المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحاديث الفتن والملاحم.. هروب من الواقع أم ظاهرة جديدة؟



فيصل عساف
10-09-2016, 04:54 AM
خير لي أن أموت بغوطة دمشق حيث أوصى رسول الله بالرباط في آخر الزمان.. سائلا الله أن يتقبل مني..

عبارة وجدتها أسرة أحد المصريين المنضمين إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام المسمى “داعش” في رسالة تركها قبل سفره.

عبارة تلخص نمطا من أنماط التعامل مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والمعروفة في كتب الحديث بـ “أحاديث الفتن والملاحم، أو أحاديث آخر الزمان.”

حالة هذا الشاب المصري لم تكن الوحيدة، لكنها تمثل شريحة واسعة من شباب الأمة على اختلاف دولها بدأت في التعاطي على مواقع التواصل الاجتماعي مع تلك الأحاديث عقب ما تشهده المنطقة من صراعات.

هذا التعاطي لم يتوقف فقط على محاولة الفهم، لكنه تحول إلى استنتاجات تؤخذ على أساسها قرارات يظن كثير من الشباب أنهم يتقربون بها إلى ربهم ويحيون “فريضة الجهاد في آخر الزمان” حسب تعبيراتهم!

هذه الحالة تفرض مجموعة من الأسئلة منها: هل يعد هذا العمل هروبا من استحقاقات الواقع الذي يفرض عليهم تحديات كبيرة بوصفهم سواعد الأمة، أم أنه نوع من الظاهرة الجديدة التي تتعامل مع النصوص بعيدا عن سياقاتها وظلالها التاريخية اجتماعية أو سياسية؟ والأهم: هل الشباب هنا جناة ام مجني عليهم؟ بمعنى من المسئول عن هذه الحالة.. هل العلماء أم مناهج التعليم أم المؤسسات الدينية؟

كذلك كيف يمكننا نحن فهم تلك الأحاديث، ومالذي يتوجب على الخطاب الإسلامي أن يسلكه في مواجهة هكذا ظاهرة؟… أسئلة كثيرة نجيب عنها في ثنايا هذا التحقيق…


الحلم بالمستحيل

البداية مع الدكتور محمود عرفان، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم والذي أكد أن الأمم عادة ما تحاول في عصور ضعفها وانسحاقها أن تمارس ما يسمى بالهروب الانهزامي من الواقع الأليم، مع محاولة خلق خيوط أمل بمستقبل يأبى المنطق فصله عن الحاضر..

وفسر عرفان ما يقصده بعدم انفصال المستقبل عن الحاضر وعلاقة ذلك بأحاديث الفتن والملاحم قائلا: لا يمكن أن نتصور أن عصر الانسحاق الحالي سيعقبه فجاءة وبدون مقدمات قيام خلافة راشدة وعادلة؛ لأن سنن الله في خلقه لخصها سبحانه وتعالي في قوله :” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..”

وبالتالي _يتابع عرفان_ فإن عملية التغيير تلك تحتاج نوعا من الجهد والمكابدة ووجود أجيال تعمل من أجلها وتؤمن بضرورة هذا التغيير.


واستدرك لكن الغائصين في بطون كتب الحديث لاستخراج تلك الأحاديث ونزعها عن سياقاتها يمارسون استسهالا وتدليسا، ويصدرونها على أنها مدعاة لانتظار النهايات أو الإسهام فيها، فيتحول الشباب من طاقة إعمار وإنتاج إلى طاقة قتل وتخريب!!

وأشار أستاذ الاجتماع السياسي إلى أن سنن الله الكونية لا تحابي أحدا وإنما كل نتائج لها مقدمات منطقية توصل إليها، ولهذا علي المجتمعات الإسلامية نفض غبار التخلف والضعف بمفهومه الشامل، وقتها فقط ستعود للأمة عزتها وكرامتها وتكون الخلافة العادلة الراشدة التي يقودها المهدي المنتظر أو حتى غيره من عباد الله الصالحين.

وحذر عرفان من الإغراق في التعلق بالغيبيات والمستقبل والانشغال عن تغيير الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة، حتى أصبحنا كغثاء السيل الذي لا يصلح أن يقود البشرية أو تقوم علي أكتاف أبنائه خلافة راشدة عادلة لأن الأمة المريضة لابد من تشخيص أمراضها وعلاجها وهذا أمر يستغرق سنوات طويلة..

ونصح أستاذ الاجتماع السياسي قائلا: يجب على علماء الأمة في مختلف التخصصات وخاصة الدينية محاولة إفاقة الأمة من كبوتها لتبني حاضرها ومستقبلها وليس انتظار النصر المبين في الملحمة الكبرى علي الأمم الأخرى، ونحن ممزقين منهزمين داخليا وعالة علي الأمم في مأكلنا ومشربنا وملبسنا، وقد استغل أعداؤنا هذا الوضع السيئ فوضعوا المخططات وقسمونا فرقا وجماعات وأحزاب ومدوا الجميع بالسلاح ليقتل المسلم أخاه بدون سبب.

وتساءل: كيف ننتظر النصر في عصر الفتن والملاحم وقد حاربنا الله بكل أنواع المعاصي ما ظهر منها ما وبطن حتى قلبنا الأمور الفطرية وصدق فيما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أشراط الساعة الفحش والتفحش وقطيعة الرحم وتخوين الأمين وائتمان الخائن”، وكذلك تصدر سفهاء الأمة المشهد وهم من وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ” بين يدي الساعة سنون خدَّاعة يُتَّهم فيها الأمين ويُؤتمن فيها المُتَّهم وينطق فيها الرويبضة قالوا: وما الرويبضة؟ قال: السفيه ينطق في أمر العامة”.


