادية، لذلك تنسب الرؤية عادة للعين، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)) [رواه البخاري]. فالله تعالى يخلق رؤية الصحابة في نفس النبي مباشرة، أي بدون توقف على مواجهة ومقابلة للصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
قوله تعالى: ïپ‌لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي لا تلحق الأبصارُ حقيقته سواء كان بإحاطة أو بغير إحاطة، ولكن العلماء قالوا بالإحاطة لأن من أدرك الحقيقة أحاط بها، وليست الإحاطة بمعنى إدراك الحدود (أي النهايات والغايات) كما يتصور بعض الناس، إلا أن يراد بالحدود أي الحقيقة، لأن حد الشيء هو حقيقته.
فليست الآية السابقة في الكلام على الرؤية، لأن الرؤية لا يتوصل بها إلى إدراك الحقيقة، والكلام في الآية على الإدراك، والإدراك هو بلوغ الحقيقة، لذلك ورد في بعض الآيات أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يطلبون الرؤية لا لإدراك، وفي الآية السابقة تم نفي إدراك المخلوقات لله تعالى، لا نفي الرؤية له جل وعلا.
[والوسيلة الثانية للعلم والإدراك: العقل. ونعني بالعقل تلك الملكة التي أودعها الله تعالى في الإنسان، والتي بواسطتها يمكنه أن يصل إلى العلم والمعرفة، ويشتمل علم المنطق على وصف كلي لآليات العقل، فالعقل آلة للمعرفة، وليس العقل _عند علمائنا المتكلمين_ جوهرًا قائمًا بذاته] أي ليس العقل عبارة عن ذات من الذوات، بل هو فعل للنفس، ولذلك ورد في الكتاب العزيز الكلام على العقل بصيغة الفعل: (نعقل، تعقلون).
[كما توهمه البعض، فنسب ذلك إليهم غالطًا عليهم] أي بعض المعاصرين من الكتاب، كالدكتور طه عبد الرحمن، [وأصول التعقل مشتركة بين الجنس البشري] هذه عبارة مهمة جدًا، وأصول التعقل هي القواعد الكلية التي يتبعها الإنسان لكي يدرك ويتعقل، وهذه مشتركة بين الجنس البشري كله، فلا فرق بين رجل وامرأة ولا بين أبيض وأسود، وإلا لاستحال التفاهم بينهم، ولاستحال إقامة الحجة بينهم على بعضهم البعض، [و] هذه الأصول المشتركة [ليست هي أمورًا اختيارية ومسلمات موضوعة عن إرادة أو اختيار من الإنسان، بل هي ثابتة لأصل ثبوت الوجود الإنساني على حسب ما خلقه الله تعالى عليه] والقول بخلاف ذلك تحكم وسفسطة، [والعقل يعتمد في إدراكه على الحواس] هذا الكلام صحيح لا إشكال فيه، والمدرِك حقيقة ليس هو الحس بل العقل، أي أن الروح من حيث ما هي عاقلة هي المدركة، والحواس عبارة عن وسائل ترسل للروح صورًا جزئية عما في الخارج فقط، والذي يدرك ويتعقل هو الروح، وقد وضح الشيخ مصطفى صبري رحمه الله تعالى أن الحواس لا يمكن أن تكون سبب التعقل، بل العقل هو الذي نثبت به إمكانية الإحساس أصلًا، أي الدليل على إمكانية إحساسنا بالعالم الخارجي هو العقل، وليس الحس هو الدليل على ثبوت العقل، خلافًا للغربيين الذين يعتقدون بأنه إذا انعدم الحس انعدم العقل، وأن العقل ليس شيئًا آخر غير الإحساس، ومذهبهم حسي يعتبر العقل عبارة عن مجموعة إحساسات، وهو قريب جدًا من مذهب ابن تيمية والمجسمة، [ولكن] الحق كما ذكرنا، فـَ[الحواس ليست عللًا له] أي ليست أسبابًا فاعلة للعقل، [بل هي شروطٌ له]، ولو كانت الحواس عللًا للعقل، لكان إذا انعدم الحس انعدم العقل، ولكن هذا غير صحيح، لأن الإنسان إذا رأى شيئًا ثم أغلق عينه، فيمكنه أن يفكر في الصور المدركة عن طريق الحس، ولا يشترط له لكي يستطيع التفكير في شيء ما أن يبقى دومًا فاتحًا عينه ناظرًا إلى ذلك الشيء.
