المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة الاسانيد



admin
03-29-2017, 04:36 AM
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد،
فعلم دراسة الأسانيد يبحث عن أحوال الرجال ثقة وضعفا، ومن خلاله يعرف الحكم على الأحاديث، لأنه الطريق الموصل للمتن، والإسناد من الدين لأن بالحديث تثبت الأحكام الدينية، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
والإسناد من خصائص الأمة الإسلامية، فلا توجد أمة من الأمم لديها إسناد إلا الأمة الإسلامية، وقد اهتم العلماء به وأولوه عناية كبرى على مر العصور والدهور وإن كان نقل الأحاديث بالإسناد قد توقف في مرحلة من مراحل التدوين والتصنيف إلا أن البحث عن الحكم على الأسانيد لم يتوقف في أي عصر من العصور، فقد بقيت الأسانيد شاهدة على اهتمام المسلمين بها، وبقي البحث والتنقيب عن أحوال الرجال إلى الآن، ومن هنا فقد اهتمت الجامعات ومراكز البحوث بتعليم الطلاب كيفية دراسة الأسانيد، فلا بد لطالب العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية أن يتحصن بحصن معرفة الصحيح من الضعيف.
ومن هنا جاء الكتاب ليبين تعريف الأسانيد، وبيان أهمية دراستها، وتعريف الجرح والتعديل، ومراتب وألفاظ الجرح والتعديل، وإيضاح بعض قواعد الجرح والتعديل مع تطبيقات عملية على رجال مختارين من كتب الرجال، والتعريف بكبار أئمة الجرح والتعديل، وتعريف موجز بأنواع المؤلفات في تراجم الرجال، وبعض كتب المدلسين، والمختلطين، وكيفية الاستفادة منها.
وكان الهدف من الدراسة: أن يعرف الطالب القواعد العامة لدراسة الأسانيد، وأشهر مناهج العلماء، وأن يتأهل الطالب ليحكم على السند المفرد، ويتعامل مع البرامج والمواقع المتخصصة في معرفة درجة الحديث.
وأن يعرف الطالب أسباب ضعف الأسانيد، ومراتب الجرح التعديل وقواعد الترجيح بين أقوال العلماء عند الاختلاف، وأن يميز بين مناهج الأئمة في الجرح والتعديل، وأن يصف منهج أهم الكتب المستعملة في دراسة الأسانيد، ويميز بين رجال الأسانيد ويترجم لهم ترجمة صحيحة، وأن يحكم على الإسناد حكما صحيحا.
وقد جاء في مقدمة، وتمهيد، وسبعة مباحث، وخاتمة.
المقدمة: أهمية الموضوع وعناصره.
التمهيد: الأسانيد: تعريفها وأهمية دراستها.
ا المبحث الأول: معرفة أسباب ضعف الأسانيد .
المبحث الثاني : تعريف علم الجرح والتعديل وبيان مراتبه
المبحث الثالث: بعض القواعد الخاصة بعلم الجرح والتعديل
المبحث الرابع: دراسة لبعض كتب الرجال
المبحث الخامس: حكم رواية المختلطين والمدلسين.
المبحث السادس: كيفية الحكم على الإسناد.
المبحث السابع: خطوات تراعي عند الترجمة.
المبحث الثامن: كيفية الاعتناء بشجرة الإسناد.
الخاتمة: أهم النتائج.
والله نسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه.

التمهيد: الأسانيد: تعريفها وأهمية دراستها.
الإسناد في اللغة يطلق على:
(1) الشيء المرتفع.
السَّنَدُ ما ارتَفَعَ من الأَرض في قُبُل الجبل أَو الوادي، والسَّنَدُ ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح([1])، وهو مصدر أَسْنَدَ. تقول: أَسْنَدَ في الجِبل: صَعِد فيه([2]).
(2) ما يعتمد عليه.
وفلانٌ سَنَدٌ أَي: معتَمَدٌ، وأَسنَد في العَدْو اشتدّ وجَمَّد وأَسنَد الحديثَ رفعه، والمُسْنَد من الحديث: ما اتصل إِسنادُه حتى يُسْنَد إِلى النبي r ([3])، والسندُ: مُعْتَمَدُ الإنسان كالمُسْتَنَدِ([4]).
وفي الاصطلاح:
له عدة معان منها:
(1) هو الإخبار عن طريق المتن([5]).
(2) أو هو حكاية طريق المتن([6]).
(3) أو هو الطريق الموصل للمتن([7]).
والمحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد([8]).
وطريق المتن يسمى: السَّنَد([9])، وهم الرواة الذين نقلوا ذلك المتن، وسُمِّي سنداً، لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم على المتن بالصحة أو الضعف([10]).
المناسبة بين المعنى الاصطلاحي وبين المعنى اللغوي:
قال ابن جماعة: "وأخذه: إما من السند: وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائل، أو من قولهم: فلان سند، أي معتمد فسمى الإخبار عن طريق المتن سنداً، لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه"([11]).
ثانياً: المتن
لغة: ما صلب وعلا وارتفع من الأرض، فكل ما ارتفع من الأرض يسمى متناً، والمتن هو: الشيء العالي، ومتن البعير أعلى شيء فيه، ومتن السفينة أعلاها.
وفي الاصطلاح: ما انتهى إليه السند من الكلام.
فالمتن في الاصطلاح هو الكلام، وهذا الكلام مشروط بأن ينتهي إليه السند.
فلا نقول: المتن هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بالإمكان أن يكون كلام النبي أو من دون النبي، ولذلك قلنا: هو ما انتهى إليه السند من الكلام؛ لأنه يمكن أن ينتهي السند إلى الصحابي أو التابعي، فيكون كلام التابعي أو الصحابي متناً ما دام قد روي بإسناد، فنقول: إن هذا الكلام الذي قاله الزهري أو ابن سيرين أو سعيد أو غيرهم كلام روي مسنداً.
وبعض أهل العلم اشترطوا ألا يُطلق لفظ سند إلا إذا كانت طبقات الإسناد لا تقل عن ثلاث طبقات.


معنى دراسة الإسناد :
هو النظر والتأمل في سلسلة رواة الحديث بالترجمة لكل منهم وتحديد القوي والضعيف منهم بشكل إجمالي، ومعرفة أسباب القوة والضعف في كل منهم بالتفصيل، وتمييز الاتصال من الانقطاع بين رواة الإسناد وذلك عن طريق معرفة تاريخ الرواة من ميلادهم ووفاتهم، ومعرفة تدليس بعض الرواة خاصة إن رووا بالعنعنة، ومن الوقوف على أقوال أئمة الجرح والتعديل في أن فلاناً سمع من فلان، أو أن فلاناً لم يسمع من فلان، أو فلاناً وفلان ضعيف وغير ذلك.
بشكل عام معرفة خبايا الإسناد للكشف عن العلل الخفية التي لا تبدوا لكل أحد وتمييز الحديث المرسل من الموصول، والموقوف من المقطوع، والوقوف على أنواع أخرى من علوم الحديث كالكنى والألقاب والمتفق والمفترق ومختلف الحديث وغير ذلك.
ثمرة هذا العلم :
الحكم على الحديث وله شقين أحدهما الحكم على سند الحديث، والآخر الحكم على متن الحديث.
الحكم على سند الحديث :
هو إثبات النتيجة التي توصل إليها الباحث من دراسته لرواة الإسناد.
صيغته : أن يقول هذا إسناد صحيح أو هذا إسناد حسن أو هذا إسناد ضعيف أو هذا إسناد موضوع، حسب قواعد دقيقة يطبقها من عرف منهج أهل هذا الفن.
الحكم على متن الحديث:
يعتمد الباحث على الأمور السابقة من دراسة الإسناد ومعرفة درجات الرواة، ويزاد عليه النظر في متن الحديث هل فيه شذوذ أو علة قادحة، أو هل روي الحديث بطرق أخرى يتغير الحكم على الحديث بسببها أم لا؟، وعليه فيكون الحكم على متن الحديث هو النتيجة النهائية لدراسة سند الحديث ومتنه.

صيغته:
هذا حديث صحيح، وهذا حديث ضعيف (حكم نهائي)، وهذا لا يقوم به إلا جهابذة المحدثين والمتخصصين في هذا العلم .
والحديث المكون من السند والمتن شقين كل واحد منهما مكمل للآخر، لذا فقد روي عن البخاري ما سمعه من علي بن المديني : "التفقه في معاني الحديث نصف العلم ومعرفة الرجال نصف العلم"([12]).
أهمية دراسة الأسانيد:
(1) حفظ السنه ونقلها محفوظة مصونة، وقد عد المحدثون الإسناد من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية وعمدة الكلام وطريق النقل والقبول.
(2) بيان درجة الراوي وبيان ما أصاب فيه وما أخطأ.
قال الإمام الترمذي في كتاب العلل: (جواز الحكم على الرجال والأسانيد).
"وإنما حملهم على ذلك عندنا والله أعلم النصيحة للمسلمين لا ظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يعرفوا لأن بعضهم من الذين ضعفوا كان صاحب بدع، وبعضهم كان متهماً في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين، وتثبيتاً لأن الشهادة في الدين أحق أن يثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال"([13]).
(3) معرفة درجة الأحاديث.
قال الحافظ ابن حجر: "..ولكون الإسناد يُعلم به الحديث الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية"([14]).
(4) له أهمية بالغة في الصناعة الحديثية ؛ إِذْ هُوَ دعامتها الأساسية ومرتكزها في أبحاث العدالة والضبط.
(5) لا يمكن نقد الْمَتْن نقداً صحيحاً إلا من طريق البحث في الإسناد، ومعرفة حلقات الإسناد والرواة النقلة، فلا صحة لمتن إلا بثبوت إسناده .
(6) علامةٌ على أهل السنة والجماعة، إذ بقيت الطوائف المنحرفة تروي الأحاديث الضعيفةَ والموضوعة التي توافق هواهم، ومن الأدلّة على ذلك أنك تجد في كتب الصحاح وكتب السنن وكتب المسانيد أحاديثَ يرويها أصحابها بالأسانيد الصحيحة الخالية من النقد البناء .
(7) سلاح المؤمن يتّقي به من النقد فإذا ذكر الإسناد فقد خرج من العهدة، وسلّم يصعد به إلى النبي r.
خطوات دراسة الإسناد :
أولاً: استخراج الحديث كما سبق في التخريج بحيث تجتمع عندي كل طرق الحديث من جميع مصادر السنة التي وقفت عليها قدر المستطاع .
ثانياً : ملاحظة نقاط الالتقاء بين الرواة ونقاط الافتراق بينهم وعليه فإما استحضار هذه النقاط في الذهن أو عن طريق الرسم الشجري لهذه الطرق، أو عرضها بصورة مبسطة، فنبين الصحابي الذي روى هذا الحديث ثم من رواه عنه وهل وقع اختلاف فيمن روى عنه، فإن لم يقع فننظر في الرواة عن التابعين هل وقع بينهم اختلاف وهكذا ....، فإن وقع اختلاف هل مع واحد أو أكثر، وهذا كله يظهر بالرسم الشجري أو الاستحضار في الذهن .
ثالثاً : تعيين الرواة أي معرفة أعيانهم حتى نقف على ترجمتهم ومراتبهم بدقة لأن الخطأ في تعين أي راوي يتبعه خطأ في الحكم على الحديث لأن إبدال راوي ثقة بضعيف أو العكس يؤثر في الحكم .
رابعاً: اصدار حكم على الإسناد على حسب حالته.


المبحث الأول: معرفة أسباب ضعف الأسانيد .
الضعف أحيان يكون من جهة الراوي ومن جهة الانقطاع.
أما وجوه الطعن في الراوي فمن أربعة أوجه([15]):
ما يتعلق بجهالة الراوي.
ما يختص بالعدالة.
ما يختص بالضبط.
ما لا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط غالباً.
القسم الأول: ما يتعلق بجهالة الراوي:
المراد بجهالة الراوي: أن لا يُعرَفَ فيه تعديل ولا تجريح معين([16]). ويدخل تحتها (إبهام اسم الراوي، وجهالة عينه، وجهالة حاله).
والمجهول قسمان:
أ ـ مجهول العين: من لم يَرْوِ عنه غير واحد ولم يُوثَّقْ.
ب ـ مجهول الحال (المستور): من روى عنه اثنان فأكثر ولم يُوَّثق)([17]).
والجمهور على أن تفرّد الواحد بالرواية عن الشيخ لا يرفع عنه جهالة العين.
وأن رواية الاثنين فأكثر عنه تفيد التعريف دون التعديل، ولذلك يبقى في درجة مجهول الحال حتى يُوَّثق، فقد قال الخطيب: (وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم كذلك... إلّا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه)([18]).
فأما المبهم من الرواة ـ وهو من لم يسمّ اسمه، نحو: "حدثنا رجل" ـ فهذا لا يقبل حديثه. وتعليل ذلك: أن شرط قبول الرواية معرفة عدالة الراوي ومن أُبْهِمَ اسمُه لا تعرف عينه. فكيف تعرف عدالته وضبطه([19]).
هل تتقوَّى رواية المجهول بالمتابعة؟:
قال الحافظ الدارقطني: (وأهل العلم بالحديث لا يحتجّون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم إذا كان راويه عدلاً مشهورا، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة وصار حينئذ معروفاً([20])، فأما من لم يرو عنه إلّا رجل واحد انفرد بخبر وجب التوقّف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره)([21]).
ومفهوم ذلك أن رواية مجهول العين تتقوى بالمتابعة، لكنه غير صريح في حصول التقوية بمتابعة مجهول مثله أو متابعة ضعيف غير متروك.
وقد خصّ الحافظ ابن حجر رواية المستور ـ مجهول الحال ـ بالذِّكْرِ فيما يتقَّوى من الروايات الضعيفة دون رواية مجهول العين([22]).
والخلاف في قبول رواية المجهول إنما هو في حق من دون الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وأما الصحابة فإن جهالتهم غير قادحة، لأنهم عدول بتعديل الله لهم([23]).
والرواة الذين احتج بهم صاحبا الصحيحين أو أحدهما يكتسبون التوثيق الضمني بذلك، وترتفع عنهم به الجهالة، وإن لم ينصّ أحد على توثيقهم.
قال الذهبي ـ بعد نقله لقول ابن القطان في حفص بن بُغَيْل: "لا يعرف له حال ولا يعرف" ـ: (... ابن القطّان يتكلم في كلّ من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعّفهم أحد ولا هم بمجاهيل)([24]).
القسم الثاني: ما يختص بالعدالة:
وهي من خمسة أوجه:
1 ـ انخرام المروءة. 2 ـ الابتداع.
3 ـ الفسق. 4 ـ التهمة بالكذب.
5 ـ الكذب.
الوجه الأول: انخرام المروءة:
المروءة هي: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإِنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات([25]).
ولما كانت المروءة تتعلق بالأخلاق والعادات صار مرجعها إلى العُرْفِ.
والأمور العُرفية قَلَّما تنضبط، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان فربّما جرت عادة أهل بلد بمباشرة أمور، لو باشرها غيرهم لَعُدَّ ذلك خرماً للمروءة([26]) وإن كانت مباحة شرعاً، كالأكل في الأسواق والانبساط في المداعبة والمزاح... ونحو ذلك.
متى يُجْرح الراوي بالقدح في مروءته؟:
قال الخطيب البغدادي: (الذي عندنا في هذا الباب ردّ خبر فاعلي المباحات إلى العالِم، والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه.
فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب المباح المسقط للمروءة أنّه مطبوع على فعل ذلك والتساهل به، مع كونه ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته بل يرى إعظام ذلك وتحريمه والتنزّه عنه قَبِلَ خبره.
وإن ضعفت هذه الحال في نفس العالِم واتهمه عندها وجب عليه ترك العمل بخبره ورد شهادته)([27]).
الوجه الثاني: الابتداع:
المراد بالابتداع: اعتقاد ما حدث على خلاف المعروف عن النبي r (وأصحابه) لا بمعاندة بل بنوع شبهة([28]).
المبتدعة على قسمين. هما:
1 ـ القسم الأول:
مَنْ لا يُكَفَّر ببدعته كالخوارج والروافض غير الغلاة وسواهم من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافاً ظاهراً لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ([29]).
القسم الثاني:
مَنْ يُكَفَّر ببدعته التي يكون التكفير بها متفقاً عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي -رضي الله عنه-، أو في غيره. أو الإِيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة([30]).
قبول رواية غير الداعية إلى بدعته وردّ حديث الداعية([31]).
ومأخذ هذا القول: أن المبتدع إذا كان داعية كان عنده باعث على رواية ما يشيد به بدعته([32])، وقد يحمله ذلك على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه([33]).
الوجه الثالث: الفسق:
المراد بالفاسق: من عُرِفَ بارتكاب كبيرة([34])، أو بإصرار على صغيرة([35]).
فمن ظهر فسقه من الرواة فحديثه مردود سواء كان فسقه بالفعل أو بالقول([36]).
ويُسمَّى حديثه بـ (المنكر) على رأي من لا يشترط في المنكر وقوع المخالفة([37]) فإن للمنكر إطلاقين هما:
1 ـ ما تفرّد به ضعيف لا يحتمل ضعفه لفسقه أو فحش غلطه أو كثرة غفلته([38]).
2 ـ ما رواه الضعيف مخالفاً من هو أوثق منه أو جمعا من الثقات([39]).
الوجه الرابع: التهمة بالكذب:
يتجه الاتهام بالكذب إلى الراوي في حالتين هما:
1ـ أن يتفرّد الراوي برواية ما يخالف أصول الدين وقواعده العامة([40]). إذا لم يكن في الإِسناد من يُتَّهم بذلك غيره.
قال الحافظ الذهبي: (أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، لا أعرفه لكن روى عنه شيخ الإِسلام الهروي خبراً موضوعاً، ورواته سواه ثقات فهو المتهم به)([41]).
2ـ أن يُعرف عنه الكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي([42]).
وحديث المتهم بالكذب يسمى (المتروك)([43]).

-------------------------------------------------------------------------------------------------------
([1]) لسان العرب 3/220.
([2]) القاموس المحيط ص370.
([3]) لسان العرب 3/220.
([4]) تاج العروس 1/ 2043.
([5]) شرح النخبة للقارى: ص16 ، وتوضيح الأفكار: ص7-8، وتدريب الراوى: 1/41.
([6]) النزهة: ص19، وقواعد في علوم الحديث للتهانوى: ص2.
([7]) فتح المغيث: 1/16، وقواعد في علوم الحديث للتهانوى: ص2 ، وشرح النخبة للقارى: ص16 ) اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر (1/ 234)..
([8]) المقنع ص 110 .
([9]) فتح المغيث للسخاوي 1/14.
([10]) المنهل الروي في علوم الحديث النبوي لبدر الدين بن جماعة 1/81) والخلاصة في أصول الحديث للطيبي ص33.
([11]) تدريب الراوي: 1/41.
([12]) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص: 320)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 211) ت(1634).
([13]) العلل الصغير ص739 .
([14]) مرقاة المفاتيح للعلامة علي القارئ، 1/218.
([15]) ينظر : ضوابط الجرح والتعديل للدكتور عبد العزيز العبد المطلب ص94 – ص144 باختصار.
([16]) نزهة النظر ص44.
([17]) انظر: نزهة النظر ص 50، وتقريب التهذيب ص 74.
([18]) الكفاية ص 150.
([19]) انظر: نزهة النظر ص 49.
([20]) انظر ما نقله السخاوي عن الدارقطني ص 116.
([21]) السنن 3/174.
([22]) انظر: نزهة النظر ص 51 ـ 52.
([23]) انظر: علوم الحديث ص 142.
([24]) ميزان الاعتدال 1/556.
([25]) المصباح المنير 2/234. مادة (مرأ).
([26]) انظر: فتح المغيث 1/288.
([27]) الكفاية ص 182.
([28]) نزهة النظر ص44، واجتناء الثمر في مصطلح أهل الأثر ص 41.
([29]) انظر: هدي الساري ص 385.
([30]) انظر: هدي الساري ص 385.
([31]) انظر: علوم الحديث ص 229.
([32]) لسان الميزان 1/10.
([33]) نزهة النظر ص 50.
([34]) من الكبائر : الكذب على النبي r لقوله عليه الصلاة والسلام: »من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار«. وإنما أفرد بالذكر في (الوجه الخامس) لكون القدح به في الرواي أشد في هذا الفن (فن الرواية) انظر: نزهة النظر ص 44.
([35]) انظر: فتح المغيث 1/287.
([36]) انظر: نزهة النظر ص 44.
([37]) انظر: المصدر السابق ص 45.
([38]) انظر: المصدر السابق ص 45.
([39]) انظر: المصدر السابق ص 35.
([40]) انظر: نزهة النظر ص 44.
([41]) ميزان الاعتدال 1/129.
([42]) انظر: نزهة النظر ص 44.
([43]) انظر: المصدر السابق ص 45.

admin
03-29-2017, 04:39 AM
الوجه الخامس: الكذب:
المراد بالكذب في الحديث النبوي: أن يروي راو عن النبي ïپ² ما لم يقله (ولم يفعله ولم يُقِرّه) مُتَعمِّداً لذلك( ).
والكذاب من كذب على النبي ïپ² متعمّداً ولو مرة واحدة.
وحديث الكذاب يسمى (الموضوع)( ).
حكم رواية التائب من الكذب( ) متعمِّداً( ) في حديث رسول الله ïپ²:
اختلف العلماء في قبول رواية التائب من الكذب في الحديث النبوي على قولين. هما:
(1) قول الإِمام أحمد وأبي بكر الحُميدي وأبي بكر الصيرفي( ): (لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت توبته)( ).
قال النووي: (ولم أر دليلاً لمذهب هؤلاء . ويجوز أن يوجّه بأن ذلك جُعِلَ تغليظاً وزجراً بليغاً عن الكذب عليه ïپ² لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة, فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة)( ).
2 ـ اختيار أبي زكريا النووي: قبول روايته إذا صحت توبته.
قال النووي: (وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة( ) ضعيف مخالف للقواعد الشرعية.
والمختار: القطع بصحّة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة.
وهي الإِقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها فهذا هو الجاري على قواعد الشرع.
وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة. وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا)( ).
وكلام النووي يُوحي بأنه فهم من كلام الأئمة عدم قبول توبة الكاذب في الحديث النبوي، وذلك مخالف لما ورد عن الإِمام أحمد. فقد صرح بقبول توبته فيما بينه وبين الله تعالى( ).
ولكن محل النزاع هنا قبول روايته بعد التوبة، فالظاهر، قبولها كما قال الصنعاني: (لا وجه لرد رواية الكذاب في الحديث بعد صحة توبته إذ بعد صحتها قد اجتمعت فيه شروط الرواية، فالقياس قبوله)( ).
القسم الثالث: ما يختصّ بالضبط وحده:
منه ما يشمل ضبط الصدر وضبط الكتاب معاً، ومنه ما يختص بكل واحد منهما.
فأما ما يشمل ضبط الصدر وضبط الكتاب معاً، فوجه واحد هو:
التساهل في سماع الحديث (التحمل)، أو إسماعه (الأداء)، وذلك كعدم المبالاة بالنوم في مجلس السماع، فإن من عُرِفَ بذلك لم تقبل روايته( ).
وأما ما يختصّ بضبط الصدر، فخمسة أوجه هي:
1 ـ سوء الحفظ. 2 ـ كثرة المخالفة. 3 ـ كثرة الوهم.
4 ـ شِدّة الغفلة. 5 ـ فُحْش الغلط.
الوجه الأول: سوء الحفظ:
المراد بسوء الحفظ: أن لا يترجّح جانب إصابة الراوي على جانب خطئه( ).
وسوء الحفظ قسمان هما:
(1) ما يكون ملازماً للراوي، فهذا يدور الحكم على حديثه بحسب ما تقتضيه قرائن الجرح والتعديل وغيرها من القرائن، فقد توجد قرينة تقتضي قبول روايته، وقد توجد قرينة تقتضي تضعيفها.
ويوضّح ذلك أن من كان صدوقاً سيء الحفظ ففي حديثه ضَعْفٌ( ) يزول بكونه أثبت من يروي عن شيخ معين إذا جاءت روايته عن ذلك الشيخ لطول ملازمته له وخِبْرته بحديثه.
ويزداد ضعفاً بكونه ممن سمع من شيخه المختلط بعد اختلاطه.
(2) ما يكون طارئاً على الراوي، إما لكبره أو لذهاب بصره أو لاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء حفظه( )، فهذا هو ما يعرف بـ (الاختلاط)( ).
فالمختلط يقبل من حديثه ما حدّث به قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يُدْر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده( )؟ لكن ما عُرِفَ أن المختلط حدّث به بعد اختلاطه أولم يتميّز كونه حدّث به قبل الاختلاط أو بعده، فهذا يتقّوى بالمتابعة أو الشاهد ليرتقي بذلك إلى مرتبة الحسن لغيره( ).
الوجه الثاني: كثرة المخالفة:
المراد بالمخالفة: أن يخالف الراوي من هو أوثق منه أو جمعاً من الثقات.
ويحكم على الرواية التي وقعت فيها المخالفة بحسب ما تقتضيه قواعد مصطلح الحديث ممايلي:
(1) إن كانت المخالفة بالمغايرة التامة في المعنى بحيث يقع التضاد بين الروايتين، فذلك (الشاذ) إن كان الراوي ثقة أو صدوقاً وهو (المنكر) إن كان الراوي ضعيفاً( ).
(2) وإن كانت المخالفة بتغيير سياق الإِسناد فذاك (مدرج الإِسناد).
(3) وإن كانت بدمج موقوف ونحوه في مرفوع فذاك (مدرج المتن)( ).
(4) وإن كانت بتقديم أو تأخير فـ (المقلوب).
(5) وإن كانت بزيادة راوٍ في الإِسناد مع وقوع التصريح بالسماع في الطريق الناقصة في موضع الزيادة فذاك (المزيد في متصل الأسانيد).
(6) وإن كانت بإبدال راو ولا مرجح لإِحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو (المضطرب)، وقد يقع في المتن.
(7) وإن كانت بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق فله صورتان:
أ ـ إن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فهو (المُصَحَّف).
ب ـ وإن كان ذلك بالنسبة إلى الشكل فهو (المُحَرَّف)( ).
الوجه الثالث: كثرة الوهم:
المراد بالوهم: أن يروي الراوي على سبيل الخطأ والتوهّم فَيَصِلَ الإِسناد المرسل ويرفع الأثر الموقوف ونحو ذلك( ).
ويعرف حصول الوهم بجمع الطرق والمقارنة بينها من حيث الوصل والإِرسال ومن حيث الرفع والوقف، وتوثيق الرواة الناقلين ووجوه ضعفهم، فما ظهر الوهم فيه من الروايات فهو (المعلل)( ).
الوجه الرابع: شدة الغفلة:
الغفلة: عدم الفطنة بأن لا يكون لدى الراوي من اليقظة والإِتقان ما يميّز به الصواب من الخطأ في مروياته.
وقد تكون غفلة الراوي شديدة بحيث توضع له أحاديث فيحدّث بها على أنّه من مسموعاته، ويعرف ذلك بـ (التلقين) متى كان الراوي يَتَلَقّنُ ما لُقّن سواء كان من حديثه أو لم يكن.
الفرق بين الوهم والغفلة:
الوهم نوع من الخطأ قَلَّ أن يسلم منه أحد من الحفّاظ المتقنين، فضلاً عمن دونهم. وإنما يؤثر في ضبط الراوي إذا كثر منه ذلك، حيث لا تقبل روايته عندئذ إذا لم يُحدث من أصل صحيح( ) بخلاف الوهم اليسير فإن أثره يقتصر على ذلك الحديث الذي حصل فيه.
وأما الغفلة فهي صفة ملازمة لصاحبها، فمن اشتدت غفلته سمّي حديثه منكرا( ).
الوجه الخامس: فُحْش الغلط:
المراد بفُحْش الغلط: أن يزيد خطأ الراوي على صوابه زيادة فاحشة يخرج بها عن الاعتبار في المتابعة، فلا يُقَوّي غيره ولا يتقوّى بغيره, ويُعَدُّ ما تفرّد به منكرا كما هو الحال في رواية ظاهر الفسق وشديد الغفلة( ).
وأما ما يختص بضبط الكتاب فوجه واحد هو:
التساهل برواية الحديث من فرع لم يُقابَل بالأصل، فإن الرواية من فرع غير مُقابَل محل خلاف على ثلاثة أقوال. هي:
1 ـ جزم القاضي عياض بمنع الرواية عند عدم المقابلة مطلقاً( ).
2 ـ سئل أبو إسحاق الأسفرائيني عن جواز روايته منه، فأجاز ذلك( ).
3 ـ ذهب بعض الأئمة إلى جوازها بشروط:
فاشترط أبو بكر الإِسماعيلي، وأبو بكر البرقاني: أن يُبَيِّنَ الراوي عند الأداء أنه لم يُعارِض بالأصل. فيقول كما قال البرقاني: (أخبرنا فلان ولم أعارض بالأصل)( ).
وزاد أبو بكر الخطيب شرطاً آخر هو: أن يكون الراوي قد نقل من الأصل المعتبر( ).
وزاد ابن الصلاح شرطاً ثالثاً هو: أن يكون الناقل للنسخة الفرع من الأصل صحيح النقل قليل السقط( ).
القسم الرابع: ما لا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط غالباً:
وهو ثلاثة أوجه هي:
1 ـ التدليس( ). 2 ـ كثرة الإِرسال. 3 ـ كثرة الرواية عن المجهولين والمتروكين.
أما انقطاع السند فأنواع الضعيف التي ترجع إلى عدم الاتصال هي:
أولا: الحديث المنقطع.
المنقطع في اللغة: اسم فاعل من الانقطاع ضد الاتصال، وفي الاصطلاح: الحديث الذي سقط من رواته راوٍ واحد قبل الصحابي في موضع واحد، أو مواضع متعددة، بحيث لا يزيد الساقط في كل منها عن واحد، وأن لا يكون السقط في أول السند.
قال الخطيب البغدادي: "وأكثر ما يوصف بالانقطاع ما رواه من دون التابعي عن الصحابة؛ مثل: مالك عن ابن عمر ونحوه"، فمالك لم يلق أحدا من الصحابة، وإنما روى عمن دونهم، فروايته عن ابن عمر بالواسطة، فهذا منقطع لسقوط راوٍ واحد من السند.
والحاصل أن معناه اللغوي يستوعب ما ليس باتصال مطلقا، في أي محل كان ذلك في الإسناد، لكنه كلقب خاص في هذا العلم، ينحصر في صورتين:
الصورة الأولى: حديث الراوي عمن لم يسمع منه، في أي موضع في الإسناد دون الصحابي، ويقع في محل أو أكثر.
الصورة الثانية: أن يكون بدل السقط إبهام لراو، كأن يقال: (عن رجل) أو (عن شيخ)، فهذا وإن ذكر كواسطة، إلا أنها لإبهامها أشبهت الانقطاع؛ للتساوي في جهالة الراوي عيناً وحالاً، وصح اندراجها تحت مسمى "المنقطع" عند المحققين.
ثانيا: الحديث المعضل:
المُعضَل في اللغة: اسم مفعول من أعضله، بمعنى أعياه، وفي الاصطلاح: الحديث الذي سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي، سواء كان السقط في أوله أو وسطه أو منتهاه، ومن المحدثين من استثنى ما إذا كان السقط في أول السند، فجعله خاصا بالمعلق، وهذا قول المحققين.
ولم يكن إطلاق هذا الوصف "الحديث المعضل" بهذا المعنى شائعاً عند المتقدمين، وإنما كان هذا عندهم مندرجاً تحت المنقطع أو المرسل بعموم معناهما، وقد استعمل المتقدمون "المعضل" وصفاً للمنكر والموضوع من الحديث، لكن المتأخرين اعتمدوه لكل ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي.
ويُعرف الإعضال في الإسناد بالتاريخ، وذلك ببعد طبقة الراوي عن طبقة شيخه، بحيث إنه لو روى حديثاً من طريق ذلك الشيخ كان بينهما راويان على أقل تقدير، ويعرف أيضا بسبر طرق الحديث، لكن ثبوت الإعضال بهذا الطريق قليل نادر.

