المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طغيان رجال الكنيسة وفساد أحوالهم



admin
06-18-2017, 10:10 PM
تفصيل العامل الثالث بإيجاز
هو طغيان رجال الكنيسة وفساد أحوالهم، وجمودهم المتعنت، واضطهادهم لمخالفيهم.

جذر الطغيان:

وضع رجال الكهنوت المسيحي الأولون نظاماً هرمياً معقداً دقيقاً صارماً لسلطات رجال الكنيسة، وبهذا النظام الهرمي المعقد سيطر رجال الكنيسة على الكنائس المسيحية من القاعدة إلى القمة، وهيمنوا به على شعب الكنيسة، ثمّ كان لهم به نفوذ واسع في البلاط الإمبراطوري، وفي
مختلف أجهزة الحكم، بسبب دعمهم للطامعين بالسلطان، وإيصالهم إليه بسلطتهم الدينية على شع الكنيسة وتأييدهم لهم، حتى صارت البابوات يتوجون الملوك والأباطرة، ويملون إرادتهم في تأييد من يريدون تأييده من ذوي السلطان، وفي تعيين أنصارهم ومؤيديهم في أجهزة الحكم، ويستغلون خضوع رجال السلطة الإدارية لهم في تحقيق شهواتهم، ومنافعهم، ومصالحهم الدنيوية، وما تتجه له أهواؤهم.

هذا الوضع المغري بالاستبداد والتسلط، قد أعطى رجال الكنيسة قوة غير عادية، وهذه القوة المتفوقة تصاحبها عادة مشاعر الاستعلاء والاستغناء، ثمّ يتولد عن ذلك طغيان عنيف في التصرف، خاصة حينما يكون الخوف من حساب الله وعقابه منعدماً، بموجب الثغرات الكثيرات الموجودة في المفاهيم النصرانية التي يراها المعتقدون بها ديناً صحيحاً، وهي منسوبة إلى الدين زوراً وبهتاناً.

وهذا الطغيان قد كان له في أوساط رجال الكنيسة من قاعدتها العريضة حتى قمة هرمها حيث مركز البابوية، مظاهر كثيرة في مختلف المجالات، وفيما يلي تفصيل موجز لذلك:

تفصيل موجز لظواهر طغيان رجال الكنيسة:
كان لطغيان رجال الكنيسة عدة ظواهر شملت المجالات التالية: الطغيان الديني الذي جر إلى احتكار العلم واضطهاد مخالفي آرائهم من علماء الكون - الطغيان السياسي- التهالك على جمع المال - الإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات - وفيما يلي تفصيل موجز لذلك.
* * *

الطغيان الديني:

تسلم رجال الكنيسة سلطة دينية عظيمة تكاد تكون سلطةً مطلقة، دون أن يكون لديهم دين صحيح ثابت بمصادر صحيحة، ذات نصوص قطعية النسبة إلى رسول الله عيسى عليه السلام، أو نصوص قطعية النسبة إلى
رسل الله من بني إسرائيل قبل عيسى عليه السلام.

فدفعهم هذا إلى اعتماد قرارات تصدرها المجامع الكنسية، في الأحكام الدينية المختلفة، سواء أكان ذلك في العقائد، أو في العبادات، أو في التشريعات، أسوة بما كان في المجمع المسكوني الأول، الذي قُررت فيه عقيدة التثليث، وأُقرت عقيدة الصلب والفداء.

ومع الرغبة بإنقاذ الدين من حالة الضياع والنسيان، اتلي مسَّت أحكامه وشرائعه، المنزلة على لسان عيسى وقبله، وجد رجال الكنيسة هذه السلطة المطلقة تحقق لهم ربوبية على شعب الكنيسة، وبها يصلون إلى ما يهوون ويشتهون.

ثمّ دفعهم هذا إلى اعتماد القرارات والأوامر التي يصدرها البابا وهو الرئيس الأعلى لكل رجال الدين المسيحي التابعين له والخاضعين لسلطته.

ومنح رجال الدين هؤلاء نفسهم العصمة عن الخطأ فيما يقررون من أحكام، فكانوا بذلك أرباباً من دون الله، يحللون ويحرمون لشعب الكنيسة بحسب آرائهم وأهوائهم وما يرون من مصالح لأنفسهم ولخدمة المسيحية المحرفة الأصول، دون أن يكون لأحد مهما كان عالماً بالدين أن يعترض على قرارات المجامع، أو قرارات البابا وأوامره ونواهيه.