القراءة في السياق


وتابع قائلا يجب قراءة أحاديث الفتن والملاحم في سياقها الصحيح، دون إفراط أو تفريط، وأعني بالسياق هنا سياق قول النبي صلى الله عليه وسلم وأسبابه، يعني لمن قال، ومتى، مع ربط ذلك بأحاديث أخرى تحض على العمل والبذل والتوحد والاعتصام، وبالطبع مراعاة قواعد تخريج الإسناد.

مصيبة كثير من المتعاملين مع السنة أنهم ينزعون النصوص عن سياقاتها المختلفة ويصدرونها على أنها كيان قائم بذاته
وأوضح عضو هيئة كبار علماء الأزهر الشريف أن قراءة تلك الأحاديث في سياقاتها وربطها بأحاديث أخرى سيجعل الفهم ميسورا وسيصرف كثيرا من الشباب عن اعتقادهم بأن الصراع والحرب أصل لنهاية الزمان، وأن البذل والعمل على رفعة الأمة هو خير استعداد لتلك الأيام.

وأنهي الدفتار مؤكدا أن الأمة في حاجة الي وحدة صفوفها ونبذ الفرقة والتطرف والاعتصام بحبل الله المتين سواء كنا علي أبواب عصر الفتن والملاحم أم لا، ناصحا “المسلمين فرادي وجماعات عدم البحث كثيرا في أحاديث الفتن والملاحم وربط تفاصيل حياتهم بها؛ لأن هذا قد يؤدي إلي نتائج سلبية منها الإحباط، أو الانخراط في تنظيمات إرهابية في محاولة خاطئة لتنفيذ ما جاء بتلك الأحاديث.



ركاكة الخطاب الديني

وفي السياق ذاته تعجب الدكتور محمد عبد اللطيف قنديلأستاذ الحديث بكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر من مسارعة الكثير من الشباب المسلم المتحمس لدينه بعد أن تعرض لعملية غسيل مخ من ” داعش ” وأخواتها من التنظيمات المتطرفة للجوء إلي أرض الشام باعتبارنا في آخر الزمان، وأنها المأمن للمسلم في الفتن لورود أحاديث بذلك.


واستدرك أستاذ الحديث قائلا: لكني ألتمس العذر لهؤلاء الشباب في ظل حالة من الخطاب الإسلامي ركيكة، لا ترتقي مطلقا لحجم ما تتعرض له الأمة.

ولهذا يرى قنديل أنه لابد من إحداث ثورة في الخطاب الديني على كل ما هو ُمسَطِّحٌ للعقل، ومُمَيِّعٌ للمواقف، ومناف لواجب الوقت الذي تفرضه أحداث الساعة.

وطالب أستاذ الحديث المؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي والأزهر الشريف على رأسها أن يسهموا إسهاما حقيقيا في بلورة خطاب ديني يلامس قضايا الأمة ويقدم حلولا لهؤلاء الشباب الذين ضاعوا ما بين خطاب يتبنى احاديث الفتن والملاحم ويغذي الشعور العام بها، فيقع الشباب بسببه فريسة إما للإحباط او الجماعات الإرهابية، وما بين خطاب تسطيحي يقدم إسلاما طقسيا شعائريا بعيدا عن الحياة ومتطلباتها.

وماذا عن التاريخ؟

وماذا عن التاريخ؟ سؤال علق به المؤرخ الكبير الأستاذ الدكتور مجاهد الجندي ، أستاذ التاريخ الإسلامي جامعة الأزهر حيث بدا من تساؤله وكأنه يقول إن هناك أحداثا مماثلة في التاريخ الإسلامي لما نحن فيه.

الجندي أكد ذلك حين قال: نعم أتساءل حتى يفيق هؤلاء الشباب ويتركوا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبيات لتكون مجرد إشارات ودلائل على نبوته صلى الله عليه وسلم.


وتابع: فما أشبه اليوم بالبارحة، ففي قرون سابقة فسر بعض العلماء القدامى أحداثها بأنها أيضا بدايات عصر الفتن والملاحم، خاصة في فترات حروب التتار والصليبيين وحملاتهم.. حتى وصل الأمر إلى حد التماهي مع تلك الأحاديث في بعض ما أخبرت عنه، حيث تحالف بعض فرق المسلمين مع الأعداء ضد إخوانهم وأطلقوا عليها أيضا ” الملحمة الكبرى ” التي تكون آخر الزمان وقرب قيام الساعة، ومع ذلك لم ينته الزمان ومرت بعد ذلك قرون كثيرة، وعلا نجم المسلمين بعدها، ثم خبا، وهكذا.. وتلك سنة الله في كونه.

وقال الجندي: لا يعني هذا أبدا أن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة سندا ومتنا في هذا الإطار لا نؤمن بها، لكن فلسفة التعامل معها تحتاج إلى علماء وباحثين قادرين على دراسة سياقاتها وأسباب إخبار النبي بها صلى الله عليه وسلم، وربطها بفلسفة الإسلام العامة الداعية للعمل والاجتهاد المحبة للسلام والتعايش بين بني البشر جميعا.