ثالثا: الحديث المرسل:
المرسل في اللغة: اسم مفعول من أرسل بمعنى أطلق، فكأن المرسِل أطلق الإسناد ولم يقيّده براوٍ معروف، وفي الاصطلاح: الحديث الذي يرفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا يذكر له إسناداً بذلك.
ويثبت كون الحديث مرسلاً بمجرد أن يُعلم أن الذي حدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم تابعي، وتمييز التابعين من غيرهم يعرف من كتب رجال الحديث.
رابعا: الحديث المدلّس:
التدليس في اللغة: مشتق من الدّلَس وهو الظلمة والستر، فاختلاط الظلام بالنور دَلَس، وكتمان وستر عيب السلعة في البيع تدليس، وفي الاصطلاح: إخفاء عيب في الإسناد وتحسينٌ لظاهره، ويطلق على رواية الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، أو: أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثاً، فيغير اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره لئلا يُعرف.
والتدليس نوع من أنواع السقط الخفيُّ، وذلك لا يدركه إلا الأئمة الحُذاق المطّلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد.
ويعرف الحديث المدلّس بأحد أمرين: أولهما: أن يبادر المدلِّسُ فيبيّنُ من نفسه ما دلَّسَهُ لئلا يغتر به الناس أو يبيّن ذلك إذا ما سئل عن سماعه، وثانيهما: أن ينص على ذلك إمام من أئمة الشأن بناء على معرفته ذلك من البحث والتتبع.
خامسا: الحديث المعلق:
المعلّق في اللغة: اسم مفعول من علّق الشيء بالشيء، أي ناطه وربطه به وجعله معلقا، وفي الاصطلاح: الحديث الذي حُذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر على التوالي، ولو أتى على إسناده كله.
وسبب تسميته بذلك: كونه متصلا من الجهة العليا فقط ومنقطعا من الجهة الدنيا، فصار كالشيء المعلّق بالسقف ونحوه.
ولا يقتصر الوصف بالمعلّق على الحديث المرفوع فحسب، بل يتعداه إلى الموقوف والمقطوع، إذا سقط من أول إسنادهما راوٍ فأكثر على التوالي.
ومن المسائل المتعلقة بالانقطاع مسألة عنعنة الراوي أو أداؤه بما لا يفيد الاتصال وهي العنعنة.
الحديث المعنعن:
قلنا: المحدثون يبحثون عن اتصال السند، وهل كل راو سمع من شيخه، فيقول مالك مثلاً: حدثني الزهري، والزهري يقول: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة يقول: حدثني أبو هريرة، وأبو هريرة يقول: سمعت رسول الله r...
وجاءت صيغ أخرى من صيغ الأداء فالعلماء بحثوا فيها هل هي على الاتصال أم هي على الانقطاع؟ وهذه هي صيغ العنعنة، ولذلك علماء المصطلح يفردون باباً فيقولون: الحديث المعنعن، فما معنى الحديث المعنعن؟ وما حكم الحديث المعنعن؟.
صورة الحديث المعنعن.
أن يقول مالك في الموطأ: عن نافع، عن ابن عمر.
فعلماء الحديث ينظرون هل مالك سمع من نافع أم لا؟ وهل نافع سمع من ابن عمر أم لا؟ وهذا البحث والتنقيب ليتحقق شرط من شروط صحة الحديث.
مثال آخر للعنعنة: رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله.
مثال آخر للعنعنة: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، أو معمر عن الزهري عن أنس.
إذاً: صورة الحديث المعنعن أن يروي الراوي عن شيخه المباشر له بصيغة (عن).
حكم الحديث المعنعن
صيغة (عن) ليست تصريحاً بالسماع، وهي تحتمل السماع، فيحتمل أن نافعاً سمعه من ابن عمر وأتى بهذه الصيغة، ويحتمل عدم السماع، وأنه قد سمعه من تلميذ ابن عمر ثم أسقط هذا التلميذ وأتى بهذه الصيغة (عن).
والمحدثون لهم في حكم المعنعن أربعة أقوال:
القول الأول: المنع من قبولها مطلقاً، قالوا: تحمل هذه الصيغة على الانقطاع، ولا يصح أن نقبل حديثاً عن النبي r بإسناد إلا وفيه التصريح بالسماع، قال شعبة: كل حديث ليس فيه حدثنا ولا أخبرنا فهو خل وبقل.
وهذا تشدد مرفوض؛ لأنه سيضيع علينا كثير من أحاديث النبي r.
القول الثاني: قول أبي المظفر السمعاني قال: تقبل العنعنة بشروط:
الشرط الأول: ألا يكون الراوي مدلساً.
الشرط الثاني: أن يثبت لقاء التلميذ مع الشيخ.
الشرط الثالث: طول الصحبة.
وهذا تشدد؛ إذ لا يمكن لكل محقق أن يثبت طول الصحبة أو ينفيها.
القول الثالث: قول البخاري جبل الحفظ أمير المؤمنين في الحديث شمس الحديث التي أشرقت على الدنيا فانهال الخير عليها بهذه الشمس، يقول: يشترط في قبول الحديث المعنعن ثلاثة شروط: الشرط الأول: ألا يكون الراوي مدلساً.
الشرط الثاني: المعاصرة.
الشرط الثالث: ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة.
فمثلاً: حبيب بن أبي ثابت يروي عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فإذا ثبت أن حبيب بن أبي ثابت التقى مع عروة بن الزبير مرة واحدة فنقبل عنعنته، وإلا لم نقبلها؛ لأنه يحتمل أنه أرسل عنه إرسالاً خفياً ولم يسمع منه، وإمكان اللقيا تعرف بالسن وتعرف بالبلد، فينظر سنة وفاة هذا، وسنة ولادة هذا، وأيضاً: حبيب بن أبي ثابت كوفي، وقد ثبت أن عروة دخل الكوفة، فإذا دخل عروة الكوفة فلا يبعد أن يذهب إليه حبيب وهو يعلم من عروة الذي انتشر اسمه وسط كل المحدثين، وهو الذي وقف عند الكعبة يدعو الله أن يأخذ عنه الناس علم حديث النبي .
وقد تثبت اللقيا بالقصة كما قال الرواي عن عمران بن حصين: رأيت عمران بن حصين يرتدي قميصاً صفته كذا.
فهذا القول الثالث هو قول فحول أهل الحديث، قول البخاري وقول شيخه علي بن المديني، والقول الأول الذي فيه تشديد هو قول الشافعي مع شعبة، فـ الشافعي صرح بذلك في الرسالة.
القول الرابع: قول الإمام مسلم وهو الاكتفاء بالمعاصرة، فإن عنعن الراوي الذي لا يدلس عن شيخ معاصر له فإنه يقبل حديثه.
فإذا روى سعيد بن المسيب عن عمر، وسعيد بن المسيب ليس مدلساً، وأتى بصيغة (عن) التي تحتمل السماع، فعلى القول الأول لا يقبل حديثه، وعلى القول الثاني: لا يقبل حديثه أيضاً؛ لأنه لم يثبت أن سعيداً أطال مصاحبة عمر، وعلى القول الثالث: يقبل حديثه؛ لأنه ثبت أن سعيداً حضر خطبة عمر، وعلى القول الرابع: أيضاً يقبل حديثه؛ لأنه عاصره، وإن لم يثبت أنه التقى به.
إذاً: قول الإمام مسلم أسهل الأقوال الأربعة، وهو أن الحديث المعنعن يحمل على الاتصال بشروط ثلاثة: الأول: عدم الاتهام بالتدليس.
الثاني: أن يكون التلميذ قد عاصر شيخه.
الثالث: إمكان اللقاء في الرحلة وغيرها.

admin
03-29-2017, 04:43 AM
القول الراجح في حكم الحديث المعنعن.
والقول الراجح هو قول البخاري وابن المديني، وهذا الذي عليه كثير من المحدثين من أهل التحقيق( ).
فإذا ما اتصل السند بالرواة الثقات، وسلم من الشذوذ والعلة فإسناده صحيح، أما إذا لم يتصل إسناده فهو المنقطع وهو ضعيف.
ولا بد في الحديث الصحيح من اتصال الإسناد معناه: "أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره، وإن لم يبين فيه السماع بل اقتصر على العنعنة"( ).
فباتصال الإسناد عرف الصحيح من السقيم، وصان الله هذه الشريعة عن قول كل أفاك أثيم، فلذلك كان الإرسال في الحديث علة يترك بها ويتوقف عن الاحتجاج به بسببه، لما في إبهام المروي عنه من الغرر والاحتجاج المبني على الخطر( ).
فمتى جوزنا قبول الحديث .. من غير وقوف على اتصال السند .. أدى ذلك إلى اختلال السند لجواز أن يكون هذا الساقط غير مقبول الرواية، فلا يجوز الاحتجاج بخبره، وهو قد احتج به، ويزول حينئذ فائدة الإسناد الذي اتفق المسلمون كلهم على مشروعيته واعتباره...
فقبول المرسل يؤدي إلى إبطاله وعدم الاعتبار به، ولهذا المعنى احتاط الصحابة والتابعون ومن بعدهم في الروايات وتثبتوا فيها وفي اتصالها( ).
فمعنى اتصال السند أن كل راو سمعه ممن فوقه، فكل تلميذ روى الحديث عن شيخه بدون واسطة.
كيفية معرفة اتصال السند:
يعرف اتصال السند بعدة أمور منها:
(1) معاصرة الراوي لمن روى عنه.
فإذا لم تتحقق المعاصرة بين التلميذ وشيخه بحيث يستحيل أن يسمع التلميذ من هذا الشيخ لأن الشيخ قد تكون وفاته قبل مولد التلميذ عرفنا أن هناك سقوطاً في السند وانقطاعاً.
والسقوط من السند قد يكون واضحاً يشترك في معرفته كثيرون من أهل الفن ولا يخفى عليهم، وذلك في مثل ما إذا كان الراوي لم يعاصر من روى عنه، وقد يكون خفياً لا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الأحاديث وعلل الأسانيد، والأول يدرك بمعرفة التاريخ لتضمنه التعريف بأوقات مواليد الرواة ووفياتهم وطلبهم وارتحالهم وغير ذلك.
وقد ادعى أناس الرواية عن شيوخ أظهر التاريخ كذب دعواهم فيها ولذا عني المحدثون بالتاريخ كثيراً( ).
وهناك نوع في علوم الحديث اسمه تواريخ الرواة يعنى بمعرفة تواريخ المواليد والوفيات والرحلات وغير ذلك، وهو فن مهم به يعرف اتصال الحديث وانقطاعه.
كما سأل إسماعيل بن عياش رجلاً اختباراً: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ثلاث عشرة ومائة، فقال: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين فإنه مات سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: ثمان.
وسأل الحاكم محمد بن حاتم الكسي عن مولده لما حدث عن عبد بن حميد فقال: سنة ستين ومائتين، فقال: هذا سمع من عبد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
قال حفص بن غياث القاضي: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين يعني سنه وسن من كتب عنه، وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ، وقال حسان بن يزيد: لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ نقول للشيخ سنة كم ولدت فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه، وقال أبو عبد الله الحميدي: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم التهم بها العلل، والمؤتلف والمختلف، ووفيات الشيوخ( ).
إذاً فعدم معاصرة الراوي لمن روى عنه تدل على انقطاع السند، بل إذا صرح بالتحديث دل تصريحه على كذبه، وإن لم يصرح وجاء بلفظ محتمل فهو مدلس.
(2) الأداء بما يفيد الاتصال.
مثل "سمعت" و"حدثني" و"حدثنا" و"أخبرنا"، فهذه الألفاظ تفيد السماع المباشر من الشيخ، أما إذا قال عن وهوما يعبر عنه بالمعنعن فقد قبل العلماء عنعنة المعنعن بشرط ألا يكون المعنعن بكسر العين مدلسا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً أي لقاء المعنعن من روى عنه بلفظ عن، فحينئذ يحكم بالاتصال إلا أن يتبين خلاف ذلك.
(3) لقاء الراوي بشيخه.
فلو ثبت لقاء الراوي بشيخه لتبين لنا اتصال السند.
(4) عد الراوي ضمن التلاميذ أو الشيوخ.
عد الراوي ضمن تلاميذ الشيخ في كتب الرجال، وكذلك عد الشيخ ضمن شيوخ الراوي في كتب الرجال.
(5) عدم نص أحد من الأئمة على عدم اتصال هذا الإسناد.
فإن نص أحد الأئمة على عدم الاتصال إنما يكون عن بحث وسبر ومعرفة ولا يكون هكذا بدون دليل فإذا نص علمنا عدم الاتصال.
(6) عدم نص أحد من الأئمة على أن رواية التلميذ عن شيخه مرسلة.
فقد يكون أحد الرواة مدلساً روى عن شيخه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة فالذي يكشف هذا هم الأئمة البارعون.
فمثلاً: أيوب بن أبي تميمة السختياني أحد الأئمة متفق على الاحتجاج به رأى أنسا ولم يسمع منه فحدث عنه بعدة أحاديث بالعنعنة أخرجها عنه الدار قطني والحاكم في كتابهما( ).
(7) الاستفادة بعلوم السابقين .
لمعرفة ما في الإسناد من اتصال أو ارسال أو تدليس أو غير ذلك من أحوال الإسناد مما هو في كتب التخريج والعلل وغيرها( ).
مثال لاتصال السند: قال الترمذي : حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر قال : قطع رسول الله  في مجن قيمته ثلاثة دراهم .
دراسة إسناده :
(1) قتيبة هو ابن سعيد وعرفنا ذلك بالنظر في شيوخ الترمذي وفي تلاميذ الليث
وذلك من خلال كتاب تهذيب الكمال للمزي أو في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر .وهذان الكتابان يختصان برجال الكتب الستة .
وقتيبة ثقة ثبت . وهذا يمكن الوصول إليه بأقصر الطرق عن طريق الكاشف أو تقريب التهذيب .
(2) الليث هو ابن سعد وهو ثقة ثبت فقيه إمام مشهور .
(3) نافع هو مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور.
(4) ابن عمر t صحابي . والصحابة كلهم عدول .
هذا ما يتعلق بدراسة الإسناد، وليس فيه إشكال، إذ أن الرواة كلهم ثقات متفق على توثيقهم، فلا يحتاج إلى ذكر الراجح في الراوي، إنما يكون ذلك عند الاختلاف بين التوثيق والتجريح، والنظر في اتصال الإسناد وانقطاعه:
قتيبة بن سعيد يروي عن الليث وهنا قد صرّح بالتحديث ولو لم يُصرّح وهو يروي عن شيخه ولم يكن مُدلساً فلا إشكال، والليث يروي عن شيخه نافع وهو ثقة وهو برئ من التدليس، ولفظ " عن " يُحمل على الاتصال بشرطين :
(1) أن يكون الراوي الذي قالها غير موصوف بالتدليس .
(2) أن يكون قد عاصر من روى عنه، وهنا يروي عن شيخه .
ونافع هو مولى ابن عمر فيُقال فيه ما قيل في الليث إذ حدّث بلفظ "عن "
وابن عمر صحابي ويذكر حُـكم رسول الله  فله حُـكم المرفوع .فالحديث متصل الإسناد، ويبقى النظر في المتن، وخلوّه من الشذوذ والعلّة القادحة .
فإذا اتصل إسناده وعُدّل رواته وخلا متنه من الشذوذ والعلة صحّ الحديث، وقيل عنه: حديث صحيح . 
المبحث الثاني : تعريف علم الجرح والتعديل وبيان مراتبه
علم الجرح والتعديل هو الطريق الذي من خلاله يحكم على كل راو على حده وفي البداية نعرف به ثم نذكر مراتبه، وبعض القواعد التي تتعلق به.
أولاً: تعريف الجرح:
الجرح في اللغة يدل على شيئين: الكسب، وشق الجلد، فالأول قولهم: اجترح إذا عمل وكَسَبَ، ومنه قوله تعالى: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية : 21]، والثاني قولهم: جرحه بحديدة جَرْحاً( ).
وفي الاصطلاح: وصف الراوي في عدالته أوضبطه بما يقتضي تليين روايته أو تضعيفها أو ردَّها( ).
فالموصوف بما يقتضي تليين روايته هو (الصدوق سيئ الحفظ) تتقوى روايته بوجود قرينة مرجّحة لجانب ضبطه لحديث معين.
والموصوف بما يقتضي تضعيف روايته لا يخلو تضعيفه من ثلاث حالات هي:
الأولى: أن يكون تضعيفاً مطلقاً فهذا لا تقبل معه رواية الراوي عند تفرّده بها ولكن تتقوى بالمتابعة من مثله فترتقي إلى حسن لغيره.
الثانية: أن يكون تضعيفاً مقيداً بالرواية عن بعض الشيوخ أو في بعض البلدان أو في بعض الأوقات فيختص الضعف بما قُيد به دون سواه.
الثالثة: أن يكون تضعيفاً نسبياً وهو الواقع عند المفاضلة بين راويين فأكثر فهذا لا يلزم منه ثبوت الضعف المطلق في الراوي بل يختلف الحكم عليه بحسب قرينة الحال في تلك المفاضلة.
وأمّا الموصوف بما يقتضي ردَّ روايته فهو الضعيف جداً فمن دونه لا يُقَوِّي غيره ولا يَتَقَوَّى بغيره.
فالرد إما أن يكون مطلقا كرواية الكذاب ومن ضُعف تضعيفاً شديداً، وإما أن يكون مقيداً بتفرد الراوي وعدم وجود المتابع أو الشاهد كرواية "صدوق سيئ الحفظ"( ).
فاكتساب الراوي ما ينافي العدالة مدعاة لأن يجرحه الناس ويهتكوا حرمته( ).
ثانياً: تعريف التعديل:
التعديل: لغة من العَدْل، وهو ما قام في النفوس أنه مستقيم، وتعديل الشيء: تقويمه، بحيث يكون مستقيماً( ).
وفي الاصطلاح: وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته( ).
والقبول هنا على إطلاقه فيشمل:
(1) مَنْ تُقْبل روايته وتعتبر في مرتبة الصحيح لذاته.
(2) مَنْ تُقْبل روايته وتعتبر في مرتبة الحسن لذاته( ).
وذلك لأن هؤلاء يُحْتَجُّ بمروياتهم وإن تفاوتت مراتبها.
استعمال كلمة (التعديل) في الاصطلاح بمعنى (التوثيق)
أصل كلمة (تعديل) يعني الحكم بعدالة الراوي، لكنها قد اسْتُعْمِلتْ هنا بمعنى أشمل هو (التوثيق) أي: الحكم بعدالة الراوي وضبطه معاً لأنهما أساس قبول خبر الراوي.
والمراد بالعدالة: مَلَكَةٌ تحمل المرء على ملازمة التقوى والمروءة( ).
والعدل هو: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق( ) وخوارم المروءة( ).
شُرُوطُ العَدَالَةِ :
لا يُوصف الرَّاوي بالعدالة إلا إذا تحققت فيه عدة شروطٍ ؛ هي :
أولها : الإسلام ؛ فلا تُقبل روايةُ الكافر ؛ لأنه لا وُثوق به ، ومنصب الرَّاوية جليلُ القدر شريفُ المنزلة .
و ثانيها : التكليف ؛ فلا تُقبلٌ روايةُ الصَّبي ( على الأصح ) ؛ لأنَّهُ لا يحترزُ عن الكذب ؛ لعلمه أنَّهُ غيرُ مُكلفٍ .
و قيل : إن عُلم منه التَّحرز عن الكذب قُبلت روايته وإلا فلا ؛ كما لا تُقبل روايةُ المجنون ؛ لأنه لا يتحرز عن الخلل .
و ثالثها : السَّلامة من أسباب الفسوق وما يُخلُّ بالمروءة .
فالإسلام والبلوغ شرطان للأداء وليسا بشرطين للتَّحَمُّلِ، فقد تَحَمَّل بعض الصحابة قبل إسلامهم ثم أدّوا بعده وتحمّل صغار الصحابة حال صباهم وأدّوا بعد بلوغهم( ).
والبلوغ والعقل هما مناط التكليف الشرعي( ) لكن قد يضبط الصبي المُمَيِّز بعض ما سمعه أو شاهده ولذلك اعتبر أداؤه بعد البلوغ لما تَحَمَّله حال الصبا( ).
والسلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة إنما تحقق في ظاهر حال الراوي. لكن يَقِلُّ تضعيف الراوي بفعله ما يخرم المروءة( ).
المـراد بالضبـط:
الضبط نوعان هما: ضبط الصدر وضبط الكتاب.
فضبط الصدر: أن يكون الراوي يقظاً غير مُغَفَّل بل يحفظ ما سمعه ويُثْبِتُه بحيث يتمكّن من استحضاره متى شاء، مع علمه بما يحيل المعاني إن روى بالمعنى.
وضبط الكتاب: صيانته لديه منذ سمع فيه وصحّحه إلى أن يُؤدِّيَ منه( ).
ما يخرج بتعريف العدل واشتراط الضبط:
أولاً: ما يتعلق بجهالة الراوي:
(1) المبهم: من لم يُسَمَّ اسمُه.
(2) مجهول العين: من لم يَرْوِ عنه غير واحد ولم يُوثَّق.
(3) مجهول الحال: من روى عنه راويان فأكثر ولم يُوثَّق.
وذلك لعدم معرفة أحوالهم في العدالة والضبط.
ثانياً: ما يخرج بتعريف العدل:
(1) الكافر.
(2) الصبي.
(3) المجنون.
(4) المبتدع: من اعتقد ما لم يكن معروفاً على عهد النبي  مما لم يكن عليه أمره ولا أصحابه.
(5) الفاسق: من عُرِفَ بارتكاب كبيرة أو بإصرار على صغيرة.
(6) المتهم بالكذب: من يتعامل بالكذب ولم يُعرفْ أنه كذب على النبي  .
(7) الكذاب: من كذب على النبي  متعمداً ولو مرة.
(8) مخروم المروءة.
وقد خرج الأول لكفره، والثاني لصباه، والثالث لجنونه إذا كان مُطْبِقاً أو مُتَقَطِّعاً مؤثراً في الإفاقة( )، والرابع لبدعته( )، والخامس والسادس والسابع لظهور فسقهم، والثامن لنقصان مروءته.
ثالثاً: ما يخرج باشتراط الضبط:
(1)ـ كثرة الوَهْم: أن تكثر من الراوي الرواية على سبيل التَّوهُّم فَيَصِلَ الإسناد المرسل، ويرفع الأثر الموقوف ونحو ذلك( ).
(2) كثرة مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه أو لجمع من الثقات( ).
(3) سوء الحفظ: أن لا يترجح جانب إصابة الراوي على جانب خطئه( ) بل يتساوى الاحتمالان.
(4) شدّة الغفلة: أن لا يكون لدى الراوي من اليقظة والإتقان ما يميّز به الصواب من الخطأ في مروياته( ).
(5) فحش الغلط: أن يزيد خطأ الراوي على صوابه زيادة فاحشة( ).
(6) جهل الراوي بمدلولات الألفاظ ومقاصدها وما يُحيْلُ معانيها ـ عند الرواية بالمعنى ـ حيث يتعيّن عند ذلك الأداء باللفظ الذي سمعه اتفاقاً لئلا يقع فيما يَصْرِفُ الحديث عن المعنى المراد به( ).
(7) تساهل الراوي في مقابلة كتابه وتصحيحه وصيانته( ).
ما يُنتقد على الرواة في غير العدالة والضبط:
حكى ابن الصلاح إجماع جماهير أئمة الحديث والفقه على ( أنه يشترط فيمن يُحْتَجُّ بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه )( ) فكلُّ أمر يُنافي أحد هذين الشرطين فهو جرح في الراوي سواء ورد مطلقاً أو مقيداً.
وثمة أمورٌ أخرى منتقدة على الرواة في غير عدالتهم وضبطهم كالتدليس، وكثرة الإرسال( )، وعدم انتقاء الشيوخ.
الأصل الشرعي لاعتبار العدالة والضبط في الرواة:
الأصل في اعتبار عدالة الراوي قوله تعالى: ﴿ يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبيّنُوا... ﴾( ) الآية.
ووجه الدلالة:
أن الآية نص في وجوب التَّبيُّنِ والتثبُّت( ) من حقيقة خبر الفاسق( ).
والأصل في اعتبار الضبط الحديث المتواتر( ): «نَضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها، فرُبَّ حاملِ فقه غير فقيه ورُبَّ حاملِ فقه إلى من هو أفقه منه...» الحديث( ).
وفي بعض رواياته «... سمع منا شيئاً فبلَّغه كما سمع»( ).
ووجه الدلالة:
(أ) أن قوله : «فحفظها» نصّ على الحفظ وهو يشمل الحفظ في الصدر وفي الكتاب( ).
(ب) وقوله: «فبلَّغه كما سمع» نص على اعتبار الضبط عند الأداء.
(جـ) أن هذا الحديث قد ورد بألفاظ متنوِّعة تَدُلُّ على أنه قد رُوي بالمعنى( ). وذلك أحد وجهي الأداء.
وجرح الرواة بقدر الحاجة لا يُعَدُّ من الغيبة المحرّمة فقد ذكر النووي ـ رحمه الله تعالى ـ أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعاً لا يمكن الوصول إليه إلّا بها( )، وأنّ من تلك الأغراض تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم لتوَقِّيْهِ. وذلك من وجوه منها:
جرح المجروحين من الرواة والشهود فإنه جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة( ) إذ يترتب عليه في شأن الرواة تمييز الأحاديث الثابتة عن الروايات الضعيفة والواهية والموضوعة( ) التي لا تثبت صحتها لما في أحوال رواتها من الأمور المنافية( ) للعدالة أو الضبط.
ومن الأدلة على جواز الغيبة لغرض شرعي ما يلي:

admin
03-29-2017, 04:49 AM
ومن الأدلة على جواز الغيبة لغرض شرعي ما يلي:
(1) ما اتفق عليه الشيخان من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «أن رجلاً استأذن على النبي  فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلَّق النبي  في وجهه وانبسط إليه فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله : يا عائشة متى عَهِدتني فاحشاً؟ إنّ شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة مَنْ تركه الناس اتقاء شرّه»( ).
وفي رواية: «اتقاء فُحْشِهِ»( ).
ووجه دلالة الحديث:
أن النبي  تكلّم في ذلك الرجل على وجه الذّم لمّا كان في ذلك مصلحة شرعية، وهي التنبيه إلى سوء خلقه ليحذره السامع كما يفيده قوله:
«إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه».
ولذلك تطلَّق في وجهه وانبسط إليه مداراة له لا مداهنة( ).
(2) ما أخرجه الإمام مسلم من حديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو
ابن حفص طلّقها البتّة، فقال النبي : «... فإذا حَلَلَتِ فآذنيني».
قـالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية ابن أبي سفيان وأبا جَهْمٍ خطباني.
فقال رسول الله  : «أما أبو جَهْمٍ فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد...»( ).
وفي رواية «أما معاوية فرجل تَرِبٌ لا مال له، وأما أبو جَهْمٍ فرجل ضرّاب للنساء، ولكن أسامة بن زيد...»( ).
ووجه دلالة الحديث:
أن النبي  ذكر معاوية وأبا جَهْمٍ ـ رضي الله عنهما ـ بما فيهما لتحقق المصلحة وهي المشورة على المستشير بالأصلح له، ولذلك قال لها عليه الصلاة والسلام: «انكحي أسامة بن زيد».
وقد نظم بعضهم أيضاً فقال:
,ليست غــــــيبة جـــوز وخـــذها ….منظــــــــــمة كأمـــــــــــــــثال الجواهر
تظلم واستعن واستفت حذر…. وعرف واذكرن فسق المجاهر
ونظمها آخر في قوله:
القدحُ ليس بغِيبةٍ في ستةٍ..... متـظــــــــــلمٍ ومُـــــعَرِفٍ ومُحــــــــــــــــــــــَذِرِ
ومُجَاهِرٍ فسقًا ومستفتيٍ .....ومن طلب الإعانَةَ في إزالةِ مُنكَرِ
متى تُشترطُ ( عدالة الرَّاوي ) ؟.
الرَّاوي لا يُشترطُ فيه العدالة وقت تحمُّلِهِ للحديث ؛ وإنَّما يُشترطُ ذلك وقت أدائه للحديث وروايته له ؛ فقد يتحمَّل الحديث وهو غير عدلٍ ـ لكفرٍ أو فسق أو بدعةٍ أو غير ذلك (بخلاف تعمُّد الكذب على النبي r)، ثمَّ يتُوبُ ؛ فتُقبلُ روايتُه .
وهذا ؛ بخلاف الضَّبط ؛ فالضَّبطُ لا يتَّصفُ به الرَّاوي إلَّا إذا كان مُتحقَّقًا فيه ؛ وقت تحمُّله للحديث ، ووقت أدائه له . والله أعلم .
السبيل إلى إثبات العدالة :
تثبت العدالة بأحد أمرين :
(1) الشُّهرة والاستفاضة :
فإذا كان الرَّاوي مشهورًا بالعدالة واستقامة الأمر ، وقد شاع الثناء عليه بين أهل العلم ؛ لم يحتج إلى تزكية أحدٍ إيَّاه .
مثل : مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبلٍ ، واللَّيث بن سعدٍ ، وعبد الله بن المُبارك ، وشعبة بن الحجَّاج ، وإسحاق بن راهويه ، ومن جرى مجراهم من الأئمة الحُفَّاظ .
(2) بتنصيص عالمٍ ـ وقيل : عالمين ـ عليها :
اتفق العلماء على أنَّ تزكية اثنين كافية ، واختلفوا في قبول تزكية الواحد( ).
ويتحقق جرح الراوي بفقد العدالة والضبط وهما من شروط الصحيح.
وفقد العدالة يشمل: الضعيف بكذب راويه، أو تهمته بذلك، أو فسقه، أو بدعته، أو جهالة عينه ،أو جهالة حاله.
وفقد الضبط يشمل: كثرة الغلط، والغفلة، والوهم، وسوء الحفظ، والاختلاط والمخالفة( ).
تعريف علم الجرح والتعديل ومراتب ألفاظه:
هو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ( ).
والألفاظ المخصوصة هي: ألفاظ التعديل وألفاظ التجريح، وهي كثيرة، فمثال ألفاظ التعديل: ثقة، ثَبْتٌ، صدوق، ومثال ألفاظ التجريح: ضعيف، متروك، كذاب.
وألفاظ التعديل منها ما يدل على المرتبة العليا في التثبت والضبط، ومنها ما يدلُّ على المرتبة الدنيا، وبينهم مراتب متفاوتة. وكذلك ألفاظ التجريح، منها ما يدل على أسوأ التجريح، ومنها ما يدل على أدناه، وبينهما مراتب متفاوتة أيضاً( ).
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: "الأوصاف المذكورة في ألفاظ الجرح والتعديل يراد منها معرفة حال الراوي عند المحدثين الجهابذة النقاد، الذين حكموا باجتهادهم تلك الأحكام على الرواة، مما يقتضي قبول رواية الراوي، أو ردها، أو ترجيحها على رواية غيره عند التعارض، أو نحو ذلك.
وقد جاءت ألفاظهم في الحكم على الراوي متفقةً حيناً، ومختلفةً حيناً آخر، تبعاً لاختلافهم في الحكم على الراوي، ولم يكونوا معصومين رحمهم الله تعالى، ولكن كانوا يَغلِبُ على غالبهم الورعُ والدقةُ والأمانةُ والنَّصَفَة، والكمالُ المطلقُ إنما هو لله تعالى، والعصمة لنبيه  بفضل الله عليه.
وصدرت منهم هذه الألفاظ قبل توحُّدِ المصطلحات الحديثية واستقرارها، الذي يمكن تحديده تقريباً بالقرن الرابع وما بعده، كان الحافظ الناقد منهم يقولُها في الراوي بحسب ما يتراءى له من حاله، تبعاً لمعرفته بأحاديثه، ونقدِهِ مرويَّاته، وتبينه فيه قوة العدالة والضبط أو الضعف فيهما"( ).
مراتب الجرح والتعديل بداية من ابن أبي حاتم إلى الحافظ السخاوي
مراتب الجرح والتعديل عند الإمام ابن أبي حاتم:
* مراتب التعديل ( ):
قال الإمام ابن أبي حاتم: "وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى :
أعلاها: ثقة أو متقن.
قال ابن أبي حاتم: ... وإذا قيل للواحد إنه ثقة، أو متقن ثبت فهو ممن يحتج بحديثه.
الثانية : صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
قال ابن أبي حاتم: ... وإذا قيل له: إنه صدوق( )، أو محله الصدق، أولا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية.
وهو كما قال لأن هذه العبارات لا تشعر بالضبط فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه .. وإن لم يستوف النظر المعروف لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطا مطلقا واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره ومشهور عن ابن مهدي الحافظ أنه حدث فقال حدثنا أبو خلدة فقيل له أكان ثقة فقال كان صدوقا وكان مأمونا وكان خيرا وفي رواية وكان خيارا الثقة شعبة وسفيان، ثم إن ذلك مخالف لقول يحيى بن معين إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة( )، أو هو ضعيف فليس هو بثقة لا يكتب حديثه، وقول ابن معين عن نفسه ولا يقاوم ذلك نقل ابن أبي حاتم عن أهل الفن. قلت: وللثقة مراتب وكلام ابن معين لا تنافي فيه ( ).
الثالثة: شيخ .
قال ابن أبي حاتم: وإذا قيل شيخ فهو بالمنزلة الثالثه يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية .
الرابعة: صالح الحديث .
قال ابن أبي حاتم: وإذا قيل صالح الحديث فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
* مراتب الجرح ( ):
قال رحمه الله: "
الأولى: قال عنها: إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا .
الثانية: قال : وإذا قالوا: ليس بقوي فهو بمنزلة الأولى في كتبه حديثه إلا انه دونه.
الثالثة: قال: إذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون الثاني لا يطرح حديثه يعتبر به.
الرابعة: قال: إذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذاب، فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة.
هذا وقد ذكر ابن أبي حاتم مراتب الجرح والتعديل في المقدمة فقال:
"...فكانوا على مراتب أربع مراتب .. فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث فهذا الذي لا يختلف فيه ويعتمد على جرحه وتعديله ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال .
ومنهم العدل في نفسه الثبت في روايته الصدوق في نقله الورع في دينه الحافظ لحديثه المتقن فيه فذلك العدل الذي يحتج بحديثه ويوثق في نفسه .
ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانا وقد قبله الجهابذه النقاد فهذا يحتج بحديثه .
ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام .
وخامس: قد الصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة . ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب فهذا يترك حديثه ويطرح روايته الأئمة( ) ولا يشتغل به( ).
يقول الأستاذ الدكتور رفعت فوزي: "وينبغي أن نلاحظ على هذه المراتب عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: " أنه في كل مرتبة يعطي نماذج فقط من أقوال الأئمة في الرواة وإلا فإن ابن أبي حاتم على علم بألفاظ الجرح والتعديل الكثيرة التي أطلقها الجهابذة على الرواة.
وكأنه كان يدرك أن من السهل على العارفين بهذا العلم أن يحددوا موقع كل لفظ بالقياس إلى ما ذكره من ألفاظ.
الملاحظة الثانية: أنه من ناحية الاحتجاج بالحديث أو عدم الاحتجاج به مع قبوله في غير الحلال والحرام، أو رفضه عنده ثلاث مراتب:
(1) مرتبة الاحتجاج: وهم أهل المرتبة الأولى من مراتب العدول عند أهل المرتبة الأولى، وقد حصر الأئمة الاحتجاج في هذه المرتبة لما له من خطر؛ إذ الحديث الذي يحتج به يحل الناس به الحلال، ويحرمون به الحرام، ولهذا قال أبو حاتم: "من ألف شيخ لا يحتج بواحد"( ).
(2) مرتبة كتابة الحديث للاعتبار: وهم أهل المرتبة الثانية والثالثة والرابعة من مراتب العدول وأهل المراتب الأولى من مراتب المجرحين.
(3) مرتبة رفض الحديث وعدم قبوله وعدم كتابته: وهم أهل المرتبة الرابعة والأخيرة من المجروحين.
الملاحظة الثالثة: أننا يجب ألا ننظر إلى هذا التقسيم بمعزل عن التقسيم السابق( ) لابن أبي حاتم لأنه – فيما يبدو – لم يذكر مراتب هنا اكتفاء بما ذكره هناك... حتى لا يتهم بأنه أهمل مراتب ولم يذكرها.
الملاحظة الرابعة: أن ابن أبي حاتم بعمله هذا كان رائداً، فقد كان أول من حاول وضع هذه المراتب، وكل من أتوا بعده كان لهم دور التوضيح والإضافة على عمله، مع اعترافهم بريادته وسبقه وبراعته في هذا العمل.
والواقع أن ابن أبي حاتم لم ينشئ هذا التقسيم من فراغ، وإنما عمله بعد تأمل دقيق في أقوال أئمة الجرح والتعديل، وما يطلقونه من ألفاظ على الرواة...( ).
مراتب الجرح والتعديل عند الإمام ابن الصلاح:
أولاً: مراتب التعديل:
قال الإمام ابن الصلاح: "أما ألفاظ التعديل فعلى مراتب :
الأولى : قال ( ابن أبي حاتم ) : إذا قيل للواحد إنه ( ثقة أو : متقن) فهو ممن يحتج بحديثه.
قلت : وكذا إذا قيل ( ثبت أو : حجة) . وكذا إذا قيل في العدل إنه
( حافظ أو : ضابط ) والله أعلم
الثانية : قال ( ابن أبي حاتم ) : إذا قيل إنه ( صدوق أو : محله الصدق أو لا بأس به ) فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه وهي المنزلة الثانية.
قلت : هذا كما قال لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه . وقد تقدم بيان طريقه في أول هذا النوع؛ وإن لم يستوف النظر المعرف لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطا مطلقا واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا : هل له أصل من رواية غيره ؟ كما تقدم بيان طريق الاعتبار في النوع الخامس عشر
ومشهور عن ( عبد الرحمن بن مهدي ) القدوة في هذا الشأن أنه حدث فقال : حدثنا أبو خلدة فقيل له : أكان ثقة ؟ فقال : كان صدوقا وكان مأمونا وكان خيرا - وفي رواية : وكان خيارا - الثقة شعبة وسفيان.
ثم إن ذلك مخالف لما ورد عن ( ابن أبي خيثمة ) قال : قلت
( ليحيى بن معين ) إنك تقول : فلان ليس به بأس وفلان ضعيف ؟ قال : إذا قلت لك : ليس به بأس فهو ثقة وإذا قلت لك : هو ضعيف فليس هو بثقة لا تكتب حديثه
قلت : ليس في هذا حكاية ذلك عن غيره من أهل الحديث فإن نسبه إلى نفسه خاصة بخلاف ما ذكره ( ابن أبي حاتم ) والله أعلم
الثالثة : قال ( ابن أبي حاتم ) : إذا قيل ( شيخ ) فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية
الرابعة : قال : إذا قيل ( صالح الحديث ) فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
قلت : وجاء عن ( أبي جعفر أحمد بن سنان ) قال : كان ( عبد الرحمن بن مهدي ) ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق فيقول : رجل صالح الحديث والله أعلم( ).