أمثلة:
* لقد ورث بنو إسرائيل حكم الختان عن سيدنا إبراهيم عليه السلام، وظل الأمر كذلك لم ينسخ فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام.
ثمّ ظهر في المسيحية نسخ حكم الختان بأحكام كنسية، ويظهر أن ذلك قد كان بتأثير عادة الرومانيين الذين كانوا لا يعرفون الختان في وثنيتهم، وبقبول رجال الكنيسة لهذه العادة والتساهل في أمرها استرضاءً للرومان، وتوفيقاً بين ما كان عندهم وبين المسيحية الجديدة، إذ صارت بأمر الإمبراطور "قسطنطين" هي الدين الرسمي للإمبراطورية.

* وكان الطلاق وتعدد الزوجات مأذوناً بهما منذ عهد إبراهيم عليه السلام، ومن الأحكام الدينية الموروثة عند جميع بني إسرائيل، ولم يتغير حكمهما فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام.
ثمّ ظهر في المسيحية بحكم كنسي بابوي تحريم تعدد الزوجات، ومنع الطلاق إلا في أحوال ضيقة جداً كثبوت الخيانة الزوجية.

* وكان حل أكل البهيمة من الأنعام مشروطاً بأن تكون مذبوحة وفق الذكاة الشرعية المعروفة في الإسلام.
وظل الأمر كذلك في بني إسرائيل، ولم ينزل نسخ له فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام.

ثمّ ظهرت في المسيحية إباحة أكل غير المذكاة ذكاة شرعية، وكان ذلك التغيير في الحكم استرضاءً للوثنية الرومانية التي كانت أحكامها تبيح أكل الميتة.

* وكان الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، وظل الأمر كذلك لم ينسخ فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام في حق أي أحدٍ يملك الحاجة ولديه الباءة.
ثمّ ابتدع رجال الكنيسة الرهبانية فما رعوها حق رعايتها، ثمّ فرضتها بعض طوائفهم على الذين ينتظمون في السلك الكنسي، وكان ذلك حكماً بشرياً مخالفاً لشريعة الله، ومنافياً للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ونجم عنه فساد عريض وفسق كبير لدى هؤلاء المحرومين من الزواج بموجب أحكام الدين الذي ابتدعه رجال الكنيسة.

* وكان الصوم عبادة مماثلة لما شرع الله في الإسلام، فغيرة رجال الكنيسة المسيحية من صوم دائر على فصول السنة وفق الشهر القمري، إلى صوم ثابت في شهر شتائي وفق حساب الأشهر الشمسية. ومن صوم عن الطعام والشراب كله إلى صوم عن بعض أنواع الأطعمة، وزادوا في عدد أيام الصيام بأحكام من عندهم.
* وابتدعوا عبادة عيسى، وعبادة الصليب، وعبادة التماثيل، وأشكالاً وطقوساً ما أنزل الله بها من سلطان.
* ومنحوا أنفسهم حق الغفران للمذنبين وذوي الخطايا مهما عظمت، فرتبوا بناء على ذلك مراسيم الاعتراف والغفران، ووضعوا رسوماً مالية يدفعها المعترف للكنيسة حتى ينال الغفران عن خطاياه، وجر ذلك لابتزاز أموال الناس، وجرأهم على ارتكاب الخطايا ما دام الغفران مضموناً مقابل أجر معلوم.
ثمّ أعطو أنفسهم سلطة بيع الصكوك التي تخول مالكيها دخول الجنة بغير حساب، مهما عظمت خطاياهم السابقة واللاحقة.

* ومنحوا أنفسهم حق الحرمان من الدين، ومنحوا رجل الكنيسة حق التحلة من أحكام الدين بحسب أهوائهم.
إلى غير ذلك من أمور عجيبة غريبة، آخرها حق تغيير الحقائق التاريخية، إذ أصدرت بابوية روما في عصرنا هذا قراراً يتضمن تبرئة اليهود المعاصرين لعيسى عليه السلام من التآمر على قتله، لدى السلطان الروماني الذي استجاب لهم، وأمر بالتنفيذ، لكن الله أنقذه منه، إذ أوقع شبهه على من دل على مكانه من تلاميذه، وهو يهوذا الأسخريوطي.

* واشتدوا على مخالفيهم في الدين كله، أو في بعض المسائل المقررة فيه، أو في المفاهيم التي يصدرونها من عند أنفسهم بهوى منحرف، أو بفهم مخطئ.
وركب أدمغتهم ونفوسهم تعصب عنيف، ضد كل مخالفيهم، ولو كانوا مسيحيين يريدون تصحيح بعض المفاهيم والأخطاء والمفاسد التي فشت في الكنيسة.

