المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذاهب الأئمة في الاحتجاج بالحديث المرسل



فيصل عساف
11-06-2016, 10:16 PM
مذاهب الأئمة في الاحتجاج بالحديث المرسل وأثره في استنباط الأحكام الفقهية


الحمد الله الذي فضل هذه الأمة على سائر الأمم وخصها بالسند المتصـل مـن دون الأمم، وخصها بخير رسولٍ أُرسل محمد صلى االله عليه و على آله وصحبه أجمعين، أما بعد
خلفية البحث :
فإن علم أصول الحديث من أهم علوم الحـديث وأشـرفها، إذ هـو المصـدر الثـاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وهو مادة أصـول الأحكـام الشـرعية، وميـزان
تمييز صحيح الأخبار من سقيمها. وقد كان هذا العلـم مبنِيـا علـى أصـول وأحكـام، وقواعد، وأوضاع، واصطلاحات استنبطها الجهابذة مـن العلمـاء، وشـروط اشـترطها
المحدثون الأخيار. يحتاج طالبها إلى معرفتها، والوقوف عليها.
والحديث المرسل هو مما اختلف فيـه مـن حيـث الاحتجـاج بـين الأصـوليين والفقهاء والمحدثين لكونه من أقسام الضـعيف . لأن الحـديث لا تخـرج أنواعـه عـن ثلاثة:
صحيح، وحسن، وضعيف؛ لأنــه إن اشـتمل مـن أوصـاف القبـول علـى أعلاها فالصحيح، أو على أدناها فالحسن، أو لم يشتمل علـى شـيء منـها فالضـعيف .
وقد صنف العلماء كالحـاكم وابـن الصـلاح والنـووي، الحـديثَ المرسـل ضـمن الأحاديث الضعيفة لما فيه من انقطاع في السند. فاختلف في قبوله بين العلماء.
وكما اختلفوا في قبوله ورده اختلفوا في حده (أي الحـديث المرسـل )، فكـان لهـم فيه تعاريف كثيرة، فنجم عن ذلك اختلافهم في حجيتـه . فمنـهم مـن قـال بحجيتـه
مطلقاً ومنهم من يقول برده مطلقاً ومنهم من قال بالتفصيل.
والعلة في عدم الاحتجاج بالمرسل أن المرسل لم يـذكر لنـا عمـن أخـذ هـذا الحديث ؟ هل أخذه عن صحابي؟ أم أخذه عن رجل مجهول؟ أم أخـذه عـن غـير ثقـة ؟ ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
1 - وذهب آخرون إلى الاحتجاج به، قال الترمـذي في آخرسـننه : "وقـد احـتج بعـض أهلِ العلم بالمرسل أيضاً ".
وقال أبو داود في ( رسالته إلى أهل مكة ) :"والمراسيل قـد كـان يحـتجـ بها العلمـاء فيما مضى، مثل: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعـي، حـتى جـاء الشـافعي
٢ - فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان االله عليهم ".


٣ - وقد جمع الحافظ رحمه االله في النكت مذاهب العلماء في ذلك ما ملخصه :
يتلخص في الاحتجاج بالمرسل عدة أقوال:
١ - حجة مطلقًا.
٢ - لا يحتج به مطلقاً.
٣ - يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة.
٤ - يحتج به إنْ لم يرو إلا عن عدل.
٥ - يحتج به إن أرسله صحابي.
٦ - يحتج به إن كان المرسل من كبار التابعين مع الاعتضاد.


فانطلاقًا من هذا الخلاف حول حجية الحديث المرسل وعدم حجيته عند العلماء أراد الباحث عرض هذه الحقيقة من خلال سبر كلام الأئمة وذكْر ما استدل به كل فريـق ثم
بيان الراجح من الأقوال بحوله سبحانه وتعالى.
مشكلة البحث
وهذا البحث يحاول حل إشكلات تالية :
١ - ما هي حجج العلماء في الحكم على الحديث المرسل؟
٢ - ما الراجح من هذه الأقوال؟
٣ - وما أثر هذا الخلاف في استنباط الأحكام الفقهية؟
أهداف البحث وفوائده
أما أهداف البحث فهي تتمحور في النقاط التالية :
١ - معرفة حجج العلماء وأدلتهم في الحكم على المراسيل وتفاصيلها.
٢ - تحقيق القول في هذه القضية وترجيحها حسب الدلالة ليكون الناظر أو العامل لهذا المرسل على بينة من أمره.