ثانياً: مراتب الجرح:
وأما ألفاظهم في الجرح فهي أيضا على مراتب :
أولاها : قولهم ( لين الحديث ) . قال ( ابن أبي حاتم ) : إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا
قلت : وسأل ( حمزة بن يوسف السهمي ) ( أبا الحسن الدارقطني ) الإمام فقال له : إذا قلت ( فلان لين ) ايش تريد به ؟ قال : لا يكون ساقطا متروك الحديث ولكن مجروحا بشيء لا يسقط عن العدالة
الثانية : قال ( ابن أبي حاتم ) : إذا قالوا ( ليس بقوي ) فهو بمنزلة الأول في كتب حديثه إلا أنه دونه
الثالثة : قال : إذا قالوا ( ضعيف الحديث ) فهو دون الثاني لا يطرح حديثه بل يعتبر به
الرابعة : قال : إذا قالوا ( متروك الحديث أ وذاهب الحديث أو كذاب) فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه وهي المنزلة الرابعة.
قال ( الخطيب أبو بكر ) : أرفع العبارات في أحوال الرواة أن يقال ( حجة أو : ثقة ) . وأدونها أن يقال ( كذاب ساقط ) . أخبرنا ( أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي ) قراءة عليه بنيسابور قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ : أخبرنا الحسين بن الفضل : أخبرنا عبد الله بن جعفر : حد ثنا يعقوب بن سفيان قال : سمعت أحمد بن صالح قال : لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه . قد يقال : فلان ضعيف فأما أن يقال : فلان متروك فلا إلا أن يجمع الجميع على ترك حديثه
ومما لم يشرحه ( ابن أبي حاتم ) وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب قولهم ( فلان قد روى الناس عنه فلان وسط فلان مقارب الحديث فلان مضطرب الحديث فلان لا يحتج به فلان مجهول فلان لا شيء فلان ليس بذاك ) وربما قيل ( ليس بذاك القوي فلان فيه - أو : في حديثه - ضعف ) . وهو في الجرح أقل من قولهم ( فلان ضعيف الحديث فلان ما أعلم به بأسا ) . وهو في التعبير دون قولهم ( لا بأس به ) . وما من لفظة منها ومن أشباهها إلا ولها نظير( ).
مراتب الجرح والتعديل عند الإمام الذهبي:
قال في ديباجة ميزان الاعتدال: "ولم أتعرض لذكر من قيل فيه محله الصدق ولا من قيل فيه لا باس به ولا من قيل هو صالح الحديث أو يكتب حديثه أو هو شيخ فان هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق".
فأعلى العبارات في الرواة المقبولين:
الأولى: ثبت( ) حجة، وثبت حافظ، وثقة متقن، وثقة ثقة.
الثانية: ثم ثقة .
الثالثة: ثم صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس.
الرابعة: ثم محله الصدق، وجيد الحديث، وصالح الحديث، وشيخ وسط، وشيخ حسن الحديث، وصدوق إن شاء الله، وصويلح، ونحو ذلك.
وأردأ عبارات الجرح:
الأولى: دجال، كذاب، أو وضاع، يضع الحديث.
الثانية: ثم متهم بالكذب، ومتفق على تركه.
الثالثة: ثم متروك، وليس بثقة، وسكتوا عنه، وذاهب الحديث، وفيه نظر، وهالك، وساقط.
الرابعة: ثم واه بمرة، وليس بشيء، وضعيف جداً، وضعفوه، وضعيف، وواه ونحو ذلك.
الخامسة: ثم يضعف، وفيه ضعف، وقد ضعف، ليس بالقوي، ليس بحجة، ليس بذاك، يُعْرَف ويُنْكَر( )، فيه مقال، تكلم فيه، لين، سيء الحفظ، لا يحتج به، اختلف فيه، صدوق لكنه مبتدع، ونحو ذلك من العبارات التي تدل على اطراح الراوي بالأصالة، أو على ضعفه، أو على التوقف فيه، أو على عدم جواز أن يحتج به مع لين ما فيه"( ).
مراتب الجرح والتعديل عند الحافظ ابن حجر:
استعمل الحافظ ابن حجر ألفاظا للجرح والتعديل وصفها في مقدمة الكتاب فقال: "إنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة وأخلص إشارة بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبا..".
ثم قال: " وباعتبار ما ذكرت انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة، وحصر طبقاتهم في اثنتي عشرة طبقة، فأما المراتب:
فأولها: الصحابة، فأصرح بذلك لشرفهم( ).
الثانية: من أكد مدحه ب " أفعل " ك " أوثق الناس " أو بتكرير الصفة ك " ثقة ثقة " أو معنى ك " ثقة حافظ ".
الثالثة: من أفرد بصفة ك " ثقة " أو " متقن " أو " ثبت " أو " عدل".
قلت: الأولى في النزهة أوثق الناس ...الخ، والثانية: (ثقة ثقة) الخ. والثالثة : (ثقة) (متقن)..الخ.
الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا، وإليه الإشارة ب " صدوق، أولا بأس به، أو ليس به بأس".
الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلاً صدوق سيئ الحفظ " أو " صدوق يهم " أو " له أوهام " أو " يخطئ " أو " تغير بأخرة "، ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة: كالتشيع، والقدر، والنصب، والإرجاء، والتجهم، مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ " مقبول " حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق وإليه الإشارة بلفظ " مستور " أو " مجهول الحال ".
الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه الضعف ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ " ضعيف " .
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ " مجهول ".
العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإليه الإشارة ب " متروك " أو " متروك الحديث ".
الحادية عشرة: من اتهم بالكذب.
الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذب والوضع.
يقول الشيخ محمد عوامة: "ويستخلص من كلامه هذا: أن منهجه في الحكم على الرجل استخلاص مرتبته من بين الأقوال التي ذكرت فيه والتي جمعها في التهذيب...ولكن: هل خطته أن يتخير قولاً من الأقوال التي أمامه ويعتمده في التقريب؟ أو أنه يستخلص قولاً من مجموعها ويسبكه بعبارة من عنده؟.
الذي رأيته وتدل عليه الأمثلة الكثيرة: هو الأمران معاً، فقد يختار كلمة من الكلمات التي قيلت في الراوي، وقد يصوغ من عنده كلمة هى خلاصة (ومزيج) من جملة الأقوال( ).
وقد أبدى فضيلته على هذه المراتب عدة ملاحظات قال: "خلاصتها:
- اعتبر الصحابة أصحاب المرتبة الأولى، في حين أن الصحبة تعديل إلهي لا تدخل تحت تعديل المعدلين من الناس.
- عد "أوثق الناس" المرتبة الثانية، وهي المرتبة الأولى عنده وعند غيره.
- اعتبر البدعة نوعاً من أنواع الجرح، بمثابة سوء الحفظ، وليس كذلك عنده ولا عند غيره.
- جعل لـ (لين الحديث) و(مقبول) ثلاثة شروط هي:
(في لين الحديث: 1- أن يكون قليل الحديث- 2- أن لا يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله 3- أن ينفرد بالحديث فلا يتابع)، أما المقبول فيخالف اللين في الشرط الثالث ففي المقبول –أن لا ينفرد بالحديث بل يتابع).
ولا شيء في ذلك في كلام أهل العلم في المجالات العامة، ولم يستعملوا كلمة (مقبول) فيما استعملها الحافظ فيه.
فأهل العلم يستعملون كلمة مقبول للصحيح والحسن وما بينهما وما يقرب من الحسن- فلعل الحافظ هنا استعملها فيما يقرب من الحسن فقط.
- اصطلاحه فيمن يطلق عليه كلمة "ضعيف" غير محدد فيه مستوى التضعيف، ولا يتلاءم مع ما يمشي عليه أهل الفن.
- "المتروك" عنده هنا: من ضعف بقادح ولم يوثق، مع أنه عرفه –كما عرفوه-: من اتهم بالكذب.
- المرتبة الأخيرة عنده تشمل مرتبتين من مراتب الجرح.
كما صرح به في شرح النخبة وكما صرح به العلماء الآخرون.
فهذه سبع ملاحظات والله تعالى أعلم بالصواب( ).

admin
03-29-2017, 04:53 AM
حكم أهل هذه المراتب:
قال الشيخ أحمد شاكر: "هذه المراتب الاثنتي عشرة، التي قدم بها الحافظ ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب" .
والدرجات من بعد الصحابة: فما كان من الثانية والثالثة فحديثه صحيح من الدرجة الأولى، وغالبه في "الصحيحين".
وما كان من الدرجة الرابعة فحديثه صحيح من الدرجة الثانية، وهو الذي يحسنه الترمذي، ويسكت عليه أبو داود.
وما بعدها فمن المردود، إلا إذا تعددت طرقه مما كان من الدرجة الخامسة والسادسة، فيتقوى بذلك ويصير حسناً لغيره.
وما كان من السابعة إلى آخرها فضعيف على اختلاف درجات الضعف، من المنكر إلى الموضوع( ).
مراتب الجرح والتعديل عند الإمام السخاوي:
ذكر السخاوي في شرح الألفية( ) والسندي في شرح النخبة في هذا المقام تفصيلاً حسناً وجعلا لكل من ألفاظ الجرح والتزكية ست مراتب.
ومحصله أن ألفاظ التعديل على ست مراتب:
الأولى: أرفعها عند المحدثين الوصف بما دل على المبالغة، أو عبر عنه بأفعل كأوثق الناس، واضبط الناس، وإليه المنتهى في التثبيت، ويلحق به لا اعرف له نظيراً في الدنيا.
الثانية: ثم ما يليه كقولهم فلان لا يسأل عنه.
الثالثة: ثم ما تأكد بصفة من الصفات الدالة على التوثيق كثقة ثقة، وثبت ثبت، وأكثر ما وجد فيه قول ابن عيينة حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة ثقة .. إلى ان قاله تسع مرات، ومن هذه المرتبة قول ابن سعد في شعبة ثقة مأمون، ثبت حجة، صاحب حديث.
الرابعة: ثم ما انفرد فيه بصيغة دالة على التوثيق كثقة، أو ثبت، أو كأنه مصحف، أو حجة، أو إمام، أو ضابط، أو حافظ، والحجة أقوى من الثقة، والحجة أقوى من الثقة.
الخامسة: ثم قولهم ليس به بأس، أو لا بأس به، عند غير ابن معين على، أو صدوق، أو مأمون، أو خيار الخلق.
السادسة: ثم ما أشعر بالقرب من التجريح، وهو أدنى المراتب كقولهم ليس ببعيد من الصواب، أو شيخ، أو يروي حديثه، أو يعتبر به، أو شيخ وسط، أو روى الناس عنه، أو صالح الحديث، أو يكتب حديثه، أو مقارب الحديث، أو صويلح، أو صدوق إن شاء الله، وأرجو أن لا بأس به، ونحو ذلك هذه مراتب التعديل.
حكم أهل هذه المراتب:
قال السخاوي: "الحكم في أهل هذه المراتب الاحتجاج بالأربعة الأولى منها.
وأما التي بعدها فإنه لا يحتج بأحد من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطه الضبط بل يكتب حديثهم ويختبر.
قال ابن الصلاح: وإن لم نستوف النظر المعروف يكون ذلك المحدث في نفسه ضابطاَ مطلقاَ واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا بذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره.
وأما السادسة: فالحكم في أهلها دون أهل التي قبلها وفي بعضهم من يكتب حديثه للاعتبار دون اختبار ضبطهم لوضوح أمرهم فيه.
وإلى هذا أشار الذهبي بقوله: إن قولهم ثبت وحجة وإمام وثقة ومتقن من عبارات التعديل التي لا نزاع فيها، وأما صدوق وما بعده يعني من أهل هاتين المرتبتين اللتين جعلهما ثلاثة فمختلف فيها بين الحفاظ هل هي توثيق أو تليين وبكل حال فهي منحطة عن كمال رتبة التوثيق ومرتفعة عن رتب التجريح( ).
وأما مراتب الجرح فست:
الأولى منها: ما يدل على المبالغة كأكذب الناس، أو إليه المنتهى في الكذب، أو هو ركن الكذب، أو منبعه، أو معدنه، ونحو ذلك.
الثانية: ما هو دون ذلك كالدجال، والكذاب، والوضاع فإنها وإن اشتملت على المبالغة لكنها دون الأولى وكذا يضع، أو يكذب.
الثالثة: ما يليها، كقولهم فلان يسرق الحديث، وفلان متهم بالكذب، أو الوضع، أو ساقط، أو متروك، أو هالك، أو ذاهب الحديث، أو تركوه، أو لا يعتبر به، أو بحديثه، أو ليس بالثقة، أو غير ثقة.
الرابعة: ما يليها، كقولهم فلان رد حديثه، أو مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو واه بمرة، أو طرحوه، أو مطروح الحديث، أو مطروح، أو لا يكتب حديثه، أو لا تحل كتابة حديثه، أو لا تحل الرواية عنه، وليس بشئ أو لا شيء خلافا لابن معين.
الخامسة: ما دونها، وهي فلان لا يحتج به، أو ضعفوه، أو مضطرب الحديث، أو له ما ينكر، أو له مناكير، أو منكر الحديث، أو ضعيف.
السادسة: وهي أسهلها قولهم فيه مقال، أو ادنى مقال، أو ضعف، أو يُنكَر مرة ويُعرَف أخرى، أو ليس بذاك، أو ليس بالقوي، أو ليس بالمتين، أو ليس بحجة، أو ليس بعمدة، أو ليس بمأمون، أو ليس بثقة، أو ليس بالمرضي، أو ليس يحمدونه، أو ليس بالحافظ، أو غيره أوثق منه، أو فيه شيء، أو فيه جهالة، أو لا أدري ما هو، أو ضعفوه، أو فيه ضعف، أو سيء الحفظ، أو لين الحديث، أو فيه لين عند غير الدارقطني فإنه قال: إذا قلت لين لا يكون ساقطاً متروك الاعتبار ولكن مجروحاً بشيء لا يسقط به عن العدالة.
ومنه قولهم: تكلموا فيه، أو سكتوا عنه، أو فيه نظر عند غير البخاري( ).
حكم أهل هذه المراتب:
قال السخاوي: "والحكم في المراتب الأربع الأول أنه لا يحتج بواحد من أهلها ولا يستشهد به ولا يعتبر به .
وكل من ذكر من بعد لفظ لا يساوي شيئاً وهو ما عدا الأربع بحديثه اعتبر أي يخرج حديثه للاعتبار لإشعار هذه الصنيع بصلاحية المتصف بها لذلك وعدم منافاتها لها. لكن قال البخاري من قلت فيه منكر الحديث يعني الذي أدرج في الخامسة لا يحتج به وفي لفظ لا تحل الرواية عنه"( )
من خلال ما سبق نرى أن مراتب ألفاظ الجرح والتعديل على النحو التالي:
أولاً: مراتب القبول:
مراتب التصحيح:
ـ ما دل على مبالغة في التوثيق: كأمير المؤمنين في الحديث، لا يسأل عن مثله، أو ثق الناس، ثقة ثقة (مكررة) .. ونحوها.
ـ ثقة، ثبت، مأمون، حجة، حافظ، ضابط، متقن (بشرط أن لا يعارض الثلاثة الأخيرة جرح في العدالة) .

مراتب التحسين:
ـ صدوق، لا بأس به، وسط، جيد الحديث.
ـ صالح، مقارب، أرجو أنه لا بأس به ن صدوق إن شاء الله.
ـ صويلح، شيخ، محله الصدق.
ثانياً: ألفاظ متجاذبة بين القبول والرد:
ـ رووا عنه، روى الناس عنه، احتمله الناس، يكتب حديثه، يجمع حديثه، يعتبر به، ينظر في حديثه، اختلف فيه.
ثالثاً: مراتب الرد:
مراتب الضعف الخفيف (التي يعبر بحديث أصحابها).
ـ لين الحديث، فيه نظر فيه ضعف، كذا وكذا، تعرف وتنكر، فيه أدنى مقال، فيه مقال.
ـ ليس بالقوي، ليس بذاك، ليس بحجة، ليس بعمدة، ليس بالمرضي.
ـ ضعيف، سيء الحظ، مضطرب الحديث، مردود الحديث.
مراتب الضعف الشديد (التي لا يعبر بحديث أصحابها).
ـ متروك، ذاهب الحديث مطرح، ارم به، لا يعتبر بحديثه، لا يتابع على حديثه، مطروح الحديث، ساقط، هالك، ضعيف جداً، تالف، واهٍ بمرة، منكر الحديث، سكتوا عنه، ليس بشيء، لا يساوي شيئاً، فاسق، لا يكتب حديثه.
ـ متهم بالكذب، متهم بالوضع، يسرق الحديث ن مجمع على تركه، خبيث ـ كذاب، دجال، وضاع.
ـ أكذب الناس، دجال الدجالة، ركن من أركان الكذب( ).
وهنا أنبه على من يريد دراسة الإسناد أن يركز على عبارة المجرح والمعدل أكثر من تركيزه على المرتبة، ويركز على حال السند والمتن عموما.

المبحث الثالث: بعض القواعد الخاصة بعلم الجرح والتعديل
تعارض الجرح والتعديل في راو واحد:
قال ابن الوزير الصنعاني: " اعلم أن التعارض بين التعديل والتجريح إنما يكون تعارضا عند الوقوع في حقيقة التعارض، أما إذا أمكن معرفة ما يرفع ذلك: فلا تعارض البتة.
مثال ذلك:
- أن يجرح هذا بفسق قد علم وقوعه منه، ولكن عُلمت توبته أيضاً، والجارح جَرَح قبلها - قبل التوبة - فإنه لا تعارض بين الجرح والتعديل على هذا.
- أو يجرح بسوء حفظ مختص بشيخ أو بطائفة، والتوثيق يختص بغيرهم.
- أو سوء حفظ مختص بآخر عمره لقلة حفظ أو زوال عقل.
وقد تختلف أحوال الناس، فكم من عدل في بعض عمره دون بعض، ولهذا كان السعيد من كان خير عمله خواتمه، فإذا اطلع على التاريخ - أي تاريخ روايته وتاريخ اختلاطه - فهو مخلص حسن.
وقد اطلع عليه في كثير من رجال الصحيح جرحوا بسوء الحفظ بعد الكبر، والصحيح من أحاديثهم روى عنهم قبل ذلك فلا تعارض"( ).
- وقد يكون الجرح ناشئاً عن الغضب أو الكراهية أو نحوهما، وكان التعديل سليماً على الجادَّة، فلا يلتفت إلى ذلك التعارض، بل إن التعارض منتف في تلك الحال5.
بقي إذا وقعنا في حقيقة التعارض وكان وقوع التعارض من إمامين أو أكثر فجرحه بعضهم وعدله بعضهم فنقول حينئذ:
إذا تعارض الجرح والتعديل مع عدم إمكان الجمع بينهما
وفيه أقوال :
الأول : أن الجرح مقدم على التعديل.
وإن كان المعدلون أكثر من الجارحين، وبه قال الجمهور كـما نقـله عنهم الخطيب( )، والباجي( )، ونقل القاضي فيه الإجماع، قال الرازي( )، والآمدي( )، وابن الصلاح( ): إنه الصحيح، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل.
قال ابن دقيق العيد: "وهذا إنما يصح على قول من قال إن الجرح لا يقبل إلا مفسراً، وقد استثنى أصحاب الشافعي من هذا ما إذا جرحه بمعصية، وشهد الآخر أن قد تاب منها فإنه يقدم في هذه الصورة التعديل لأن معه زيادة علم( ).
القول الثاني : أنه يقدم التعديل على الجرح .
لأن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحاً، مثل الذي جرح بالبول قائمًا، أو عن ذاك الرجل الذي جرح بركوبه البرذون، ونحو هذه الأمور التي يُجرح بها.
والمعدل إذا كان عدلاً لا يعدل إلا بعد تحصيل الموجب لقبوله جرحاً، حكى هذا الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
ولا بد من تقييد هذا القول بالجرح المجمل إذ لو كان الجرح مفسراً لم يتم ما علل به أن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحا إلخ.
القول الثالث : أنه يقدم الأكثر من الجارحين والمعدلين.
قال في المحصول: وعدد المعدل إذا زاد، قيل: إنه يقدم على الجارح، وهو ضعيف، لأن سبب تقديم الجرح اطلاع الجارح على زيادة ولا ينتفي ذلك بكثرة العدد.
القول الرابع : أنهما يتعارضان فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا بمرجح. حكى هذا القول ابن الحاجب( )( ).
والراجح: أن الجرح مقدمٌ على التعديل، فإذا جاءنا جرحٌ في راوٍ وتعديل فإننا نقدم الجرح على التعديل، لكن بشرط أن يكون الجرح مُبَيَّنًا السبب ومعروفًا وصادرًا أيضًا من عارفٍ بأسبابه، قد يكون مبين السبب لكن صادرًا من إنسان غير عارف لأسبابه.
تعارض الجرح والتعديل من إمام واحد.
كما يقع التعارض من إمامين في شخص واحد فيعدله بعضهم ويجرحه بعضهم، فكذلك قد يقع التعارض من إمام واحد في راو واحد بأن يعدله مرة ويجرحه أخرى والسؤال الملح هو ما سبب ذلك؟.
سبب تعارض الجرح والتعديل من عالم واحد.
(1) قد يكون لتغير الاجتهاد.
قال الإمام السخاوي: "وقد يكون الاختلاف لتغير اجتهاده .
كما هو أحد احتمالين في قول الدارقطني في الحسن بن غفير بالمعجمة: إنه منكر الحديث( )، وفي موضع آخر إنه متروك( ).
وكذلك الإمام يحيى بن معين قال في بكر بن خنيس الكوفي العابد: "ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف، وقال مرة: شيخ صالح لا بأس به"( ).
قال الشيخ عبدالفتاح أبو غدة: "وسبب الاختلاف في هذه العبارات – والله أعلم – أنه يحكم على الراوي بحسب ما يقع له من حديثه في حينه، وبحسب سبره لما رُوي من طريقه، فإذا كان مرضياً قال فيه: شيخ صالح لا بأس به، وإذا كان واهياً أو منكراً قال: ليس بشيء، وإذا كان مخالفاً لما رواه الثقات –مثلاً – قال ضعيف، والله أعلم"( ).
(2) وقد يكون لاختلاف كيفية السؤال.
قال الإمام السخاوي: "ومما ينبه عليه أنه ينبغي أن تتأمل أقوال المزكين، ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة، أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه، ولا ممن يرد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قرن معه على وفق ما وجه إلى القائل من السؤال كان يسأل عن الفاضل المتوسط في حديثه ويقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان، فيقول: فلان ثقة يريد أنه ليس من نمط من قرن به، فإذا سئل عنه بمفرده بين في المتوسط.
وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بها ومنها :
قال عثمان الدارمي: "سألت ابن معين عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه كيف حديثهما؟ فقال: ليس به بأس، قلت: وهو أحب إليك أو سعيد المقبري، قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف"( ).
فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقاً، بدليل قوله: إنه لا بأس به، وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبه لسعيد المقبري .
وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت وجرحه في آخر فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بفصها ليتبين ما لعل خفي منها على كثير من الناس( ).
وعند تغير الاجتهاد أي القولين هو المعمول به؟.
والجواب: أن العمل على آخر القولين إن علم المتأخر منهما، وإن لم يعلم فالواجب التوقف، أو الواجب ترجيح التعديل ويحمل الجرح على شيء بعينه( ).
هل يقبل قول كل مجرح، ولماذا؟.
يلزم التروي والنظر في قبول جرحهم للراوي.
"فيجب عليك أن لا تبادر إلى الحكم بجرح الراوي بوجود حكمه من بعض أهل الجرح والتعديل، بل يلزم عليك أن تنقح الأمر فيه، فان الأمر ذو خطر وتهويل، ولا يحل لك أن تأخذ بقول كل جارح في أي راو كان، وإن كان ذلك الجارح من الأئمة، أو من مشهوري علماء الأمة.
فكثيراً ما يوجد أمر يكون مانعاً من قبول جرحه، وحينئذ يحكم برد جرحه، وله صور كثيرة لا تخفى على مهرة كتب الشريعة، فمنها:
(1) أن يكون الجارح في نفسه مجروحاً، فحينئذ لا يبادر إلى قبول جرحه وكذا تعديله ما لم يوافقه غيره، وهذا كما قال الذهبي في ميزانه في ترجمة أبان بن إسحاق المدني بعد ما نقل عن أبى الفتح الأزدي: متروك .
قلت: لا يترك فقد وثقه احمد العجلي، وأبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين جمع فأوعى، وجرح خلقاً بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو متكلم فيه ...ثم ذكر في باب الميم محمد بن الحسين أبو الفتح بن يزيد الأزدي الموصلي الحافظ ... ضعفه البرقاني وقال أبو النجيب عبدالغفار الأرموي: رأيت أهل الموصل يوهنون أبا الفتح، ولا بعدونه شيئاً وقال الخطيب: في حديثه مناكير، وكان حافظاً ألف في علوم الحديث مات سنة أربع وسبعين وثلثمائة.
وقال ابن حجر: في تهذيب التهذيب في ترجمة أحمد بن شبيب الحبطي البصري بعدما نقل عن الأزدي فيه غير مرضي، قلت: لم يلتفت أحد إلى هذا القول بل الأزدي غير مرضي.
(2) أن يكون الجارح من المتعنتين المشددين، فان هناك جمعاً من أئمة الجرح والتعديل لهم تشدد في هذا الباب فيجرحون الراوي بأدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند أولي الألباب، فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر، وجرحه لا يعتبر إلا إذا وافقه غيره ممن ينصف ويعتبر.
فمنهم أبو حاتم، والنسائي، وابن معين، وابن القطان، ويحيى القطان، وابن حبان، وغيرهم، فانهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنت فيه، فليثبت العاقل في الرواة الذين تفردوا بجرحهم، وليتفكر فيه.
قال الذهبي في ميزانه .... في ترجمة سويد بن عمرو الكلبي بعد نقل توثيقه عن ابن معين، وغيرهم: أما ابن حبان أسرف واجترأ، فقال: كان يقلب الأسانيد ويضع على الأسانيد الصحيحة المتون الواهية، وقال ابن حجر في القول المسدد في الذب عن مسند احمد: ابن حبان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدري ما خرج من رأسه( ).
(4) أن يكون الجارح منحرفاً عن المجروح لسبب من الأسباب، فيتوقف في قبول جرحه وتضعيفه للراوي.
وقد وقع هذا لابن سعد في كثير من الرواة، ضعفهم تبعاً للواقدي، وكان الواقدي منحرفاً عن أهل العراق، فجرح بعضهم متأثراً بهذا السبب.
(5) أن يكون الجرح صدر على سبيل المزاح والمباسطة، أو التعنت، فيرد ولا يقبل.
قال الذهبي في ترجمة (عفان بن مسلم الصفار): قال جعفر بن محمد الصائغ : اجتمع عفان، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، فقال عفان : ثلاثة يضعفون في ثلاثة : علي بن المديني في حماد بن زيد، وأحمد في إبراهيم بن سعد، وابن أبي شيبة في شريك، فقال علي : وعفان في شعبة، قلت (الذهبي) : هذا على وجه المزاح وإلا فهؤلاء ثقات في شيوخهم المذكورين سيما عفان في شعبة( ).
(6) أن يكون الجرح بسبب الاختلاف في العقيدة.
(7) أو للمعاصرة، ومن ثم قالوا لا يقبل جرح المعاصر على المعاصر أي إذا كان بلا حجة لان المعاصرة تفضي غالباً إلى المنافرة( ).
ما يمكن أن يدفع به تعارض الجرح والتعديل.
هناك عدة أمور أخرى من الممكن أن يدفع بها التعارض( ):-
فقد تتعارض الأقوال في الراوي سواء من إمام واحد في راو أو من أكثر من إمام في راو، حيث تتعارض أرفع صيغ التعديل بأسوأ صيغ التجريح، وتعارضها بهذا الشكل من الغرابة عن أولئك النقاد المعتبرين يبعث على الارتياب في ثبوتها وصحتها، ومن هنا فمن الممكن أن يدفع هذا التعارض بأمور منها:
(1) ضعف أحد المصطلحين نقلاً.
وذلك لضعف سند راوي أحدهما، فقد تكون الآفة من جهة النقل، فإذا لم يصح ثبوت أحد القولين من ناحية السند فقد سقط هذا القول وأخذنا بالثابت الصحيح.
فمن المعلوم أنه لا يقبل ما جاء من الحديث إلا ما صح سنداً، وكذا أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأمور التي يحتج بها.
ومن أهم الأمور التي تحتاج إلى الكشف عن صحة سندها أو ضعف السند أقوال علماء الجرح والتعديل، لا سيما إذا كان هناك تعارض بسبب هذا النقل.
فمثلاً: عفان بن موسى الصفار( ).
وثقه الإمام يحيى بن سعيد القطان، والإمام أحمد، والنسائي، وغيرهم فابن سعد يقول فيه: "كان ثقة ثبتاً كثير الحديث حجة، وقال العجلي: ثبت صاحب سنة.
فكل هذا يدل على ثقة عفان، لا سيما وقد وثقه يحيى القطان، والنسائي، وهما من المتشددين، رغم ذلك وجدنا هذا القول عند ابن عدي.
قال ابن عدي: حدثنا علي بن إبراهيم بن الهيثم، ثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: سمعت سليمان بن حرب يقول: نرى عفان بن مسلم كان يضبط عن شعبة، والله لو جهد جهده أن يضبط عن شعبة حدثنا حديثاً واحداً ما قدر عليه، كان بطيئاً، رديء الحفظ، بطيء الفهم.
قال سليمان: وحدثني حجاج الفساطيطي أنه كان يملي عليهم أحاديث شعبة قال لي سليمان: والله لقد دخل عفان قبره، وهو نادم على رواياته عن شعبة.
وقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، ثنا محمد بن علي سمعت ابن عرعرة يقول: سمعت يحيى القطان يقول: إذا وافقني عفان لا أبالي من خالفني.
قال ابن عدي: ولا أعلم لعفان إلا أحاديث عن حماد بن سلمة، وعن حماد ابن زيد، وعن غيرهما أحاديث مراسيل فوصلها، وأحاديث موقوفة فرفعها، هذا مما لا ينقصه لأن الثقة وإن كان ثقة فلا بد فإنه يهم في الشيء بعد الشيء، وعفان لا بأس به صدوق، وأحمد بن صالح المصري رحل إلى عفان من مصر، فلحقه ببغداد في سنة اثني عشر وكتب عنه ببغداد وكانت رحلته إليه خاصة دون غيره( ).
فمن الملاحظ من خلال الطعن السابق من سليمان أن عفان لا يستطيع أن يحفظ ما يحفظه الراوي العادي، بل هو سيئ الحفظ فيما روى عن شعبة.
وهذا الطعن المنقول عن سليمان بن حرب لم يصح سنده حتى ينهض لمعارضة ألفاظ التوثيق، فعلي بن إبراهيم بن الهيثم، قال عنه الحافظ ابن حجر: "علي بن إبراهيم ابن الهيثم البلدي: حدث عنه: ابن نجيب الدقاق، اتهمه الخطيب، ثم ساق رواية ذكرها الخطيب( ) وعقب بقول الخطيب : "منكر جدا ورجاله مشهورون بالثقة إلا على بن إبراهيم البلدي"، قلت -ابن حجر-: "هو موضوع بلا ريب"( ).
وقال ابن الجوزي: علي بن إبراهيم بن الهيثم بن المهلب أبو الحسن البلدي اتهمه أبو بكر الخطيب بعدم الثقة( ).
(2) الخطأ في النقل عن الناقد:
فلا بد من التأكد مما ينسب للناقد وذلك بالرجوع إلى كلام الناقد من مصدره وعدم الاكتفاء بنقل غيره فقد يقع الخطأ بسبب عدم نقل العبارة كاملة، أو بسبب التصرف في العبارة أي يتصرف الناقل في العبارة فيتغير المعنى.
فمثال وقوع السقط في كلام الناقد:
قال الحافظ ابن حجر في ترجمة بشر بن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي مولاهم أبو القاسم الحمصي: "ثقة من كبار العاشرة، قال ابن حبان: قال البخاري تركناه( ) فأخطأ ابن حبان، وإنما قال البخاري تركناه حياً سنة اثنتي عشرة( ) مات سنة ثلاث عشرة ومائتين"( ).
ومثال تصرف الناقل عن الناقد:
ما ذكره ابن حجر في ترجمة حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي مولاهم أبو يحيى الكوفي : ذكر توثيق العجلي، وابن معين، والنسائي، وأبي حاتم...
وقال العقيلي: غمزه ابن عون، وقال القطان: له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه، وليست بمحفوظة، وقال الأزدي: روى أن ابن عون تكلم فيه، وهو خطأ من قائله، إنما قال ابن عون: حدثنا حبيب، وهو أعور، قال الأزدي: وحبيب ثقة صدوق( ).
فقد تكلم في أحاديث عن عطاء ولم يجرح، وإنما تصرف الناقل هو الذي أفسد المعنى
(3) وقوع تصحيف في مصطلح أو اسم راو.
فينبغي الاستيثاق مما ينسب إلى النقاد من مصطلحات الجرح والتعديل من حيث الصيغة واللفظ والمعنى والدلالة، خصوصاً ما كان سبيله الكتب والصحف فإن احتمال وقوع التصحيف فيه وارد وذلك للتشابه بين كثير من الحروف.
والتصحيف يقع كثيراً في الأسماء لأنها لا يدخلها القياس، ولا يدل عليها ما قبلها ولا ما بعدها، فكثيراً ما أفضى التشابه بين اسمي راويين إلى اعتبارهما واحداً واعتبار أقوال النقاد المختلفة فيهما على أنها في واحد، فنتج عن ذلك افتعال قضية التعارض بين مصطلحات الجرح والتعديل من غير قصد، وذلك بنسبة مصطلحات نقدية في رواة لم يقصدهم الناقد بنقده، ولم يثبت فيهم طعن، ولذلك ينبغي التفطن والتيقظ لما يقع في أسماء الرواة من تصحيف باستيعاب كل أطراف ترجمة الراوي المتكلم فيه بتحديد نسبه وكنيته وشيوخه وتلاميذه، وتتبع ما نقله سائر أصحاب الناقد لتحديد الراوي المقصود بنقد الناقد ثم التماس أقوال النقاد الآخرين فيه، فإن أقوال النقاد – المعاصرين – غالباًَ ما تتقارب في الرواة إلا أن يشذ ناقد بطعن في راو لحمل فيه على غيره ممن دونه أو ممن فوقه فهذا لا يحسن فيه اعتبار القولين متعارضين.
مثال ذلك: قال ابن حجر: القاسم بن محمد بن حميد أبو محمد بن أبي سفيان المعمري صدوق من العاشرة نقل عثمان الدارمي أن ابن معين كذبه ولم يثبت ذلك مات سنة ثمان وعشرين ومائتين"( ).
لذلك جاء في الجرح والتعديل : سمعت أبى يقول ذلك نا عبدالرحمن انا يعقوب بن إسحاق فيما كتب إلى قال: نا عثمان بن سعيد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: قاسم المعمري خبيث كذاب، قال عثمان: وقد أدركت قاسما المعمري وليس كما قال يحيى( ).
قال المعلمي: "فيشبه أن يكون ابن معين قال: "قاسم العمري كذاب خبيث" فكتبها عثمان الدارمي، ثم بعد مدة راجعها في كتابه فاشتبه عليه فقرأها "قاسم المعمري"( ).
قلت: ومما يقوي كلام المعلمي أنه قال في قاسم العمري هذا القول ففي المجروحين لابن حبان في ترجمة قاسم العمري قال يحيى بن معين: "قاسم العمري كذاب خبيث"( ).