فاضطهدوا مخالفيهم - ولو ظناً ولأدنى تهمة - بقسوة لم يعرف تاريخ البشرية أظلم ولا أبشع ولا أطغى منها، حتى كانت المثل الأكبر للهمجية والوحشية والموغلتين في التخلف الحضاري، والبعد عن كل معاني الإنسانية، وعن الحيوانية المحكومة بنظام فطرتها التي لا غلو ولا شطط فيها.

فأقاموا بأنانية مفرطة، وتعصب صليبي مجنون، محاكم التفتيش في الأندلس، وأبادوا فيها المسلمين إبادة تامة، بأغرب ما يتخيل الفكر من قسوة ووحشية وفنون تعذيب، رغم العهود التي قطعوها للمسلمين، بإعطائهم كامل حرياتهم في الأندلس، حين تمكنوا عن طريق المنافقين والخائنين من الانتصار على المقاتلين من المسلمين فيها، وتمكنوا من احتلالها.
لقد كانوا يملؤون سجوناً غائرة في الأرض بالمعذبين، فيعذبونهم عذاباً نكراً، ثمّ يقفلون عليهم، ويسدون عليهم المنافذ، حتى يموتوا اختناقاً، ثمّ يجعلون هذه السجون مقبرة لسجنائهم المالئين لها.

ولم يكن رجال الكنيسة في معظم الدول المسيحية إلا صوراً مشابهة أو مقاربة لرجال الكنيسة في الأندلس، تعصباً وعنفاً وقسوة وهمجية، ضد كل من يشتبهون بأنه على خلاف رأيهم في أية مسألة يلصقونها بالدين.

وجر الطغيان الديني الذي وصل إليه رجال الكنيسة، إلى احتكار العلم، واضطهاد مخالفيهم من العلماء الباحثين في علوم الطبيعية بوسائلهم الإنسانية.

ولم يكن دفاعهم عن المسيحية دفاعاً عن دين حق ثابت بنصوص قطعية، ولا عن حقائق ثابتة في الدين بنصوص ربانية، أو نصوص ثابتة عن عيسى عليه السلام بطرق يقينية، وإنما كان دفاعاً عن آراء من وضع رجال الكنيسة السابقين، ألصقوها بالدين على شكل شروحات وتفسيرات، واستفادوها من آراء يونانية سالفة، أو أقوال شائعة على ألسنة الجماهير ليس لها سند علمي، ولا سند ديني.

وقد حلل العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي هذه الظاهرة بدقة، ووصفها وصفاً حسناً إذ قال:

" من أعظم أخطاء رجال الدين في أوروبا، ومن أكبر جنايتهم على أنفسهم، وعلى الدين الذي كانوا يمثلونه، أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة، معلومات بشرية، ومسلمات عصرية، عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية، ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر. ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني، وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر، فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض، فإن العلم الإنسان متدرج مترقٍ، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصراً على كثيب مهيل من الرمل.

ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة، ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين، فإن ذلك كان سبباً للكفاح المشؤوم بين الدين والعلم، الذي انهزم فيه ذلك الدين - المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل، والخالص والزائف - هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطاً لم ينهضوا بعده، وشر من ذلك وأشأم أن أوروبا أصبحت لا دينية.
ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس، وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريهما من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية، وصبغوها صبغة دينية، وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها، ونبذ كل ما يعارضها، وألفوا في ذلك كتباً وتآليف، وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان الجغرافية المسيحية (Christian Topography) وعضوا عليها بالنواجذ، وكفروا كل من لم يَدِن بها ".

اضطهاد الكنيسة للعلم:

وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوروبا، وحطم
علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني، فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب، وانتقدوها في صرامة وصراحة، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب، وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم.

فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوروبا، وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي، وأنشأوا محاكم التفتيش التي تعاقب - كما يقول البابا - أولئك الملحدين والزنادقة الذين هم منتشرون في المدن وفي البيوت والأسراب والغابات والمغارات والحقول.

فجدت واجتهدت وسهرت على عملها، واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني نابضاً ضد الكنيسة، وانبثت عيونها في طول البلاد وعرضها، وأحصت على الناس الأنفاس، وناقشت عليهم الخواطر، حتى يقول عالم نصراني:

" لا يمكن لرجل أن يكون مسيحياً ويموت حتف أنفه ".

ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف، أُحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء، كان منهم العالم الطبيعي المعروف "برونو" نقمت منه الكنيسة آراءً من أشدها قوله بتعدد العوالم، وحكمت عليه بالقتل، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه , وكان ذلك يعني أن تحرق حياً، وكذلك كان ". انتهى.

ويقول "برنتن":
" إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية حتى في أوج العصور الوسطى كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية، وكانوا جزءاً من الكنيسة، حيث إن الكنيسة بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم، تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري وتوجهها، وبخاصة النشاط العقلي....
كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة يكادون يحتكرون الحياة العقلية، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة والصحافة والنشر والمكتبة والمدرسة والكلية ".

أمثلة:

* كانت الكنيسة آخذةً بنظرية "بطليموس" التي تجعل الأرض مركز الكون، وتقول: إن الأجرام السماوية جميعها تدور حولها.

فجاء القسيس "كوبرنيق" بنظرية تقول بخلاف النظرية القديمة، التي جعلتها الكنيسة ضمن معارفها الدينية، وشرح نظريته في كتابه "حركات الأجرام السماوية".

وطبع كتابه هذا، فثارت ثورة الكنيسة ضده، وقبل أن يساق إلى محكمة التفتيش أدركته منيته، فحرمت الكنيسة هذا الكتاب، ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.

* ثمّ ظهر "جيوردانو برونو" فنادى بنظرية "كوبرنيق" فقبضت عليه محكمة التفيش، وزجت به في السجن ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة (1600م) كما سبق بيان ذلك.

* وبعد عدة سنوات ظهر "جاليلو" الذي توصل إلى صنع المنظارالفلكي "التلسكوب" فأيد بمشاهداته نظرية "كوبرنيق" وقال بدوران الأرض.

فسيق إلى محكمة التفتيش، وحكم عليه سبعة كرادلة بالسجن، وفرضوا عليه تلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات.
ولما خاف "جاليليو" من المصير الذي انتهى إليه "برونو" أعلن توبته، ورجوعه عن رأيه، وركع أمام رئيس المحكمة قائلاً:
" أنا جاليليو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي المخطئ بدوران الأرض".

وتعهد للمحكمة بأن يبلغها عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل.

هذه الأمثلة ونظائرها تجدها في معظم الكتب التي تحدثت عن الصراع بين الدين المسيحي والعلم. أو أرَّخت للقرن السادس الميلادي فما بعده، ولدى معظم الذين تحدثوا عن اضطهاد الكنيسة لعلماء النهضة الحديثة.
* * *
الطغيان السياسي:

بلغت سلطة البابا الدينية المهيمنة على ذوي السلطة الإدارية والسياسية أوجها. حتى كان باستطاعة البابا أن يتوج الملوك والأباطرة، وأن يخلع تيجانهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره، وأن يحرمهم من الدين، وأن يحرم شعوبهم الذين يوالونهم، ولا يستجيبون لأوامر الخلع البابوية.
حتى أعلن البابا "جريجوري" السابع: أن الكنيسة بوصفها نظاماً إلهياً، خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه بصفته خليفة الله في أرضه، أن يخلع الملوك غير الصالحين، وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام، أو تنصيبهم حسب مقتضيات الأحوال.

وبناء على ذلك خلع هذا البابا الإمبراطور الألماني "هنري" الرابع وحرمه، وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له، وألبهم عليه، فعقد الأمراء اجتماعاً قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على مغفرة البابا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد.

فاضطر هذا الإمبراطور حفاظاً على عرشه أن يسعى لاسترضاء البابا سنة (1077م) ، فاجتاز جبال الألب في شتاء بارد مسافراً إلى البابا الذي كان في قلعته بمرتفعات "كانوسا" في "تسكانيا". وظل واقفاً في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان متدثراً بالخيش، حافي القدمين، عاري الرأس، يحمل عكازه، مظهراً ندمه وتوبته، حتى ظفر بعفو البابا، وحصل على رضاه.
* * *

التهالك على جمع الأموال:

تدعوا التعاليم المسيحية التي ابتدعها الرهبان إلى الزهد والتقشف، والبعد عن جمع الأموال، وإلى تعذيب الجسم والرضا بأقل العيش.

وعمل بهذا قليل من رهبانهم، وتظاهر به كثيرون مراءون، كانوا يجمعون الأموال باسم الفقراء والمساكين، ثمّ يكنزونها، ولا ينفقونها فيمن جمعوها لهم.

