المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نشأة الكاثوليكية



admin
06-18-2017, 10:02 PM
2 - نشأة الكاثوليكية :

بعد أن أدخل اليهودي "شاول=بولس" بمكره الخبيث على الديانة النصارنية فكرة تأليه عيسى عليه السلام وأنه ابن الله، لم يسيطر هذا التحريف على عقائد كل النصارى، بل اقتصر على طائفة قليلة منهم، أما الكثرة الكاثرة منهم فقد كانوا موحدين، يؤمنون بأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم.
ولكن دعاة النصرانية بعد أن رفع الله عيسى إليه، لم يستطيعوا أن يجاهروا بدعوتهم، واقتصر عملهم على الدعوة السرية خوفاً من الدولة الرومانية الوثنية، التي خافت على سلطانها منهم فكانت في كثير من الأحيان تضطهد أتباع عيسى عليه السلام، وكل من ينتمي إلى المسيحية، ولجأ المسيحيون إلى بناء الأديرة والصوامع في الجبال والمواطن النائية، ليعبدوا فيها ربهم، وفق ما يفهمون من دنيهم، وحين يخف الضغط عليهم وتكف الدولة عن اضطهادهم ينشطون في بناء الكنائس في المدن.

وبسبب النشاط السري للدعوة على امتداد الإمبراطورية الرومانية لم يظهر للإنجيل الرباني الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام أثر مادي يوثق به، لقد فقد منذ العصور الأولى للديانة النصرانية، كما حقق ذلك العلماء الباحثون، ويجد القارئ في إنجيل "متى" وإنجيل "مرقس" وبعض رسائل "بولس=شاول" فقرات تشير إليه.

اضطهاد المسيحين:

مرت على المسيحيين أدوار من الاضطهاد الديني الذي كان يشتد ويخف من حين لآخر وذلك منذ رفع المسيح عيسى عليه السلام، حتى أوائل القرن الرابع الميلادي.

وبلغ الاضطهاد الروماني لهم ذروته في العهود التالية:
أولاً: في عهد الإمبراطور الروماني "نيرون" الذي اعتلى عرش الإمبراطورية من سنة (54) إلى سنة (68) ميلادية. ولقد لفق لهم تهمة حرق مدينة روما، فأنزل بهم أنواع العذاب، وتفنن في ذلك، وكان يحكم عليهم بالقتل الجماعي، ومنذ ذلك الحين بدأ اضطهاد الرومان للمسيحيين يأخذ طابع العنف الجماعي.

ثانياً: في عهد الإمبراطور "تراجان" الذي حكم من سنة (98) إلى سنة (117) ميلادية. وفي عهده كان المسيحيون يصلون في الخفاء هرباً من اضطهاده، وأمر هذا الحاكم بمنع الاجتماعات السرية، وأنزل بهم ألوان الذل والعذاب لذلك.

وكان بعض ولاة هذا الإمبراطور يحكم بعقوبة الإعدام على من تثبت عليه التهمة بأنه مسيحي.

ثالثاً: في عهد الإمبراطور "ديكيوس" الذي حكم من سنة (249) إلى سنة (251) ميلادية. وقد أصدر هذا الإمبراطور أمراً باضطهاد عام للمسيحيين.
رابعاً: في عهد الإمبراطور "دقلديانوس" الذي حكم من سنة (284) إلى سنة (305) ميلادية. فقد أمر هذا الإمبراطور بهدم كنائسهم في مصر، وإحراق كتبهم، وسجن أساقفتهم ورعاتهم، قالوا: وقد قتل منهم نحو ثلاثمائة ألف قبطي.