admin
03-29-2017, 04:55 AM
(4) كون أحد المصطلحين الحمل فيه على غير الراوي.
مما أدى إلى التعارض في مصطلحات الجرح والتعديل عن النقاد قلة التمحيص والتدقيق والتحقيق من الناقد فيمن تكون عليه تبعة بعض الأخطاء في أحاديث، أو نكارتها، أو علتها، أو وضعها.
فيكون القصور في التحقيق من الناقد سبباً لطعنه فيمن روى عنه حديث ضعيف أو معل أو منكر أو موضوع، وإن كانت العهدة في ذلك على غيره من الشيوخ أو التلاميذ.
فيتولى الناقد إصدار الجرح فيمن روي عنه شيء من ذلك وإن كان بريئاً منه، بينما يوثق غيره، فينشأ التعارض بسبب ذلك.
مثال ذلك: غالب بن خطاف وهو بن أبي غيلان القطان أبو سليمان البصري مولى بن كريز . قال أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح... وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة .
وقال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث الضعف على أحاديثه بين وفي حديثه النكرة ثم أورد له حديثا منكرا، قال ابن حجر: "الحمل فيه على الراوي عنه عمر بن المختار"، وقال الذهبي: "لعل الذي ضعفه ابن عدي آخر"( ).
ومما لا يلتفت إليه في الجرح: "قول الأقران بعضهم في بعض فلا عبرة بجرح الأقران ما لم يقم ببينة، والجرح بسبب الخلاف المذهبي كالاختلاف في المعتقد ككلام الشيعي في السني وكلام السني في القدري أو المرجئي".
لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة.
إذا كان جرح الرواة جائزا دفعا للاعتزاز بهم، بل واجبا للحاجة وضرورة شرعية، فإنه مع ذلك لا يجوز إذا كان زائدا عن الحاجة فمن أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة أو بأدنى تصريح لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص بها للحاجة لا يُرتقى فيها إلى زائد على ما يحصل به الغرض.
لا يجوز نقل الجرح فقط فيمن وُجِدَ فيه الجرح والتعديل.
التعديل والتجريح شهادة من الناقد يلزمهما الصدق والتحري والإنصاف، فلا يجوز أن يصدر تعديل أو تجريح يحكمهما الهوى أو المحاباة ونحو ذلك، فلا يحل للناقد أن ينقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل كلاهما فإن ذلك ظلم له: قال الإمام ابن سيرين (110 هـ): "ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ولم تذكر محاسنه"( ).
وقال الإمام الذهبي في ترجمة أبان بن يزيد العطار: "قد أورده العلامة ابن الجوزي في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال مَنْ وثَّقه، وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق"( ).
لا يقبل الجرح والتعديل ممن ليست له معرفة بأسبابهما.
اتفق العلماء على عدم قبول الكلام في الرواة الصادر عمن يجهل أسباب الجرح والتزكية، وقال تاج الدين السبكي: "من لا يكون عالما بأسبابهما -أي الجرح والتعديل- لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد"( ). وقال الحافظ ابن حجر: "وينبغي ألاَّ يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ، فلا يقبل جرح من أفرط فيه فجرح بما لا يقتضيه رد حديث المحدث، كما لا يقبل تزكية من أخذ بمجرد الظاهر فأطلق التزكية"( ).

ليس كل من تُكُلِّم فيه بمجروح:
إن مجرد الكلام في الرجل لا يعني أنه مجروح ساقط العدالة، مردود الرواية أو الشهادة، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة، إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، وما سلم فاضل من طاعن.
ولذلك خُرِّج في الصحيحين لخلق ممن تُكُلِّم فيهم منهم جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث ابن عبدالله الإيادي، وخالد بن مخلد القطواني وغيرهم.
عدم العمل بالحديث ليس تجريحا لمن روي عنه، لوجود الناسخ والمنسوخ، وقد يكون لأن العالم عمل بدليل آخر أقوى منه.
أقسام المتكلمين في الرجال:
قسم الذهبي من تكلم في الرجال أقساماً:
- فقسم تكلموا في سائر الرواة كابن معين وأبي حاتم .
- وقسم تكلموا في كثير من الرواة كمالك وشعبة .
- وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي.
قال: وهم الكل على ثلاثة أقسام أيضاً:
- قسم منهم متعنت في التوثيق متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وثق شخصاً، فعض على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه، ولم يوثق ذاك الرجل أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد، فهذا هو الذي قالوا: لا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً يعني لا يكفي فيه قول ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يبين سبب ضعفه، ثم يجيء البخاري وغيره يوثقه، ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه.
ومن ثم قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة( ).
ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه.
- وقسم منهم متسامح كالترمذي والحاكم.
قلت(السخاوي): وكابن حزم فإنه قال: في كل من أبي عيسى الترمذي وأبي القاسم البغوي وإسماعيل بن محمد الصفار وأبي العباس الأصم وغيرهم من المشهورين إنه مجهول .
قال الشيخ عبدالفتاح أبو غدة: "التسامح والتساهل الذي وقع من الترمذي والحاكم هو في تدوينهما حديث بعض الضعفاء، وخاصة الحاكم فإنه يورد بعض أحاديث الضعفاء والوضاعين، ويجعلهما مما يستدرك بها على "الصحيحيين".
فتساهلهما آت من حيث توثيقهما الضعيف، أو من حيث تدوين حديثه في كتابيهما، وهو غير تساهل ابن حزم الذي يحكم على الأئمة الثقات الأثبات بأنهم"مجهولون"! فكان الأولى عدَّ ابن حزم في القسم الأول: قسم المتعنتين في الجرح، وإن تعنت ابن حزم هذا واضح منتشر في كتبه، يعلمه كل من وقف عليها....فقد حكم على أبي عيسى –الترمذي- بأنه مجهول( ).
- وقسم معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي.
ولوجود المتشدد ومقابله نشأ التوقف في أشياء من الطرفين بل ربما رد كلام كل من المعدل والجارح مع جلالته وإمامته ونقده وديانته إما لانفراد عن أئمة الجرح والتعديل كالشافعي رحمه الله في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى فإنه كما قال النووي لم يوثقه غيره وهو ضعيف باتفاق المحدثين لكن قد اعتذر الساجي عن الشافعي بأنه لم يخرج عنه إلا في الفضائل يتسامحون فيها وتعقب بان الموجود خلافه وابن حبان بأن مجالسته لإبراهيم كانت في حداثته( ).
وفائدة وصف العلماء بالتشدد والتساهل والاعتدال عند التعارض، فلو أن جارحاً متشدداً وصف راوياً بأنه ضعيف، ووصفه معتدل بأنه صدوق، ووثقه متساهل، فيصبح الصواب أنه صدوق .
ويجب التنبيه إلى أن عبارات الأئمة المتقدمين ليست دائماً متقيدة بالمراتب، ولكنهم يتوسعون في التعبير على الرواة، فقد يُسئل الإمام عن الراوي، فيهتم ببيان أنه مقبول الرواية أو لا، دون أن يعتني بتفصيل الحكم، ومما يدل على صحة هذا الكلام، أنه إذا سئل الإمام عن راويين أحدهما أوثق من الآخر تجده يقول : الحُجْةُ سفيان الثوري وفلان وفلان، وهذا -أي الآخر- ثقة . فهنا يبين الفرق بين لفظ حجة، ولفظ ثقة، لكن إذا سئل مُفرداً، فقد يجيب بجواب عام لا يقصد به التقيد بمرتبة معينة أمرٌ آخر قد يدل على معاني المصطلحات وألفاظ الجرح والتعديل وهو السياق، أي سياق العبارة، ومن هنا نتنبه إلى ضرورة الرجوع إلى الكتب الأصلية، التي ساقت ألفاظ الجرح والتعديل.
فلا يصح أن نكتفي بـ(تهذيب التهذيب) فقط ؛ لأن الحافظ ابن حجر يذكر العبارة الخاصة بالراوي فقط، مع أنك لو رجعت إلى الكتاب الأصلي، قد تجده ذكر هذه العبارة في سياقٍ معيّن يدلُّ على مُراد الإمام، كما لو قُرِنَ الراوي خفيف الضعف براوٍ كذاب، فسئل عنهما الإمام، فيقول : فلان صالح، ليس كفلان الكذاب . وهو لا يقصد بـ"صالح" أنه يُحسّنُ حديثه، لكن لما قُرِنَ بالكذاب، رأى أنه من الظلم أن يُقرن بينهما، وكأنهما في مرتبة واحدة، وأن الواجب التفريق بين هذين الراويين، فيأتي الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) فيقول :"قال يحيى بن معين : فلان صالح" . فإذا رجعت إلى الكتاب الأصلي وجدت أن ابن معين ذكر هذا في سياق معيّن .وهناك سياق آخر، ويحصل كثيراً في مثل كتاب (تاريخ عثمان ابن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين)، حيث ذكر في مقدمة الكتاب طبقات الرواة عن شيّخ معيّن، فيسأله عن أوثق الرواة عن شعبة، فيقول : أوثقهم فلان وفلان وفلان، فيقول : ثمَّ من ؟، فيقول : ثم فلان وفلان، ثم يسأله عنهم، فيقول : فلان ثقة وفلان ضعيف، وهو من عبارته توثيق الراوي في هذا الشيخ، وتضعيفه في هذا الشيخ، أي أنه في روايته عن شعبة ضعيف . ثم يأتون في كتب المصطلح أو بعض كتب التراجم فيقولون :"قال يحيى بن معين : ضعيف"، وكأنه أطلق العبارة مع أنه ذكرها في سياق مراتب الرواة في هذا الشيخ المعيّن، فهذا يدل على أهمية الرجوع إلى الكتب الأصلية في الجرح والتعديل، ولا يُكتفى بالفرعية ما أمكن ذلك .

المبحث الرابع: دراسة لبعض كتب الرجال
لقد أهتم علماء الحديث رحمهم الله تعالى بحفظ الحديث وضبطه تدويناً وتصنيفاً وترتيباً، وكان جل اعتمادهم في ذلك على سند الحديث، أي رواته الذين سمع كل واحد منهم عن شيخه وأداه لتلاميذه .
ولما كانت الحاجة ماسة لمعرفة هؤلاء الرواة الذين عرف الحديث من طريقهم معرفة تبين أسمائهم وأنسابهم وشيوخهم وتلاميذهم ومنزلتهم في الرواية والسماع، بل معرفة تبين المقصود بمواقعهم من الجرح والتعديل هل هم عدول ضابطين أم لا ؟
وهذا كله بغية الوصول لدرجة الحديث المروي هل هو مقبول يعمل به أو مردود فيهمل ويترك، ومن هنا توجه تصنيف المحدثين لتراجم الرجال تاريخهم أسماؤهم وأنسابهم شيوخهم وتلاميذهم ومراتبهم جرحاً وتعديلاً .
فظهور علم الرجال هو نتيجة لتطور استعمال الإسناد وانتشاره وكثرة السؤال عنه فكلما تقادم الزمان كثرت الوسائط في الإسناد وطالت فاحتيج إلى بيان أحوال تلك الوسائط والتمييز بينها وخاصة مع ظهور البدع والأهواء، فنشأ علم الرجال الذي هو ميزة هذه الأمة على سائر الأمم، وقد جاء فيه التأليف متأخراً على تدوين الحديث يعني تقريباً بعد منتصف القرن الثاني الهجري، وقد كان البحث عن أحوال الرجال ومعرفة ما فيهم من جرح وتعديل ينقل مشافهة يتلقاه العلماء بعضهم عن بعض وجيلا بعد جيل
كتب الرجال :
هي مصنفات صنفت لتميز الرجال الرواة عن غيرهم وتبين منزلتهم في ميزان الجرح والتعديل إذا كانوا من غير الصحابة، وتحدد أسماؤهم وأنسابهم وألقابهم وكناهم وطبقتهم وشيوخهم وتلاميذهم ومواليدهم ووفياتهم .


فوائد دراسة كتب الرجال :
(1) خدمة لسنة الحبيب المصطفى r وذب الكذب عنها .
(2) معرفة حال الرواة وتميز القوي من الضعيف والصحيح من السقيم .
(3) تميز الأسانيد المرسلة من المتصلة والمنقطعة من الموصولة .
(4) تميز الصحابي من التابعي ومن بعدهم .
(5) معرفة طبقات الرواة وتواريخ ولاداتهم ووفياتهم .
(6) معرفة شيوخ الرواة وتلاميذهم وصيغ التحمل والأداء .
(7) معرفة رحلاتهم وجهودهم في حفظ السنة لتحفيز الهمم في طلب العلم النافع.
وقد تنوعت أشكال التصنيف في أسماء الرجال ويمكن تقسيم المؤلفات فيهم إلى:
أولاً : مؤلفات الرجال كتب مخصوصة.
(1) الكمال في أسماء الرجال للإمام عبد الغني المقدسي.
(2) تهذيب الكمال في أسماء الرجال للإمام المزي (ت742هـ).
(3) تذهيب تهذيب الكمال للذهبي (ت748هـ).
(4) الكاشف في أسماء الرجال للذهبي.
(5) تهذيب التهذيب لابن حجر (ت852هـ).
(6) تقريب التهذيب لابن حجر .
(7) خلاصة تذهيب التهذيب للخزرجي (ت924هـ).
(8) تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة لابن حجر.
ثانياً: المؤلفات المرتبة على الثقات:
(1) الثقات للعجلي (ت261هـ).
(2) الثقات لابن حبان (ت354هـ).
(3) تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين (ت385هـ).
ثالثاً: المؤلفات في الضعفاء.
(1) الضعفاء الصغير للإمام البخاري (ت 256هـ).
(2) الضعفاء والمتركون للإمام النسائي (ت 303هـ).
(3) الضعفاء الكبير للإمام العقيلي (ت322هـ).
(4) المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين للإمام ابن حبان(ت354هـ).
(5) الكامل في ضعفاء الرجال، أو الكامل في معرفة الرجال للإمام ابن عدي(ت365هـ).
(6) الضعفاء والمتركون من المحدثين للإمام الدارقطني(ت385هـ).
(7) الضعفاء للإمام أبي نعيم الأصبهاني (ت430هـ).
(8) المغني في الضعفاء للإمام الذهبي (ت748هـ).
رابعاً: التي جمعت بين الثقات والضعفاء:
(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ت327هـ).
(2) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي.
(3) سير أعلام النبلاء للذهبي.
(4) لسان الميزان لابن حجر (ت852هـ).
خامساً: المؤلفات في الصحابة.
(1) معجم الصحابة لأبي القاسم البغوي (ت327هـ).
(2) معرفة الصحابة لأبي نعيم (ت430هـ).
(3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب للإمام ابن عبدالبر (ت463هـ).
(4) أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (ت630هـ) .
(5) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر.
سادساً: المصنفات المرتبة على الطبقات:
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد (ت230هـ).
(2) طبقات خليفة بن خياط (ت240هـ).
(3) طبقات المحدثين بأصبهان للإمام أبي نعيم (ت430هـ).
(4) تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي.
(5) طبقات الحفاظ للإمام السيوطي (ت911هـ).
سابعاً: المؤلفات المرتبة على التواريخ:
(1) تاريخ الأمم والملوك وأخبارهم ومولد الرسل وأنباؤهم للطبري (ت310هـ).
(2) المنتظم في تواريخ الأمم لابن الجوزي (ت597هـ).
(3) الكامل في التاريخ لابن الأثير (ت630هـ).
(4) البداية والنهاية لابن كثير (ت774هـ).
(5) العبر في خبر من غبر للذهبي.
(6) تاريخ الإسلام للذهبي.
(7) شذرات الذهب في أخبار من قد ذهب لابن العماد (1089هـ).
ثامناً: المؤلفات المرتبة على البلدان:
(1) تاريخ المصريين لابن يونس (347هـ).
(2) أخبارأصبهان أوذكر أخبار أصبهان لأبي نعيم الأصبهاني(ت430هـ).
(3) تاريخ بغداد للإمام الخطيب البغدادي (ت463هـ).
(4) تاريخ دمشق لابن عساكر(ت571هـ).
وسيأتي الكلام عن بعض هذه المصنفات تفصيلاً.
تنبيه:
على من يتعامل مع هذه المؤلفات أن يراعي الآتي:
(1) معرفة اصطلاحات مؤلفيها في الرموز وفي الترتيب وفي الجرح والتعديل فقد يختلف معنى الرمز من كتاب لآخر حسب اصطلاح المؤلف.
(2) قراءة مقدمات الكتب بعناية ففيها يبرز المؤلف موضوع كتابه ورموزه داخل الكتاب ومنهجه في الكتاب ...الخ.
(3) معرفة منهج المؤلف في كتابه إذا كان موضوع الكتاب الكتب الستة ورجال الإسناد رجال الكتب الستة فهذا يغني عن التنقيب عن الراوي في كثير من الكتب أما إذا لم يكن من رجال الستة فيمكن معرفة بلده فيترجم من خلال كتب البلدان وإذا كان الراوي ضعيفاً يبحث عنه في كتب الضعفاء .......الخ.
(4) معرفة مراتب الجرح والتعديل إن وجدت داخل الكتاب ومعرفة مقصود المؤلف بهذه المراتب.
وهذه دراسة لبعض الكتب حتى تفهم موضوعاتها ومناهج أصحابها فيها، وحتى يتسنى لمن يريد دراسة الإسناد الاستعانة بها بيسر وسهولة إن شاء الله تعالى.
(1) تهذيب الكمال في أسماء الرجال( )
مؤلفه :
الحافظ المتقن جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي
65(4) 742هـ.
ألف الحافظ الكبير أبو محمد عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي الجماعيلي الحنبلي (600 544) كتابه " الكمال في أسماء الرجال " وتناول فيه رجال الكتب الستة، وتناول في جميع الرواة المذكورين فيه هذه الكتب الستة من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى شيوخ أصحاب الكتب الستة.
وقد امتدحه العلماء، وأثنوا عليه، قال الحافظ المزي: " وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، لكن لم يصرف مصنفه رحمه الله عنايته إليه حق صرفها ولا استقصى الأسماء التي استملت عليها هذه الكتب استقصاء تاما، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعا شافيا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال "( ).
وكتاب الكمال رتبه على حروف المعجم، وأورد التراجم على سبيل الاختصار فذكر اسم المترجم ونسبته، ثم من روى عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه، وأتبع ذلك بتاريخ وفاته إن وقع له، وأشار في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ما كان موافقة أو بدلا عالياً، ونحو ذلك من رتب العلو في الرواية.
واستعمل لأصحاب الستة علامات تدل عليهم، وهي: (خ) للبخاري و(م) لمسلم، و(د) لأبي داود، و(ت) للترمذي، و(ن) للنسائي، و(ق) لابن ماجه القزويني.
ثم جاء الحافظ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي ت (600هـ) فألف كتابه " الكمال في أسماء الرجال " وتناول فيه رجال الكتب الستة.
ومما يظنه بعض طلبة العلم غلطاً أن المقدسي اختصر كتاب ابن عساكر، وهذا وهم فالحافظ ابن عساكر ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة حسب، أما المقدسي فألف في رواة الكتب الستة، ولم يقتصر على شيوخهم فقط.
وأهم ميزات كتاب الكمال للمقدسي، هي:
(1) حاول أن يستوعب جميع رجال هذه الكتب غاية الإمكان.
(2) بين أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته ومبلغ جهده، وحذف كثيرا من الأقوال والأسانيد طلبا للاختصار.
3 - استعمل عبارات دالة على وجود الرجل في الكتب الستة أو في بعضها، فكان يقول " روى له الجماعة " إذا كان في الكتب الستة، ونحو قوله: " اتفقا عليه " أو " متفق عليه " إذا كان الراوي ممن اتفق على إخراج حديثه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وأما الباقي فسماه تسمية.
(4) أفرد الصحابة عن باقي الرواة، فجعلهم في أول الكتاب، وبدأهم بالعشرة المشهود لهم بالجنة، فكان أولهم الصديق أبو بكر رضي الله عنهم، وأفرد الرجال عن النساء، فأورد الرجال أولا، ثم أتبعهم بالنساء، ورتب الرواة الباقين على حروف المعجم، وبدأهم بالمحمدين لشرف هذا الاسم.
ثم جاء الحافظ المزي ليصنف (تهذيب الكمال في أسماء الرجال)،وقد ذهب البعض إلى أن الحافظ المزي اختصر كتاب " الكمال " لعبد الغني حينما ألف كتابه " تهذيب الكمال "،والحق أنه (هذبه)،فزاد وأنقص، وأبرز ما صنعه المزي في تهذيبه:
(1) استدرك ما فات المؤلف (عبد الغني المقدسي) من رواة هذه الكتب.
(2) حذف بعض من هو ليس من شرطه.
3 - أضاف الرواة الواردين في بعض ما اختاره من مؤلفات أصحاب الكتب الستة، فزاد للبخاري:
(1) كتاب القراءة خلف الإمام.
(2) كتاب رفع اليدين في الصلاة.
3 كتاب الأدب المفرد.
4 كتاب خلق أفعال العباد.
5 ما استشهد به في الصحيح تعليقا.
وزاد لمسلم: مقدمة كتابه الصحيح.
وزاد لأبي داود:
1 كتاب المراسيل.
(2) كتاب الرد على أهل القدر.
3 - كتاب الناسخ والمنسوخ.
(4) كتاب التفرد (وهو ما تفرد به أهل الأمصار من السنن).
(5) كتاب فضائل الأنصار.
(6) كتاب مسائل الإمام أحمد (وهي المسائل التي سأل عنها أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل).
(7) كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
وللترمذي: كتاب الشمائل.
وللنسائي:
(1) كتاب عمل يوم وليلة.
(2) كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t
3 - كتاب مسند علي t.
(4) كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
ولابن ماجه القزويني: كتاب التفسير.
وبذلك زاد في تراجم الأصل أكثر من ألف وسبع مئة ترجمة.
ثانيا: وذكر جملة من التراجم للتمييز، وهي تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، لكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكتب الستة.
ثالثا: أضاف المزي إلى معظم تراجم الأصل مادة تاريخية جديدة في شيوخ صاحب الترجمة، والرواة عنه، وما قيل فيه من جرح أو تعديل أو توثيق، وتاريخ مولده أو وفاته، ونحو ذلك، فتوسعت معظم التراجم توسعا كبيرا.
رابعا: وأضاف المزي بعد كل هذا أربعة فصول مهمة في آخر كتابه لم يذكر صاحب " الكمال " منها شيئا وهي:
(1) فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك.
(2) فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صناعة أو نحو ذلك.
3 - فصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه.
(4) فصل في المبهمات.
واستخدم المزيّ رموز من سبقه لأصحاب الكتب الستة وزاد عليها رموزاً أخرى مما زاده من مصنفات أخرى، فاستخدم: للبخاري (خ) ولمسلم (م) وللترمذي (ت) ولا ابن ماجه (ت) وللنسائي (س) ولأبي داود (د)، وللبخاري في الأدب (بخ) ولأبي داود في القدر (قد)، وللبخاري تعليقًا (خت)، ولمسلم في مقدمة صحيحه (مق)، وغيرها من الرموز.
هذا وقد عني العلماء بتهذيب الكمال اختصرا واستدراكا لأنه من أعظم الكتب المؤلفة في فنه لما تضمنه من سعة في المادة، وتنظيم دقيق في أساليب العرض فضلا عن التدقيق والتمحيص، لذلك تناوله جملة من الحفاظ والعلماء المعنيين بهذا الفن استدراكا أو تعقيبا أو تلخيصا، أو أساسا لكتب أخرى.
ومن أهم هذه الكتب:
(1) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للحافظ الذهبي.
(2) إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال " لعلاء الدين مغلطاي (762هـ).
ذكر مغلطاي في مقدمة كتابه أن استدراكه هذا لا ينقص من قيمة كتاب المزي فقال: "ومعتقدي أن لو كان الشيخ حيا لرحب بهذا الاكمال".
عيوب الكتاب:
(1) ذكره أشياء لا حاجه إليها مثل الاسانيد التي يذكرها من باب العلو أو الموافقات أو نحو ذلك.
(2) ذكره للترجمة النبوية وأخذه معظم ما ذكره فيها من كتاب أبي عمر بن عبدالبر.
(3) إيراد بعض أخبار المترجمين مما لا ينفع في بيان أحوالهم في التوثيق أو التجريح.
(4) محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه، مع أن الاحاطة بذلك متعذرة لا سبيل إليها.
(5) مسامحة المزي لصاحب " الكمال " في بعض المواضع التي لم يرد عليه فيها.