٣ - معرفة موقف العلماء من الحديث المرسل من حيث الاحتجاج وما يترتب على
ذلك من أثر في استنباط الأحكام الفقهية.
فوائد البحث العملية:
إن معرفة حقيقة الحديث المرسل وحكم الاحتجاج به تهم طلاب العلـم بالدرجـة الأولى في معاملتهم مع أحاديث الرسول صلى االله عليه وسلم، بل هو أصل من أصول الأحكام
الشرعية الفقهية عند بعض المذاهب. فإن الحديث المرسل يغطي مساحة لا بأس بها مـن السنة النبوية، ولا يكاد يخلو مصنف حديثي من هذا النوع غالباً. فبمعرفته يمكن طـلاب
العلمِ والباحثين أن ينظروا نظرا صحيحاً في صلاحية الحديث المرسل للحجية في الأحكام الفقهية.
فوائد البحث العلمية :
كما أن فوائده تتمثل أيضا في الفوائد الأكاديمية في مجال دراسـة علـوم الحـديث وعلاقتها بالفقه بل وبأصوله بحيث إن بينهما تداخلاً و تجاذباً. فهي تعطي الفوائد العلمية
حيث توضح للطالب أو الباحث ما هو المرسل من الحديث وحقيقتـه وحكـم العمـل بمقتضاه.
تعريف الحديث المرسل لغة واصطلاحاً
الإرسال لغة : الإطلاق، أرسلت كذا إذا أطلقت ولم تمنعه. فكأن الراوي أطلق الإسناد. ويحتمل أن يكون مأخوذا مـن الاسترسـال إلى الإنسـان، وهـو الاسـتئناس والطمأنينة إليه والثقة به، وكأن المُرسل لما استأنس واطمأن للراوي أرسل عنه.
والمراسيل جمع مرسال وهي سـريعة السـير ، وعلـى هـذا ، فكـأن المرسـل للحديث أسرع فيه فحذف بعض إسناده والكل محتمل.
وأما في اصطلاح المحدثين فقد اختلف العلمـاء في تعريـف الحـديث المرسـل ، بسبب اختلاف موقعه عند المحدثين. والمشهور أن الحديث المرسـل : هـو مـا رفعـه
التابعي بأن يقول : (( قال رسول االله صلَّى االله عليه وسـلَّم ))، سواء كـان التـابعي صـغيراً كأبي حاتم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، أو كبيراً كقيس بن أبى حـازم، وسـعيد بـن
المسيب.
وهذا هو المشهور وعلى هذا المعنى اقتصر المتأخرون، فلا يطلقون المرسل إلا بهذا المعنى. أما المتقدمون فأكثر ما يطلقون المرسل علـى معـنى المنقطـع . وعلـى ذلـك
جرى الخطيب وابن الأثير في المرسل،وهو مذهب الفقهاء والأصوليين.قال العلامة الشنقيطي في المذكرة : " أما المرسل عند الفقهاء والأصـوليين : فهـو مـاسقط من سنده طبقة من طبقات الإسـناد، فيشـمل أنـواع الانقطـاع كالحـديث المنقطع والمعضل ".


مرسل الصحابة رضي االله عنهم
من أنواع المراسيل مـا يسـمى عنـد علمـاء الحـديث والأصـول بمرسـل الصحابي، وهو ما يرويه الصحابي عن النبي صـلى االله عليـه وسـلم ولم يسـمعه منـه، إمـا
لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك.
ومنه كثير من حديث ابن عباس، وعبد االله بن الـزبير وغيرهمـا مـن أحـداث الصحابة.
أما حكم مرسل الصحابي فإنه حجة مطلقـاً عنـد الجمهـور، لأنـه لا يـروي غالباً إلا عن صحابى، والصحابة كلهم عدول بإجماع المسلمين، فـلا يهمنـا البحـثُ عن حال الساقط إذا علمنا كونه صحابياً.
تحرير محل التراع :
أولاً : اتفق العلماء من المحدثين والفقهاء علـى ق بـول مرسـل الصـحابي إلا الإستاذ أبا إسحاق وطائفة يسـيرة مـن الشـافعية . وقـد سـبق أن بينـت حكـم مراسيلهم - رضي االله عنهم – بشيء من التفصيل في الفصل الأول.