إن هذا الاضطهاد قد جعل المسيحيين في هذه الأحقاب يستخفون بدعوتهم، ويفقدون كثيراً من كتبهم، ويجعل ديانتهم عرضة للضياع والتحريف، لا سيما ما كان من قِبَلِ أعدائهم اليهود الذين كانوا يدخلون في المسيحية نفاقاً.
وبسبب الاستخفاء والسرية ودسائس المنافقين من يهود وغيرهم، وجهل كثير من المنتمين إلى المسيحية، انقسم المسيحيون إلى طوائف متعددة، وفرق متباينة في مذاهبها الاعتقادية. فمنهم الموحدون، ومنهم اعتقدوا ألوهية المسيح عيسى، وآخرون اعتقدوا أن المسيح ابن الله، ومنهم من لفق فكرة الأقانيم الثلاثة: "الأب والابن وروح القدس" وجعلها إلهاً واحداً. إلى غير ذلك من معتقدات. ولكن ظروف الاضطهاد الذي كان ينزل بهم جميعاً لم يسمح لطوائفهم بأن تتصارع فيما بينها تصارعاً سافراً.

قسطنطين الأول الأكبر واعتناقه المسيحية:

ثمّ جاء الإمبراطور الروماني "قسطنطين الأول الأكبر" الذي وصل إلى عرش الإمبراطورية على جسر من أشلاء النصارى الذين بذلوا دماءهم من أجل إيصاله إلى الحكم ليظفروا بعطفه على النصرانية متى صار إمبراطوراً، وقد حكم الإمبراطورية من سنة (306) إلى سنة (337) ميلادية، فبدا له بعد ست سنوات من حكمه، أي: في سنة (313م) أن يعتنق المسيحية، دون أن يبتعد كثيراً عن وثنية روما التي كانت دين أسلافه، وهي عقيدة وثنية قائمة على التثليث، وكان هذا ثمرة تأييد النصارى له.

فأصدر مرسوماً بذلك، ولبست الوثنية الرومانية منذ ذلك الحين ثوب المسيحية، وثم ثمّ عطف الإمبراطور على المسيحيين، وسمح لهم بإعلان طقوسهم وعباداتهم، وربما دفعه إلى ذلك أيضاً خوفه على عرش الإمبراطورية من أن يسقط في أيدي المسيحيين، الذين تكاثروا تكاثراً عظيماً في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، رغم أنواع الاضطهاد الذي كان قد سُلّط عليهم فيما سبق.
ولما شعر المسيحيون بأنهم ملكوا حريتهم الدينية، وحرية التبشير بالمسيحية، ظهرت خلافات طوائفهم المختلفة، وبدأت الصراعات المذهبية تظهر بينهم، ولما رأى الإمبراطور "قسطنطين" طوائفهم المختلفة، وأخذت تظهر صراعاتهم المذهبية، أراد أن يتدخل في شؤون الكنيسة، ليعتمد مذهب إحدى الطوائف المتصارعة المختصمة فيما بينها، والتي يكفر بعضها
بعضاً، فدعا إلى مجمع كنسي عالمي، وهو ما يعرف باسم "مجمع مسكوني". فانعقد هذا المجمع المسكوني الأول بأمره في "نيقية" سنة (325) ميلادية فكان يُعرف هذا المجمع في التاريخ المسيحي بمجمع نيقية.

مجمع نيقية:

وفد إلى مجمع "نيقية" الذي دعا إليه "قسطنطين" من مختلف البلدان (2048) من البطارقة والأساقفة، ودار النقاش فيه حول شخص المسيح عيسى عليه السلام.

فطائفة تقول: إن المسيح عيسى عليه السلام رسول من عند الله كسائر الرسل، وهو ابن الإنسان، وعبد من عباد الله اصطفاه الله بالرسالة، وزعيم هذه الطائفة "أريوس". وقد انضم إلى رأيه ممن حضر المجمع أكثر من سبعمائة بطرق وأسقف.

وطائفة تقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة من نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وزعيم هذه الطائفة "سابليوس".

وطائفة تقول: إن المسيح إله، وهم الملتزمون بأقوال "بولس=شاول" الذي سبق الحديث عنه.

إلى غير ذلك من مذاهب ولدها الغلو في عيسى عليه السلام، ولفقتها الأوهام المنبثقة من كون عيسى قد وُلد من أم فقط بلا أب على خلاف المعتاد، ومن تعليق صلبه مع أنه إله أو جزء من الإله أو ابن الله كما صوره لهم الغلو فيه. وهكذا الأوهام يجر بعضها بعضاً وتتولد الخرافات
الكثيرة، وتتراكب الأخطاء، والأغاليط، والعقائد الباطلة، والمفاهيم الفاسدة.