admin
03-29-2017, 04:58 AM
(2) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة أو الكاشف في أسماء الرجال.
لأبي عبدالله شمس الدين : محمد بن أحمد الذهبي الحافظ، المتوفى : سنة 748، ثمان وأربعين وسبعمائة.
قال الذهبي في مقدمته: " هذا مختصر نافع في رجال الكتب الستة: الصحيحين والسنن الاربعة، مقتضب من تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي، اقتصرت فيه على ذكر من له رواية في الكتب الستة، دون باقي تلك التواليف التي في " التهذيب "، ودون من ذكر للتمييز أو كرر للتنبيه.
فهو مختصر في رجال ( الكتب الستة ) : ( الصحيحين ) ( والسنن الأربعة)، مقتضب من : ( تهذيب الكمال ) للمزي.
اقتصر: على ذكر من له رواية في الكتب الستة، دون ما في تلك التآليف التي في : ( التهذيب ).
هذا وقد رتب الأسماء على حروف الهجاء لكنه ابتدأ حرف الهمزة بمن اسمه أحمد وحرف الميم بمن اسمه محمد.
وقد رتب الكتاب على هذا النحو الأسماء ثم الكنى ثم الأنساب ثم المبهمين ثم النساء.
والرموز واضحة إلا أربعة :فلأصحاب السنن الأربع : ( وع ) فإنها للجماعة كلهم.
(3) تهذيب التهذيب
للإمام الحافظ شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفي سنة 852هـ .
سبب تأليفه للكتاب:
(1) طول المادة الموجودة في كتاب تهذيب الكمال والهمم قد قصرت دون تحصيل المادة العلمية الموجودة فيه.
وفي هذا المعنى يقول: "فإن كتاب الكمال في أسماء الرجال الذي ألفه الحافظ الكبير أبو محمد عبدالغني بن عبدالواحد بن سرور المقدسي وهذبه الحافظ الشهير أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزي من أجل المصنفات في معرفة حملة الآثار وضعا وأعظم المؤلفات في بصائر ذوي الألباب وقعا ولا سيما التهذيب فهو الذي وفق بين اسم الكتاب ومسماه وألف بين لفظه ومعناه بيد أنه أطال وأطاب ووجد مكان القول ذا سعة فقال وأصاب ولكن قصرت الهمم عن تحصيله لطوله .
(2) الاختصار الشديد الموجود في كتاب الكاشف للذهبي.
يقول "اقتصر بعض الناس على الكشف عن الكاشف الذي اختصره منه الحافظ أبو عبدالله الذهبي ولما نظرت في هذه الكتب وجدت تراجم الكاشف إنما هي كالعنوان تتشوق النفوس إلى الاطلاع على ما وراءه .
(3) عدم دقة الحافظ الذهبي في النقل من كتاب تهذيب الكمال عند اختصاره للكتاب إضافة على وجود بعض الأخطاء العلمية في الكتاب مع إهماله لألفاظ الجرح والتعديل.
ثم رأيت للذهبي كتابا سماه تذهيب التهذيب أطال فيه العبارة ولم يعد ما في التهذيب غالبا وإن زاد ففي بعض الأحايين وفيات بالظن والتخمين أو مناقب لبعض المترجمين مع إهمال كثير من التوثيق والتجريح الذين عليهما مدار التضعيف والتصحيح هذا وفي التهذيب عدد من الأسماء لم يعرف الشيخ بشيء من أحوالهم بل لا يزيد على قوله روى عن فلان روى عنه فلان أخرج له فلان وهذا لا يروي الغلة ولا يشفي العلة فاستخرت الله تعالى في اختصار التهذيب على طريقة أرجو الله أن تكون مستقيمة.
منهجه في الكتاب:
(1) اقتصر على ما يفيد الجرح والتعديل خاصة وحذف منه ما أطال به الكتاب من الأحاديث التي يخرجها من مروياته العالية من الموافقات والابدال وغير ذلك من أنواع العلو فإن ذلك بالمعاجم والمشيخات أشبه منه بموضوع الكتاب وإن كان لا يلحق المؤلف من ذلك عاب حاشا وكلا بل هو والله العديم النظير المطلع النحرير لكن العمر يسير والزمان قصير فحذف هذا جملة وهو نحو ثلث الكتاب .
(2) ثم إن الشيخ رحمه الله (المزي) قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه ورتب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة وحصل من ذلك على الأكثر لكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولاحصره وسببه انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها فوجد المتعنت بذلك سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة فيه جليلة ولا طائلة فإن أجل فائدة في ذلك هو في شيء واحد وهو إذا اشتهر أن الرجل لم يرو عنه الا واحد فإذا ظفر المفيد له براو آخر أفاد رفع جهالة عين ذلك الرجل برواية راويين عنه فتتبع مثل ذلك والتنقيب عليه منهم وأما إذا جئنا إلى مثل سفيان الثوري وأبي داود الطيالسي ومحمد بن إسماعيل وأبي زرعة الرازي ويعقوب بن سفيان وغير هؤلاء ممن زاد عدد شيوخهم على الألف فأردنا استيعاب ذلك تعذر علينا غاية التعذر فإن اقتصرنا على الأكثر والاشهر بطل أدعاء الاستيعاب ولا سيما إذا نظرنا إلى ما روى لنا عن من لا يدفع قوله أن يحيى بن سعيد الأنصاري راوي حديث الأعمال حدث به عنه سبعمائة نفس وهذه الحكاية ممكنة عقلا ونقلا لكن لو أردنا أن نتبع من روى عن يحيى بن سعيد فضلا عن من روى هذا الحديث الخاص عنه لما وجدنا هذا القدر ولاما يقاربه .
فاقتصرت من شيوخ الرجل ومن الرواة عنه إذا كان مكثرا على الأشهر والأحفظ والمعروف فإن كانت الترجمة قصيرة لم احذف منها شيئا في الغالب وإن كانت متوسطة اقتصرت على ذكر الشيوخ والرواة الذين عليهم رقم في الغالب وان كانت طويلة اقتصرت على من عليه رقم الشيخين مع ذكر جماعة غيرهم ول اأعدل من ذلك الا لمصلحة مثل أن يكون الرجل قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة فإنني أذكر جميع شيوخه أو أكثرهم كشعبة ومالك وغيرهما.
(3) ولم التزم سياق الشيخ والرواة في الترجمة الواحدة على حروف المعجم لأنه يلزم من ذلك تقديم الصغير على الكبير فاحرص على أن أذكر في أول الترجمة أكثر شيوخ الرجل وأسندهم وأحفظهم إن تيسر معرفة ذلك الا أن يكون للرجل ابن أو قريب فإنني أقدمه في الذكر غالبا واحرص على أن اختم الرواة عنه بمن وصف بأنه آخر من روى عن صاحب الترجمة وربما صرحت بذلك .
(4) واحذف كثيرا من أثناء الترجمة إذا كان الكلام المحذوف لا يدل على توثيق ولا تجريح.
(5) ومهما ظفرت به بعد ذلك من تجريح وتوثيق الحقته وفائدة إيراد كل ما قيل في الرجل من جرح وتوثيق يظهر عند المعارضة .
(6) وربما أوردت بعض كلام الأصل بالمعنى مع استيفاء المقاصد .
(7) وربما زدت ألفاظا يسيرة في أثناء كلامه لمصلحة في ذلك .
(8) واحذف كثيرا من الخلاف في وفاة الرجل الا لمصلحة تقتضي عدم الاختصار.
(9) ولا احذف من رجال التهذيب أحدا.
(10) ربما زدت فيهم من هو على شرطه فما كان من ترجمة زائدة مستقلة فإنني اكتب اسم صاحبها واسم أبيه بأحمر وما زدته في أثناء التراجم قلت في أوله (قلت) فجميع ما بعد (قلت) فهو من زيادتي إلى آخر الترجمة.
رموز الكتاب:
ذكر المؤلف الرموز فقال: للستة ع . وللأربعة 4 . وللبخاري خ . ولمسلم م . ولأبي داود د . وللترمذي ت . وللنسائي س . ولابن ماجة ق. وللبخاري في التعاليق خت . وفي الأدب المفرد بخ . وفي جزء رفع اليدين ي . وفي خلق افعال العباد عخ . وفي جزء القراءة خلف الإمام (ز). ولمسلم في مقدمة كتابه مق . ولأبي داود في المراسيل مد . وفي القدر قد . وفي الناسخ والمنسوخ خد . وفي كتاب التفرد ف . وفي فضائل الأنصار صد . وفي المسائل ل . وفي مسند مالك كد . وللترمذي في الشمائل تم . وللنسائي في اليوم والليلة سي . وفي مسند مالك كن . وفي خصائص علي ص . وفي مسند علي عس . ولابن ماجة في التفسير فق.
هذا الذي ذكره المؤلف من تآليفهم وذكر أنه ترك تصانيفهم في التواريخ عمدا لأن الأحاديث التي تورد فيها غير مقصودة بالاحتجاج وبقي عليه من تصانيفهم التي على الأبواب عدة كتب منها :
(بر الوالدين للبخاري وكتاب الانتفاع باهب السباع لمسلم وكتاب الزهد ودلائل النبوة والدعاء وابتداء الوحي وأخبارالخوارج من تصانيف أبي داود) وكأنه لم يقف عليها والله الموفق.
وأفرد عمل اليوم والليلة للنسائي على السنن وهو من جملة كتاب السنن في رواية بن الأحمر وابن سيار وكذلك أفرد خصائص علي وهو من جملة المناقب في رواية بن سيار ولم يفرد التفسير وهو من رواية حمزة وحده ولا كتاب الملائكة والاستعاذة والطب وغير ذلك وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النسائي فما تبين لي وجه افراده الخصائص وعمل اليوم والليلة والله الموفق
ثم ذكر المؤلف الفائدة في خلطه الصحابة بمن بعدهم خلافا لصاحب الكمال وذلك أن للصحابي رواية عن النبي  الله عليه وآله وسلم وعن غيره فإذا رأى من لاخبرة له رواية الصحابي عن الصحابي ظن الأول تابعا فيكشفه في التابعين فلا يجده فكان سياقهم كلهم مساقا واحدا على الحروف أولي .
قال وما في كتابنا هذا مما لم نذكر له إسنادا فما كان بصيغة الجزم فهو مما لا نعلم بإسناده إلى قائله المحكي عنه بأسا وما كان بصيغة التمريض فربما كان في إسناده نظر.
ثم قال وابتدأت في حرف الهمزة بمن اسمه أحمد .
وفي حرف الميم بمن اسمه محمد .
فإن كان في أصحاب الكنى من اسمه معروف من غير خلاف فيه ذكرناه في الأسماء ثم نبهنا عليه في الكنى.
وأن كان فيهم من لا يعرف اسمه أو اختلف فيه ذكرناه في الكنى ونبهنا على ما في اسمه من الاختلاف ثم النساء كذلك .
وربما كان بعض الأسماء يدخل في ترجمتين فأكثر فنذكره في أولي التراجم به ثم ننبه عليه في الترجمة الأخرى .
وبعد ذلك فصول فيمن اشتهر بالنسبة إلى أبيه أو جده أو أمة أو عمه ونحو ذلك
وفيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صناعة .
وفيمن اشتهر بلقب أو نحوه .
وفيمن أبهم مثل فلان عن أبيه أو عن جده أو أمة أو عمه أو خاله أو عن رجل أو امرأة ونحو ذلك مع التنبيه على اسم من عرف اسمه منهم . والنساء كذلك هذا المتعلق بديباجة الكتاب
ثم ذكر بعد ذلك ثلاثة فصول:-
أحدها: في شروط الأئمة الستة .
والثاني: في الحث على الرواية عن الثقات .
والثالث: في الترجمة النبوية ..
فأما الفصلان الاولان فإن الكلام عليهما مستوفي في علوم الحديث
وأما الترجمة النبوية فلم يعد المؤلف ما في كتاب بن عبدالبر وقد صنف الأئمة قديما وحديثا في السيرة النبوية عدة مؤلفات مبسوطات ومختصرات فهي أشهر من أن تذكر وأوضح من أن تشهر ولها محل غير هذا نستوفي الكلام عليها فيه إن شاء الله تعالى .
وقد ألحقت في هذا المختصر ما التقطته من تذهيب التهذيب للحافظ الذهبي فإنه زاد قليلا فرأيت أن أضم زياداته لكمل الفائدة
ثم وجدت صاحب التهذيب حذف عدة تراجم من أصل الكمال ممن ترجم لهم بناء على أن بعض الستة أخرج لهم، فمن لم يقف المزي على روايته في شيء من هذه الكتب حذفه فرأيت أن أثبتهم، وانبه على ما في تراجمهم من عوز وذكرهم على الاحتمال أفيد من حذفهم، وقد نبهت على من وقفت على روايته منهم في شيء من الكتب المذكورة
وزدت تراجم كثيرة أيضا التقطتها من الكتب الستة مما ترجم المزي لنظيرهم تكملة للفائدة أيضا
وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على تهذيب الكمال مع عدم تقليدي له في شيء مما ينقله وإنما استعنت به في العاجل وكشفت الأصول التي عزا النقل إليها في الآجل فما وافق أثبته وما باين اهملته فلو لم يكن في هذا المختصر الا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف لكان معنى مقصودا هذا مع الزيادات التي لم تقع لهما والعلم مواهب والله الموفق.
(4) تقريب التهذيب
يعد كتاب التقريب هو أحد مختصرات " كتاب الكمال " للمقدسي.
فكتاب " الكمال " للمقدسي يعتبر أصلا لمن جاء بعده من الكتب في هذا الباب، إلا أنه أطال في ذكر تاريخ الراوي، فأعوزه بعض الاستدراك والتحرير والتهذيب، فهذبه الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبدالرحمن المزي المتوفى سنة 742 ه في كتاب " تهذيب الكمال " أقام في عمله ثمان سنين إلا شهرا واحدا، وذكر ابن حجر العسقلاني أنه لم يعرف بعض رجاله فلم يذكر شيئا عن أحوالهم، بل لا يزيد على قوله: روى عن فلان، وروى عنه فلان وقد قصد المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه، ورتب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة، وحصل من ذلك على الاكثر.
إلا أنه يؤخذ على " تهذيب الكمال " للمزي: أنه لم يذكر رجال كل مصنفات اصحاب الصحاح الستة، فترك تصانيفهم في التواريخ، قال ابن حجر: وبقي عليه من تصانيفهم التي على الابواب عدة كتب منها: بر الوالدين للبخاري، ومتاب الانتفاع بأهب السباع لمسلم، وكتاب الزهد، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب الدعاء، وابتداء الوحي، وأخبار الخوارج، كلهم لابي داود.
وأفرد كتاب " عمل اليوم والليلة " للنسائي عن السنن، وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الاحمر وابن سيار، وكذلك أفرد " خصائص علي " وهو من جملة " كتاب المناقب " في رواية ابن سيار، ولم يفرد " التفسير " وهو من رواية ابن حمزة وحده، ولا " كتاب: الملائكة، والاستعاذة، والطب وغير ذلك، وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النسائي.
إلا أنه قد أجمع العلماء على أنه من أعظم ما ألف في هذا الفن، فقال ابن السبكي: أجمع على أنه لم يصنف مثله ولا يستطاع ".
وقد تناول العلماء كتاب " تهذيب الكمال " للمزي بالتهذيب والاختصار.
فمن مختصراته: " تذهيب تهذيب الكمال "، للذهبي المتوفى سنة 648 ه.
قال ابن حجر فيه: أطال العبارة فيه، ولم يعد ما في التهذيب غالبا، وإن زاد ففي بعض الاحايين وفيات بالظن والتخمين، أو مناقب لبعض المترجمين، مع إهمال كثير من التوثيق والتجريح اللذين عليهما مدار التضعيف والتصحيح.
واختصره الذهبي في كتاب " الكاشف ".
وعمل العراقي ذيلا على كتاب " الكاشف " واختصر " تذهيب الكمال " للذهبي، وأضاف إليه: صفي الدين أحمد بن عبدالله الخزرجي، وأسماه " خلاصة الخزرجي " وممن اختصر " تهذيب الكمال " الحافظ أبو بكر بن أبي المجد الحنبلي،
وشمس الدين محمد بن علي الدمشقي، وأبو العباس أحمد بن سعد العسكري، وتقي الدين أبو بكر أحمد بن شهبة الدمشقي.
ومن أحسن مختصرات " تهذيب الكمال " وأكملها كتاب " تهذيب التهذيب " لابن حجر، واقتصر فيه على ما يفيد الجرح والتعديل حاصة مما أطال به أصله، فحذف الاحاديث التي خرجها صاحب الأصل من مروياته العالية من الموافقات والابدال وعير ذلك من أنواع العلوم، فإن ذلك بالمعاجم والمشيخات أشبه منه بموضوع الكتاب.
وحذف منه ما يبلغ ثلث الكتاب، واقتصر من شيوخ الرجل ومن الرواة عنه على الاشهر والأحفظ والمعروف، ولم يحذف من الترجمة القصيرة سيئا في الغالب، واقتصر في الترجمة المتوسطة على ذكر الشيوخ.
الرواة الذين عليهم رقم في الغالب، وفي الترجمة الطويلة على من عليه رقم الشيخين مع ذكر جماعة غيرهم، ولم يلتزم سياق الشيوخ والرواة في الترجمة الواحدة على حروف المعجم، وحذف كثيرا من الخلاف في وفاة الرجل.
وزاد في الرجال من هو على شرط أصله، وما ذكره صاحب " الكمال " وحذفه
المزي، وما التقطه من تذهيب الذهبي فإنه زاد قليلا، وتراجم التقطها من الكتب الستة ممن ترجم المزي لنظيرهم، وانتفع بما جمعه علاء الدين مغلطاي على " تهذيب الكمال " للمزي.
ثم اختصر ابن حجر كتابه " تهذيب التهذيب " في كتابنا هذا " تقريب التهذيب " وجعل فيه من المزايا ما ليس في " تهذيب التهذيب .
مميزات الكتاب:
(1) ذكر فيه مؤلفات أصحاب الكتب الستة
(2) ذكر ابن حجر في " التقريب " فصلا في بيان المبهمات من النسوة على ترتيب من روى عنهن رجالا ونساء.
(3) تلخيص الكلام على الراوي بعبارة جامعة محررة.
(4) ضبط ما يقع من الاسماء والالقاب والكنى والانساب بالحرف غالبا.
(5) انفرد بذكر طبقة الراوي على ما ذكره في مقدمته " ليعلم من ذلك إجمالا شيوخ الراوي وتلامذته وسنة وفاته.
(6) هذا بالإضافة إلى أنه صغير الحجم على الرغم من أنه يشمل على حوالي 9000 ترجمة.

مراتب الجرح والتعديل في التقريب:
استعمل المؤلف ألفاظا للجرح والتعديل وصفها في مقدمة الكتاب فقال: " إنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة وأخلص إشارة بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبا..".
ثم قال: " وباعتبار ما ذكرت انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة، وحصر طبقاتهم في اثنتي عشرة طبقة، فأما المراتب: ثم ذكر المراتب التي سبق الإشارة إليها عند ذكر مراتب الجرح والتعديل.
بيان مراده بالطبقة:
قال الحافظ : "وأما الطبقات:
فالأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين كابن المسيب، فإن كان مخضرما صرحت بذلك،
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها، جل روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى منهم، الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش.
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج.
السابعة: طبقة أتباع التابعين، كمالك والثوري.
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي وأبي داود الطيالسي، وعبدالرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين عن تبع الاتباع، ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل.
الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي والبخاري.
الطبقة الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الاتباع، كالترمذي.
وألحقت بها باقي شيوخ الائمة الستة، الذين تأخرت وفاتهم قليلا، كبعض شيوخ النسائي. وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم. فإن كان من الاولى والثانية: فهم قبل المائة. وإن كان في الثالثة إلى آخر الثامنة: فهم بعد المائة.
وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات: فهم بعد المائتين، ومن ندر عن ذلك بينته.( ).
رموز التقريب:
استخدم ابن حجر رموزا إشارة إلى من أخرج حديثه صاحب الترجمة، ومن هذه الرموز ما نص عليها في مقدمة الكتاب ومنها ما لم ينص عليها في المقدمة ولكنه أتى بها في ثنايا التراجم، وهذه الرموز هي نفسها رموز تهذيب التهذيب إلا أنه رمز للسنن الأربعة في تهذيب التهذيب (4) وفي التقريب (عم) وزاد رمز تمييز لمن أتى به ليميزه عن رواة الأصل.( ).
(5) تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة.
لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ) .
موضوعه:
تراجم رجال موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام الشافعي، ومسند الإمام أحمد، ومسند الإمام أبي حنيفة - رواية ابن خسرو- ممن لم يُترجم لهم في تهذيب الكمال.
وقد اطلع مؤلفه على كتاب "التذكرة" للحسيني، واستفاد منه، والتقط منه تراجم الرجال الذين لم يترجم لهم المزي في "تهذيبه". لكنه تعقبه في بعض أوهامه، وزاد عليه تراجم تتبعها من كتاب "الغرائب عن مالك" الذي جمعه الدارقطني، وكتاب "معرفة السُّنَن والآثار للبيهقي"، وكتاب "الزهد" لأحمد، "وكتاب الآثار" لمحمد بن الحسن، والتي ليست في كتب أصحاب المذاهب الأربعة التي ذكرها الحسينيّ، وترك الرموز للأئمة الأربعة على ما اختاره الشريف الحسيني في كتابه "التذكرة"، وزاد رمزا واحدا، وهو "هب" وهو رمز لكل راوٍ استدركه نور الدين الهيثمي على الحسيني في كتابه "الإكمال عن من في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في "تهذيب الكمال".
وقد قال مؤلفه في مقدمته: " ... وبانضمام هذه المذكورات يصير "تعجيل المنفعة" إذا انضمَّ إلى رجال التهذيب حاويًا -إن شاء الله تعالى- لغالب رواة الحديث في القرون الفاضلة إلى رأس الثلاثمائة"( ) وهو كما قال رحمه الله وأثابه والحافظ الحسيني وأمثالهما من علماء المسلمين!
يعني إذا ضَمَّ إلى "تهذيب الكمال" كتابَ "تعجيل المنفعة لزوائد الأربعة" للحافظ ابن حجر؛ فقد ضَمَّ ذلك جُلَّ رواة الحديث في القرون الثلاثة التي عليها شأن علم الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف.

admin
03-29-2017, 05:01 AM
(6) ميزان الاعتدال في نقد الرجال .
لأبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفي سنة 748 هجرية .
التعريف بالكتاب :
قال الإمام الذهبي: " هذا كتاب جليل مبسوط، في إيضاح نقله العلم النبوى، وحملة الآثار، ألفته بعد كتابي المنعوت بالمغنى، وطولت العبارة، وفيه أسماء عدة من الرواة زائدا على من في المغنى، زدت معظمهم من الكتاب الحافل المذيل على الكامل لابن عدى( ).
وقد ألف الحفاظ مصنفات جمة في الجرح والتعديل ما بين اختصار وتطويل...
وقد استخرت الله عزوجل في عمل هذا المصنف. ورتبته على حروف المعجم حتى في الآباء، ليقرب تناوله. ورمزت على اسم الرجل من أخرج له في كتابه من الائمة الستة: البخاري، ومسلم، وأبى داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه برموزهم السائرة، فإن اجتمعوا على إخراج رجل فالرمز (ع) وإن اتفق عليه أرباب السنن الاربعة فالرمز (عو).
وفيه من تكلم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لين، وبأقل تجريح، فلولا أن ابن عدى أو غيره من مؤلفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته، ولم أر من الرأى أن أحذف اسم أحد ممن له ذكر بتليين ما في كتب الائمة المذكورين، خوفا من أن يتعقب على، لا أنى ذكرته لضعف فيه عندي، إلا ما كان في كتاب البخاري وابن عدى وغيرهما - من الصحابة فإنى أسقطهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف، فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة عنهم.
وكذا لا أذكر في كتابي من الآئمة المتبوعين في الفروع أحدا لجلالتهم في الاسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبى حنيفة، والشافعي، والبخاري، فإن ذكرت أحدا منهم فأذكره على الانصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس، إذ إنما يضر الإنسان الكذب، والإصرار على كثرة الخطأ، والتجرى على تدليس الباطل، فإنه خيانة وجناية، والمرء المسلم يطبع على كل شئ إلا الخيانة والكذب.
وقد احتوى كتابي هذا على ذكر الكذابين الوضاعين المتعمدين قاتلهم الله، وعلى الكاذبين في أنهم سمعوا ولم يكونوا سمعوا، ثم على المتهمين بالوضع أو بالتزوير.
ثم على الكذابين في لهجتهم لا في الحديث النبوى، ثم على المتروكين الهلكى الذين كثر خطؤهم وترك حديثهم ولم يعتمد على روايتهم، ثم على الحفاظ الذين في دينهم رقة، وفي عدالتهم وهن، ثم على المحدثين الضعفاء من قبل حفظم، فلهم غلط وأوهام، ولم يترك حديثهم، بل يقبل ما رووه في الشواهد والاعتبار بهم لا في الاصول والحلال والحرام.
ثم على المحدثين الصادقين أو الشيوخ المستورين الذين فيهم لين ولم يبلغوا رتبة الاثبات المتقنين، ثم على خلق كثير من المجهولين ممن ينص أبو حاتم الرازي على أنه مجهول، أو يقول غيره: لا يعرف أو فيه جهالة أو يجهل، أو نحو ذلك من العبارات التى تدل على عدم شهرة الشيخ بالصدق، إذ المجهول غير محتج به.
ثم على الثقات الاثبات الذين فيهم بدعة، أو الثقات الذين تكلم فيهم من لا يلتفت إلى كلامه في ذلك الثقة، لكونه تعنت فيه، وخالف الجمهور من أولى النقد والتحرير، فإنا لا ندعى العصمة من السهو والخطأ في الاجتهاد في غير الانبياء.( ).
(7) لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
سبب تأليف الكتاب:
أشار المؤلف إلى سبب تأليف الكتاب في المقدمة فقال: .. ومن أجمع ما وقفتُ عليه في ذلك كتاب "الميزان" الذي ألَّفه الحافظ أبو عبدالله الذهبي، وقد كنتُ أردتُ نسخه على وجهه فطالَ عليَّ، فرأيتُ أن أحذفَ منه أسماءَ من أخرج له الأئمة الستة في كتبهم أو بعضهم، فلما ظهر لي ذلك استخرتُ الله تعالى وكتبتُ منه ما ليس في "تهذيب الكمال"، وكان لي من ذلك فائدتان: إحداهما: الاختصار والاقتصار، فإنَّ الزمان قصير والعمر يسير، والأخرى: أنَّ رجال "التهذيب" إما أئمة موثوقون، وإما ثقات مقبولون، وإما قومٌ ساء حفظهم ولم يطرحوا، وإما قومٌ تُرِكوا وجُرحوا؛ فإن كان القصد بذكرهم أنه يعلم أنه تكلم فيهم في الجملة فتراجمهم مستوفاة في "التهذيب".. وسميته "لسان الميزان" ثم أختمها بفوائد وضوابط نافعة إن شاء الله تعالى( ).
فكان قصده من تأليف هذا الكتاب الاستدراك والتعقيب والتهذيب لكتاب "ميزان الاعتدال" للإمام الذهبي.
موضوع الكتاب، ولمحة عنه:
موضوع هذا الكتاب كموضوع أصله "ميزان الاعتدال" هو تراجم الرواة الضعفاء، مع الاستدراك والتعقيب والإضافة على كلام الإمام الذهبي إن احتاج الأمر إلى ذلك.
وقد افتتح المؤلف كتابه بمقدمةٍ نفيسةٍ استهلها بحمد الله تعالى والصلاة على نبيه، ثم بيَّن حفظ الله لسنة نبيه r، وبيان أهمية السنة النبوية وضرورة الاعتناء بها والتفتيش عن حال رجال الحديث وحملة الآثار، وقد أشار إلى الزيادات التي زاده في الكتاب، ثم ساق خطبة الكتاب الأصل، وعلَّق عليها في بعض الجوانب التي ذكرها الذهبي؛ وهي: ما يتعلَّق باصطلاح الذهبي في كلمة (صح) وكلمة (مجهول)، وأنَّ من عيوب التصنيف في تراجم الرواة: ذكر الجرح والسكوت عن التعديل، وأن البدعة على ضربين، وحكم رواية المبتدعة عمومًا والرافضة خصوصًا.
ثم ختم المقدمة بعشرة فصول يُحتاج إليها، وهي:
فصلٌ في تدليس التسوية.
فصلٌ في فيمن يُترك حديثه، وفي أقسام الرواة، والكتب التي ليس لها أصول.
فصلٌ في وجوه الفساد التي تدخل على الحديث.
فصلٌ في مراد ابن معين بقوله: "ليس به بأس"، و"ضعيف"، ومراد الدارقطني بقوله: "ليِّن".
فصلٌ في مذهب ابن حبان في توثيق المجاهيل.
فصلٌ في الجرح والتعديل؛ أيهما يُقدَّم ؟
فصلٌ فيمن يتوقف عن قبول قوله في الجرح.
فصلٌ في وجوب تأمُّل أقوال المُزكِّين ومخارجها.
فصلٌ في التوقُّف في الجرح والتعديل، ومعنى الشذوذ عند الإمام الشافعي.
فصلٌ فيمن يُقبل حديثه أو يُردّ، وهو من كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي.
وبعد أن انتهى المؤلف من مباحث المقدمة شرع في تراجم الرواة مرتَّبين على حروف المعجم في أسمائهم وأسماء آبائهم، ثم ذكر الكنى، ثم المبهمين والمبهمات، ثم ذكر فصلاً ضمَّنه الأسماء التي كان قد حذفها من "اللسان" لكونهم في "تهذيب الكمال" ثم عاد فأدخلهم في آخر "اللسان" بأسمائهم المجردة فقط دون ترجمة، أو بترجمة موجزة، وقد قال في آخر الكتاب: فرغتُ منه في شهر جمادي الأولى سنة اثنتين وخمسين وثمان مائة بالقاهرة، سوى ما ألحقته بعد ذلك، وسوى الفصل الذي زدته من "التهذيب"، وهم من ذكرهم الذهبي في "الميزان"، وحذفهم في "اللسان" ليكون هذا المختصر مستوعبًا لجميع الأسماء التي في "الميزان"، والله المستعان.
فصلٌ في تجريد الأسماء التي حذفتها من "الميزان" اكتفاءً بذكرها في "تهذيب الكمال"، وقد جعلتُ لها علاماتها في "التهذيب" ومن كتبتُ قبالته: (صح)، فهو من تُكلِّم فيه بلا حجة، أو صورة (هـ)، فهو مختلف فيه والعمل على توثيقه. ومن عدا ذلك فضعيفٌ على اختلاف مراتب الضعف، ومن كان منهم زائدًا على من اقتصر عليه الذهبي في "الكاشف" ذكرتُ له ترجمة مختصرة لينتفع بذلك من لم يحصل له "تهذيب الكمال"، وبالله التوفيق. ا هـ
ومما تجدر الإشارة إليه أن الحافظ ابن حجر قد ألَّف كتابين آخرين حول كتاب "الميزان"، وهما: "تحرير الميزان"، و"ذيل الميزان"
وقد فرغ الحافظ ابن حجر من تأليف هذا الكتاب سنة (805هـ)، وبقي ينظر في الكتاب ويُنقِّح ويُصحِّح إلى آخر حياته، كما بيَّن محقق الكتاب (عبدالفتاح أبو غدة)
ما الذي زاده الحافظ ابن حجر في "اللسان" على "الميزان" ؟
زاد الحافظ ابن حجر إلى الأصل "الميزان" تراجم زادها من عنده وتراجم أخرى أخذها من كتاب شيخه العراقي فقال في المقدمة: وقد جمعتُ أسماءهم، أعني من ذكر منهم في "الميزان" وسردتها في فصل أم الكتاب، ثم إني زدتُ في الكتاب جملةً كثيرةً، فما زدته عليه من التراجم المستقلة جعلتُ قبالته أو فوقه ( ز )، ثم وقفتُ على مجلدٍ لطيفٍ لشيخنا حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين، جعله ذيلاً على "الميزان" ذكر فيه من تكلم فيه، وفات صاحب "الميزان" ذكره، والكثير منهم من رجال "التهذيب"، فعلَّمتُ على من ذكره شيخنا في هذا الذيل صورة ( ذ ) إشارةً إلى أنه من الذيل لشيخنا.( )، فمثال ما زاده هو: ( ز ) أبان بن أرقم الأسدي الكوفي، ذكره أبو جعفر الطوسي في الشيعة الإمامية في رجال أبي عبدالله جعفر الصادق ووثقه.( )، ومثال ما أخذه من زيادات الحافظ العراقي: ( ذ ) أحمد بن عبدالله ابن عبدالرحمن بن شمر البهزي، روى عنه ابن السمعاني وقال: اختلط في آخر عمره، حكاه ابن نقطة( ).
ورمز لما زاده في أثناء الترجمة بقوله: ( انتهى )، فقال: وما زدته في أثناء ترجمةٍ ختمتُ كلامه بقول: انتهى. وما بعدها فهو كلامي( )، ومثال ذلك: إبراهيم بن أحمد الميمذي القاضي، روى عن أبي خليفة وأبي يعلى، وعنه يحيى بن عمار الواعظ، قال الخطيب: كان غير ثقة. انتهى. واسم جده محمد بن عبدالله، ومن شيوخه أبو بكر بن المنذر وزكريا الساجي، وهَّاه ابن السمعاني أيضًا، وروى عنه أيضًا هبة الله ابن سليمان بن الدبال وغيره( ).
الرموز التي استخدمها المؤلف في الكتاب:
استعمل المؤلف في هذا الكتاب مجموعةً من الرموز بالإضافة إلى رموز "تهذيب الكمال"، وهي: ز، ذ، انتهى، ك، حب، ص، صح، هـ، تمييز.
فقد استعمل الرمز ( ز ) لما زاده هو من التراجم، والرمز ( ذ ) إشارةً إلى أنه من الذيل لشيخه العراقي. ورمز لما زاده في أثناء الترجمة بقوله: ( انتهى ).
واستعمل الرمز (حب) لرجال "صحيح ابن حبان" واستعمله مرة واحد في ترجمة (يزيد بن صالح اليشكري) (رقم 8572)، والرمز (ك) لرجال "المستدر على الصحيحين" للحاكم، والرمز (ص) اصطلح عليه في باب الكنى والمبهمات، وهو إشارة إلى الأصل أي "الميزان"، حيث قال في باب الكنى: وقد غيَّرتُ الرقمَ، فكلُّ من عليه ( ص ) فهو من الأصل، ومن لا رقم عليه فهو من زيادة ورقم شيخنا على حاله. "لسان الميزان" (9/5)
ورمز (صح) لمن فيه كلام والعمل على توثيقه، كما هو في الأصل، ورمز (هـ) في فصل التجريد إشارة إلى اختلاف الأئمة في صاحب الترجمة بين التوثيق والتجريح، وقد استعمله في ترجمة واحدة، وهي: ترجمة (محمد بن خالد الخُتَّلي) 6741).
ورمز (تمييز) استعمله مرة واحدة في ترجمة (عبدالله بن روح المدائني (4238).