لا يقال: ما دامت الحواس شرطًا للتعقل، فهذا يعني أنه متى زال الشرط زال المشروط، فرجع الأمر إلى أن انعدام الحس يعني انعدام العقل، لأنا نقول: الحواس شروط للتعقل، ولكنَّ زوال الشرط لا يلزم عنه زوال حقيقة المشروط، بل غاية ما يلزم عنه هو زوال أثر المشروط، ونزيد فنقول: هذه الحواس الخمسة ليست هي فقط شرط التعقل، فكل إنسان يمتلك إحساسًا باطنًا بذاته، وهذا كاف لأصل التعقل، والحواس الظاهرة هي شروط عادية لإدراك العالم الخارجي، أما إدراك العقل لذاته فلا يتوقف على الحواس الظاهرة.
[فمجرد امتلاك العقل أمورًا حسية فإنه يبدأ العمل بالتحليل والتركيب والاستنتاج بالطرق التي سوف نبينها في هذا الكتاب. ولو فرضنا أن الإنسان أحسَّ بأمر بعينه مثلًا، ثم أغمض عينه، فإن العقل لا يتوقف عمله على بقاء العين مفتوحة، بل إنه يكتفي بالصور الحاصلة عنده قبل ذلك، ويبني عليها بالاعتماد على حافظة النفس البشرية.
والحقيقة أن النفس هي العاقلة، فالعقل فعل لها لا لغيرها، وكل فعل فإما أن يكون إراديًا، أو اضطراريًا، وهكذا العقل، فمنه أفعال إرادية وهي الأكثر، ومنه أفعال اضطرارية، ومن هنا قسم الناس العلوم إلى علوم كسبية وعلوم ضرورية. وما دام العقل في أفعاله الاختيارية يتوقف على الإرادة، والإرادة شوق قلبي، فإن العقل يرتبط بالقلب من هذه الجهة، ولذلك عبر بعض العلماء عن العقل بأن أصله في القلب ونوره في الدماغ، واختلف العلماء في محله، فمنهم من قال هو في القلب كالشافعي رحمه الله تعالى، ومنهم من قال هو في الدماغ كالإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، والتحقيق هو ما ذكرناه].
أي التحقيق أن العقل أصله في القلب ونوره في الدماغ، وهذا القول بمثابة جمع بين قولي الإمامين أبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما، والإمامان كل منهما نظر إلى العقل من جهة، فالإمام الشافعي نظر إلى أن أصل الإرادة في القلب، والإمام أبو حنيفة نظر إلى أن محل التفكير هو الدماغ.
[ولذلك يتوهم بعض الناس أن المبادئ العقلية هي مجرد أمور اختيارية يختارها الإنسان ثم يبني عليها، وسوف نزيد في بيان ما يتعلق بالعقل في محل آخر].
هذا بناء على ما مضى، وبناء على أن التعقل جزءٌ منه إرادي، وهو على الأقل اكتساب المقدمات، وبعض الناس يتوهم أنه إذا كان التعقل مبنيًا على اكتساب المقدمات والقضايا، فيلزم من ذلك أن نفس التعقل إرادي، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل المبني على الإرادة هو اكتساب المقدمات فقط، ولكن تفعيل هذه المقدمات واستنتاج النتائج منها بعد ذلك لا يتوقف على الإرادة، فبمجرد حضور المقدمات في الذهن تحصل النتيجة من دون إرادة.
