المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مُنَاخ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة في أوربَّا



admin
06-18-2017, 10:01 PM
مُنَاخ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة في أوربَّا

باستطاعة الباحث أن يكتشف أهم العوامل التي هيأت المناخ المناسب لانتشار المذاهب الفكرية المعاصرة في أوروبا.
ويمكن إيجازها بالعوامل التالية:

العامل الأول:
التحريف في أسس الدين الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام، عقيدة وشريعة.

أ - فالإيمان بالله الواحد خالق الكون، وبأن عيسى عبد الله ورسوله، قد صار في عقيدة النصارى إيماناً بإله مثلث يتجسد، أو يحل بالإنسان، وهو ثلاثة أقانيم (الآب والابن والروح القدس) .

ب - والعبادات قد دخلت فيها أوضاع بشرية كنسية مبتدعة، وهذه المبتدعات حملها النصارى مفاهيم غيبية، وفسروها بأن لها أسراراً مقدسة، وجعلوا لها طقوسا تمارس في مناسباتها، ويجب احترامها.

جـ - والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية، ما أنزل الله بها من سلطان، وهي تحلِّل وتُحرم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله أو بيانات الرسول عليه السلام.

فدين من هذا القبيل مقطوع الصلة بالحق وبما أنزل الله من الحق، غير مؤهل لأن يكون له سلطان على العقول والنفوس في عصور التنور
الفكري، والتقدم الحضاري، وانتشار العلوم والمعارف المستندة إلى أدلة إثبات عقلية أو حسية تجريبية.

العامل الثاني:
الفتح الإسلامي الذي أيقظ العالم الغربي من سباته، ثمّ الفكر الإسلامي الذي امتد فأثار الإعجاب بمناهجه العقلية والعلمية القائمة على الحق، وعلى الأدلة البرهانية في القضايا النظرية، حتى في المسائل الدينية الكبرى، فضلاً عن القضايا الكونية القائمة على البحث والملاحظة والتجربة، للاستفادة مما سخر الله للناس في الكون، والتعرف على سنن الله فيه، واكتشاف القوانين الثابتة التي طبع الله كونه عليها.

العامل الثالث:
طغيان رجال الكنيسة، وفساد أحوالهم، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم وإرضاء شهواتهم تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم، ويهيمنون بها على الجماهير الأمية الساذجة. ثمّ اضطهادهم الشنيع المريع لكل من يخالف أوامرهم السنية، أو يخالف التعليمات الكنسية المرعية المبتدعة في الدين، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى ولو كانت أموراً تتصل بحقائق كونية تثبتها التجارب والمشاهدات العلمية المادية.

العامل الرابع:

الاتجاه الجاد في أوروبا والغرب عامة، للأخذ بأسباب التقدم الحضاري العلمي والمادي. ولما اصطدم هذا الاتجاه بجمود الكنيسة ومقاومتها للعلماء، حاول رويداً رويداً، فكرياً ثمّ عملياً، أن يعزل الكنيسة عن شؤون السياسة، الذي صادف هوى ملوك الغرب وزعمائه السياسيين الذين لا دين لهم، ثمّ عن شؤون الحياة ووسائل العيش وأساليب السلوك العام، الذي صادف هوى الشباب والشابات، بعد تغذيتهم بنزعة الحرية العمياء، كما صادف هوى كل الذين يصانعون الدين مصانعة وهم لا يؤمنون به.
وبهذا العزل ينحصر سلطان الكنيسة في شؤون الدين الغيبية والروحية، وفي مراسيمه وطقوسه الخاصة.
* * *
تفصيل العامل الأول بإيجاز

وهو تحريف الدين عقيدة وشريعة، وتحوله إلى أوضاع بشرية مشحونة بالخرافات.