منهج المؤلف:
يمكن الكلام عن منهج المؤلف في هذا الكتاب من خلال النقاط التالية:
قدَّم المؤلف لكتابه بمقدمةٍ نفيسةٍ كما سبق بيانه.
رتَّب المؤلف الرواة على حروف المعجم في أسمائهم وأسماء آبائهم، كما هو في ترتيب الأصل، وغالبًا ما يُؤخِّر ذكر المهملين بعد المنسوبين إلى آبائهم، وذكر من اسمه (عبدالله) قبل غيره ممن ابتداء اسمه (عبد)، وفعل مثل ذلك في أسماء آبائهم، وعندما ذكر المؤلف المبهمات قسمهم إلى ثلاثة أقسام: الأول: المنسوب. والثاني: من اشتهر بقبيلة أو صنعة. والثالث: من ذُكِرَ بالإضافة.
يذكر المؤلف اسم الراوي واسم أبيه وجده وكنيته ونسبه، ولا يُطيل في ذلك، ويذكر بعض شيوخه وتلاميذه على سبيل الاختصار، ويذكر ما قيل فيه من جرحٍ أو تعديل، ثم يذكر من حديث الراوي ما يُدلِّل به على ضعف حديثه.
يحكم المؤلف - غالبًا - على الأحاديث التي يوردها في أثناء الترجمة.
كان الذهبي قد أفرد فصلاً في آخر "الميزان" لأسماء النساء فجاء المؤلف فألحق أسماء النساء مع أسماء الرجال بحسب حروف المعجم، حيث قال في آخر الكتاب: تنبيه: ذكر المصنف للنساء فصلاً مفردًا، وكان قد ذكر كثيرًا منهن مع الرجال، فألحقتُ كلَّ اسمٍ كان من شرطي لمحله في أسماء الرجال، فلذلك لم أفرد لهن فصلاً هنا.
ذكر المؤلف جميع التراجم التي في "الميزان" سوى من كان مترجمًا في "تهذيب الكمال"، وزاد زيادات ليست في "الميزان"، قال الحافظ السخاوي- وهو يتحدَّث عن "اللسان" -: .. يشتمل على تراجم من ليس في "تهذيب الكمال" من "الميزان"، مع زيادات كثيرة جدًا في أحوالهم من جرح وتعديل، وبيان وهم، وعلى خلق كثير لم يذكرهم في "الميزان" أصلاً.
حذف المؤلف من ترجم له المزي في "تهذيب الكمال" سواءً كانت الترجمة من التراجم الأصول (أي الراوي له رواية في الكتب الستة)، أو كان ذكر الراوي لأجل التمييز فقط، ومما يدل على ذلك: في ترجمة (إسحاق بن عبدالله) قال الحافظ ابن حجر: قلت: إسحاق بن نجيح الملطي لم يخرج له أحد من الأئمة الستة، ولكن ذكره المزي في التهذيب للتمييز فلم أذكره هنا لكونه ليس من شرطي في هذا اللسان، واقتصرت على التنبيه على كشف هذه العلة لئلا يظن أنه راوٍ آخر أهملته.
تبع المؤلف الإمام الذهبي في عدم ذكره لتراجم الصحابة في هذا الكتاب، وذلك لأن الصحابة عدول، والضعف إنما يأتي من قبل الرواة عنهم لا منهم.
ذكر الحافظ ابن حجر في آخر "اللسان" فائدة حاصلها: أن من لم يترجم له في "الميزان" أو "اللسان" أو "تهذيب التهذيب" قال: فهو إما ثقة، أو مستور.
أهمية الكتاب وفوائده:
لقد احتلَّ هذا الكتاب منزلةً رفيعةً ومكانةً مرموقةً في أوساط أهل العلم وطلبته، وتميَّز بمزايا كثيرة من أهمها:
مكانة مؤلفه العلمية المرموقة والتي لا تخفى على أحدٍ من أهل العلم وطلبته، وقيمة أي كتاب تزداد بعلو مكانة مؤلفه، كيف لا ومؤلفه حافظ عصره كما لا يخفى.
اشتمل هذا الكتاب على إضافات وتحريرات قلَّ أن توجد في غيره من الكتب المؤلف في تراجم الرواة، وهو وإن كان متمِّمًا ومكمِّلاً لكتاب "ميزان الاعتدال" للذهبي، إلا أنه أضاف عليه إضافات كثيرة كما سبق، وتعقَّبه في مواضع ليست بالقليلة، ظهر فيها سعة اطلاعه وعلوِّ منزلته في هذا الفن كما لا يخفى.
أنَّ الحافظ ابن حجر كثيرًا ما يُحيل إلى هذا الكتاب في كتبه الأخرى، كـ "تهذيب التهذيب"، و"الإصابة" بقوله: وقد حرَّرت ذلك في "لسان الميزان" أو: وقد بيَّنته، مما يعني أنه بذل فيه جهدًا عظيمًا، وحرَّره تحريرًا دقيقًا.
أنَّ هذا الكتاب يُعدُّ من أجود الكتبِ وأدقّها بين كتب التي ترجمَت للرواة الضعفاء، مع ما فيه من وضوح العبارة وسهولتها، وسهولة الوصول إلى الترجمة بسبب ترتيب أسماء الرواة على حروف المعجم.
يُعدُّ هذا الكتاب مع كتاب "ميزان الاعتدال" من أهم وأجمع الكتب المؤلفة في هذا تراجم الرواة الضعفاء، حتى لا يكاد يستغني عنهما أحد ممن يحتاج إلى ترجمة راوٍ ضعيف، بل لو أراد الباحث الاقتصار عليهما في معرفة أحوال الرواة الضعفاء لأمكن ذلك إلى حدٍّ ما، والله أعلم.
بعض المآخذ على الكتاب:
أغفل المؤلف بعض التراجم التي في "الميزان" مع أنها على شرطه، وقد ذكر منها محقق الكتاب (عبدالفتاح أبو غدة) التراجم التالية - بحسب الترقيم في المطبوع -: (1965، 1966، 4311، 4863، 5396، 8138، 7184، 8948) وقال عقبها: فيحتمل أن هذه التراجم ثبتت في بعض النسخ دون الأخرى، ويَرِدُ نحو هذا الاحتمال في التراجم التي يستدركها المؤلف على "الميزان" مع ثبوتها فيه، مثل التراجم: - الحسين بن عبدالرحمن (2553). – خالد بن صَبيح الخراساني (2879). – سعيد بن الصبَّاح (3438). – شهاب (3836). – الضحاك بن شُرحبيل (3955). – عامر بن محمد البصري (4055)... فذكر المحقق مجموعة من التراجم... وقال في آخر كلامه: كل ما سبق يُرجِّح أن ما وقع من ذلك ونحوه مرجعه غالبًا إلى اختلاف نسخ "الميزان" لا إلى وهم الحافظ رحمه الله، ومما لا شكَّ فيه أن لدى الحافظ عدة نسخ من "الميزان"..
تعقَّب المؤلف الإمامَ الذهبي في إيراده بعض الصحابة في الكتاب مخالفًا بذلك لشرطه، ولكنه ذهل أيضًا فأورد بعض الصحابة، مثلك: جُنيد الفهري (ترجمة 1985)، كِنانة بن أوس (6238)، مروان الأسلمي (7663)، ناجية بن الأعجم (8081) وغيرهم.
زاد المؤلف تراجم كثيرة ما كان ينبغي إيرادها، كتراجم رجال الشيعة ممن ليس لهم رواية في كتب أهل السنة. وكذلك ترجم لبعض الفقهاء والشعراء والصوفية ممن لا رواية لهم.
كما أنه ترجم لرواة ليسوا على شرط الكتاب، فترجم لبعض رجال "تهذيب الكمال" مع أنه اشترط عدم ذكر الرواة المترجمين فيه.
اعتمد الحافظ ابن حجر كثيرًا على كتاب "الثقات" لابن حبان، حيث اعتبر مجرد قول ابن حبان في الراوي: يخطئ، أو: يُغرب ونحو ذلك كافيًا في إيراد الراوي في "اللسان" مع أنه اعتبر نحو هذه العبارات في مقدمة كتابه من الجرح المبهم الذي يُتوقَّف فيه.
ألَّف الشريف حاتم العَوني كتاب "ذيل لسان الميزان" واستدرك فيه (237) ترجمة لم يذكرها الحافظ ابن حجر في "اللسان" مع أنها على شرطه، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأن الحافظ ابن حجر لم يقصد استيعاب الرواة الضعفاء، والله أعلم.
(8) سير أعلام النبلاء أو سير النبلاء.
للحافظ شمس الدين : الذهبي، وهو من : جملة ما اختصره من : (تاريخه الكبير) رتب فيه الصحابة ومن بعدهم بحسب الوفيات فهو مرتب على الطبقات ولم يقتصر فيه على المحدثين فحسب بل ذكر الخلفاء ولقضاة والقراء وتكلم على الرواة جرحاً وتعديلاً.
(9) الإصابة في تمييز الصحابة.
للحافظ ابن حجر العسقلاني.
رتبه على حروف المعجم وذلك على النحو التالي الأسماء ثم الكنى ثم النساء كذلك.
وقسم كل حرف إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره.
القسم الثاني: الأطفال الذين ولدوا على عهد النبي .
القسم الثالث: المخضرمون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي .
القسم الرابع: من ذكر في الكتب المتقدمة في أسماء الصحابة على سبيل الوهم والغلط( ).
هذا وقد بلغ عدد تراجم الكتاب (12267) اثنتي عشر ألفاً ومئتين وسبعاً وستين منها (9477) تسعة آلاف وأربعمئة وسبع وسبعون لمن عرفوا بأسمائهم من الرجال، ومنها (1268) ثمان وستون ومئتين بعد الألف لمن عرفوا بكناهم، ومنها (1522) ألف وخمسمائة واثنتان وعشرون ترجمة للنساء.
(10) ثقات ابن حبان.
للحافظ : محمد بن حبان البستي المتوفى : سنة 354هـ، أربع وخمسين وثلاثمائة جمع فيه وأحاط وهو : عمدة المحدثين في هذا الفن( ).
وقد رتب كتابه على الطبقات، فذكر الصحابة ثم التابعين ثم اتباع التابعين، ورتبهم على حروف الهجاء.
شرطه في الكتاب:
قال رحمه الله: "....فكل من أذكره في هذا الكتاب الاول فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرى خبره عن خصال خمس فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال:
- إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره . - أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته .
- أو الخبر يكون مرسلا لا يلزمنا به الحجة .
- أو يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة .
- أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره ...
وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب الفصل بين النقلة أدخلته في هذا الكتاب لأنه يجوز الاحتجاج بخبره . ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب الفصل بين النقلة لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره .
فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره لان العدل من لم يعرف منه الجرح ضد التعديل فمن لم يعلم يجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده إذ لم يكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم.
وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الاشياء غير المغيب عنهم جعلنا الله ممن أسبل عليه جلاليب الستر في الدنيا واتصل ذلك بالعفو عن جناياته في العقبي إنه الفعال لما يريد( ).
لذلك قال السيوطي في ألفيته:
ما ساهل البستي في كتابه لكن شرطه خف وقد وفى به
هذا وابن حبان متساهل في التوثيق متعنت في التجريح كما سيظهر من خلال كتابه المجروحين.
(11) المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين لابن حبان.
هذا الكتاب ... من خير الكتب وأجمعها في بابه ولعل النهج الذى اختطه ابن حبان في تأليفه يعتبر رائعا في هذا الفن، بل كتاب الضعفاء لابن حبان وكتاب الكامل لابن عدى - وهما في عصر واحد - يعتبران نتيجة متوقعة يختتم بها القرن الثالث - العصر الذهبي لعلوم السنة – ويبدأ به القرن الرابع الذى منح المدرسة الحديثية عددا من المصنفات الفريدة( ).
وهو كتاب كما هو واضح من العنوان في الضعفاء:
يقول في مقدمة كتابه: "وإنى ذاكر ضعفاء المحدثين وأضداد العدول " من الماضين " ممن أطلق أئمتنا عليهم القدح، وصح عندنا فيهم الجرح، وأذكر السبب الذى من أجله جرح، والعلة التى بها قدح، ليرفض سلوك الاعوجاج بالقول بأخبارهم عند الاحتجاج، واقصد في ذلك ترك الإمعان والتطويل، وألزم الإشارة إلى نفس التحصيل، وبالله أستعين على السراء في المقالة، وبه نتعوذ من الحيرة والضلال، إنه منتهى رجاء المؤمنين، وأولى جزاء المحسنين"( ).
وقال أبو حاتم في آخر الكتاب: "قد أملينا ما حضرنا من ذكر الضعفاء والمتروكين وأضداد العدول من المجروحين، وفصلنا أنواع القدح فيهم بالبراهين الواضحة التى لا خفاء بها على ذوى الحجا، وأنواع الجرح بالدلائل الغيرة التى لا ينكرها أولوا النهى، مما أرجو الغنية فيها لمن أراد الوقوف على معرفتها ممن همه أمر دينه من المتفقهة وأصحاب الحديث معا"( ). هذا وقد رتب كتابه على حروف الهجاء الأسماء ثم الكنى، وقسم الضعفاء إلى عشرين نوعاً وبرع في إصدار الأحكام على الرواة.
وبعد هذا العرض لكتابي ابن حبان نستطيع أن نتعرف على :
مذهب ابن حبان في الجرح والتعديل:
يعد ابن حبان من المتشددين من أئمة المحدثين في الحكم على الرجال.
شأنه في ذلك شأن أبى حاتم والنسائي وابن معين ويحيى القطان وغيرهم.
والحافظ الذهبي يشير إلى هذا في ثنايا ترجماته في الميزان عندما ينقل رأى ابن حبان، وكثيرا ما يقسو في عبارته عليه أو يغمزه غمزا شديدا.
ففى ترجمة عثمان بن عبدالرحمن الطرائفي يقول: " وأما ابن حبان فإنه يقعقع كعادته فقال فيه " ...( ) وفي ترجمة سويد بن عمرو الكلبى: " أما ابن حبان فأسرف واجترأ"( )....
ومع تسليمنا بأن ابن حبان يميل إلى التشدد في حكمه على الرجال كأستاذه النسائي، إلا أن الذهبي كثيرا ما ينقل آراء المجرحين الذين يلتقون مع ابن حبان في الرأى ولا يهاجم إلا ابن حبان منهم خاصة.
والحافظ ابن حجر أيضا يميل إلى هذا الرأي، يقول: " ابن حبان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدرى ما يخرج من رأسه"( ).
ومع ذلك فقد نسب عدد من المحدثين ابن حبان إلى التساهل، وقد عالج اللكنوى الهندي هذا الموضوع في كتابه: " الرفع والتكميل في الجرح والتعديل".
فكان مما قاله في ذلك: "وقد نسب بعضهم التساهل الى ابن حبان وقالوا هو واسع الخطو في باب التوثيق يوثق كثيرا ممن يستحق الجرح وهو قول ضعيف فابن حبان معدود ممن له تعنت وإسراف في جرح الرجال ومن هذا حاله لا يمكن أن يكون متساهلا في تعديل الرجال وانما يقع التعارض كثيرا بين توثيقه وبين جرح غيره لكفاية ما لا يكفي في التوثيق عند غيره عنده( ).
قلت: من المعلوم أن ابن حبان متساهل في التوثيق متعنت في التجريح.
فإذا رأيت في كتب الرجال وثقه ابن حبان أو ذكره ابن حبان في الثقات فمعناه أن جهالة عينه قد انتفت، ولم يعلم فيه جرح، وهذا مسلك متسع قد خالف فيه جمهور أئمة الشأن فكان به من المتساهلين في التوثيق( ).
وابن حبان وضع قواعد واضحة في هذا كتاب المجروحين تحدد مذهبه في الحكم على الرجال، فهو يقول في ترجمة عائذ الله المجاشعي: ... منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السبر ولو كان ممن يروي المناكير ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلا مقبول الرواية إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح"( ).
هذا حكم المشاهير من الرواة، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها"( ). تلكم بعض المؤلفات ومناهج مؤلفيها فيها. 

admin
03-29-2017, 05:03 AM
المبحث الخامس: حكم رواية المختلطين والمدلسين.
أولاً: الاختلاط.
والاختلاط: فساد العقل، أو عدم انتظام الأقوال بسبب خَرَفٍ، أو عمىً، أو احتراق كتبٍ، أو غير ذلك.
أنواع المختلطين:
أ- من اختُلِطَ بسبب الخرف: مثل: عطاء بن السائب الثقفي الكوفي.
ب- من اختُلِطَ بسبب ذهاب البصر: مثل: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، فكان بعد أن عمي يلقن فيتلقن.
جـ- من اختُلِطَ بأسباب أخرى: كاحتراق الكتب، مثل عبد الله بن لهيعة المصري.
حكم رواية المختلط:
أ- يقبل منها ما روي عنه قبل الاختلاط.
ب- ولا يقبل منها ما روي عنه بعد الاختلاط، وكذا ما شك فيه أنه قبل الاختلاط أو بعده.
والخلاصة:
لا يقبلُ منْ حديثِهِ ما حدَّثَ بهِ في حالِ الاختلاطِ، وكذا ما أُبهِمَ أمرُهُ وأُشْكِلَ، فلمْ ندرِ أحدَّثَ بهِ قبلَ الاختلاطِ، أوْ بعدَهُ ؟ وما حدَّثَ بهِ قبلَ الاختلاطِ قُبِلَ، وإنما يتميزُ ذلكَ باعتبارِ الرواةِ عنهمْ، فمنهمْ مَنْ سَمِعَ منهم قبلَ الاختلاطِ فقطْ، ومنهم مَنْ سَمِعَ بعدَهُ فقطْ، ومنهمْ مَنْ سَمِعَ في الحالينِ، ولمْ يتميَّزْ .
وما يقع في الصحيحين أو أحدهما من التخريج لمن وصف بالاختلاط من طريق من لم يسمع منه إلا بعده فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما ثبت عند المخرج أنه من قديم حديثه، ولو لم يكن من سمعه منه قبل الاختلاط على شرطه، ولو ضعيفا يعتبر بحديثه فضلاً عن غيره لحصول الأمن به من التغير فيما يقع عندهما اجتماعا وانفرادا من حديث المدلسين بالعنعنة ( ).
فمن اختلط فإن معرفته تفيد تمييز أحاديث الثقة الذي اختلط هل هي قبل الاختلاط أو بعده.
أشهرُ المصنَّفات فيه :
وهذه ستة كتب أخرى مؤلفة في هذا الباب غير هذين الكتابين :
-رفع الشك باليقين في تبيين حال المختلطين؛ للحافظ شهاب الدين البوصيري (ت840)
-الاغتباط بمن رُمي بالاختلاط " للحافظ إبراهيم ابن محمد سِبْط ابن العجمي المتوفى سنة 841هـ
-غاية الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط ؛ وهو لعلاء الدين علي رضا، وقد زاد فيه مؤلفه جملة من التراجم على ما في كتاب الاغتباط السابق، بعد أن درسه وحققه وعلق عليه.
-الكواكب النيرات بمعرفة من اختلط من الثقات، لابن الكيال الدمشقي.
أثر اختلاط سعيد بن أبي عروبة على مروياته في الكتب الستة، لنافذ حسين عثمان حماد.
معجم المختلطين، محمد بن طلعت، طبعته أضواء السلف بالرياض، سنة (1425هـ)( ).
حكم رواية المدلس:
التدليس أن يسقط من حدثه من الثقات لصغره أو الضعفاء إما مطلقا أو عند من عداه ويرتقي الشيخ شيخه فمن فوقه ممن عرف إلقاؤه له بعن وإن وغيرها من الصيغ المحتملة لئلا يكون كذبا يوهم بذلك إتصالاً( ).
اختلف في أهله أيرد حديثهم أم لا .
الرأي الأول: الرد مطلقا سواء تبينوا للسماع أم لا دلسوا عن الثقات أم لا...لأن التدليس نفسه جرح لما فيه من التهمة والغش حيث عدل عن الكشف إلى الاحتمال وكذا التشيع بما لم يعط حيث يوهم السماع لما لم يسمعه والعلو وهو عنده بنزول الذي قال إبن دقيق العيد أنه أكثر قصد المتأخرين به.
وممن حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب في الملخص فقال التدليس جرح فمن ثبت تدليسه لا يقبل حديثه مطلقا قال وهو الظاهر على أصول مالك وقيده إبن السمعاني في القواطع بما إذا استكشف فلم يخبر بإسم من يروي عنه قال لأن التدليس تزوير وإيهام لما لا حقيقه له وذلك إما أن أخبر فلا.
والثاني: القبول مطلقا صرحوا أم لا حكاه الخطيب في كفايته عن خلق كثيرين من أهل العلم .قال: وزعموا أن نهاية أمره أن يكون مرسلا.
والثالث: وعزاه ابن عبد البر الأكثر أئمة الحديث التفصيل من كان لا يدلس إلا عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولاً، وإلا فلا .
والرابع: إن كان وقوع التدليس منه نادرا قبلت عنعنتة ونحوها وإلا فلا...
وفي كتب الصحيح لكل من البخاري ومسلم وغيرهما عله من الرواة المدلسين مخرج لحديثهم مما صرحوا فيه بالتحديث( ).
وجعل الحافظ ابن حجر المدلسين على خمس مراتب فقال: "وهم على خمس مراتب:
الأولى: من لم يوصف بذلك الا نادرا كيحيى بن سعيد الأنصاري.
الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة.
الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي.
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد.
الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيراً كابن لهيعة( ).
من خلال هذا التقسيم نرى أن من وصف بالتدليس لا ترد روايته دائماً ولا تقبل على إطلاقها. بل إن بعض من وصف بالتدليس يقبل مطلقاً كما هو واضح في أهل المرتبة الأولى والثانية.
ضوابط واعتبارات قبول عنعنة المدلس :
(1) كون المدلس المعنعن من المرتبة الأولى من مراتب المدلسين .
(2) كون المدلس المعنعن من المرتبة الثانية من مراتب المدلسين .
(3) مجيء الحديث مصرحاً فيه بالسماع في صحيح البخاري في موضع آخر .
(4) مجيء الحديث مصرحاً فيه بالسماع خارج صحيح البخاري .
(5) أن تكون رواية المدلس عن شيخه مقرونة بغيره .
(6) أن يكون المدلس من أثبت الناس في شيخه.
(7) أن يتابع المدلس من ليس بمدلس ما يرفع شبهة التدليس، قال ابن أبي عاصم الضحاك والوليد بن مسلم وإن كان يُخشى من تدليسه، فقد توبع فأمنَّا بذلك تدليسه( ).
(8)ألا يكون الحديث في الأصول بل في المتابعات والشواهد .
(9) معرفة الواسطة بين المدلّس والمدلَّس عنه إنْ كان هناك تدليس.
(10) عند وجود روايتين لراو مدلس يروي عن شيخه بالعنعنة ( ممن لا تُقبل عنعنته ) ثم يروي الأخرى عنه بواسطة، فالرواية الأولى تُحمل على الانقطاع ما لم يثبت فيها التصريح بالسماع( ).
أشهر المصنفات في التدليس والمدلسين :
هناك مصنفات في التدليس والمدلسين يأتي في مقدمتها كتاب (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) للحافظ ابن حجر، حيث رتب فيه المدلسين على خمسة طبقات، الأولى والثانية تُقبل عنعنتهم، والثالثة يُرجح الحافظ بأنها تُرد عنعنتهم، والرابعة يجزم بردّ عنعنتهم، والخامسة حديثهم ضعيف سواءً صرحوا بالسماع أم لم يصرّحوا .
ومن الكتب التي خدمت هذه الناحية كتاب العلائي (جامع التحصيل)،فقد رتب في مقدمة هذا الكتاب نماذج من المدلسين على طبقات يبيّن فيها من تُقبل عنعنته ومن لا تقبل، وفعل هذا الفعل نفسه الحافظ ابن حجر في كتابه (النكت على ابن الصلاح)،ولا يغني كتابه السابق عن أحكامه في النكت ؛ لأنه ربما تغيّر اجتهاد الحافظ ابن حجر فيذكر راوٍ في طبقة معينة ثم يجعله في النكت في طبقة أخرى، والظاهر أن كتاب (النكت) آخر الكتابين، فتنظر على ماذا استقر رأي الحافظ في هذا الراوي، فإن اختلفت آراؤه ترجح بالمرجحات الأخرى .
وهناك ثلاثة مصنفات للخطيب البغدادي، واحدا في أسماء المدلسين، واسمه التبيين لأسماء المدلسين والآخران أفرد كلا ً منهما لبيان نوع من أنواع التدليس.
التبيين لأسماء المدلسين : لبرهان الدين بن الحلبي.


المبحث السادس: كيفية الحكم على الإسناد
هذه الغاية التي يهدف إليها من خلال دراسة الإسناد، فالحكم على الإسناد هو نتيجة لما قدمت من فصول فينبغي أن نحرص على أن يخرج الحكم في غاية الدقة. والحكم على كل إسناد بحسب حاله وفق قواعد الجرح والتعديل المعروفة عند علماء الحديث :
والحكم على الحديث بناءً على المراحل السابقة بما يستحقه هذا الحديث .
تنبيه : ينبغي النظر في المعضدات، فقد أحكم على هذا الحديث بحكمٍ معين، لكن قد أجد ما يعضده ويقويه من طرق وشواهد أخرى .
فإذا كان الحديث في إسناده شئ من الضعف لكن اتفق أهل العلم على العمل به -وليس المقصود إجماعاً-، ولم يُعلم لهم مخالف فعندها نُعضّد الحديث، وندخله في حيّز القبول مادام أنه خفيف الضعف، وفي الإمكان أن يرتقي .
وينتبه إلى أن الحديث الذي يُعضّد هو الحديث خفيف الضعف . أما الحديث شديد الضعف فلا يرتقي ولا يُعضّد، ولو روي من مائة وجه، فهذا هو الصحيح، وكم من حديث يرويه العلماء من طرق متعددة –كابن عدي- ويقول :"هذا الحديث تهافت عليه الكذابون، فرواه فلان وفلان ... "، ويُفتضح الراوي عندهم برواية هذا الحديث، فقد يكون الراوي مستور الحال، فإذا روى هذا الحديث، قال :" هو كذّاب"، فلو كانوا يقولون بمطلق مجموع الطرق لأصبح هذا الراوي عندهم "ثقة"، بدلاً من أن يكون ضعيفاً أوكذّاباً.
الحكم على الحديث.
وهذه المرحلة مهمة للغاية ودقيقة، إذ يترتب عليها قبول الحديث أو رده، والدراسة تنصب على قسمين : دراسة الإسناد، ودراسة المتن.
ومن المعلوم أن صحة الحديث تستلزم صحة السند والمتن جميعاً، ولا يصح إطلاق الصحة على الحديث لثقة رجال السند ما لم يسلم المتن من الشذوذ والعلة، وكذا المتن لا يصح ما لم يصح السند، وقد يضعف السند لعلة ما كانقطاع أو تدليس أو إرسال .... ولكن المتن صح من جهة إسناد آخر، وهنا أيضاً لا يصح إطلاق الصحة على الحديث بهذا الإسناد.
ويمكنك التفصيل في الحديث فتقول: إسناده ضعيف (باطل، منكر .. ) ومتنه صح من حديث آخر، أو إسناده باطل، وصح متنه من وجه آخر .. وهكذا.
ولدراسة الإسناد لابد من الترجمة لكل الرواة لننظر في رواة طرق الحديث هل هم ثقات أو دون ذلك أو فيهم ضعيف أو متهم بالكذب، وهل يصح من الطرق شيء أو علها صحت جميعها أو ربما لم يصح منها شيء.
فإن كان السند غريباً مطلقاً، أي ليس فيه متابعات ترجمنا لكل السند ثم حكمنا عليه بعد تتبع كتب العلل وأحكام الأئمة النقاد، وحسب ما سنذكره لاحقاً.
وإن كان السند فيه طرق متعددة نلاحظ موضع التفرد في الإسناد، .
وفائدة معرفة موضع التفرد هي معرفة المتابعات التامة والقاصرة لتسهيل دراسة الإسناد، إذ لو ثبت ضعف المدار فإن الإسناد يبقى ضعيفاً ولو كان الرواة دون المدار كلهم ثقاتٍ، فحينئذٍ نستطيع أن نحكم ابتداءً بضعف السند، أما إن كان موضع التفرد ومن فوقه من رواة مرتبة الاحتجاج، فحينئذ ٍ ندرس رواة الطرق طريقاً طريقاً، فإن صح الإسناد من طريق واحد فالإسناد صحيح، وبقية الطرق متابعات له إن كان رواتها من رواة الاعتبار، وقد تصح جميعها، وقد يصح بعضها، وقد تكون بمجموعها حسنة، فيكون الإسناد حسناً، وقد لا تصح كلها، وحينئذٍ يعد الإسناد ضعيفاً، وهكذا ..
وهذا إذا لم يكن هذا الإسناد معارضاً بإسناد أصح منه، أو حكم إمام ناقد بخلافه، كأن يكون معارضاً بإسنادٍ مرسلٍ، والمرسل هو الصواب، أو يكون أخطأ فيه راوٍ من رواته فرفعه، والصواب وقفه، إذ لابد من مراجعة كتب العلل كعلل ابن أبي حاتم، وعلل ابن المديني وعلل أحمد وعلل الدارقطني، وكتب التراجم كالجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والكامل في الضعفاء لابن عدي، والضعفاء الكبير للعقيلي، إذ قد تذكر فيها الأحاديث الأغاليط المنتقدة على الراوي في ترجمته ويُتكلم في علته، وغيرها من الكتب الأخرى ككتب التخريج ولاسيما نصب الراية للزيلعي، والتلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني، وغيرها.
فإن سلم لنا الإسناد حينئذٍ يأتي دور المتن لدراسته، هل فيه شذوذ أو نكارة، أو اضطراب ... الخ
أم هو سالم من تلك العلل؟ ولكي نعرف هذه المشكلة نجمع طرق الباب من المتابعات والشواهد.
وكما سلف في دراسة الإسناد من ضرورة مراجعة كتب العلل، فكذا يجب مراجعتها ههنا ويجب البحث أيضاً في كتب السنن والجوامع فأحيانا يذكر أصحابها العلل في موضعها، وكتب الشروح كالتمهيد لابن عبد البر، وفتح الباري لابن حجر، وغيرها وكتب مختلف الحديث كـ (مختلف الحديث) لابن قتيبة، أو الكتب التي اختصت بتوضيح مشكل التعارض في الحديث، ككتاب شرح مشكل الآثار لأبي جعفر الطحاوي، والتحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي، وغيرها.
فإذا عرفت أنّ الحديث فيه علة، ولم تتمكن من الوقوف عليها بعد البحث في الكتب المعتمدة فأعلم أن القصور في بحثك، فاجهد في ذلك، فقلما فات الأئمة المتقدمين والمتأخرين أحاديث من مثل ذلك، فعليك بالرجوع والبحث.
فإن لم تجد -بعد البحث الحثيث- تعارضاً أو إشكالا بين الروايات المتعددة، ووجدت المتن قد سلم من الشذوذ أو العلة فهذا يدل على أن المتن صحيح.
وقبل أن تشرع في إطلاق حكمك على الحديث يتوجب عليك الرجوع إلى أقوال الأئمة النقاد وأحكامهم والوقوف عند أقوال الأئمة المتقدمين، فإن اتفق المتقدمون على قبول حديثٍ، أو رده فلا يجوز مخالفتهم بوجه من الوجوه، أما إذا اختلفوا في حديث ما فلا مانع من دراسة أقوالهم والترجيح بينها وفق القواعد المقررة في التعارض والترجيح المعتبرة، والعبرة بقولهم لا بقولك فأنت إنما رجحت حسب. ولا مانع من الجمع بين القولين إن أمكن ذلك بتوجيه معتبر؛ ولكن لا يحل لك الخروج بقول ثالث يرد القولين، فلا يعقل المجيء بشيء فاتهم بالجملة!
وحكمك على الحديث إنما يكون على الإسناد حسب، فتقول: هذا إسناد صحيح أو حسن أو ضعيف، ولا يجوز إطلاق الحكم على الحديث كأن تقول:" حديث صحيح". إلا إن تكون مسبوقاً به، كأن يكون الحديث في صحيح البخاري، أو أنك:" تزعم أنك استقرأت جميع كتب السنّة، وتوصلت إلى أن هذا الحديث ليس له علّة باطلة تقدح في صحته. ولا يصح أن تستقرأ فقط، إلا أن تكون دقيق الفهم عالماً بالتخريج وعلم المصطلح والجرح والتعديل، وقد بلغت مبلغ العلماء فيها، وتجزم بعدم وجود علّة باطنة تقدح في الحديث ".
قال البيهقي: " إنّ الأحاديث التي قد صحّت، أو وقفت بين الصحّة والسُّقْم قد دُوّنت وكُتبت في الجوامع التي جمعها أئمةُ أهل العلم بالحديث، ولا يجوز أن يذهب منها شيءٌ على جميعِهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حفظها. فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يُقبل منه .. " ( ).
وإليك بيان ما يمكن أن تحكم به على الإسناد.
فإذا كان رجال الإسناد ثقات، ولم يكن في الإسناد علة كالإرسال أو الانقطاع أو غيرهما من العلل فإسناده صحيح .
إذا كان في الإسناد راو وصف بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس - عند غير ابن معين - فإسناده حسن فإن كان له شاهد أو متابع يرتقى به إلى الصحيح لغيره .
إذا كان في الإسناد من وصف بصدوق سيئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بآخره، فإن لم يدفع سوء حفظه أو وهمه، أو خطؤه أو تغيره فهو ضعيف، فإن أمن وهمه أو خطؤه أو تغيره، ودفع سوء حفظه فهو حسن.
إذا كان في الإسناد من وصف بمقبول، أو ضعيف، أو مستور، فإسناده ضعيف إلا إذا كان له متابع، أو شاهد يرتقى به إلى الحسن لغيره .
إذا كان في الرواة من وصف بمرتبة من مراتب الضعف الشديد كأن يكون متهماً بالكذب، أو منكر الحديث، أو غيره من حالات الضعف الشديد، فإسناده ضعيف جدا ولا يرتقى بحال من الأحوال .
إذا كان في الإسناد من رمي بالكذب أو الوضع كأن يقال: كذاب أو وضاع فهو موضوع لا تحل روايته إلا مع بيان وضعه.
علما بأن الحكم على سند معين بالضعف لا يستلزم ضعف المتن أبدا إذ قد يكون لهذا المتن سند آخر صحيح أو حسن، كما لا يلزم من كون السند صحيحا صحة المتن أبدا لجواز أن يكون في المتن اضطراب .
ومما ينبغي أن لا يهمل في الحكم حكم الأئمة السابقين على الحديث فإنه مفيد جداً.
أمور ينبغي مراعاتها عند دراسة الإسناد:
على من يقوم بدراسة الإسناد أن يراعي الآتي:
(1) الأحاديث المخرجة في الصحيحين أو أحدهما يكتفي بتخريجه عن دراسة الإسناد وذلك لشهرتها بالصحة.
(2) ينبغي أن نذكر المتابعات والشواهد، وذلك لتقوية الحديث.
(3) عند الترجمة لراو ينبغي أن يذكر ما يعرف به، ويميزه عن غيره.
(4) الراوي المتفق على توثيقه كالزهري، وكذلك المتفق على تضعيفه كالكلبي، لا يتوسع في ترجمته، فالتوسع في تراجم هؤلاء لا فائدة منه إذا هذا متفق عليه.
(5) الرواة المختلف فيهم ينبغي أن يتوسع في تراجمهم مع ذكر الموثقين والمجرحين، ثم يختم بالراجح والترجيح لا يكون هكذا خبط عشواء وإنما يكون بدليل.
ومما يسهل الحكم على الراوي أن نذكر ما قيل فيه من تعديل أولاً، ثم نذكر أقوال المجرحين ثانياً أو العكس فهذا يسهل ترجيح التعديل أو التجريح.
مما يعين على الحكم النهائي على الراوي كتاب الكاشف للإمام الذهبي، ثم كتاب تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر، وعبارة الإمام الذهبي في الكاشف أدق في الحكم على الراوي من عبارة الحافظ ابن حجر في التقريب .
(6) الرواة المتكلم فيهم بالإرسال أو التدليس أو الاختلاط وما أشبه ذلك ينبغي الاستعانة في تراجمهم بالكتب المختصة بذلك.
(7) بعض الرواة ضعف في أقوام معينين ووثق في آخرين فينبغي أن يعتنى بذلك ويذكر أثناء الترجمة ولا يهمل لأن في إهماله تضييع للحكم.
(8) الراوي الذي ليس له ذكر في كتب التراجم المتاحة، أو لم يوقف له على ترجمة، ينبغي أن يتوقف فيه الباحث وبالتالي لا يصدر حكمه على الإسناد الذي فيه هذا الراوي، لجواز أن يكون هناك تقصير ما في البحث، أو خطأ في اسم الراوي بسبب تحريف أو تصحيف في اسمه أو اسم أبيه أو في نسبه...أو تدليس المدلسين لبعض رجال الإسناد حيث يذكرون الراوي بما لا يعرف به، وهو ما يسمى بتدليس الشيوخ، وهو أن يسمى شيخه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف أو بصفة بما لم يشتهر به من كنية أو لقب أو نسبة إلى بلد أو قبيلة لأجل أن تصعب على غيره الطريق( ).
فيقف غيره عليه، أما إذا حكم أحد العلماء على حديثه بالقبول أو الرد فيستأنس بكلامه، فقد يكون اطلع على ما لم يطلع عليه دارس الإسناد.
(9) ألفاظ الجرح والتعديل المكونة من لفظتين أو أكثر ينظر فيها فإن كان تعديلاً كلها أو تجريحاً اعتبر ذلك بمثابة التأكيد كأن يقال "ثقة ثبت" أو "كذاب وضاع"...الخ .
وإن كان هناك اختلاف بين العبارات فبعضها يدل على التعديل وبعضها يدل على التجريح مثل "ثقة يخطئ" أو "صدوق يهم" أو "ثقة له مناكير" ...الخ فإن الوصف الثاني في تلك العبارات لا يعتبر به إلا إذا تفرد الراوي بتلك الرواية، فنغلب جانب الوهم والنكارة وما أشبه ذلك على سبيل الاحتياط.
(10) ينبغي أن تقرأ مصطلحات العلماء قراءة جيدة ويعرف ما يقصده العالم على وجه التحديد.
فمثلاً الحافظ ابن حجر يقول عن الراوي مقبول، والناظر لهذه اللفظة قد يظن أنها من ألفاظ التوثيق للراوي أو أن رواية من وصف بذلك مقبولة هكذا، والحافظ إنما يقصد أنه مقبول يعني حيث يتابع وإلا فلين الحديث.
(11) ينبغي التأني والتمهل عند إصدار الحكم وأن يكون إصدار الحكم بعد بحث واف ونظر دقيق في طرق الحديث ونظر في أحكام السابقين على الحديث.
(12) ينبغي أن تعرف درجة المتابع والشاهد فكم من متابعة لا تفيد وكم من شاهد لا يصلح أن يكون شاهداً، هذه أمور ينبغي أن تراعى عند دراسة الإسناد وعند الحكم عليه.
وأخيراً : نرجع بالنصيحة في الاكتفاء بالحكم على الإسناد، وعدم التطرق بالحكم على الحديث بذاته، إلا إذا سُبقت من إمام مطلع، ووافق حكمي على الإسناد إطلاع ذلك الإمام، فعندها ممكن أن أحكم على الحديث .