ثمّ لما صار لرجال الكنيسة سلطان قوي على الشعب المسيحي من القاعدة إلى القمة، اجتماعي وسياسي، أخذوا يجمعون الأموال الطائلة باسم خدمة المسيحية والتبشير بها، وباسم المشروعات التي يريدون إنشاءها، من كنائس وأديرة وغير ذلك.
حتى صار جمع المال والاستكثار من الثروت غاية لديهم، فأمست الكنيسة تملك أوسع الأراضي، وأكثر القصور، وأكثر الأرقاء الذين يعملون في زراعة أراضيهم، وبلغت ممتلكات الكنيسة في إنكلترا ثلث أراضيها، كما ذكر "ويكلف" أحد دعاة الإصلاح الكنسي.

وانطلق كثيرون من رجال الكنيسة ينافسون كبار الأغنياء، وملاك الأراضي والأرقاء فيما يجمعون من أموال لأنفسهم، حتى كان بعضهم يملك إقطاعات واسعة وآلاف الأرقاء لاستثمار هذه الإقطاعات.

وفرضت الكنيسة ضرائب على رعاياها، تأخذها منهم بالقوة، مع ما تأخذه منهم من عطايا وهبات ووصايا.

وفتحت رسوم الاعتراف والغفران، وصكوك الغفران التي يبيعونها للناس، أبواباً واسعة تبتز بها الكنيسة أموالاً طائلة، وصار من مصلحة صندوق الكنيسة التشجيع على ارتكاب كبائر الذنوب، ليغفر رجالها للمذنبين، ويأخذوا منهم ثمن العفو والغفران.

ولجأت الكنيسة إلى نظام تسخير رعاياها المسيحيين في العمل المجاني بمشروعاتها الزراعية أو إنشاءاتها.

واشتدت احتجاجات الجماهير السرية ثمّ العلنية، وأيدهم في ذلك بعض الملوك.

لكن سلطة الكنيسة كانت أقوى من أن تلتفت لذلك، وتعدل من سلوكها.
* * *

الإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات:

عملاً بتعاليم المسيحية الداعية إلى الزهد والتقشف، غلا الرهبان والقساوسة غلواً مسرفاً في تعذيب أجسامهم تقرباً إلى المسيح.
وكان التقشف عند بعضهم تقشفاً ظاهرياً، أما في السر فكانوا يعطون
أنفسهم كل حظوظها من الاستمتاع بأنواع لذات الحياة الدنيا.

ثمّ لما صار لهم سلطان قوي على الشعب المسيحي من القاعدة إلى القمة، وملكوا الأموال الكثيرة، ووسائل الاستمتاع الوفيرة، وضعف تأثير التعاليم والتوجيهات المسيحية في نفوسهم، انطلقت فطرهم على سجيتها، وتفجرت شهواتهم تتطلب إشباعها، فأخذوا ينافسون ويسابقون العصاة وأرباب الفجور من عشاق زينة الحياة الدنيا، وطلاب متاعها ولذاتها.
وانطلقت الألسنة تلهج باتهام رجال الكنيسة بارتكاب كبائر الإثم، ومقارفة المنكرات، والانغماس في الموبقات، حتى دركة الفجور بمختلف أنواعه وأشكاله، وانطلقت الألسن باتهامهم بفساد الأخلاق واستغلال سلطتهم الدينية لإشباع شهواتهم، وتحقيق أهوائهم.

وصار الإسراف الشديد والبذخ الزائد من الأمور التي يتنافس فيها رجال الكنيسة فيما بينهم، فيبددون الأموال الطائلة التي يجبونها باسم الكنيسة ومشروعاتها على ترفهم وشهواتهم ولذاتهم.

يقول الراهب "جيروم":

" إن عيش القسس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين، وقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطاً عظيماً، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال، وعدوا طورهم، حتى كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع، وقد تباع بالمزاد العلني، ويؤجرون أرض الجنة بالوثائق والصكوك وتذاكر الغفران، ويأذنون بنقض القانون، ويمنحون شهادات النجاة، وإجازات حل المحرمات والمحظورات، كأوراق النقد وطوابع البريد، ويرتشون ويرابون.

وقد بذروا المال تبذيراً، حتى اضطر البابا "أنوسنت" الثامن أن يرهن تاج البابوية.

ويذكر عن البابا "ليو" العاشر أنه أنفق ما ترك البابا السابق من ثروة وأموال، وأنفق نصيبه ودخله، وأخذ إيراد خليفته المرتقب سلفاً وأنفقه.

ويروى أن مجموع دخل مملكة فرنسا لم يكن يكفي البابوات لنفقاتهم وإرضاء شهواتهم".