[والوسيلة الثالثة للعلم؛ الخبر الصادق: وهو نوعان الأول خبر الآحاد المؤيد بالمعجزة] أي خبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، [والثاني خبر التواتر]، ويجب في خبر التواتر أن يكون مستمدًا من شيء محسوس، لا من شيء متوقف على النظر والبحث. [وسوف نفصل فيهما في مواد القضايا].
فالوسيلتان المستقلتان للعلم والمعرفة الإنسانية هما العقل والحس، ولا يتركب واحد منهما من الآخر، وإن اعتمد العقل على الحس بوجه، لا اعتمادًا كليًا، والمركب منهما هو الأخبار، وإفراده بالذكر لأهميته.
[تعريف العلم: العلم إذا أطلق هنا إما أن يراد به المعنى المصدري أو المعنى الاسمي، فالعلم بالمعنى المصدري هو "تمييز حاصل للنفس لا يحتمل النقيض بوجه"]، التمييز حاصل للنفس لأن النفس هي العاقلة في الأساس، وهذا التمييز لا يحتمل النقيض بوجه من جهة علمه به، [ونفس التعلق الحاصل بين النفس والقضية لا يجوز أن يكون معلولًا عن الإرادة، ولكن شروطه المعِدّة يجوز أن تكون كذلك] أي كما أشرنا سابقًا من أن توجه النفس إلى المقدمات _وهي الشروط المُعِدة_ يكون بالإرادة، ولكن لزوم النتيجة عن هذه المقدمات لا يكون بالإرادة، [ولو كان العلم عن إرادة لبطل كونه علمًا] لأنه يمكن عندها لأي إنسان أن يقول بعد حصول المقدمات عنده: (أنا لا أريد أن أعلم)!، [فالعلم ضروري كله من جهة الحصول، لا من جهة الشروط والمعدات]، الشروط والمعدات هي المقدمات، ووضح المعدات فقال: [كالنظر] وهو متوقف على الإرادة، [وتخلية النفس عن المعارضة]، كأن يقول إنسان لآخر: انظر، فيقول: لا أريد النظر، فعدم توجيه النفس إلى النظر معارضة، أو عناد ومكابرة، وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله: يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ، وقوله: جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ، [وغير ذلك من الشروط] فليست الشروط منحصرة في النظر وتخلية النفس عن المعارضة.
[فالنفس إذا تعلقت بقضية من القضايا تعلقًا مميزًا غير صادر عن إرادة]، أي غير متوقف على الإرادة، [بحيث امتنع للنفس دفعه عنها فهذا التعلق هو العلم]، فلو كانت النفس متى أرادت التمييز ميزت ومتى لم ترد لم تميز، فليس هذا بعلم، أي لو جاز للنفس أن تدفعه لم يكن علمًا، لأن العلم فيه نوع من الضرورة والقطعية والحُجّية، والقطع والحجية تنافي إمكان الدفع، فلو كان بإمكانك دفع ما تميزه نفسك، فاعلم بأن هذا التمييز ليس بعلم، لكن لو أنك كلما حاولت دفعه عن نفسك حدثتك نفسك به، فهذا العلم الحقيقي، وهو الذي يُلجئ الإنسان إلجاء للخضوع له، فالعلم حجيته ذاتية، أي لا يحتاج من حصل فيه العلم إلى أن يعلم من غيره أنه عالم، بل هو يعلم من نفسه أنه عالم.
وحجية العلم ذاتية عن أمرين: عن نفسه، وعن ما تعلق به، فإذا علم الإنسان شيئًا: علم أنه عالم، وعلم أيضًا ما تعلق به علمه.
وبناءً على التحقيق السابق: فالعلم هو الأساس، لأنه غير مبني على الشهوة والرغبة، ومن هنا كان العلماء ورثة الأنبياء، لأن نفوسهم خاضعة للوجود دون تدخل من الرغائب والشهوات، وهكذا كان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث خضعت نفوسهم لما كشف لهم من حقيقة الوجود خضوع تسليم وانقياد مع محبة وشوق، لا خضوع جبر.