استقرت العقيدة النصرانية الرسمية المؤيدة من الكنائس الغربية والشرقية، على فكرة التثليث التي عملت دسائس اليهود منذ القرن الأول الميلادي على إدخالها في المسيحية.
كما استقرت على تحريفات أخرى دخلت في أحكامها وتطبيقاتها بعوامل شتى، منها ما كان مكراً مقصوداً من أعداء المسيحية الذين دخلوا فيها نفاقاً، ليفسدوها من داخلها، ومنها ما كان من المسيحيين أنفسهم، ومن رجال الكهنوت فيهم، استجابة لأهوائهم وشهواتهم ومصالحهم ومنافعهم الدنيوية الخاصة، أو استجابة لضغوط ذوي السلطان والجاه، من ملوكهم وزعمائهم وأغنيائهم وقادتهم العسكريين.

وفيما يلي لمحة عن تاريخ التحريف الذي دخل في المسيحية، فأفسد أصولها الربانية التي أنزلها الله عزّ وجلّ على عيسى عليه السلام.

1 - دسائس "بولس":
من الذين احتلوا مركزاً مهماً من مراكز الصدارة في الديانة النصرانية رجل اسمه "بولس".
وبولس هذا قصته في النصرانية قصة عجيبة غريبة، إنه صاحب الشأن الخطير في تحريف الديانة النصرانية عن أصولها الربانية الصحيحة التي أنزلها الله على عيسى عليه السلام.
كان هذا الرجل يهودياً طرطوسياً من الفريسيين، وكان اسمه "شاوُل" وهو لم يرَ عيسى عليه السلام، ولا سمعه يدعو الناس ويبشر بدين الله، مع أنه قد أدرك زمانه.

وكان في أول عهده من كبار أعداء النصارى الذين آمنوا بعيسى وصدقوه واتبعوه، حتى كان ممن أنزل بهم ألواناً من الاضطهاد والقتل والتعذيب.

وبعد أن رفع الله عيسى عليه السلام إليه بمدة من الزمن أعلن "بولس = شاوُل" هذا بشكل مفاجئ دخوله في النصرانية، وأحاط دخوله فيها بادعاءات غريبة جرت له، ومشاهدات روحية خاصة ادعى فيها أن يسوع بنوره الباهر هبط عليه عندما كان قادماً من دمشق وقريباً منها. وقال له: لماذا تضطهدني؟ . فقال "بولس = شاول" وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له: " قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل "وبعد أن قاده رفاقه إلى دمشق، واستقر فيها، أتاه حنانيّاً، وكان هذا رجلاً مشهوداً له بالتقوى من جميع اليهود السكان كما يذكر "بولس" فأخبره بأن الله قد اختاره ليعلم الدين ويكرز بالمسيحية، أي: يعظ بها ويدعو إليها.

جاء في الإصحاح التاسع من أعمال الرسل ما يلي:
" (1) أما شاوُل فكان لم يزل ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب ... "
" (3) وفي ذهابه حدث أن اقترب إلى دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء (4) فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له: شاوُل شاوُل لماذا
تضطهدني؟ . (5) فقال: من أنت يا سيد؟ . فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده....
(6) فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ . فقال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل ... "
" (19) ... وكان شاول مع التلاميذ الذين في دمشق أياماً (20) وللوقت جعل يكرز في المجاميع بالمسيح أن هذا هو ابن الله (21) فبهت جميع الذين كانوا يسمعون وقالوا: أليس هذا هو الذي أهلك في أورشليم الذين يدعون بهذا الاسم؟.