admin
03-29-2017, 05:05 AM
المبحث السابع: خطوات تراعي عند الترجمة.
أول خطوة يخطوها من يريد دراسة الإسناد هي جمع الطرق.
ومعنى جمع الطرق:
جمع الأسانيد الكثيرة للحديث الواحد باعتبار الصحابي الواحد (المتابعات)، لأن حديث كل صحابي يعد مستقلاً عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
فبعض الأحاديث أفراد ليس لها إلا إسناد واحد، وبعضها لها إسنادان أو ثلاثة أو ... عشرة الخ. على أن كثرة الأسانيد قد تنفع وقد لا تنفع؛ لأن الغرابة لا تنافي الصحة مطلقاً مثلما أن الشهرة لا تعني صحة الإسناد كما هو مقرر عند أهل الصنعة.
أي أننا نقوم بجمع المتابعات والشواهد وهي الأحاديث التي تتفق في اللفظ أو المعنى سواء اتحد الصحابي أم اختلف، وذلك لنزيل صفة التفرد عن الحديث( ).
وأما الاعتبار فتتبع طرق الحديث الذي يظن أنه فرد ليعلم أن له متابعا أو شاهدا أو لا هذا ولا ذاك.
ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودا في الضعفاء وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد( ).
كيفية جمع الطرق.
تجمع الطرق من خلال تخريج متن الحديث تخريجاً دقيقاً، وذلك يكون بالاستعانة بكتب الدلائل التي تساعد على تخريج الحديث، كالجامع الصغير والكبير كلاهما للسيوطي، وكتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للمزي، والتلخيص الحبير لابن حجر ....الخ.
فمن أراد أن يدرس إسناد حديث فإنه يصل إليه من خلال التخريج فقد يكون الإسناد مما لا نحتاج لدراسته كالصحيحين، ثم إننا نتخير أحسن الإسناد حالاً ولا يعرف ذلك إلا من خلال جمع الطرق.
فائدة تتبع طرق الحديث:
(1) الاطلاع على علة الخبر بانكشاف غلط الغالط وبيان تدليس المدلس وتوصيل المعنعن .
قال الخطيب أبو بكر: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط"( ).
(2) معرفة مخالفة الثقة أو غيره.
فمعرفة المخالفة إنما تكون بعد جمع طرق الحديث بسنده أو متنه.
(3) جمع طرق الحديث والوقوف على ألفاظه تساعد على الإحاطة بمعناه.
فالمتعين على من يتكلم على الأحاديث أن يجمع طرقها، ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق، ويشرحها على أنه حديث واحد فإن الحديث أولى ما فسر بالحديث( ).
(4) الإعلام بأن للحديث أصلاً، إذ كثرة الطرق يقوي بعضها بعضاً.
فكثرة الطرق تدل على أن للحديث أصلا أصيلا بل ربما تفيد عده في المتواتر، وجمع طرق الحديث يعتبر أصلاً من أصول الحكم على الحديث، فإذا جمعت طرق حديث فوجدت طريقاً أو أكثر صحيحاً، فالحديث صحيح، والطرق الأخرى تقويه.
أما الحديث إذا كان حسناً لذاته، فالمتابعات ترفعها إلى درجة الصحيح لغيره، وإذا كان الحديث ضعيفاً ضعفاً منجبراً فإن تعدد الطرق يرتقي به إلى الحسن لغيره.
وجمع الطرق من أسس التخريج ودراسة الإسناد والحكم عليه، فيجب أن يحرص عليه كل الحرص.
ولقد أخطأ من حكم على حديث دون مراعاة المتابع والشاهد، وأخطأ من قرأ الحكم على الحديث من طريق معين فظنه حكماً عاماً، وإن حرص العلماء على حكم الأئمة على الحديث سببه هذا، فهم حفاظ يحكمون على الحديث في ضوء طرقه عموماً( ).
ما يرتقي بكثرة الطرق وما لا يرتقي:
بكثرة الطرق يصير الحديث الضعيف حسنا إذا كان الضعف فيها يسيرا فيجبر بالتعدد لا إذا كانت شديدة الضعف بأن لا يخلو واحد منها عن كذاب أو متهم.
قال الزيلعي: "كم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف ..... بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفا"( ).
إذاً فقاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها.
فقد نبه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين منهم الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح حيث قال رحمه الله." لعل الباحث الفهم يقول : إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة...
وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه، ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر (وهذا ليس على إطلاقه) ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذاً.
وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة"( ).
ولقد صدق رحمه الله تعالى فإن الغفلة عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيرا من العلماء لا سيما المشتغلين منهم بالفقه في خطأ فاضح ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة اغتراراً بكثرة طرقها وذهولاً منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها بل لا تزيده إلا وهنا على وهن( ).
وهذا ما نقله المحقق المناوي في " فيض القدير " عن العلماء قالوا: "وإذا قوي الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومن ثم اتفقوا على ضعف حديث : "من حفظ على أمتي أربعين حديثا "( ) مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر.
خلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد" وعلى هذا فلا بد لمن يريد أن يقوي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها.
ومن المؤسف أن القليل جدا من العلماء من يفعل ذلك، ولا سيما المتأخرين منهم فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث لمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقاً دون أن يقفوا عليها، ويعرفوا ماهية ضعفها، والأمثلة على ذلك كثيرة من ابتغاها وجدها في كتب التخريج"( ).
وعلى كل فينبغي على من يريد تخريج حديث ودراسة إسناده أن يقوم بجمع طرقه حتى ولو كانت ضعيفة.


تحديد الرواة تحديداً دقيقاً وبيان درجتهم.
بعد أن يقوم الباحث بتخريج الحديث وجمع طرقه يدخل في الخطوة الثانية، وهي تحديد الإسناد الذي سيدرسه، ولا يتسنى دراسة إسناد، وبالتالي الحكم عليه إلا إذا حددنا هذا الإسناد الذي نريد دراسته في أي كتاب من كتب السنة أو غيرها، ثم نحدد رجال سلسلة الإسناد، ثم نقوم بالترجمة لكل راو على حدة.
وطريقة الترجمة للراوي كالتالي:
(1) أن يُذكر أولاً اسمه، واسم أبيه وجده وكنيته، ولقبه، ونسبه، وبلده، وينبغي أن ينص على من نسب إلى جده أو جدته أو قبيلته أو بلده...الخ.
ونبغي أن يراعى أثناء الترجمة لرجال الإسناد أن يضبط بالشكل والحروف ما يحتاج إلى ضبط كالاسم أو الكنية أو اللقب أو البلد أو القبيلة ..الخ.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي: "أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس لأنه شيء لا يدخله القياس ولا قبله شيء يدل عليه ولا بعده شيء يدل عليه"( ).
(2) نذكر شيوخه، وتلاميذه، على أن يكون من بينهما من في الإسناد شيخاً أو تلميذاً-إن أمكن- لأن ذلك يمكننا من معرفة اتصال السند من انقطاعه.
(3) نذكر بعد ذلك أقوال علماء الجرح والتعديل في الراوي.
(4) نذكر سنة مولده، وسنة وفاته .
والباحث الناظر في هذا الفن يحتاج إلى معرفة المواليد والوفيات ومن أخذوا عنه ومن أخذ عنهم ونحو ذلك والله أعلم( ).
(5) نذكر من أخرج له من أصحاب الكتب الستة.
(6) نذكر طبقة الرواي.
قال ابن الصلاح: "وذلك من المهمات التي افتضح بسبب الجهل بها غير واحد من المصنفين وغيرهم".
والطبقة في اللغة عبارة عن القوم المتشابهين وعند هذا : فرب شخصين يكونان من طبقة واحدة لتشابههما بالنسبة إلى جهة ومن طبقتين بالنسبة إلى جهة أخرى لا يتشابهان فيها.
فمن المتعين معرفة طبقات الراوة وبلدانهم للأمن من الاشتباه وأحوالهم تعديلا وتجريحا وجهالة ومراتبهما ليعرف من يرد حديثه ممن يعتبر( ).
(7) نذكر الحكم النهائي على الراوي مع الإشارة إلى من أخرج له من أصحاب الكتب الستة.
والترجمة لرجال الإسناد ينبغي أن تكون من خلال كتب التراجم والتي سيأتي بيانها في فصل مستقل.
فائدة: يمكن الاستعانة في ضبط الأسماء بكتاب تبصير المنتبه في تحرير المشتبه للحافظ ابن حجر، ويمكن الاستعانة في ضبط الأنساب بكتاب الأنساب للسمعاني، وكتب اللباب لابن الأثير ولب اللباب للسيوطي.
ويمكن الاستعانة في ضبط البلدان بمعجم البلدان لياقوت الحموي، وكتب التراجم تعني بهذه الأمور التي ذكرت.
تحديد الراوي الذي نريد الترجمة له:
وهو أمر يحتاج إلى تدقيق وطول نفس في البحث والتفتيش، وهذا ناشئ من عدة أمور منها:
(أ) أن الرواة كثيراً ما يذكر الواحد منهم باسمه فقط، مثل "محمد"، و"يحيى"، و"خالد" ومن يسمون بهذه الأسماء كثيرون، فكيف تعرف المراد بهذا الاسم في الإسناد الذي تدرسه، ويزيد الأمور صعوبة أن يكونوا في طبقة واحدة.
(ب) كثير من الرواة يتفقون في الاسم واسم الأب.
مثل محمد بن مقاتل، المسمى بهذا الاسم أكثر من أربعة( ) وللعلماء جهود في التمييز بينهم، ومن الرواة من يتفق في الاسم واسم الأب واسم الجد، ومنهم من يتفقون في الكنية، ومنهم من ينسب إلى غير أبيه، كأن ينسب إلى جده، فإنك تجده في كتاب باسم الأب وفي آخر باسم الجد.
(ت) ومن الرواة من له أكثر من اسم كعبدالله بن إسماعيل الهباري ويقال: عبيد بن إسماعيل.
(ث) ومن الرواة من لا يذكر باسمه ولا بكنيته، وإنما يُشار إليه فقط، كأن يقال عن رجل أو عن الثقة وغير ذلك.
كيفية معالجة هذه المعضلة:
هناك عدة طرق تفيد في هذا منها:
(1) جمع طرق الحديث على سبيل الاستقصاء:
فتجد الراوي المهمل في طريق مميزاً في طريق آخر.
قال الإمام ابن الصلاح: "ثم إن ما يوجد من المتفق المفترق غير مقرون ببيان فالمراد به قد يدرك بالنظر في رواياته فكثيرا ما يأتي مميزاً في بعضها، وقد يدرك بالنظر في حال الراوي والمروي عنه وربما قالوا في ذلك بظن لا يقوى"( ).
فجمع الطرق له فوائد كثيرة منها تحديد الراوي سواء كان مهملاً أو مبهماً.
(2) الترجمة للشيوخ والتلاميذ:
قال ابن الصلاح: "قد يدرك بالنظر في حال الراوي والمروي عنه"( ).
فإن الراوي المهمل قد يذكر مميزاً عند عده في الشيوخ (من خلال التلميذ) أو مميزاً من خلال التلاميذ (من خلال الشيخ، وأفضل ما يساعد في ذلك كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي فإنه يذكر الشيوخ والتلاميذ على سبيل الاستقصاء، فمثلاً إذا قال الراوي حدثنا حماد فهناك حماد بن زيد وحماد بن سلمة وكلاهما في طبقة واحدة، وكذلك سفيان هناك سفيان بن عيينة وسفيان الثوري فمن خلال الشيوخ والتلاميذ يمكن تمييز المراد منهما
(3) الاستعانة بكتب التراجم :
والتي تعقد في آخر الأسماء فصلاً للمبهمات ففي تهذيب التهذيب بعد الأسماء والكنى والألقاب تجد باب المبهمات رتبهم على حسب الرواة عنهم، بل هناك كتب أفردت في المبهمات ككتاب "الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة" للخطيب البغدادي، و"المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" لأبي زرعة العراقي.
قلت: "كتب المؤتلف والمختلف يذكر فيها المؤتلف والمختلف والمتقارب في اللفظ والمعنى، والمتشابه الحروف في الكتابة من أسماء الرواة وأسماء آبائهم وأمهاتهم وألقابهم مما يفصل بينه الشكل والنقط واختلاف الأبنية".
(4) الاستعانة بجهود السابقين:
ككتب الشروح، مثل فتح الباري لابن حجر فإنه يحدد الراوي الذي في إسناد الحديث الذي يشرحه، فيميزه إذا كان مهملاً، ويعينه إذا كان مبهماً، وكذلك باقي الشراح...وكذلك يمكن الاستعانة بكتب العلل كعلل الترمذي"( ).


(5) الاستعانة بكتب المستخرجات:
وكذلك يمكن الاستعانة بكتب المستخرجات فمن فوائدها التصريح بالأسماء المبهمة والمهملة في الإسناد أو في المتن.
(6) الرجوع إلى نسخ الكتاب .
فقد يهمل الراوي في نسخة ويميز في نسخة أخرى، وقد عقد الحافظ ابن حجر الفصل السابع في هدي الساري في تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها( ).
ذكر بعض الأسماء المهملة ثم ميزها، فمثلاً أحمد حدثنا عنبسة ذكره في باب شهود الملائكة بدرا من كتاب المغازي هكذا هو في رواية أبي ذر الهروي عن مشايخه غير منسوب، ونسبه الأصيلي وغيره في روايته، فقال: حدثنا أحمد بن صالح، وقد أخرج البخاري عـن أحمد بن صالح عن عنبسة عدة مواضع غـير هذا.
(7) الاستعانة بكتب التخريج .
ككتاب التلخيص الحبير لابن حجر، ونصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي وغيرها من كتب التخريج، فهذا المهمل في رواية قد يأتي مميزاً في رواية أخرى، بل قد يهمل في موضع ويميز في موضع آخر في نفس المصنف كصحيح البخاري وسنن الترمذي.
(8) الاستعانة بكتب الأطراف.
فمؤلف الأطراف يذكر اسم الراوي تاماً بما يحدده، ككتاب تحفة الأشراف" للمزي...
(9) الاستعانة بكتب البلدان.
أي معرفة أوطان الرواة وبلدانهم وهو أمر مهم فإن ذلك ربما ميز بين الاسمين المتفقين في اللفظ فينظر في شيخه وتلميذه الذي روى عنه فربما كان أو أحدهما من بلد أحد المتفقين في الاسم فيغلب على الظن أن بلديهما هو المذكور في السند لا سيما إذا لم يعرف له سماع بغير بلده( ).
(10) الاستعانة بفهارس الكتب وبتحقيقات المحققين .
كذلك يمكن أن نستعين بالفهارس التي وضعها المحققون في نهاية كتبهم، وكذلك يمكن الاستعانة بجهودهم في التحقيقات.
(11) تحديد الراوي بالظن القوي.
قال السيوطي: "فإن لم يبين واشتركت الرواة فمشكل جداً يرجع فيه إلى غالب الظنون والقرائن أو يتوقف"( ).
وتحديد الراوي الذي نريد الترجمة له أمر في غاية الأهمية، وعدم الدقة في تحديد الراوي تؤدي إلى كثرة الخطأ، إذ قد يصحح الضعيف أو يضعف الصحيح.
حدث ( القاسم المطرز ) يوما بحديث ( عن أبي همام أو غيره عن الوليد بن مسلم عن سفيان ) . فقال له أبو طالب بن نصر الحافظ : من سفيان هذا ؟ فقال : هذا الثوري فقال له أبو طالب : بل هو ابن عيينة . فقال له المطرز : من أين قلت ؟ فقال : لأن الوليد قد روى عن الثوري أحاديث معدودة محفوظة وهو مليء بابن عيينة والله أعلم( ).
السبب في عدم الوقوف على بعض التراجم.
هذا وقد يحدد الراوي ومع ذلك لا يهتدي الباحث إلى الوقوف على ترجمته والسبب في ذلك:


(1) أن بعض كتب التراجم مفقودة.
فبعض الكتب فقد أكثرها بسبب الفتنة العظيمة التي ابتليت بها الأمة الإسلامية في بعض عصورها، كفتنة التتار الذين أحرقوا مكتبات بغداد عاصمة المسلمين وألقوا بكتبها في نهر دجلة، ومن هذه الكتب المفقودة تاريخ نيسابور لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري.
(2) تصحيفات النساخ وتحريفهم.
فإن البعض يعتمد على الكتب ويأخذ من بطون الكتب فلا يسلم من التحريف ولا يفلت من التبديل والتصحيف .
ففي رواة العلم جماعة تشتبه أسماؤهم وأنسابهم في الخط وتختلف في اللفظ مثل بشر وبسر وبريد وبريد وبريد ويزيد وعياش وعباس وحيان وحبان وحبان وحنان وعبيدة وعبيدة وغير ذلك .. فلا يؤمن على من لم يتمهر في صنعة الحديث تصحيف هذه الأسماء وتحريفها إلا أن تنقط وتشكل فيؤمن دخول الوهم فيها ويسلم من ذلك حاملها وراويها( ).
(3) تدليس المدلسين لبعض رجال الإسناد.
فتدليس الشيوخ أن يسمي شيخه أويكنيه أو ينسبه أويصفه بمالا يعرف( ).
فالمدلس يسمى شيخه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف أو بصفة بما لم يشتهر به من كنية أو لقب أو نسبة إلى بلد أو قبيلة لأجل أن تصعب على غيره الطريق .
فهو يذكر شيخه ولكن يصف أوصافه أي يذكر أوصاف الشيخ بما لا يعرف ولا يشتهر به( ).


(4) ضعف أهلية طالب الحديث.
فقد يخفى على بعض الطلاب أن الراوي نسب إلى جده مثل أحمد بن حنبل لو ذهب إلى كتب التراجم لم يجده هكذا وإنما هو أحمد بن محمد بن حنبل( ).
وهكذا فيذهب الطالب إلى كتب التراجم فلا يجده هكذا وربما تسرع وكتب لم أقف على ترجمته.
فينبغي على الطالب الفطن أن يتنبه لمثل هذه الأمور ولا يتسرع في الحكم بأن الراوي ليس له ترجمة، وينبغي عليه أن يحدد رجال الإسناد تحديداً دقيقاً.
أقسام الترجمة:
وتنقسم الترجمة إلى ثلاثة أقسام:
(1) ترجمة معرفية:
وتعنى بعين المتَرجَم له، بما يميزه عن غيره ممن يشترك معه في الاسم أو الكنية أو اللقب أو البلد أو العشيرة، وهي على أهميتها في ذلك بيد أنها لا تفيد الحكم على الراوي من حيث جرحه أو تعديله.
فمثلاً: قال البخاري في صحيحه: حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن دينار قال: سمعت أبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي :" أنّ رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنة"( ).
فللحكم على هذا الإسناد -مثلاً- لابد من معرفة رجاله، ولكي نترجم للرواة لابد من معرفتهم فمن إسحاق هذا، ومن عبد الصمد، ومن أبو صالح؟ فحينما نترجم لهم معرفياً نميزهم عن غيرهم، وهو أمر يسير جدا على المتمرس، وأحياناً يعسر الأمر، وذلك حينما يُذكر راوٍ باسمه أو كنيته فقط - مثلاً- ويكون عندنا راويان أو أكثر لهم الاسم نفسه أو الكنية، يشتركان في روايتهما عن الشيخ ذاته وتلميذهما واحد، فمثلاً في إسحاق شيخ البخاري هنا، من المقصود به؟.
إذ للبخاري أكثر من شيخ اسمه إسحاق، هل هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، أو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي، أو إسحاق بن منصور الكوسج أو إسحاق بن شاهين؟ فهؤلاء كلهم من شيوخ البخاري وممن روى عنهم في صحيحه، وطريقة تمييزه تكون بالرجوع إلى شيوخه أو تلامذته، يعني من (روى عنه) ومن (روى هو عنهم)،وخير ما يفيد الباحث في رجال الكتب الستة كتاب تهذيب الكمال للمزي.
والنكتة هنا هي أنّ البخاري روى عن إسحاق بن راهويه وعن إسحاق بن منصور الكوسج كلاهما من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، فلا نقدر على تمييزه لا من شيخه ولا تلميذه، لذا فلابد من الرجوع إلى أقوال الأئمة النقاد لعلهم ميزوه، وخير ما ينفعك كتب تحرير المشتبهات، والمؤتلف والمختلف، والمبهمات، والمستخرجات، والشروح.
ورجح أبو علي الجيّاني أنّ البخاري إذا أطلق إسحاق هكذا يريد ابن منصور الكوسج، فقال:" والأشبه عندي أنه إسحاق بن منصور فإن البخاري إذا حدّث عنه كثيراً ما يبهمه ولا ينسبه"( ).
ووضع الحافظ ابن حجر العسقلاني قاعدة استقرائية جزم بها أن البخاري إذا أطلق إسحاق وقال إسحاق أخبرنا فهو ابن راهويه جزماً، فقال:" التعبير بالأخبار قرينة في كون إسحاق هو ابن راهويه لأنه لا يعبر عن شيوخه إلا بذلك"( ).
وهذه القاعدة ليست على إطلاقها فإسحاق هنا وإن قال: أخبرنا، فليس هو ابن راهويه وإنما هو ابن منصور الكوسج كما نص الحافظ ابن حجر نفسه فقال:" إسحاق هو ابن منصور الكوسج كما جزم به أبو نعيم في المستخرج ".
والمسألة تحتاج إلى تدقيق ومراجعة، ولكل قاعدة شواذ، فلعل اختلاف النسخ سبب في اختلاف ألفاظ التحديث فتنبه .
وهكذا ندرك أهمية الترجمة المعرفية في تمييز الرجل عن غيره، ونعرف جهد العلماء في تقييد المهمل وتبيينه.
لذا فأحياناً تجد النقاد لا يتمكنون من تمييز الرجل فيقولون: إن كان الرجل فلاناً فهو ثقة والإسناد صحيح وإلا فلا، وعبارات نحو ذلك.

admin
03-29-2017, 05:09 AM
(2) الترجمة المنقبية:
وهي ترجمة تعنى بمناقب الراوي ومحاسن أخلاقه، وتبرز جوانبه الروحية التعبدية كقولنا: زاهد، شجاع، تقي، ورع، كثير البكاء، كثير الصلاة ..... الخ، فهذه العبارات وإن كانت تفيد في عدالة الرجل ولكنها لا تفيد في ضبطه البتة، فكم من زاهد ضعيف الحديث، بل قد يكون الراوي صالحاً تقياً ولا يؤخذ من حديثه حرف، وقد نبه الإمام مسلم على مثل هذا في مقدمته فنقل عن يحيى القطان قوله: "لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"( ).
ثم بين مسلم ذلك فقال: "يجري الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون الكذب"
لذا فقد يكون الرجل من أزهد الناس ولو شهد على تمرتين ما قبلت شهادته.
قال الذهبي في السير في ترجمة (غلام خليل):" الشيخ، العالم، الزاهد، الواعظ، شيخ بغداد، أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن غالب بن خالد بن مرداس، الباهلي البصري، غلام خليل. سكن بغداد وكان له جلالة عجيبة، وصولة مهيبة، وأمر بالمعروف، وأتباع كثير، وصحة معتقد، إلا أنه يروي الكذب الفاحش، ويرى وضع الحديث. نسأل الله العافية"( ).
فتأمل في قوله: (شيخ، عالم، زاهد، واعظ، شيخ بغداد ....)، فهذه كلها مناقب وفضائل تدل على عبادة الرجل وحسن تدينه، بيد أنها لا تدفع عنه تعمد الكذب. لذا نجد اليوم كثيراً ممن لا يحسن العلم ربما انخدع ببعض التراجم المنقبية، فيذهب إلى التعصب للرجل بحجة كونه رأساً في الزهد والورع، ولاسيما إن لم يكن الرجل متروكاً كالحارث المحاسبي رحمه الله، ومنصور بن عمار الواعظ، وغيرهم.
وهذه الترجمة تفيد كثيراً في التربية والدعوة، وأكثر ما تستعمل في كتب التواريخ والطبقات والزهد، كالحلية لأبي نعيم، وسير أعلام النبلاء، وتاريخ الإسلام للذهبي.
ولأن الصحابة كلهم عدول بنص القرآن الكريم والسنة الصحيحة فإننا نكتفي بالترجمة المنقبية لأحدهم.
(3) الترجمة النقدية:
وهي المعنية من الترجمة إذا أطلقت، فالقصد من ترجمة الراوي معرفة حاله من حيث العدالة والضبط، وهذه الترجمة تؤثر على الراوي إيجاباً أو سلباً من حيث قبول حديثه أو رده.
والرواة على أقسام من حيث توثيقهم أو عدمه، فمنهم الثقة، وهم مراتب، ومنهم الضعفاء وهم مراتب، ومنهم المتروكون.
فالثقة الذي لم يختلف النقاد على روايته، وحديثه واحد في كل حاله، ليس كحديث الثقة الذي قد اختلف النقاد على حديثه، وليس له حالة واحدة، وباعتبار شيخ معين دون غيره: كأبي معاوية الضرير، فحديثه صحيح إذا روى عن الأعمش، ومضطرب في غير الأعمش.
أو باعتبار بلد دون بلد: كـ معمر بن راشد: حديثه في اليمن صحيح، وحديثه في البصرة فيه أغاليط. ويزيد بن هارون فحديثه بواسط أصح من حديثه ببغداد.
أو باعتبار احتراق كتبه: كعبد الله بن لهيعة، فحديثه قبل احتراق كتبه أصح منه بعد الاحتراق.
أو باعتبار ذهاب بصره: كـ عبد الرزاق بن همام الصنعاني.
أو باعتبار اختلاطه: أي تغير فصار حفظه وضبطه خفيفاً، كسعيد بن أبي عروبة وعطاء بن السائب، وغيرهما، فمن سمع منهم قبل الاختلاط أصح ممن سمع منهم بعده.
أو باعتبار التلقين: والتلقين هو اختبار حفظ الشيخ، فيجعل سند متن ما على متن آخر أو متن سند على سند آخر، وهكذا لغرض اختبار حفظ الشيخ، وممن اشتهر بقبول التلقين: عبد الله بن صالح كاتب المغيرة، وسعيد بن إياس الجريري، وغيرها من الآفات التي تطرأ على الحافظ ( ).
فينبغي على الباحث الفطن، وعلى المحقق المدقق، وعلى طالب العلم أن ينتبه لمثل هذه الأمور.
ومما ينبغي أن يراعى التأكد من سلامة الحديث من الشذوذ والعلة
وذلك من خلال جمع الطرق والمقارنات مع الاستعانة بجهود الأئمة والشراح والمخرجين.
السلامة من الشذوذ:
هو عدم مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه أو أرجح( ) لأن الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه بأن يكون في رواية الثقة زيادة أو نقص ليس في رواية الأوثق بحيث لا يمكن الجمع أو التوفيق بين ما اختلفا فيه ووجود هذه المخالفة يمنع من صحة الحديث والمتقدمون ومنهم الخطابي والبخاري ومسلم لا يشترطون هذا الشرط حيث يقفون بتعريف الصحيح دون هذا وإلى ذلك مال ابن حجر.
السلامة من العلل:
العلة: سبب غامض يقدح في صحة الحديث فالحديث في ظاهره يكون مستجمعا لبقية شروط الصحة غير أنه يوجد سبب خفي لا يدركه إلا أكابر العلماء يمنع من الحكم عليه بالصحة، ومن ذلك أن يكون الحديث موقوفا فيروى مرفوعا أو العكس( ).
أو يكون في الإسناد راو يروي عمن عاصره بلفظ (عن) موهما أنه سمعه بينما هو لم يسمع منه، ويشترط لصحة الحديث خلوه من العلل.
أما كيف يتعرف على الشذوذ والعلة؟.
فبجمع طرق الحديث وبعرض رواية الثقة على رواية الثقات فإن خالف الثقة الثقات أو من هو أوثق فرواية الثقة تسمى حينئذ شاذة ورواية الأوثق تسمى محفوظة. والشاذ من أقسام المردود.
وهذا الشذوذ قد يكون في السند وقد يكون في المتن، وقد لا يفطن لهذا الشذوذ فمثلاً الدارس لإسناد رجاله كله ثقات لا يتنبه للمخالفة في السند أو في المتن إلا إذا جمع طرق الحديث، وأمعن النظر في هذه الطرق فإذا وجد المخالفة فينظر فيها فإن كان الراوي لهذه الرواية ثقة كانت شاذة ومقابلتها محفوظة وإذا كان المخالف ضعيفاً كانت الرواية منكرة ومقابلتها معروفة.
وكذلك معرفة العلة تقدم ما يستعان به لمعرفتها.
ومما يعين في معرفة الشاذ والمعل أيضاً كتب السابقين وذلك مثل:
(1) علل الحديث لابن أبي حاتم.
(2) العلل للدار قطني.
(3) العلل للترمذي.
(4) شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي.
- أو كتب التخريج كنصب الراية والتلخيص الحبير.
- أو كتب الموضوعات كالعلل المتناهية لابن الجوزي وغيرها.
فإذا ما سلم الحديث من الشذوذ والعلة بعد اتصال السند وعدالة الرواة، فهو صحيح أما إذا لم يسلم من الشذوذ، فهو الشاذ، والشاذ من أقسام المردود، وكذلك إذا لم يسلم من العلة فهو الضعيف.
أهمية الاستعانة بكتب العلل.
ولولا أن كتب العلل الموجودة الآن لا تستوعب كل الأحاديث لقلنا : بوجوب الرجوع إلى كتب العلل، والاستفادة منها في كل حديث . فينبغي أن تراجع كتب العلل، ويُنظر هل تكلّم العلماء عن هذه الرواية بشيء أو لا ؟، فقد تكون هناك علة باطنة، أو تكون هناك روايات فاتت على الباحث، خاصةً إذا كان الحديث مشهوراً، أو كثير الاختلاف فيه بين العلماء، فمثل هذا بنسبة كبيره أن العلماء قد تعرضوا له في كتب العلل، ثم إن كتب العلل ليست قليلة كما يُظن، فـ(العلل) للدارقطني لوحده موسوعة عظيمة، حيث طُبع منه أحد عشر مجلداً، وبقي منه ما يوصله إلى العشرين مجلداً، ثم يُنتبه في أثناء البحث في كتاب (العلل) للدارقطني، فقد تكون الرواية التي تبحث عنها من رواية أبي هريرة، وتجد الدارقطني ذكرها في مسند ابن عمر ؛ لأنه في أحد طرق هذا الحديث روي من طريق ابن عمر، فيذكر طرق ذلك الحديث في مسند ابن عمر، فعليه ينبغي أن تُقلب الحديث من جميع وجوهه، وتبحث عنه في كل مظنة له .
ثم إن بعض التعليلات تأتي متناثرة في بعض الكتب، ككتب السنن وغيرها، وأيضاً كتاب البزار، كتاب عظيم جداً، قال فيه ابن كثير :"ويوجد في (مسند البزار) من التعليلات ما لا يوجد في غيره" . وكلامه صحيح حيث نجد فيه تعليلاتٍ، وأحكاماً خفيّة في تعليل الأحاديث لا نجدها في غيره، أيضاً اضافة إلى كتب العلل الأخرى، كـ(العلل الكبير) للترمذي، و(العلل) لابن أبي حاتم، و(العلل) لعلي ابن المديني .
أيضاً هناك كتب ينبغي أن تراجع بعد الانتهاء من التخريج وهي للعلماء السابقين:كـ(تلخيص الحبير).
وكل كتب التخريج الموجودة، تُراجع لعل عند أحدهم زيادة طريق، أو زيادة توضيح، إلى غير ذلك .


المبحث الثامن: كيفية الاعتناء بشجرة الإسناد.
ينبغي لدارس الإسناد أن يقوم بعمل شجرة لإسناد الحديث الذي سيقوم بدراسته، وهو ما يسمى بشجرة الإسناد.
شجرة الإسناد :
(1) عبارة عن رسم توضيحي ينتظم فيه رواة الحديث أو الأحاديث ذات الموضوع الواحد بحسب ترتيبهم في الإسناد مع ذكر مواضع الالتقاء والافتراق فيه.
(2) يقصد بها طرق الحديث بمتابعاته وشواهده، فإنا إذا قمنا برسم _ هذه _ الطرق أشبهت الشجرة في امتدادها وتفرعاتها .
معنى التعريف :
أي رسم شجرة لسلسلة رواة الحديث أو (الأحاديث ذات الموضوع الواحد ) أي أن الحديث قد يرويه الراوي بلفظه كما سمعه أو بمعناه فيجمع كل هذه الروايات موضوعها الواحد .
وعليه فكل حديث يحتاج إلى شجرة خاصة به ، (بحسب ترتيبهم ) أي بحسب طبقاتهم أي وفياتهم .
فوائدها :
توضيح أوجه المتابعات والشواهد مما يساعد على إصدار حكم على الحديث بشكل واضح
أنواعها : تنقسم إلى نوعين :
1) رسم شجرة إسناد لحديث يروى من مصدر واحد بعدة طرق كحديث في صحيح البخاري مصدره واحد لكن قد يخرجه البخاري في أكثر من موضع (أي كتاب) .
3) شجرة إسناد لحديث يروى من عدد من المصادر بعدة طرق كالصحيحين والسنن .
خطوات رسم شجرة الإسناد:
عند رسم شجرة الاسناد لابد من اتباع خطوات مهمة:
(1) تخريج الحديث بالمتابعات والشواهد.
(2) فصل اسانيد كل صحابي على حدى.
(3) تحديد الذين روى عنه من التابعين من نفس الطبقة.
(4) كل طبقة في الاسناد لابد أن تكون على سطر واحد.
(5) توصيل كل راوي بمن روى عنه ومن روى منه بخط واضح.
وعند رسم الشجرة لابد من التركيز على أمور :
1) الصحابي راوي الحديث
2) التابعي الذي روى الحديث عن الصحابي
3) شيوخ الإمام أحمد .....
يظهر لنا أن الصحابي راوي الحديث هو أنس بن مالك رضي الله عنه والرواة عن الصحابي هم (عبد العزيز بن صهيب ، وقتادة ) ، ومن روى عن عبد العزيز هم (شعبة ، حماد بن سلمه ، هشيم ، إسماعيل ) ومن روى عن قتادة منفرد هو (سعيد ) ، ومن روى عن عبد العزيز ، وقتادة (أبو عوانة)
نرسم الشجرة بالطريقة الرأسية
تبدأ الشجرة من النبي r، ثم الصحابي ..إلى أن تصل إلى المصنف.
نموذج أول بالتفصيل:
لو طلب منك تخريج هذا المتن: قال رسول الله r:" كَيْفَ بِكُمْ وَبِزمَانٍ، أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتيَ زَمَانٌ، يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ ".
فأول ما تبدأ به هو البحث عن مظانه في كتب السنة التي أخرجته، ويكون إما بالرجوع إلى طرفه (كيف بكم وبزمان .... )،ويعتمد في ذلك على الكتب التي عُنيت بالأطراف كتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للإمام المزي أو الجامع الصغير للسيوطي أو المسند الجامع أو موسوعة أطراف الحديث لبسيوني زغلول ... ، ولكن عليك أن تتنبه إلى أن صاحب الفهارس قد يورد طرف الحديث بلفظ غير اللفظ الذي تبحث عنه، لأنه من المحتمل أن تكون للحديث أكثر من لفظة، ولو ذهبت مثلاً إلى تحفة الأشراف قد تجد الحديث بلفظ غير اللفظ الذي تبحث عنه، ويمكنك الرجوع إلى الفهرست آخر الكتاب- فسيدلك على موضعه بالجزء والصفحة، فستجده في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص t.
وفي كتاب المسند الجامع يبدأ بـ: كيف أنت إذا بقيت في حثالة ...
وكلاهما يدلك على موضع طرف الحديث في الكتاب، قريباً منه بعده بحديث أو قبله، ثم لو رجعت إلى الموضع المذكور من الكتاب فستجده هناك:
من طريق عكرمة مولى ابن عباس عنه.
889(2) د سي حديث:" بينما نحن حول رسول الله r إذ ذكر الفتنة ... الحديثَ.
د في الملاحم (8: 17) عن هارون بن عبد الله، عن الفضل بن دكين -
س في اليوم والليلة (7(6) ب: 7) عن أحمد بن بكار، عن مخلد بن يزيد - كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي العلاء هلال بن خبَّاب، عنه بِهِ.
*ومن طريق عمارة بن عمرو عنه.
8893 - د ق حديث: "كيف بكم وزمان أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة؟ " ... الحديث.
د في الملاحم (17: 7) عن القعنبي ق في الفتن (10: 1) عن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عنه به (قال د: هكذا روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي من غير وجه).
وصاحب المسند (عبد الله بن عمرو بن العاص t وبعده أسم التابعي الراوي عنه (عمارة بن عمرو).
وستجده أيضا في المسند الجامع قد روي من حديث عبد الله بن عمرو:
- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ r- قَالَ:"
كَيْفَ بِكُمْ وَبِزمَانٍ، أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتيَ زَمَانٌ، يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ ".
أخرجه أحمد 2/ 221 (7063) قال: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن. وفي (7063) قال: حدثناه قتيبة بن سعيد، بإسناده ومعناه و"أبو داود" 4342 قال: حدثنا القعنبي، أن عبد العزيز بن أبي حازم حدثهم. و"ابن ماجه" 3957 قال: حدثنا هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح. قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم.
كلاهما (يعقوب، وعبد العزيز) عن أبي حازم، عن عمارة بن عمرو، فذكره.
874(2) عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. قَالَ:
(بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ r، إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفْ، وَدَعْ مَا تُنْكِرْ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ.).
أخرجه أحمد 2/ 212 (6987) قال: حدثنا أبو نُعيم. و"أبو داود" 4343 قال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دُكين. و"النَّسائي" في "عمل اليوم والليلة" 205 قال: أخبرني أحمد بن بكار الحراني. قال: حدثنا مخلد.
كلاهما (أبو نُعيم، الفضل بن دُكين، ومخلد بن يزيد) قالا: حدثنا يونس بن أبي إِسحاق، عن هلال بن خَبَّاب، أبي العلاء. قال: حدثني عكرمة، فذكره.
8743 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ r، أنَّهُ قَالَ:" يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُغَرْبَلُونَ فِيهِ غَرْبَلَةً، يَبْقَى مِنْهُمْ حُثَالَةٌ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالُُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَدَعُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ.
أخرجه أحمد 2/ 220 (7049) قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محمد بن مُطَرِّف، عن أبي حازم، عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، فذكره.
8743 - عن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو. قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ r: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا، (وَشَبَّكَ يُونُسُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، يَصِفُ ذَاكَ)، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَصْنَعُ عِنْدَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: اتَّقِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَخُذْ مَا تَعْرِفْ، وَدَعْ مَا تُنْكِرْ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ.).
أخرجه أحمد 2/ 162 (6508) قال: حدثنا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، فذكره.
قلت: وهكذا تسهل عليك مع هذه المرحلة (معرفة المظان) مرحلة أخرى هي (جمع الطرق)،وقد تنضم إليها المرحلة الثالثة (تحديد موضع التفرد) ما لم تجد طرقاً أخرى في مصنفات خارج حدود المسند الجامع، كأن يقع لك طريق في مستدرك الحاكم أو معاجم الطبراني أو سنن الدارقطني أو سنن البيهقي أو غيرها من المصنفات الأخرى التي لم تذكر في المسند الجامع، أو ربما قد تكون فاتت عليهم فيه.
وقد تنتفع أيضاً من الحاسب الآلي والموسوعات البحثية ولاسيما الموسوعة الشاملة فإن فيها كتباً كثيرة جداً قد تجد فيها ما فاتك أو قد يفوتك من الطرق، شريطة التثبت من الكتاب المطبوع قدر الممكن وإن لم تجده فلابد من التنبيه على أنك أخذته من الحاسب، لأنه قد يقع فيها خطأ في السند كأن يسقط منه رجل أو في المتن كأن تتحرف كلمة أو تسقط منه كلمة وهكذا ... فمثلاً في هذا الحديث سقط من سند الحاكم 2/ 171 أبو حازم، فجاء عن يعقوب عن عمارة فتنبه!
وهنا تأتي المرحلة المهمة وهي تحديد موضع التفرد في الإسناد، وبعد الرجوع إلى طرق الحديث وجدنا أنّ هناك طرقاً أخرى خارج المسند الجامع، وهي وإن كانت لا تؤثر على مدار الحديث ولكنها مهمة في البحث، ومن لوازم التتبع السليم، إذ وجدناها في مستدرك الحاكم، فقال في 2/ 171: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر بن سابق بن الخولاني ثنا عبد الله بن وهب حدثني يعقوب بن عبد الرحمن عن عمارة بن حزم عن عبد الله بن عمرو بن العاص t.
وقال في 4/ 481: حدثنا أبو عون محمد بن أحمد بن ماهان الجزار بمكة حرسها الله تعالى على الصفا إملاء ثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ المكي ثنا سعيد بن منصور المكي ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن عمارة بن حزم بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عمرو.
وهكذا يكون موضع التفرد في هذا الحديث هو (عبد الله بن عمرو بن العاص) ، رواه عنه عمارة بن حزم، وشعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وكما هو مبين في الشجرة الآتية:
النبي .
عبد الله بن عمرو بن العاص
عمارة بن عمرو بن حزم ... عكرمة ... شعيب بن محمد بن عبد الله
أبو حازم ... هلال بن خباب ... عمرو بن شعيب
عبد العزيز بن أبي حازم ... يعقوب بن عبد الرحمن ... يونس بن أبي اسحاق ... أبو حازم
هشام بن عمار ... محمد بن الصباح ... القعنبي ... قتيبة بن سعيد ... سعيد بن منصور ... عبد الله بن وهب ... ابن دكين ... مخلد ... محمد بن مطرف
ابن ماجه (3957) ... ابن ماجه (3957) ... أبو داود (4342) ... أحمد 2/ 221 ... أحمد 2/ 221 ... محمد بن علي ... بحر بن نصر ... هارون بن عبد الله ... ابن بكار ... حسين بن محمد
أبو عون ... أبو العباس
أبو داود (4343) ... النسائي (250) ... أحمد 2/ 220
الحاكم 4/ 481 ... الحاكم 2/ 171
ولما كان موضع التفرد هنا هو الصحابي، والصحابة كلهم عدول، وعبد الله بن عمرو بن العاص من مشاهير الفقهاء حفظاً وفقهاً.
تعين علينا دراسة الطريقين:
ولما كان قصدنا ههنا التيسير على طلبتنا وعدم التشعب اختصرنا أقوال أئمة الجرح والتعديل في الراوي على حكم الحافظ ابن حجر العسقلاني، هذا إذا لم يتبين لنا خلاف حكم الحافظ ابن حجر، وإلا فإننا نتوسع من غير إسهاب -حتى لا يشوش الطالب- مرجحين ما يظهر لنا من حكم على الرجل.
ولابد من الإشارة إلى أن كتاب الحافظ (التقريب) يعد خلاصة أقوال أئمة الجرح والتعديل، ولكن الحافظ لم يقصد به الاستغناء عن كتب الجرح والتعديل الأخرى والاقتصار على كتابه، بل أعتقد أنه أشار بهذا الكتاب المختصر إلى عدم الاكتفاء به عن غيره، وإلا فما معنى قوله (ثقة قد يهم) أو (صدوق ربما وهم)؟ فهل في قوله: (يهم) والوهم جائز على كبار الأئمة.
قال الإمام الذهبي في ترجمة عبد العزيز بن مسلم القَسْمَلي، أبو زيد الخراساني عقب قول الإمام العقيلي:"في حديثه بعض الوهم".
قال الذهبي:"هذه الكلمة صادقة الوقوع على مثل مالك وشعبة، ثم ساق العقيلي له حديثاً واحداً محفوظا قد خالفه فيه من هو دونه في الحفظ".
فحينما نجد مثل تلك الأحكام في الكاشف أو التقريب أو غيرهما من كتب المختصرات، هل ننزل رتبة الرجل مباشرة دون دراسة أم أن المصنف أراد أن ينبه بقوله ذاك إلى أن هذا الرجل قد يهم فتنبهوا لحديثه ولاسيما عند التفرد أو المخالفة؟ هذه مسألة تحتاج إلى بحث وتفصيل، وليس الموضع موضعها.
* طريق أبي داود وابن ماجه
(1) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير بن سعد بن سهم السهمي أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح.
(2) عمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني: ثقة استشهد بالحرة وقيل مع ابن الزبير.
3 - سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر، التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان: ثقة عابد مات في خلافة المنصور .
(4) عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني: صدوق فقيه، مات سنة أربع وثمانين ومائة وقيل قبل ذلك.
(5) عبد الله بن مسلمة بن قعنب، القعنبي، الحارثي، أبو عبد الرحمن البصري، أصله من المدينة وسكنها مدة: ثقة عابد، كان بن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحداً. مات في سنة إحدى وعشرين ومائتين بمكة.
وقد يقع للباحث المبتدئ هنا لبس بين هذا وبين أخيه إسماعيل بن مسلمة بن قعنب القعنبي، والتمييز بينهما يسير، فالأول روى عنه الستة خلا ابن ماجه.
والثاني (إسماعيل) لم يرو عنه منهم إلا ابن ماجه، والقعنبي الذي في إسنادنا هذا روى عنه أبو داود، فهو عبد الله جزماً، وهو من شيوخ أصحاب الخمسة.
قلت: انتهى هنا أحد طرق الإسناد وهو طريق أبي داود -كما هو واضح في الشجرة - فهذا الإسناد رجاله ثقات إلا (موضع التفرد)،أعني عمارة بن عمرو بن حزم، فهو صدوق كما نص ابن حجر، وقد توبع.
(6) محمد بن الصباح (شيخ ابن ماجه في هذا الحديث):ستجد في التقريب أن هناك اثنين من الرواة في سنن ابن ماجه بهذا الاسم، وكلاهما أبو جعفر وهما متقاربان في الوفاة وفي الشيوخ والتلامذة؛ لكن أحدهما هو:
محمد بن الصباح بن سفيان الجَرْجَرائي: بجيمين مفتوحتين بينهما راء ساكنة ثم راء خفيفة، أبو جعفر التاجر: صدوق، مات سنة أربعين ومائتين.
والآخر هو: محمد بن الصباح: البزاز، الدولابي، أبو جعفر البغدادي ثقة حافظ، مات سنة سبع وعشرين ومائتين.
فيحتاج منك الذهاب إلى ترجمتهما ليتبين لك من المقصود منهما، والصواب هو الأول الجرجرائي التاجر الصدوق، وهذا لا يخفى على المتمرسين؛ إذ الأول من شيوخ ابن ماجه المباشرين، والآخر هو شيخ شيخه.
(7) هشام بن عمار بن نصير (شيخ ابن ماجه)، بنون مصغر، السلمي، الدمشقي، الخطيب: صدوق، مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، مات سنة خمس وأربعين ومائتين على الصحيح.
وهذا الطريق (طريق عبد العزيز بن أبي حازم) حسن لحال عبد العزيز هذا فهو صدوق، ولكنه توبع بالإسناد الآتي:
*الطريق الثاني: سند الإمام أحمد 2/ 221:
(1) عمارة بن عمرو، وأبو حازم: سبقت ترجمتهما.
(2) يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ، بتشديد التحتانية، المدني نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة: ثقة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة.
3 - قتيبة بن سعيد بن جَميل بن طريف الثقفي، أبو رجاء البَغْلاني، بفتح الموحدة وسكون المعجمة، يقال: اسمه يحيى، وقيل: علي: ثقة ثبت، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة.
(4) سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة: ثقة، مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين وقيل بعدها.
ورجال هذا الطريق كلهم ثقات فهو أصح الطرق وأقواها.

admin
03-29-2017, 05:09 AM
*سند الحاكم 4/ 481:
سعيد بن منصور، ويعقوب: ثقتان سبقت ترجمتهم.
(2) محمد بن علي بن زيد الصائغ، أبو عبد الله المكي.
قال الدارقطني: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "المحدث الإمام الثقة سمع: القعنبي، وخالد بن يزيد العمري، وحفص بن عمر الحوضي، وسعيد بن منصور، ومحمد بن معاوية، ويحيى بن معين، ومحمد بن بشر التنيسي، وأحمد بن شبيب، وحفص بن عمر الجدي، وإبراهيم بن المنذر، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وعدة، مع الصدق والفهم وسعة الرواية. حدث عنه: دعلج بن أحمد، وأبو محمد الفاكهي، وسليمان الطبراني، وخلق كثير من الرحالين، أرّخ أبو يعلى الخليلي وفاته سنة سبع وثمانين ومائتين. والصواب: وفاته بمكة في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين".
3 - أبو عون: هو محمد بن أحمد بن ماهان الخزاز المكي مؤذن المسجد الحرام.
وهذا الطريق صحيح فهو مستخرج على مسند الإمام أحمد، ورجاله ثقات وإن كان العبرة بطريق أحمد -أصلاً-.
*الطريق الثاني للحاكم 2/ 171:
(1) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة.
(2) بحر بن نصر بن سابق الخولاني، مولاهم المصري أبو عبد الله ثقة، مات سنة سبع وستين وله سبع وثمانون ومائتين سنة.
(2) الرجل لم أقف على من ترجم له، وهو من شيوخ الحاكم وقد أكثر عنه في المستدرك، وروى له البيهقي في سننه وفي شعب الإيمان، وابن عساكر في تاريخه، ولم أقف له على جرح أو تعديل - على حد بحثي -ولم أجد الذهبي يجرحه في تلخيصه للمستدرك بل وافق أو سكت على تصحيح الحاكم عندما يصحح حديثا من طريقه، فلعله ثقة، وهو لا يؤثر ههنا لأن الحاكم أخرجه من طريق أحمد، والله أعلم.
3 - أبو العباس الأصم، محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأمويّ مولاهم، النيسابوري المعقلي المؤذن الأصم: شيخ الحاكم، وقد أكثر عنه في مصنفاته، قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ:"الإمام المفيد الثقة محدث المشرق".
وقال في العبر:" محدث خراسان، ومسند العصر حدث له الصَّمم بعد الرحلة، ثم استحكم به، وكان يحدّث من لفظه، حدّث في الإسلام نيّفا وسبعين سنة. وأذن سبعين سنة بمسجده، وكان حسن الصوت حسن الأخلاق كريماً، ينسخ بالأجرة، وعمّر دهراً، ورحل إليه خلق كثير.
قال الحاكم: ما رأيت الرحالة في بلد، أكثر منهم إليه، رأيت جماعة من الأندلس، ومن أهل فارس على بابه. قلت: سمع من جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة، وابن وهب، وكانت رحلته مع والده، في سنة خمس وستين ومائتين، فغاب عن بلده خمس سنين، وسمع بأصبهان والعراق ومصر والشام والحجاز والجزيرة".
قلت: وهكذا تجد أن تراجم المتأخرين عن أصحاب الكتب الستة، لا تجدهم في التهذيب أو التقريب، وإنما تجدهم في الغالب في التراجم العامة لرواة الطبقات التي جاءت بعدهم، كمصنفات ابن حبان، أو ابن شاهين، أو ابن عدي، أو الخطيب البغدادي، أو ابن عساكر ... إلخ، ولاحظ هنا أن بعض رجال طريقي الحاكم -شيخه وشيخ شيخه -كالصائغ وأبي العباس ترجمنا لهم من الثقات لابن حبان أو سير أعلام النبلاء أو العبر .. وهكذا.
وطريق الحاكم هذا رجاله ثقات، وهو يلتقي مع سند أحمد في يعقوب بن عبدالرحمن، والله أعلم.
* إسناد آخر (مسند أحمد):
(1) عكرمة أبو عبدالله مولى ابن عباس، أصله بربري: ثقة ثبت، عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة، مات سنة أربع ومائة وقيل بعد ذلك.
(2) هلال بن خباب، العبدي، مولاهم، أبو العلاء البصري، نزيل المدائن: صدوق تغير بأخرة، مات سنة أربع وأربعين .
قال يحيى بن سعيد القطان: أتيته، وكان قد تغير، وقال ابن معين: ثقة .
وقال إبراهيم بن الجنيد: سألت بن معين عن هلال بن خباب، وقلت t إن يحيى القطان يزعم أنه تغير قبل أن يموت، واختلط؟ فقال يحيى: لا ما اختلط، ولا تغير. قلت ليحيى: فثقة هو؟ قال: ثقة مأمون، وقال أحمد: شيخ ثقة.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سئل يحيى وأنا شاهد عن هلال بن خباب فقال: ثقة وقال أبي: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وكان يقال: تغير قبل موته من كبر السن.
وقال محمد بن عبدالله بن عمار: هلال كوفي ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، إلاَّ أنه تغير، عمل فيه السن، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال العقيلي: في حديثه وهم وتغير بأخرة.
وقال ابن حبان: يخطئ ويخالف، وقال في المجروحين: كان ممن اختلط في آخر عمره، فكان يحدث بالشيء على التوهم لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وأما فيما وافق الثقات، فإن احتج به محتج أرجو أن لا يجرح في فعله ذلك، وقال الذهبي: ثقة.
فالرجل ثقة، فأنت كما رأيت وثقه أئمة الجرح أحمد، وابن معين، وأبو حاتم ويعقوب، وابن شاهين والعجلي والذهبي، وغيرهم.
وأما عن اختلاطه: نعم ذكره القطان ويعقوب، وابن حبان، وغيرهم من المتأخرين ممن صنف في المختلطين، فاختلاطه قد يكون ثابتاً؛ لكنّ السؤال: هل روى بعد اختلاطه أم لا؟ وهل أثر ذلك على رواياته؟ فإن أثر على رواياته فلم لم يذكر أئمة السبر ما انتقد عليه من الروايات التي غلط فيها؟ ولم أقف بحدود بحثي على حديث واحد انتقد عليه بسبب اختلاطه أو غيره، بل قال ابن عدي: لا بأس به، ولم يذكر له ما ينتقد عليه!
اللهم إلا ما ذكره ابن عبد الهادي في التنقيح فقال::" هلال بن خبَّاب وهو ضعيفٌ، قال أبو حاتم ابن حِبَّان: اختلط في آخر عمره، وكان يحدِّث بالشيء على التَّوهُّم، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".ومعتمد كلامه كلام ابن حبان رحمه الله.
وأحسب أن معتمد الحافظ ابن حجر هو كلام ابن حبان ذاته.
وقد نفى ابن معين - على تشدده- أن يكون الرجل قد تغيره، وذكرها أبو حاتم بصيغة تمريض (كان يقال).
فالرجل ثقة، وتغيره لم يضره، كما تغير ابن عيينة وجرير بن حازم وغيرهما، والله أعلم.
3 - يونس ابن أبي إسحاق السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي: صدوق يهم قليلاً، مات سنة اثنتين وخمسين على الصحيح .
(4) مخلد بن يزيد القرشي الحراني: صدوق له أوهام، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة.
قلت: لعل مستند الحافظ ما قال أبو بكر الأثرم: ذكر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: مخلد بن يزيد؟ فقال: "كان لا بأس به، كتبت عنه، وكان يهم".
وقال الساجي: كان يهم، وقدم أحمد مسكين بن كثير عليه ، وإلا فقد قال ابن معين: ثقة (2).ومرة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الذهبي في الكاشف: ثقة .وفي الميزان: صدوق مشهور.
فالرجل صدوق حسن الحديث، وعلى كل حال فالرجل توبع بثقة.
(5) الفضل بن دكين الكوفي، واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير التيمي، مولاهم الأحول أبو نعيم الملائي، بضم الميم مشهور بكنيته: ثقة ثبت، مات سنة ثماني عشرة وقيل تسع عشرة ومائة.
(6) أحمد ابن بكار بن أبي ميمونة، الأموي مولاهم، أبو عبد الرحمن الحراني: صدوق كان له حفظ، مات سنة أربع وأربعين بعد المئتين.
(8) هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي، أبو موسى، الحمال بالمهملة، البزاز: ثقة، مات سنة ثلاث وأربعين بعد المئتين.
فطريق عكرمة حسن والله أعلم.
* إسناد آخر (مسند أحمد):
وهو إسناد الإمام أحمد من طريق شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو:
(1) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: صدوق، ثبت سماعه من جده.
(2) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: صدوق، مات سنة ثماني عشرة ومائة.
3 - أبو حازم: هو عمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري: ثقة. تقدمت ترجمته.
(4) محمد بن مطرف بن داود الليثي أبو غسان المدني، نزيل عسقلان: ثقة، مات بعد المائة، والستين.
(5) الحسين بن محمد بن بهرام التميمي، أبو أحمد أو أبو علي، المرّوذي، بتشديد الراء وبذال معجمة، نزيل بغداد: ثقة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين أو بعدها بسنة أو سنتين.
دراسة الإسناد والحكم عليه:
تلاحظ أن إسناد حديث عبد الله بن عمرو t صحيح، إذ جاء:
* من طريق عمارة بن عمرو بن حزم بإسناد صحيح، مرة من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عنه به
ومرة من طريق عبد العزيز بن أبي حازم -بإسناد حسن وقد توبع بإسناد صحيح فهو صحيح - عنه به.
* وجاء من طريق عكرمة عن ابن عباس بإسناد حسن، وقد توبع. باسناد صحيح.
*وجاء من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسناد حسن، وقد توبع بإسناد صحيح.
فالإسناد إلى عبد الله بن عمرو صحيح لذاته، والله أعلم.
هذا بالنسبة إلى الإسناد، ويتوجب على الباحث مراجعة كتب الرواية والعلل والسؤالات والرجال والشروحات للوقوف على كلام أئمة النقد إن كان هناك علة خفية في إسناد الحديث أو متنه لم تتبين لك في دراستك، أو ربما تجد تصريحاً بتصحيح الحديث أو رده.
ولم نقف على علة تقدح في إسناد هذا الحديث، فهو صحيح، والله أعلم( ).
نموذج ثان بطرقة مختصرة.
عن كعب بن مالك الأنصاري t قال: قال رسول الله r: "إذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرَ فاسْتَوْصُوا بأهلها خيرا ، فإن لهم ذِمَّة ورَحِماً".
قال ابن إسحاق: سألت الزهري ما الرحم التي ذكر رسول الله r لهم قال كانت هاجر أم إسماعيل منهم فيزعمون والله أعلم أن سارة حزنت عند ذلك على ما فاتها من الولد حزنا شديد.
التخريج:
أخرجه: عبدالرزاق في مصنفه كتاب أهل الكتاب - باب( وصية النبي r بالقبط ) ج 6 / ص58 ح(9996). من طريق: معمر، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك ..
وابن سعد في الطبقات الكبرى (ج8 / ص214)؛ من طريق: محمد بن عمر قال: حدثني معمر ومحمد بن عبدالله، عن الزهري ..به.
وابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام - (1 / 113)؛ من طربق: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري به.
والطحاوي في مشكل الآثار (ج5 /ص 339) ح(1960)؛ من طريق: محمد بن الصَّبَّاحِ قال حدثنا الْوَلِيدُ بن مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عن الزُّهْرِيِّ به.
والطبري في تاريخه ج1 / ص150؛ من طريق: ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن الزهري به.
والطبراني في المعجم الكبير ج19 / ص61 ح(111).
من طريق: خلف بن عمرو العكبري ثنا المعافى بن سليمان ثنا موسى ابن أعين عن إسحاق بن راشد عن الزهري به .
والحاكم في المستدرك ج2 /ص603ح (4032) ، وصححه الحافظان الحاكم والذهبي؛ من طريق: أبي بكر بن إسحاق قال: أنبأ الحسن بن علي بن زياد، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف عن معمر به.
وجمال الدين الحنفي في مشيخة ابن البخاري ج2/ص1423ح (836). من طريق: عبدالقوي بن عبدالعزيز بن الجباب ، قال: أنا عبدالله ابن رفاعة الفرضي ، أنا علي بن الحسن الخلعي ، أنا عبدالرحمن ابن النحاس ، أنا عبدالله بن جعفر بن محمد بن الورد ، نا زياد بن عبدالله البكائي ، نا محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله ابن شهاب الزهري به.
والحربي في غريب الحديث (ج3 /ص 1203)؛ من طريق: أَحْمَدُ ابنُ أسد الخُشَنىُّ حَدَّثَنَا الوَلِيدُ عَنْ الأَوْزَاعي عَنْ الزُّهْرِىِّ به.
والبيهقي في دلائل النبوة للبيهقي (ج7 / ص100) ح(2586). من طريق: أبي زكريا بن أبي إسحاق ، وأبو بكر القاضي قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني مالك بن أنس، والليث بن سعد، عن ابن شهاب به.



دراسة إسناد عبد الرزاق:
(1) معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري نزيل اليمن، قال الحافظ ابن حجر: ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدث به بالبصرة من كبار السابعة مات سنة أربع وخمسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة ( ).
(2) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبدالله ابن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين.( ).
(3) عبدالرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو الخطاب المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي r ، مات في خلافة سليمان( ).
(4) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي بالفتح المدني، صحابي مشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا مات في خلافة علي( ).
الحكم على الإسناد:
إسناد صحيح : لأن رجاله ثقات مشاهير.
قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح( )،




الخاتمة أسأل الله حسنها.
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد.
فقد انتهى هذا البحث بتوفيق الله عز وجل وعونه ومدده وقد ظهرت من خلاله نتائج عدة من أهمها:
- لا بد قبل دراسة الإسناد من تحديد الرواة تحديداً دقيقاً حتى تتبين درجتهم، ويتبين أنهم المعنيون بالترجمة.
- لا بد من جمع طرق الحديث حتى نستطيع أن نخرج بحكم نهائي.
- لا بد من معرفة حال الرواة من حيث العدالة أو الجرح.
- لا بد من طول النظر في أقوال علماء الجرح والتعديل والتحقق من الجرح أو العدالة.
االثقة خالف الأوثق فحديثه شاذ وقد توجد علة خفية تقدح مع أن الظاهر السلامة من عنا لا بد من التأكد من سلامة الحديث من الشذوذ والعلة.
- لسياق الأسانيد عند الأئمة في كتب الرواية ارتباط وثيق بالحكم على الحديث.
- ينبغي لطالب الحديث أن تكون له معرفة بكتب الرجال وبمنهج صاحب كل كتاب ومعرفة رموزه .
فإن كان الراوي من رجال الكتب الستة بحثنا عنه في الكتب التي عنيت برجال الكتب الستة وإن كان ضعيفاً يبحث عنه في كتب الضعفاء.
هذا والحكم على الأحاديث ليس بالأمر الهين كما يتصور البعض وليس منصباً على دراسة الإسناد فحسب، بل لا بد من النظر في متن الحديث والتأكد من سلامة متنه من الشذوذ والعلة.
لذلك ينبغي على من يحكم على الحديث أن ينظر في أقوال الأئمة السابقين على الحديث فإنهم رحمهم الله كانوا ينقدون السند والمتن والنظر في كلامهم وحكمهم مفيد جداً فينبغي أن لا يهمل.
وبعد فهذا هو جهد المقل ولا ندعي الكمال فيه فإن الكمال لله وحده والعصمة لأنبيائه ورسله، فإن نكن أصبنا فمن الله وله الفضل والمنة، وإن تكن الأخرى فمنا والشيطان، وحسبنا أننا اجتهدنا، والمجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ لا يحرم الأجر.
وقد قال صاحب كشف الظنون: "ولا يخفى عليك أن التعقب على الكتب لا سيما الطويلة سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها كما يشاهد في الأبنية العظيمة والهياكل القديمة حيث يعترض على بانيها ...
وقد كتب أستاذ البلغاء القاضي الفاضل عبدالرحيم البياني إلى العماد الأصفهاني معتذراً عن كلام استدركه عليه أنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا وها أنا أخبرك به:
"وذلك أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابه في يومه إلا قال في غده لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جلة البشر"( ).
وصل اللهم على سيدنا محمد.