ثانياً : واختلفوا في قبول مرسل التابعين فمن دونهم، فتعددت أقـوالهم فيـه، ويرجـع حاصلها إلى ثلاثة أقوال جامعة تتمثل في حكم المرسل عند العلماء.
حكم المرسل :
اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل اختلافا كـثيراً ، أُورِد منـه أهـم الآراء وأشهر الأقوال وهي ثلاثة :
المذهب الأول : مذهب جمهور المحدثين وكثير مـن الفقهـاء والأصـوليين وهـو أن المرسل ضعيف لا يحتج به.
ودليلهم على ذلك : أن المحذوف مجهول الحال، لأنـه يحتمـل أن يكـون غـير صحابي، وإذا كان كذلك فإن الرواة (( حدثوا عن الثقـات وغـير الثقـات ، فـإذا روى أحدهم حديثا وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة )).
وإن اتفق أن يكون المرسل لا يروي إلا عن ثقـة ، فـالتوثيق مـع الإيهـام غـيركاف
المذهب الثاني : مذهب الإمام الشافعي، وهو -كمـا أورده في الرسـالة قبول المرسل من كبار التابعين بشرط الاعتبار في الحديث المرسل والراوي المرسل.
أما الاعتبار في الحديث فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور :
١ - أن يروى مسنداً من وجه آخر .
٢ - أو يروى مرسلاً بمعناه عن راوٍ آخر لم يأخـذ عـن شـيوخ الأول فيـدل ذلك على تعدد مخرج الحديث.
٣ - أو يوافقه قول بعض الصحابة.
٤ - أو يكون قد قد قال به أكثر أهل العلم.
وأما الاعتبار في راوي المرسل فأن يكون الراوي إذا سمى مـن روى عنـه لم يسـم مجهولاً ولا مرغوباً عنه في الرواية. فإذا وجدت هـذه الأمـور كانـت دلائـل علـى صحة مخرج حديثه، كما قال الشافعي، فيحتج به.
المذهب الثالث : مذهب أبي حنيفة ومالـك وأصـحابهما وأحمـد في أحـد روايـتين عنه، وهو أن المرسل من الثقة صحيح يحتج به، ودليلهم على ذلك :
١ - أن الراوي الثقة لا يسعه حكاية الحديث عن الرسـو ل صـلى االله عليـه وسـلم
إذا لم يكن من سمعه منه ثقة، والظاهر من حال التابعين خاصـة أنهـم قـد أخذوا الحديث عن الصحابة وهم عدول.
٢ - أن أهل تلك القرون كان غالب حالهم الصدق والعدالـة ، بشـهادة الـنبي صلى االله عليه وسلم لهم، فحيث لم نطلع على ما يجرح الـراوي فالظـاهر أنـه
عدل مقبول الحديث.
وقد دارت حول المسألة مناقشات كثيرة - علـى مـا ذكـرت في الرسـالة - ويميل الباحث إلى أن الحديث المرسل دائـر بـين احتمـالَي الصـحة والضـعف ، وإن الأولى عدم إطلاق القول برد المرسل ولا قبوله، بـل ينظـر إلى حـال المرسـل، فـإن كان ثقة عارفًا بما أرسل، متحرزا، وعلم من حاله بعد تتبـع مروياتـه أنـه لا يـروي إلا عن الثقات، فالأولى قبول مرسله مثل بلاغات مالك في موطئـه، وهـذا القـدر لا يختلف فيه الفريقان.
وأما إن كان على عكس ذلك؛ بأن يكون ممن يروي عـن كـل واحـد ضـعيفا كان أو ثقة؛ لم يقبل مرسله حتى يبين الواسطة لاحتمـال أن يكـون ذلـك الواسـطة غير مرضي.
وبهذا يكون قبولهم للمرسل بهذا الشرط لا يختلف كـثيراً عـن قبـول المحـدثين ، وعلى رأسهم الإمام الشافعي.
وخلاصة ما في هذا المبحث : أن مدار هـذا الخـلاف كيـف مـا صـورعلى رد رواية المجهول، إنما اختلف العلماء في حكم الحـديث المرسـل، وهـو داخـل في باب الحديث المنقطع المردود، ولم يختلفـوا في حكـم غـيره مـن هـذا البـاب :
كالحديث المعلق والمعضل؛ لأنَّ الساقط من الإسـناد في الحـديث المرسـل يحتمـل أن يكون صحابيا وهذا احتمال كـبير جـدا، والصـحابة جميعـا عـدول بتعـديل االله سبحانه لهم، فلا يضر عدم معرفة عين الصحابي؛ لأننا نبحـث عـن الـراوي لمعرفـة حاله، وهل هو مقبول الرواية أم لا؟ والصحابي معروف العدالة، وإن جهلنا عينه.