كل أمر في الشريعة جاء بالعلم، فهو متعلق بشروط العلم، (فاعلم) أي: اتبع الوسائل التي تعلمك، ونحن نعلمك، أي: بعد أن تتبع الوسائل الموصلة للعلم، فالله تعالى يخلق فيك العلم.
كيف يتوجه الخطاب الإلهي للناس بأن يعلموا ما دام العلم ليس من متعلقات الكسب عندهم؟!
والجواب: بأن الخطاب متوجه إليهم بتحقيق شروط العلم (أي المقدمات)، وتحصيلُ الشروط من مقدوراتهم"].
هل الملائكة مجبرون على العلم؟ قال بعض الإخوة نعم، لأن الله تعالى خلقهم لا شهوة فيهم، والحق أن الملائكة لا يتصور في حقهم الإجبار أصلًا، لأن نفس الملَك نورانية محضة، وإرادتهم متوجهة نحو هذا النور المحض والكمال المحض لأنهم لا يتصورون ولا يعرفون غيره، ولو عرفوا غيره فلا تنقاد له نفوسهم أصلًا، وهذا ليس جبرًا، لأن الجبر هو أن يقع الفعل على خلاف الإرادة، وأفعال الملائكة تقع على وفاق إرادتهم.
[وللتعلق أمر يتعلق به، وهو العلم بالمعنى الاسمي]، أي نفس الصفة الأصلية التي في نفسك، أي العلم صفةٌ ذاتُ تعلق، فله إذن متعَلَّق، أو أن العلم هو نفس التعلق كما سيأتي، وأيًّا يكن: فالمراد بالعلم بعد ذلك هو انكشاف المتعلَّق للعالم.
[فالعلم المصدري: هو عين التعلق المسبِّب للتمييز القاطع، و] العلم [بالمعنى الاسمي: هو ما كَشف عنه هذا التعلق. هذا تعريف موجز للعلم، وأما التفصيل به فلا يليق ذكره هنا].
[تقسيم العلم]
[العلم ينقسم بحسب ماهية المتعلَّق إلى تصور وتصديق، وذلك أن العالم إما أن يعلم صورة مفردة، أو يعلم نسبة تصديقية، ونقصد بالنسبة التصديقية، نسبة خبرية يمكن تعلُّق التصديق النفسي بها، فالقسم الأول، هو التصور، والثاني هو التصديق، فالعلم إما تصور أو تصديق].
قلنا بأن العلم صفة ذات تعلق، أو أنه نفس التعلق، وعلى كلا الحالتين فثمة متعلَّق تعلقت به نفسك، أو ميزته نفسك، وينقسم العلم إلى قسمين وذلك بحسب ما تعلقت به نفسك: فإما أن يكون الذي ميزته أو كشفته هو صورة لشيء، وهذا العلم يسمى تصورًا، أو هو نسبة شيء لشيء، وهذا العلم يسمى تصديقًا.
[وما انقسم إلى التصور والتصديق، وهو الذي سميناه علمًا: هو مطلق الإدراك هنا، والإدراك يصلح لأن ينتسب إلى التصور وإلى التصديق. ومطلق الإدراك معناه هو وصول النفس إلى معنى، وهو يُشعِرُ بسبق الجهل، ولذلك يخرج علم الله تعالى] لأن الكلام السابق كله عن العلم الحادث، [وإذا لم يصحَّ نسبة الإدراك بهذا المعنى إلى الله تعالى، فلا يصح القول بأن علم الله تعالى تصورٌ أو تصديق، فالقسمان منفيان عن علمه جلَّ شأنه.
والتصور قد يعرفه بعض العلماء بأنه حصول الصورة في النفس، فيجعل النفس ظرفًا للصورة] وهذا تعريف أول، [وقد يحترز بعضهم عن ذلك فيقول هو حصول الصورة عند النفس، لا فيها] حتى لا تكون النفس عبارة عن ظرف فيها الصور، بل النفس تلاحظ الصور، ومحل الصور يكون إما الأمر في نفسه وإما الذهن، فالنفس تلاحظ الصور، لا أن الصور نفسها تقع في النفس، وهذا التعريف الثاني، والذين يعتمدون هذا التعريف يعرّفون العلم بأنه عبارة عن نسب بين النفس العالمة وبين المعلوم، لا نفس الصور الحاصلة في النفس.
