المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأثير الفتح الإسلامي، والفكر الإسلامي الذي انتشر معه



admin
06-18-2017, 10:05 PM
تفصيل العامل الثاني بإيجاز

وهو تأثير الفتح الإسلامي، والفكر الإسلامي الذي انتشر معه، وامتد بعده.
لما ظهر الإسلام، واتفقت عقيدته وعقيدة الموحدين من النصارى الذين ليس لهم سلطان رسمي في كنائس الإمبراطورية الرومية، دخل معظم هؤلاء الموحدين ومعهم كثيرون من سائر الطوائف النصرانية في الإسلام، فكانوا من المؤمنين بخاتمة رسالات الله للناس، وبخاتمة رسل الله.

واستقرت العقيدة النصرانية الرسمية على الكاثوليكية، ثمّ ظهرت في تاريخ المسيحية بعض الحركات الإصلاحية، التي لم تستطع تغيير جوهر التحريف الذي أمسى هو العقيدة المسيحية.

1- ففي القرن الثامن الميلادي في "سبتمانيا" - وهي مقاطعة فرنسية قديمة في الجنوب الغربي لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط - ظهرت حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس، وأنه ليس للقسس حق في ذلك، وما على الإنسان إلا أن يضرع الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم.

وظاهر أن هذه الحركة متأثرة بامتداد التعاليم الإسلامية، التي ليس فيها خرافة الاعتراف والغفران أمام أحد من الناس، لكن العصاة يتوبون إلى الله ويستغفرونه دون أن يكون بينهم وبينه وسطاء، وهو وحده الذي إن شاء غفر لهم.

2- وفي القرنين الثامن والتاسع للميلاد ظهر مذهب نصراني يفرض تقديس الصور والتماثيل، حتى أصدر الإمبراطور الروماني "ليو" الثالث في سنة (726م) أمراً يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل. وأصدر أمراً آخر في سنة (730م) يقرر فيه أن تقديس الصور والتماثيل وثنية.

وكذلك كان "قسطنطين" الخامس، و"ليو" الرابع.

ويرى بعض المؤرخين أن ظهور هذا المذهب قد كان بتأثير امتداد الفكر الإسلامي، ويقولون: إن "كلوديوس" أسقف "تورين" والذي عين أسقفاً سنة (828م) قد كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته، ومن المؤكد أنه تأثر بالإسلام لأنه ولد وربي في الأندلس الإسلامية.
3- وفي القرن السادس عشر الميلادي ظهرت "البروتستانتية" فرقة من فرق النصارى، إذ خرجت على الكنيسة الكاثوليكية، وأعطت الفرد حرية التقدير، وأبرزت مسؤولية الفرد تجاه الله وحده، وليس تجاه الكنيسة.

وزعيم الإصلاح "البروتستانتي" في المسيحية هو القسيس "مارتن لوثر" الذي عاش ما بين (1483 - 1546م) .
نال شهادة أستاذ في العلوم من جامعة "ايرفورت" سنة (1505م) وبدأ يدرس القانون. ثمّ تحول عنه ودخل ديراً للرهبان الأغسطينيين. ورسم قسيساً سنة (1507م) . ثمّ عين راعياً لكنيسة "فيتنبرج" بألمانيا. زار روما سنة (1510م) فساءه الانحلال الروحي المتفشي في الأوساط الكنسية العليا. فأخذ يفكر يخطط لإصلاح عقيدة الكنيسة وطرق العبادة فيها. وفي سنة (1517م) تحدى "تيتزل" الذي كان يبيع صكوك الغفران. واحتجاجاً على مفاسد رجال الكنيسة علق على أبواب كنيسة القلعة خمساً وتسعين قضيةً أثارت غضب السلطات الكنسية. فطلبوا منه سحب احتجاجاته فرفض، وأعلن مقاومته الصريحة لبعض العقائد المرعية. فأصدر البابا قراراً بحرمانه من غفران الكنيسة، فلما تلقاه "لوثر" أحرقه علانية.

فالمذهب "البوتستانتي" ثمرة حركة "مارتن لوثر" إلا أن هذا المذهب لم يصل إلى إصلاح أصل العقيدة التي دخل إليها التحريف، فلم يمس عقيدة التثليث، ولا عقيدة الصلب والفداء، ولا غير ذلك من تحريفات جوهرية في الدين.

4 - وكان للفتح الإسلامي تأثير كبير في الفكر الأوروبي بوجه عام، إذ قامت الحضارة الرائعة الرائدة في العواصم الإسلامية، وكان للدولة الإسلامية في الأندلس مجد عظيم امتدت أنواره إلى أوروبا الغارقة في الظلمات.

لقد كان الفتح الإسلامي المجيد، وما جاء بعده من بناء حضاري رائع بحسب زمنه، من أعظم الأسباب التي نبهت الشعوب الأوروبية إلى ضرورة الأخذ بالأسباب التي أخذ بها المسلمون.

وبالبحث وجد مفكروهم أن المسلمين اعتمدوا في بناء حضارتهم الرائدة على البحث العلمي الصحيح، والتجارب العملية، فبعثوا بعوثهم إلى عواصم العالم الإسلامي، بغية اقتباس العلم، ومعرفة ما لدى المسلمين من نهضة حضارية، ووجدت بعوثهم أن الدين الإسلامي قد دفع المسلمين من الأبواب العريضة لاقتباس المعارف، والكشف عن أسرار الكون، وأسباب الظواهر التي تجري فيه، ومعرفة القوانين التي فطر الله الأشياء وطبعها عليها، ليتمكنوا من استخدامها، والانتفاع منها في صنع الوسائل الحضارية.
وعادت هذه البعوث إلى بلادها تنادي بضرورة الأخذ بأسباب العلم والمعرفة، للوصول إلى مواقع القوة، وقيام النهضة الحضارية التي تحاكي ثمّ تسابق نهضة المسلمين، وتوقف انتشار الإسلام وامتداد الدولة الإسلامية الكبرى.