ومع هذا الاحتمال فيحتمل أن يكون السـاقط مـن الإسـناد تـابعي فـأكثر وليس بصحابي فقط، ومن هنا دخله احتمال الضعف.
أثر اختلاف الفقهاء في حجية الحديث المرسل
بعد سرد كلام العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل، يجد الباحث أنهم اختلفوا في خاتمة المسألة في ثمرة هذه المسألة على قولين :
١- خلاف حقيقي تترتب عليه آثـار فقهيـة ينـبني عليهـا اعتبـار المرسـل
المقبول صالحاً للحجة.
٢- خلاف في العبارة لا تترتب عليه آثـار علميـة ، بمعـنى أن القائـل بحجيـة المرسل فيورده في مسألة لم يورده إلا إذا ورد موصولاً من وجه آخـر . فصـار حجـة بانضمام غيره إليه لا باستقلال الحديث المرسل فلا يكون سبباً بنفسه للخلاف. والمختار عند الباحث هو القول الأول.
والمثال للقول الأول هو: حديث القهقهـة فقـد حصـل الخـلاف بـين الإمام الشافعي وبين أتباع الإمام أبي حنيفـة في هـذا الحـديث -رحمهـم االله الجميـع .
هذا الحديث جاء فيه أن النبي صلي االله عليه وسلم (كـان يصـلي بأصـحابه في المسـجد فدخل رجل كفيف البصر لا يبصر، دخل يريد الصـلاة وإذا بالمسـجد حفـرة فوقـع
فيها هذا الرجل والصحابة يبصرون فضـحك بعـض الصـحابة مـن وقـوع هـذا الكفيف) فأمر النبي صلي االله عليه وسـلم أولئك الصحابة الـذين ضـحكوا في الصـلاة أن
يعيدوا الوضوء والصلاة أيضاً.
هذا حديث مرسل من مراسيل أبي العاليـة الريـاحي . اسـتدل الحنفيـة بنـاء على قبولهم للمرسل بهذا الحديث علـى انتقـاض الوضـوء بالضـ حك، وخـالفوا في ذلك الجمهور بما فيهم الشافعي الذين حكموا الحديث بالضعف لعلة الإرسال. وقالت الحنفية : " إن هذا المرسل قـد روى مـن طـرق متعـددة كلـها مراسيل يشد بعضها بعضـاً ، فـروى مـن مرسـل أبى هاشـم الرمـاني ، والحسـن البصري، وابن شهاب الزهري، وسليمان بن أرقم مـن طـرق عـدة، قـالوا هـذه المراسيل يشد بعضها بعضاً ويدل على أن للحديث أصلاً ".
فبهذا العرض السريع للمسألة يتضح للباحث - بِغـض النظَـر عـن تضـعيف الجمهور للرواية وقيام الشافعي بتنقيب طرق الحديث فوجـدها جميعهـا تعـود علـى مرسل أبي العالية رفيع بن مهران الريـاحي – أن الخـلاف خـلا ف حقيقـي ينـبني عليه اعتبار المرسل حجةً.
قال سفيان:"إذا قهقه الرجل في الصلاة أعاد الوضوء والصلاة". اختلاف الفقهاء، ص: ١١٤ ، ط: أضواء السلف
والمثال للقسم الثاني: مسألة الوضوء مـن القبلـة . لقـد اختلـف العلمـاء في مسألة لمس المرأة وتقبيلها هل ينقض الوضـوء أو لا ؟ فقالـت الشـافعية ومـن معـه بأنه ينقض الوضوء و يرى أبو حنيفـة وأصـحابه أنـه لا ينـتقض بـذلك .
اسـتدل الشافعية بعموم قوله تعـالى : او لامستم النساء النسـاء : ٤٣ ،قـالوا : وحقيقـة اللمس ملاقاة البشرتين، ويؤيد ذلك قراءة ابن مسـعود : {أو لمسـتم النسـاء } فإنهـا
ظاهرة في مجرد لمس الرجل من دون أن يكون من المرأة فعـل، وقـالوا أيضـاً : وأمـا حديث القبلة فكل طرقه معلولة. واستدل الحنفية بحديث رواه أصحاب السنن وغيرهـم عـن إبـراهيم التيمـي عن عائشة رضي االله عنها جاء فيه «أن النبي صـلى االله عليـه وسـلم قَبـلَ امـرأةً مـن نسـائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» قال أبو داود: هو مرسل؛ إبـراهيم التيمـي لم يسـمع من عائشة. وقال النسائي: ليس في هـذا البـاب حـديث أحسـن منـه وإن كـان مرسلاً.