ويروي الإصحاح الثاني والعشرين من أعمال الرسل عن "بولس=شاول" أنه قال:
" (3) أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية، ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدباً عن رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي. وكنت غيوراً لله كما أنتم جميعكم اليوم. (4) واضطهدت هذا الطريق حتى الموت، مقيداً ومسلماً إلى السجون رجالاً ونساءً. (5) كما يشهد لي أيضاً رئيس الكهنة وجميع المشيخة الذين إذ أخدت أيضاً منهم رسائل للإخوة إلى دمشق ذهبت لآتي بالذين هناك إلى أورشليم مقيدين لكي يعاقبوا. (6) فحدث لي وأنا ذاهب ومتقرب إلى دمشق أنه نحو نصف النهار بغتة أبرق حولي من السماء نور عظيم. (7) فسقطت على الأرض وسمعت صوتاً قائلاً لي: شاول شاول لماذا تضطهدني؟. (8) فأجبت من أنت يا سيد؟. فقال لي: أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده. (9) والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني. (10) فقلت: ماذا أفعل يا رب؟ . فقال لي الرب: قم واذهب إلى دمشق وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل. (11) وإذ كنت لا أبصر من أجل بهاء ذلك النور اقتادني بيدي الذين كانوا معي فجئت إلى دمشق (12) ثمّ إن حنانياً رجلاً تقياً حسب الناموس ومشهوداً له من جميع اليهود السكان (13) أتى إلي ووقف وقال لي: أيها الأخ شاول أبصر. ففي تلك الساعة نظرت إليه (14) فقال: إله آبائنا انتخبك لتعلم مشيئته وتبصر البار وتسمع صوتاً من
فمه. (15) لأنك ستكون شاهداً لجميع الناس بما رأيت وسمعت. (16) والآن لماذا تتوانى. قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب".

ومنذ ذلك الحين نشط بالدعوة إلى المسيحية معلناً أن عيسى هو ابن اله، حتى صار المعلم الأول في المسيحية، وداعيتها النشيط، وأخذ ينشر أنه يتلقى التعاليم المسيحية إلهاماً، ويستر بهذه الدعوى ما يعلمه الناس عنه من أنه لم يكن من تلاميذ المسيح، ولم يجتمع به، ولم يسمع منه، ويفتح لنفسه بهذه الدعوى الكاذبة مجال التلاعب بأصول الدين. والتحريف فيه وفق مخطط يهودي لكل ما ليس بيهودي، ولو كان منزلاً من عند الله.
وصار هذا الرجل اليهودي في تاريخ المسيحية أحد الرسل السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقاد النصارى بعد رفع المسيح، وأُلهموا بالتبشير بالمسيحية، كما ألهموا مبادئها، ويسمي النصارى هؤلاء السبعين رسلاً، أي: رسلاً للتبشير بالمسيحية في الأقطار.

وتفاقم تأثير "بولس" حتى صار معلماً لـ"مرقس" أحد كتاب الأناجيل الأربعة، إذ لازمه ملازمة التلميذ لأستاذه، وصار معلماً لـ"لوقا" أحد كتاب الأناجيل الأربعة أيضاً، قالوا: وكان "لوقا" التلميذ الحبيب والرفيق الملازم لـ"بولس" وليس هو من أصل يهودي.

وفكرة أن عيسى "ابن الله" لم تكن قد عرفت من قبل "بولس". ولكن بعد أن دخل المسيحية منافقاً، وأحل نفسه منها في مركز المعلم الأول الذي يتلقى تعالمي الدين إلهاماً، أخذ يطوف في الأقاليم يبشر بالمسيحية الجديدة، ضمن خطة، فيها دهاء كبير، فيلقي الخطب، وينشيء الرسائل، حتى كانت رسائله هي الرسائل التعليمية، بما حوت من مبادئ اعتقادية وشرائع عملية.

قالوا: وقد قُتل في اضطهادات "نيرون" سنة (66 أو 67م) .

وبهذه الخطة الماكرة استطاع هذا الرجل أن يحرف في جوهر الديانة
المسيحية، دون أن يستطيع أحدٌ معارضته، لأنه زعم لهم أنه يتلقى التعاليم من المسيح تلقياً إلهامياً ورحياً، وصدقوه في ذلك، وأدخل في المسيحية ما أدخل، وحرف فيها ما حرف، وكاد دين الله أيما كيد.