واستجاب بعض مفكريهم لهذه النداءات، وشجع بعض ملوكهم هذه النهضة الفكرية، وحاول هؤلاء فصل النهضة العلمية عن سلطان الأديرة والكنائس، واتجهوا لتأسيس جامعات علمية قائمة على غير هوى رجال الكهنوت المسيحي.

حتى شهدت أوربا الإمبراطور "فردريك" الثاني، الذي اعتلى عرش إيطاليا، وكان يلقب بأعجوبة الدنيا، يتمرد على سلطة البابا، ويفتح بلاطه لعلماء المسلمين ومفكريهم، ثمّ ذهب إعجابه بنهضة المسلمين الفكرية والحضارية إلى إدخال تقاليدهم وعاداتهم في بلاطه.
وفي سنة (1224م) أسس جامعة "نابولي". وكانت هذه الجامعة تدرس فلسفة الفيلسوف العربي "ابن رشد" وفلسفة الفيلسوف اليوناني "أرسطو" المنقولة بأقلام المترجمين المسلمين، وكانت تعتمد على الدروس التي وضعها علماء من المسلمين مثل: "ابن سينا، والرازي، والفارابي" وغيرهم.

والإمبراطور "فردريك" هذا، هو الذي أدخل الأرقام العربية، وعلم الجبر إلى أوروبا.

وكانت جامعة "نابولي" وجامعة "ساليرنو" النافذتين اللتين انتقلت منهما النهضة الفكرية إلى جامعات "باريس" و"بولونيا" و"اكسفورد" ثمّ منها إلى جميع أنحاء أوربا.

ثمّ اتسع احتكاك الأوروبيين الثقافي بالمسلمين في الأندلس، وفي القاهرة، ودمشق، وبغداد، وسائر العواصم الإسلامية، والمدن الكبرى في العالم الإسلامي، عن طريق التجارات، والرحلات، والسفارات.

وزاد الاحتكاك توسعاً وعمقاً أيام الحروب الصليبية، التي دامت قرابة قرنين من الزمان.

وكان كل ذلك موقظاً لأوروبا من سباتها العميق التي كانت فيه.
وقام رسل النهضة الحديثة يحرضون على بناء الحضارة، ويعملون على بنائها، ووقف رجال الكنيسة في وجه هذه النهضة معارضين، واشتدت المعركة بين الفريقين، وسجل التاريخ أقبح صور التعنت الجاهل من قبل رجال الكنيسة ضد رواد العلم والحضارة.
لكن رجال الفكر والعلم في البلاد الأوروبية أخذوا ينهلون من مناهل علوم المسلمين، وصارت الجامعات تتنافس في اقتناء الكتب العربية، وكان فريق من علماء الغرب يصرح بأن معرفة اللغة العربية ضرورية لمن يريد أن يحيط بحقائق العلم.

وأثارت اليغرة "بتراك" فقال لقومه " ماذا نقول؟ استطاع "ششرون" أن يكون خطيباً بعد "ديموستين" وصار "فيجرل" شاعراً بعد "هوميروس" وأنتم تتوهمون مع ذلك بأنه لن ينبغ أحد بعد العرب. نحن ضاهينا اليونان، حتى إننا سبقناهم في بعض الأحيان، وضاهينا وسبقنا بذلك جميع الأمم، وأنتم تقولون الآن: إننا لن نضاهي العرب!! ".

وثيقة تاريخية:

وثيقة حفظها التاريخ شاهداً على سبق المسلمين الحضاري العلمي للغرب، ورغبة الغرب في اقتباس العلم منهم، وهي رسالة من جورج الثاني ملك انكلترا والغال والسويد والنرويج إلى هشام الثالث الخليفة في الأندلس على المسلمين.

ونص الوثيقة كما يلي:

" من جورج الثاني ملك انكلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام.

بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل، لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أركانها الأربعة، ولقد وضعنا ابنة
شقيقنا الأمير "دوبانت" على رأس بعثة من بنات أشراف انكلترا، لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف، لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وحماية الحاشية الكريمة، وحدبٍ من اللواتي ستوفرن على تعليمهن ...

ولقد أرفقت مع الأمير الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص ...
من خادمكم المطيع جورج. م. أ

اعتراف عالم غربي معاصر:
جاء في كتاب "محاضرات في تاريخ العلوم" تأليف الدكتور "فؤاد سزكين" ما مضمونه: أن "شبرجس" أثبت بالأدلة أن الجامعات التي نشأت فجأة في أوروبا منذ القرن الثالث عشر الميلادي قد كانت كلها تقليداً مطلقاً للجامعات الإسلامية، وقد عقب بهذا التحقيق على ما جاء في كتاب لزميل له من العلماء الألمان المعاصرين، إذ زعم فيه أن نشأة هذه الجامعات في أوروبا قد كان ابتكاراً دون أي أثر خارجي، إذ لم يكن لها نماذج سابقة عند الإغريق القدماء، ولا عند الرومان ولا عند البيزنطيين.