فمن قبل المرسل احتج بهذا الحـديث، وقـال : إن لمـس المـرأة وتقبيلـها لا ينقض الوضوء، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة بناء على قبوله للمرسل.
وللحديث طرق كثيرة وأصل صحيح مما يقوي معنـاه ، منـها : مـا في الصـحيحين عن عائشة زوج النبي صلى االله عليه وسـلم أنها قالت : "كنت أنام بـين يـدي رسـول االله
صلى االله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمـزني فقبضـت رجلـي، فـإذا قـام بسطتهما، قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح".
وجه الاستدلال:
لوكان مس المرأة ناقضا للوضوء، لما مس الرسول صـلى االله عليـه وسـلم عائشـةَ وهو في الصلاة، فهذا دليل على أن مس المرأة ليس حدثًا.
وأجابوا عن الآية بأنه يجب المصير إلى المجاز وهو أن اللمس مراد به الجماع لوجود القرينة وهي حديث عائشة في التقبيل ولمسها لبطن قدم النبي صلى االله عليه وسلم.
فاتضح للباحث بعد هذه النقولات أنه لم يكن الحنفية ومن معهم من العلماء الذين قالوا بعدم انتقاض الوضوء بلمس المرأة وتقبيلها يستدلون في المسألة بالحديث المرسل فحسبه،
بل قد انضم إلى هذا المرسل شواهد من أصل صحيح فصار بمجموعه حجة لا بانفراده حتى يشكل خلافاً.
الخاتمة والنتائج
الخاتمة :
إن سبب هذا الخلاف فيما جرى علـى الحـديث المرسـل هـو أن الحـديث المرسل أو علة الإرسال عند المحدثين من أخـف أسـباب الضـعف أثـراً في الروايـة ،
فيصلح لأن يتقوى بغيره وبما احتف به من قرائن. فمـن ثمَّ حصـل الخـلاف في هـذه القرائن. وبعد هذا أخلص إلى أهم النتائج التي توصلت إليهـا مـن خـلال البحـث ،
وهي :
أولاً : اختلف العلماء في الحكم على الحديث المرسل على أقوال :
١ - جمهور الفقهاء على القول بحجيته بشرط أن يكون مرسـله ثقـة ولا يرسـل إلا عن الثقات فيحتج به. وهو المختار عند الباحث.
٢ - أكثر علماء الحديث ونقادهم وبعض الأصـوليين علـى رد الحـديث المرسـل وتضعيفه وعدم الاستدلال به. بأدلة قد سردا في صلب الرسالة.
٣ - ومعظم العلماء محدثين وأصوليين وفقهاء متفقون على أنـه لا يعمـل بالمرسـل إذا كان المرسل له غير متحرز يرسل عن الثقات وغيرهم.
٤ - لا يقبل الإمام الشافعي المرسل إلا إذا أرسله التابعي الكـبير واعتضـد بـأمور منها أن يأتي مسندا أو مرسلا من وجه آخر أو غير ذلك.
٥ - الجمهور الأعظم من أهل العلم على حجية مرسل الصـحابي خلاًفـا لـبعض أهل العلم منهم أبو إسحق الإسفرائيني الشافعي وأبي بكر الباقلاني وغيرهم.
ثانياًً : اختلفوا في ثمرة خلاف الاحتجاج بالمرسل على قولين :
١ - ذهب بعض العلماء إلى أن الخلاف في هذه المسألة إنمـا هـو خـلاف في عبـارة لا تترتب عليه ثمرة عملية.
٢ - أن الخلاف في المسألة خلاف حقيقي تترتب عليه آثار فقهية.
والقول الثاني هو الذي يرجحه الباحث. وذلـك لأن النـاظر في كتـب الفقهـاء يجد أنهم اختلفوا في مسائل وكـان سـبب خلافهـم هـو خلافهـم في الاحتجـاج بالحديث المرسل. والأمثلة على ذلك قد مر ذكرها في الباب الرابع من الرسالة.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.