والبعض يقول بأن العلم ليس هو حصول الصور، بل هو نفس الصور الحاصلة في النفس، وعلى التعريف الأول بأن العلم هو حصول الصور في النفس: تكون الصور الحاصلة نتيجة العلم وليست نفس العلم، وهذا الذي اعتبر على التعريف الأول نتيجة للعلم: يكون هو عين العلم على التعريف الثاني.
[وهذا المعنى هو المقصود من قول المصنف هنا بأن التصور هو إدراك مفرد، أي إدراك معنى مفرد، والمقصود بالإفراد هنا: أنَّ هذا المعنى لا يتألف إلا من أمرٍ واحد من حيث هو، وذلك كإدراك معنى الكأس، والإبريق، والبيت، وغيرها، دون نسبة أي أمر لأيٍّ من هذه المعاني، فلا تنسب الكأس لأحد فلا تقول الكأس موجودة، ولا تقول الكأس غير موجودة، بل تلتفت فقط إلى معنى الكأس، وكذلك يقال في الإبريق والبيت، وغيرها كزيدٍ والطائرة، وغيرها من المعاني المفردة، فالنفس إذن إذا أدركت معنى مفردًا من غير أي نسبة فهذا الإدراك هو التصور. فالمراد بالمفرد: هو ما ليس وقوعَ نسبة حكمية أو لا وقوعها] فالمفرد: أي أفرد عن نسبة.
[فإذا قلتَ: زيد قائم، فإدراك معنى زيد فقط، تصورٌ، وإدراك معنى القيام فقط، هو تصور، وأما إدراك نسبة القيام لزيد، فهو تصور أيضًا. فهذه العبارة وأعني قولنا (زيد قائم) تتألف من ثلاثة تصورات، وحتى لو أدركت النفس هذه التصورات الثلاثة معًا فهذا الإدراك أيضًا يسمى تصورًا.
فالتصور إدراكٌ عَارٍ عن نسبةٍ حكمية كما قلنا] إذن فما هو التصديق؟!
نقول: تصور نفس مفهوم القيام من دون نسبته إلى زيد: تصور، وتصور زيد من دون قيام ولا قعود: أيضًا تصور، وتصور زيد حال كونه قائمًا: أيضًا تصور، فلو قلنا إن زيدًا القائم متحقق فعلًا في الخارج، فهذا هو التصديق، لأنا حكمنا بوقوعه.
[وأما لو تعلقت النفس بأن هذه النسبة الخبرية واقعة أو ليست واقعة، فهذا الإدراك يسمى تصديقًا، كأن تقول إنَّ النفس أدركت حصول مفهوم النسبة الخبرية: (زيد قائم)، فإدراك النفس لوقوع قيام زيد هو تصديق، وليس تصورًا. وكذلك لو أدركت النفس أن قيام زيد ليس بواقع ولا حاصل، فهذا الإدراك يسمى تصديقًا أيضًا].
في قولنا: (زيد قائم): إدراكنا لمعنى (زيد) تصور، وإدراكنا لمعنى القيام تصور، وإدراك مجرد نسبة القيام لزيد تصور، بمعنى أن إدراكنا للنسبة الخبرية (زيد قائم) مجردةً تصور، ونسبة هذا التصور الأخير (والذي هو نسبة خبرية) إلى الخارج هو التصديق، أي التصديق بوقوعها أو لا بوقوعها.
فإذا تصورت في ذهنك معنى أن يكون زيد قائمًا فهذا تصور، ثم يأتي السؤال: هل زيد قائم أم لا؟ أي هل تحقق قيام زيد في الخارج أم لا؟ هذا هو التصديق، فقولك: (صدقّتُ) معناه أنك أدركت تحقق قيام زيد أو عدم تحققه.