وسمع "قسطنطين" مقال كل طائفة، فعجب من هذا الخلاف، وأمرهم أن يتناظروا، وقد أخلى داراً للمناظرة.
ولما كان القائلون بألوهية المسيح وبفكرة التثليث ملتقين مع فكرة "قسطنطين" الوثنية السابقة، فقد صادف هواه، وربما كان للقائلين بالتثليث من أتباع "بولس=شاول" صاحب التحريف الأول في النصرانية، تأثير على الإمبراطور، فقد يكون بعضهم قد صار من المقربين إليه، ومن حاشيته ومستشاريه، فزين له اعتماد مذهب أهل التثليث.

فأحصى "قسطنطين" القائلين بالتثليث في هذا المجمع المسكوني الأول، فوجدهم (318) فجمعهم في مجلس خاص بهم، وجلس في وسطهم، وأخذ خاتمة وسيفه وقضيبه، فدفعها إليهم، وقال لهم: "قد سلطتكم على مملكتي، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوه، مما فيه قوام الدين , وصلاح المؤمنين ".

فبارك هؤلاء الملك، وقلدوه سيفه، وقالوا له " أظهر دين النصرانية، وذب عنه".

وأمر "قسطنطين" بأن تكون هذه العقيدة هي الدين العام، ومن ثمّ ولدت "الكاثوليكية" ديناً رسمياً للدولة الرومانية، وترجمة هذه اللفظة "الدين العام".

وسلط الإمبراطور "قسطنطين" معتنقي هذا الدين على مخالفيهم، مع العلم بأن المخالفين كانوا هم الكثرة الكاثرة التي لم تتأثر بدسائس بولس، وأقر هؤلاء أربع مخطوطات هي التي تعرف بالأناجيل الأربعة، من ضمن نحو مئة مخطوطة أمر الإمبراطور بتحريقها، وهذه المخطوطات قد أحضرها إلى المجمع كبار البطارقة المدعوين إليه، باعتباره وثائق دينية تؤيد مذاهبهم.
أما الموحدون الذين يؤمنون بأن عيسى عبد الله ورسوله فقد انضموا إلى "أريوس" وأطلق عليهم اسم "أريوسيين" أو "أريسيين".

وظل أريوس مخالفاً معارضاً بعنف قرارات المجمع المسكوني القائلة بألوهية المسيح وبعقيدة التثليث، وبأن عيسى ابن الله، ومعلناً بشرية المسيح، وبأنه ابن الإنسان، ومجاهراً بأن الله واحد لا شريك له، وبأنه منزّه عن الحلول بأحد.

وصمود "أريوس" على العقيدة الصحيحة زعزع مركز الإمبراطور وأقلقه، ولذلك دعا إلى عقد المجمع المسكوني الثاني، واقتصر هذا المجلس على القائلين بالتثليث، ليناقشوا "أريوس".
إلا أن هذا المؤمن الموحد صمد صمود الأبطال، فحكموا عليه بالكفر والنفي، وأخذوا ينكلون بمن كان يقول بقوله، ويحرفون أناجيلهم وكنائسهم، حتى أرغموا الناس على التظاهر بقبول العقيدة الكاثوليكية.
آراء المؤرخين والمفكرين الغربيين فيما انتهت إليه النصرانية:

1- يقول الأمريكي "درابر" كما جاء في كتاب "تاريخ الصراع بين الدين والعلم":

"دخلت الوثنية والشرك في النصرانية، بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحتفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يوماً من الأيام، وكذلك كان قسطنطين، فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره سنة (337م) .

إن الجماعة النصرانية وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع
جرثومتها، وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت بمبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء - هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية، إذ قضى الإسلام على منافسته الوثنية قضاءً باتاً، ونشر عقائده خالصة بغير غبش.

وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا ولم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين (النصراني والوثني) أن يوحدهما، ويؤلف بينهما، حتى إن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني في عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها ".

2- ويقول "جرين برنتن" كما جاء في كتابه "أفكار ورجال": "إن المسيحية الظافرة في مجمع "نيقية" - وهي العقيدة الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم - مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل ".